الأحد، 26 مايو، 2013

ازمة القضية الفلسطينية والمحيط الدولي المتغير.د هشام عوكل .منقول

 ازمة القضية الفلسطينية والمحيط الدولي المتغير

كان من المنطقي والطبيعي أن تتفاعل معظم الأزمات والقضايا الدولية وتتأثر بمحيطها والظرفية التي تمر بها، والقضية الفلسطينية التي تشكل مركز الصراع العربي - الإسرائيلي تدخل ضمن هذا السياق، ذلك أن تعامل القوى الدولية مع هذه القضية التي تطرح بحدة مع اندلاع بعض الأزمات الدولية الكبرى, سواء المنظمة الأممية أو الأقطاب الدولية الرئيسية أو حتى الدول العربية والإسلامية وإسرائيل أيضا, تغير وتباين بحسب الأجواء والظروف الدولية السائدة، سواء تعلق الأمر بظروف الحرب الباردة أو تلك التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي واندلاع أزمة الخليج الثانية أو بما أفرزته أحداث الحادي عشر من شهر شتنبر 2001 من أوضاع وترتيبات وظروف جديدة.
أولا: من ظروف الحرب الباردة إلى أزمة الخليج الثانية
إن الفترة التاريخية المبكرة التي طرحت فيها القضية الفلسطينية, مكنها من معايشة العديد من القضايا والأحداث الدولية الكبرى التي أثرت وإن بنسب متفاوتة في مسارها, بدءا بالثورة البلشفية واندلاع الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة ...وانهيار الاتحاد السوفييتي وبروز حرب الخليج الثانية.

1- القضية الفلسطينية في ظل الحرب الباردة
كانت القضية الفلسطينية من ضمن أولى القضايا الدولية الساخنة التي طرحت داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها سنة 1945 باعتبارها تحديا واختبارا كبيرين لمصداقية هذه المنظمة ومبادئها وأهدافها، حيث أصدرت هذه الأخيرة في حقها العديد من القرارات والتوصيات, سواء من قبل مجلس الأمن أو الجمعية العامة والتي يضيق المجال هنا لاستحضارها (قرارات مجلس الأمن 242 و 338 ... وقرارات الجمعية العامة 3089 و 3236 و 2646 و 2672 ...) وكلها تشكل سندا ومرتكزا لتأكيد الحقوق الفلسطينية المشروعة في ظل اشتداد الصراع بين الشرق والغرب, غير أن هذه القرارات وغيرها أضحت بلا فعالية لكونها لم تكن في أغلب الأحوال مصاحبة بإجراءات ميدانية لتنفيذها, هذا زيادة على تداعيات استعمال حق الاعتراض (الفيتو) الأمريكي (بسوء نية) داخل مجلس الأمن على مجمل القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين جراء اشتداد الحرب الباردة التي انتقلت مظاهرها إلى داخل هذا الجهاز المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين, بالشكل الذي شل حركته زهاء نصف قرن من الزمن, فما بين سنة 1948 و سنة 1989 أصدرت الجمعية العامة ومجلس الأمن 300 قرار إدانة للكيان الصهيوني إلا أن هذا الأخير لم يبال بذلك نظرا للحماية التي كان يوفرها له حق النقض الأمريكي داخل المجلس، وفي المدة نفسها أدان هذا الأخير الكيان الصهيوني 46 مرة كان بالإمكان أن ترتفع إلى 68 قرارا لو لم تستعمل الولايات المتحدة حق الاعتراض لمصلحته.
إن موقف الاتحاد السوفيتي- الذي جعل من مساندة حركات التحرر العالمي شعارا ومطلبا أساسيا في خطابه - من القضية الفلسطينية، تحكمت فيه مجموعة من الاعتبارات, فهو ساند هذه القضية بشكل كبير في العديد من المناسبات, كما أنه اعترف بدولة إسرائيل, ولعل موقفه هذا ينسجم مع متطلبات المرحلة التي حتمت عليه الموازنة بين علاقاته بأصدقائه العرب (سوريا، العراق، الجزائر, مصر،...) من ناحية وعلاقاته مع الولايات المتحدة الحليف الرئيسي لإسرائيل في إطار مصالحه المرحلية وخاصة سياسة الوفاق بينه وبين الولايات المتحدة التي سادت في مرحلة من مراحل تطور الحرب الباردة.
ولذلك فقد اتسمت السياسة السوفييتية في المنطقة العربية التي تحظى بأهمية خاصة في استراتيجية الدفاع السوفييتي في مواجهة الولايات المتحدة باعتبارها تتموقع ضمن "حزامه الجنوبي" عموما بمواجهة التوغل الأمريكي في المنطقة وتقديم الدعم العسكري والديبلوماسي والاقتصادي للأطراف العربية المعنية بالصراع العربي – الإسرائيلي, وحث الأطراف العربية الحليفة على اتباع سياسة ضبط النفس بخصوص الصراع العربي- الإسرائيلي, مخافة توريطه في نزاعات إقليمية أو عربية قد تودي إلى انعكاسات سلبية على هيبته أو مصداقيته في المنطقة (1), والاتحاد السوفييتي كان يستبعد أيضا إمكانية التوصل إلى حل شامل ونهائي للنزاع العربي- الإسرائيلي, كما أنه كان يرفض التجاوب مع المطالب العربية وذلك لغياب قوة عربية رادعة ذات مصداقية, ولعل هذا ما جعل النزاع محكوما بعلاقات اللاسلم واللاحرب, مع محاولاته المستمرة لعرقلة فرض أية تسوية أمريكية – إسرائيلية يبقى هو خارجها (2).
ففي حرب 1967 مثلا, أدرك العرب فجأة أنهم لا يستطيعون الاعتماد على السوفييت لكي يقدموا على نجدتهم عسكريا, فقد كان هؤلاء – السوفييت - على علم بالانقسامات العميقة في الوطن العربي وبالتفوق الإسرائيلي على الجيوش العربية مجتمعة, ومن جهة أخرى كانوا ضد قيام حرب أو المشاركة فيها لأن من شأن ذلك توريطهم في مواجهة مباشرة وخيمة العواقب مع الولايات المتحدة, ولذلك فقد قاموا مع وسائل إعلامهم بالنصح والاعتدال للعرب (3)
2- القضية الفلسطينية في أجواء انهيار الاتحاد السوفيتي و حرب الخليج الثانية
شكل سقوط الاتحاد السوفيتي قطيعة بين وضعين دوليين متباينين, فبعد سيادة حرب باردة بين القطب الأمريكي ونظيره السوفيتي بصراعها وتوازنها ورعبها زهاء نصف قرن، رحل الاتحاد السوفيتي وجاءت التداعيات مهمة, تجاوزت حدود هذه الدولة ومحيطها في أوربا الشرقية لتجتاح كل بقاع العالم.
فقبيل هذا الانهيار النهائي، ستحدث مجموعة من التغيرات الدولية وستؤثر بشكل كبير على مسار القضية الفلسطينية، فعندما كان "غورباتشوف" في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي منشغلا بتطبيق سياسة "البيريسترويكا" التي ابتدعها لإنقاذ الاتحاد السوفيتي, والانتفاضة الفلسطينية الأولى تستقطب الإعلام الدولي بشتى وسائله وتحصد المزيد من التأييد الدولي, كانت جحافل اليهود السوفييت تتوافد على الأراضي الفلسطينية المحتلة لتستوطن هناك في أكبر موجات للهجرة التي عرفها التاريخ الإنساني المعاصر، فخلال الأربعة أشهر الأولى فقط من سنة 1991 بلغ عدد هؤلاء 54 ألف مهاجر, وفي هذه الأثناء وبينما كان الاتحاد السوفيتي منشغلا بمشاكله وبترميم بيته المتداعي, قام العراق بغزو الكويت مما ترتبت عنه أزمة الخليج الثانية التي انعكست على القضية الفلسطينية وهو ما سنتطرق إليه في حينه.
كما أن وصفة البريسترويكا التي كان ينوي غورباتشوف من خلال تطبيقها تأجيل وفاة الاتحاد السوفيتي, جاءت نتائجها عكسية تماما وعجلت بسقوط "العملاق الورقي" بهدوء تام, هذا الإنهيار سيجعل الولايات المتحدة الحليف الرسمي لإسرائيل تحتل مكانة القطب الوحيد والجديد المحتكر لدواليب الشأن الدولي والأممي(4) .
لقد جاءت أزمة الخليج في جو دولي مشحون ومكهرب, وزادت وأسهمت بدورها في اضطرابه وغليانه، ففي الوقت الذي كانت الانتفاضة الفلسطينية في عز ريعانها وأوج نضالها وغضبها, تحولت الأنظار الدولية وحتى العربية أفرادا وأحزابا ومنظمات ووسائل إعلام وسياسيين نحو أزمة الخليج هاته، وهو ما سينعكس سلبا على هذه الانتفاضة التي جاءت ثمراتها الميدانية اللاحقة غير متناسبة وحجم الجهود والتضحيات.
ففي خضم تطورات أزمة الخليج وكمحاولة منه لكسر التحالف الأمريكي الغربي والعربي لمواجهة العراق ربط النظام العراقي ورهن خروجه من التراب الكويتي بخروج القوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما دفع بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى تبني موقف مؤيد للعراق، وهو ما ترتب عنه اضطراب في مواقف دول عربية إزاء أكبر وأهم وأقدم قضية عربية – القضية الفلسطينية - وبخاصة تلك الدول التي كانت معنية بالغزو العراقي: السعودية والكويت، والغريب في الأمر هو أن المواقف العربية والإسلامية – كالعادة عند حدوث أية أزمة عربية وإسلامية بينية, إقليمية أو دولية - جاءت متباينة وتراوحت بين التأييد للعراق (الأردن، الجزائر، السودان، اليمن...) أو التأييد للكويت (سوريا، مصر، السعودية...) أو الحياد (المغرب، إيران، تونس...).
إن تظافر هذه العوامل المجسدة للتفرقة العربية مع النتائج المدمرة لحرب الخليج الثانية, أثرت على الأمن القومي العربي بكل مكوناته وأبعاده الإستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية, مما كان له الأثر الواضح في تراجع التضامن والمصالحة العربية التي بدأت تترمم بعد عودة مصر إلى حظيرة الدول العربية بعد غياب دام زهاء عقد من الزمن جراء عقد السادات لاتفاقية "كامب دايفيد" مع إسرائيل بشكل انفرادي.
طبعا كل هذا سيكون له تأثير كبير على القضية الفلسطينية, حيث أن الميزان التفاوضي سيتميز بتدني قدرة العرب في هذا الشأن لصالح إسرائيل, خاصة بعد انطلاق مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط الذي رعته الولايات المتحدة وروسيا وأضحت فيه الأمم المتحدة مراقبة "لا تملك أية سلطة"(5) بعد أن كانت طرفا رئيسيا في القضية زهاء نصف قرن.
فإذا كان العرب قد طالبوا بإجراء مفاوضات شاملة وجماعية فإن الإسرائيليين أصروا على المفاوضات الثنائية فقبل العرب بذلك, كما طالب العرب أن تتم المفاوضات بناء على قرارات مجلس الأمن الحاسمة 242 و 338 و 181 إلا أن "إسرائيل" رفضت ذلك وقبل العرب بالمفاوضات المفتوحة (6), علاوة على استمرار إسرائيل في بناء المستوطنات وتقتيل الشعب الفلسطيني وسجن أفراده موازاة مع هذه المفاوضات، في ظل هذه الظروف العربية والدولية الصعبة تبادل الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية) رسائل الاعتراف، قبل أن يتم إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي المؤقت، وجاءت الخطوة المهمة في سنة 1994 عندما أبرم الطرفان اتفاقا بشأن الحكم الذاتي لأول مرة، غير أن هذه الخطوات ستتعثر بفعل تخلف الطرف الإسرائيلي عن تنفيذ التزاماته، حيث استمر في وضع العقبات الكأداء أمام المفاوضات في جو من الصمت المطبق والمريب لراعية السلام "الإسرائيلي") أمريكا (.
و يبدو أن للسلام الإسرائيلي " مضامين بعيدة المدى" - كما يعتقد أحد الباحثين- تحددها الاستراتيجية السياسية الصهيونية ومفهوم "الأمن القومي المطلق " للدولة الصهيونية, الذي تطور " من حدود يمكن الدفاع عنها ... والاستيلاء على الأراضي العربية, إلى مفهوم السيطرة الكيفية والاستراتيجية من خلال اتفاقيات سلام سياسية مع الدول العربية وتجريدها من سلاحها الاستراتيجي وضمان التفوق الإسرائيلي", فالمطالب الإقليمية الصهيونية هي مزيج من مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية ودينية تستهدف إحداث تغيير استراتيجي شامل في المنطقة, وإلا فإن معاهدات "السلام" مع العرب لا قيمة لها وغير ذات جدوى (7).
وهكذا وصلت المفاوضات إلى الباب المسدود، وكرد فعل على ذلك, انطلقت إنتفاضة الأقصى التي شارك فيها الشعب الفلسطيني بكل فئاته وفصائله لتعري وتكشف للعالم الوجه الحقيقي المتوحش والقبيح لإسرائيل.
إن الحصيلة المتواضعة للقضية الفلسطينية في غمرة هذه المفاوضات, جاءت في مستوى التخاذل العربي الذي تحدثنا عنه سابقا، والدولي أيضا الناتج عن احتكار الولايات المتحدة لوسائل النهي والأمر في المجتمع الدولي وكذا قوة وغطرسة الخصم الإسرائيلي.
كما أن معظم المنظمات والأجهزة الدولية التي شكلت ولفترة طويلة منبرا رئيسيا ومهما للترويج عالميا للحق الفلسطيني المشروع, أصابها ما يشبه العجز والتهميش والاضطراب بعد نهاية فترة الحرب الباردة، فالجمعية العامة للأمم المتحدة التي أثرت وأغنت القضية بترسانة هامة من القرارات والتوصيات المؤكدة للحق الفلسطيني، أضحت شبه عاجزة بعدما تم تقويضها لصالح مجلس الأمن الذي نفض عنه غبار العجز والشلل وراح يتحرك بإرادة أمريكية.
وقد وصل الأمر بتراجع الجمعية العامة إلى الحد الذي وقفت فيه عاجزة عن استعمال مقتضيات قرار الاتحاد من أجل السلم الذي اتخذته هذه الجمعية بمقتضى قرارها رقم 377/5 بتاريخ 4 نونبر 1950 بأغلبية أعضائها والذي يتيح لها إمكانية تحمل الالتزامات والمسؤوليات المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين في حالة عجز المجلس عن أداء وظائفه الرئيسية المرتبطة بهذا الخصوص جراء استخدام حق الاعتراض (الفيتو), وذلك خلال مناسبات عديدة استعملت فيها الولايات المتحدة هذا الحق لمنع إرسال قوات أممية لحماية الفلسطينيين أو لجان دولية لتقصي الحقائق حول الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في حقهم...
وقد بلغ عجز الجمعية العامة ذروته عندما أضحت هذه الأخيرة تتبرأ من قراراتها الشرعية السابقة في هذا الشأن، ففي سنة 1991 تمكنت الولايات المتحدة من قيادة حملة ناجحة لإلغاء قرار هذه الجمعية و الخاص باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال التمييز العنصري، بل إن العديد من الدول العربية صوتت لصالح هذا الإلغاء.
إن احتكار مجلس الأمن لإدارة أزمات ومنازعات دولية وإهمال أخرى مماثلة وأكثر خطورة أحيانا، لم يقف عند حد تهميش دور الجمعية في هذا الصدد وإنما تعداه إلى مجمل المنظمات الإقليمية التي طالما نادت وطالبت بضرورة إنصاف الفلسطينيين وضمان حقوقهم, كما أن حركة عدم الانحياز التي نشأت في ظل الحرب الباردة وكرد فعل على تداعياتها على شعوب العالم, والتي ما فتئت أن احتضنت هذه القضية وساندتها باعتبارها حركة من حركات التحرر الوطني في العديد من قراراتها ولقاءاتها, أصيبت بدورها بما يشبه الاضطراب والحيرة والبحث عن مبرر للبقاء بعد زوال أهم مرتكز لنشأتها وهو ظروف الحرب الباردة التي زالت بزوال الاتحاد السوفيتي.
ثانيا: القضية الفلسطينية في أعقاب أحداث 11 شتنبر 2001
شكلت أحداث الحادي عشر من شهر شتنبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية محطة هامة, أسهمت في التأثير على مسار العديد من القضايا الدولية بشتى أنواعها وتجلياتها، ولا شك في أن القضية الفلسطينية ضمن قضايا عربية عديدة أخرى، كان لها نصيبها من التأثر بهذه الأحداث المهولة، فهذه الأخيرة جاءت في وقت شهدت فيه الانتفاضة الفلسطينية نجاحا كبيرا، وحققت إشعاعا دوليا مهما، وأضحى فيها قيام الدولة الفلسطينية مطلبا عربيا وإسلاميا ودوليا ملحا...
وأمام جسامة هذه الأحداث وتأثيرها القوي في مسار هذه القضية المحورية في الصراع العربي- الإسرائيلي، طرحت العديد من التحديات الكبرى أمام هذه القضية, وأصبح بذلك استثمار الفرص والإمكانيات الفلسطينية والعربية والإسلامية المتاحة ضرورة حيوية ملحة.
1- المخاطر والتحديات المطروحة بعد الأحداث
في الوقت الذي ضعفت فيه المكانة الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة, بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ودخول روسيا في علاقات جيدة معها- الولايات المتحدة- وتأكد هذه الأخيرة من أن إسرائيل أصبحت تشكل عبئا على السياسة الخارجية الأمريكية وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية ووجود دول عربية حليفة لها في المنطقة كالسعودية ومصر, جاءت أحداث 11 شتنبر لتقوي من جديد العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية على حساب العلاقات الأمريكية- العربية تبعا للموقف الإسرائيلي الواضح والنهائي من الإرهاب (8) الذي وضع إسرائيل في خندق واحد مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب.
ولقد تعددت وتباينت التحديات التي أثارتها أحداث 11 شتنبر 2001 أمام القضية الفلسطينية, فهذه الأحداث جاءت في وقت تصاعدت فيه وثيرة المقاومة والنضال الفلسطينيين ضد المحتل الإسرائيلي، وتعددت وسائل وآليات الانتفاضة التي حققت إشعاعا دوليا وإجماعا وطنيا، وهو ما أسهم إلى حد كبير في نزع البريق الإعلامي الدولي عنها ولو لبعض الوقت.
من ناحية أخرى وفي أعقاب الحملة الأمريكية لمواجهة "الإرهاب"، تحققت أمنية إسرائيل- التي فشل زعيمها "شارون" في تحقيق السلام المنشود- والقاضية بالخلط بين الإرهاب والنضال ضد المحتل والتركيز على الإرهاب الفردي دون إرهاب الدولة الأكثر خطورة، وهو ما سمح لها كما للولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على تمييع نشاط حركات المقاومة وخاصة الفلسطينية منها وذلك باعتبار ما تقوم به هذه الأخيرة من عمليات في مواجهة المعتدي والمحتل الإسرائيلي الذي اعتبر نفسه ضحية للإرهاب, عملا "إرهابيا"، وهو التمييع الذي أسهمت في تكريسه العديد من الأنظمة العربية والإسلامية من خلال استصدار فتاوي فقهية - تحت الطلب - تجرم العمليات الاستشهادية أو قرارات مشبوهة تزكي هذه الطروحات الإسرائيلية والأمريكية, وهو ما حملته مقررات القمة الثلاثية المصرية, السورية, والسعودية - وهي دول لها وزنها وثقلها ضمن المجموعة العربية - المنعقدة بشرم الشيخ المصرية بتاريخ 11-05-2002 حيث تمت إدانة العنف بكل أشكاله دون استثناء المقاومة من ذلك .
في ظل هذه الأجواء وأمام تراجع تيار دعاة السلام- الحمائم- لصالح دعاة الحرب – الصقور- داخل الكيان الصهيوني, تنامت وحشية إسرائيل التي عادة ما تصنف نفسها ضمن قائمة الحضارة الغربية الديموقراطية, في مواجهة الفلسطينيين المنتفضين من أطفال ونساء وشباب وشيوخ عزل, عبر مختلف الوسائل الزجرية، إلى حد الإبادة وتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية ومحاصرة رئيسها بشكل مذل ومهين، واعتقال واغتيال رموز المقاومة الفلسطينية, فطبقا لإحصائيات مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان, اغتالت السلطات الإسرائيلية خلال عامين من انتفاضة الأقصى 146 شخصا من القيادات والكوادر الفلسطينية السياسيين, مستغلة بذلك صمت الأنظمة العربية والدولية الذي أضحت تتحفظ حتى عن إبداء النقد والتنديد بهذه الأعمال الوحشية في ظل ظرفية دولية استثنائية ومشبوهة.
كما تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين, فحسب تقرير للمنسق الخاص الأممي المعلن في 29-08-2002 فقد بلغت نسبة البطالة في الضفة الغربية 63.3 بالمائة, وتعيش 55 بالمائة من الأسر الفلسطينية تحت عتبة الفقر, فيما فقد حوالي 77 ألف عامل فلسطيني عملهم. ومن ناحية أخرى استهدفت القوات الإسرائيلية حوالي 2465 من المنازل والمنشآت المدنية الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية منها 1500 منزل دمر بشكل تام.
كما أن "شارون" الذي يعد رجل حرب بامتياز, جيء به إلى الحكم من قبل الإسرائيليين كبديل عن "باراك" الذي فشلت مساعيه وتنازلاته السلمية-كما يعتقد الإسرائيليون- أمام الفلسطينيين، ولذلك نرى أن رجل الحرب هذا كسابقيه يناور ويراهن على عنصر الوقت، فكلما تحقق للفلسطينيين مكسب ولو ضئيل أو تقدمت المفاوضات قليلا أو تعززت الضغوط الدولية على إسرائيل، إلا وعمل على افتعال أزمة يرد بها الأمور من جديد نحو مرحلة الصفر.
وفي غمرة هذه الأحداث وحتى لا يتكرر سيناريو أزمة الخليج الثانية بالنسبة للفلسطينيين, حاول الرئيس الفلسطيني أن يكون حذرا ويتجنب الانزلاق والانسياق المنفعل مع العواطف لإظهار تأييده لهذه العمليات أو التعاطف مع "بن لادن" الذي اعتبر أن الولايات المتحدة لن يهدأ لها جفن طالما استمر الاحتلال الإسرائيلي المدعوم منها للأراضي الفلسطينية, وهكذا أدان عرفات هذه العمليات وندد بها, وفي خطوة تضامنية رمزية معبرة منه, تبرع هذا المناضل المسن بدمه لصالح ضحايا الكارثة.
وفي الوقت الذي كان فيه معظم الفلسطينيين والعرب والمسلمين (مراقبين، ساسة، أكاديميين وأفراد المجتمع...) يعتقدون أن الولايات المتحدة ستراجع سياستها الخارجية عقب هذه الأحداث وخاصة في ارتباطها بالقضية الفلسطينية والمبالغة في التأييد والدعم الأمريكيين لإسرائيل، فإن التطورات الميدانية جاءت مخيبة لهذه الآمال، فالولايات المتحدة استمرت في تأييدها اللامشروط لإسرائيل بل وعملت لأول مرة على ضم فصائل تحررية فلسطينية إلى قائمة المنظمات والقوى التي تتهمها بالإرهاب والتشكيك أيضا في مصداقية الرئيس الفلسطيني كشريك مناسب لعقد لسلام المنشود.
ومن جهة أخرى فالولايات المتحدة الأمريكية "راعية السلام" المفترضة، تزكي وتشجع السلوكات الإسرائيلية الوحشية والإجرامية المرتكبة في حق الفلسطينيين من خلال غض الطرف عنها أو الحؤول دون صدور قرار أممي يدينها، وذلك بجعل حقها في الاعتراض داخل مجلس الأمن الدولي رهن إشارتها, فالرئيس الأمريكي تبنى موقف شارون القاضي بالإطاحة بياسر عرفات من السلطة, في حين وصف شارون بأنه "رجل سلام", وعمد أيضا إلى قلب المعضلة بالقول إن "الإرهاب" هو الذي يجبر إسرائيل على الإبقاء على الاحتلال وليس الاحتلال هو الذي يولد المقاومة والإرهاب (9), ومن جانب آخر وقع أيضا على قرار الكونغريس القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ليصبح قانونا ساري المفعول, وذلك في انحراف صارخ بدور الولايات المتحدة كراعية للسلام في المنطقة من جهة وخرق لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة من جهة أخرى.
وأمام التناغم القائم بين مكونات الإدارتين الجمهورية في الولايات المتحدة و"الليكودية" في إسرائيل وكذا بالنسبة للقوى الاجتماعية والاقتصادية والبنى الفكرية التي تمثلثلها الإدارتان, فالخطاب الأمريكي بشأن القضية يتماهي مع خطاب شارون بالكامل, فهو يركز على التقيد بالأمن الإسرائيلي مائة بالمائة وضبط التنظيمات المعارضة لأوسلو والقبض على مرتكبي ومخططي العمليات المسلحة ضد إسرائيل, وصولا إلى تفكيك بعض التنظيمات وبخاصة حماس والجهاد التي وضعتها واشنطن على قوائم الحركات الإرهابية(10).
ونعتقد أن عدم مراجعة الولايات المتحدة لهذه السياسة يعود بالأساس إلى حرصها الشديد على عدم تمكين الضالعين في العمليات من أوراق رابحة يبررون بها أعمالهم أو تمنحهم تعاطفا دوليا, ومنع تكريس وسيلة مشينة ولاشرعية لتحقيق المطالب, والتأكيد على أنها قوة عظمى كفيلة بزعامة العالم, وليست هينة إلى الحد الذي يمكن إحراجها أو الضغط عليها بهذا الشكل لتعديل سياساتها تجاه قضايا حيوية, وكذا متانة وقوة العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية, وعدم استغلال الدول العربية والإسلامية- التي دخل معظمها في التحالف الأمريكي لمكافحة "الإرهاب" دون مناقشة - لهذه الأحداث بشكل جيد خدمة لمصالحها.
وفي جانب آخر هناك تحدي آخر يطرح بحدة, وهو ذلك المرتبط بصمت الأمم المتحدة أمام هذه السلوكات العدوانية، مقارنة مع تحركها السريع والجماعي في منازعات أخرى لا ترقى إلى خطورة الوضعية الفلسطينية، لها أهميتها من منظور الإستراتيجية الأمريكية.
واستمرار إسرائيل في إصرارها على منع العرب بشتى السبل والوسائل من حيازة الخيار النووي العسكري بالشكل الذي يشكل خطرا كبيرا ضد الأمة العربية وبقائها (11 ).
خطورة هذه التحديات ازدادت بشكل كبير، بعد أن جاء رد حكومة "شارون" على مبادرة السلام السعودية القاضية بربط علاقات عربية عادية مع إسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967- والتي لقيت إجماعا عربيا خلال القمة العربية ببيروت (مارس 2002)- واضحا ومنتظرا تمثل في غزو المدن الفلسطينية وتقتيل أبنائها وتهديم بيوتهم ومحاصرة عرفات وتدمير مؤسسات سلطته وكل معالم الحياة بفلسطين, في تنكر جلي للاتفاقيات المبرمة ولقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة في هذا الصدد.
ويكبر حجم هذه التحديات في ظل سلام تفاوضي منتظر غير متكافئ، طرفه الأول إسرائيل معززة بتواطؤ أمريكي وإمكانيات اقتصادية وعسكرية هامة، وسلطة فلسطينية وحيدة- في ظل خذلان عربي وإسلامي رسميين- ما فتئت إسرائيل تقوضها وتضعفها.
ومن بين الأوراق الرابحة التي تراهن عليها إسرائيل في تضييق الخناق على الفلسطينيين هو استثمار تباين المواقف العربية والإسلامية الرسمية ذاتها من القضية لصالحها، فهناك غياب مشروع عربي- إسلامي موحد للسلام، "فبقدر ما يعاني السلام الإسرائيلي من مرض جنون العظمة الذي لن يقود إلا إلى المزيد من الدمار في المنطقة, يعاني مفهوم السلام العربي من التجوف وانعدام الهدف وغياب المشروع الواضح والناجح لتنظيم المنطقة الإقليمي" (12), كما أن دولا عربية وإسلامية تربطها علاقات رسمية مع هذا الكيان، وهناك دول تتحين الفرص باستمرار للتطبيع معه في حين هناك أنظمة ترفض الحوار معه.
2- الفرص والرهانات المتاحة
رغم جسامة وخطورة هذه التحديات المطروحة أمام القضية الفلسطينية، فإن هناك فرصا متاحة أمام الفلسطينيين أولا, والعرب والمسلمين ثانيا، إذا أمكن استغلالها واستثمارها بعقلانية، من شأنها أن تعزز موقع الفلسطينيين نحو تسوية فاعلة وعادلة لقضيتهم التاريخية، ولعل أهم هذه الفرص يمكن إجمالها فيما يلي:
فهناك ضرورة المراهنة على الانتفاضة التي يقودها الفلسطينيون بكل فئاتهم والتي أعادت القضية الفلسطينية إلى عمق المجتمعين: العربي والإسلامي من جديد بعد اقتناع الجيل الفلسطيني الجديد بضرورة المراهنة على نضاله وعزائمه و قدراته وانتفاضته, بدل انتظار حل قد يأتي أو لا يأتي من الخارج ( ولنا في النموذج الناجح للمقاومة اللبنانية التي كسرت مقولة الجيش الإسرائيلي القوي الذي لا يهزم خير مثال)، وهي الشكل النضالي الذي تنوعت وسائله وتطورت من الرمي بالحجارة إلى العمليات الإستشهادية التي اقتحمتها النساء الفلسطينيات بنجاح داخل العمق الإسرائيلي (13), والذي لم تتمكن الآلة الحربية والتكنولوجية الإسرائيلية من إيجاد مضادات فعالة وحيوية لمواجهته وإيقافه، الشيء الذي كان له الأثر الكبير في عودة البريق للقضية الفلسطينية رغم هول أحداث 11 شتنبر 2001، وإحداث حالة من الهلع والرعب في أوساط الصهاينة, بعد أن أصبح لأول مرة في تاريخ النضال الفلسطيني عدد القتلى الإسرائيليين والشهداء الفلسطينيين متقاربا, ولقد أثبت الفلسطينيون بانتفاضتهم هاته أن النضال بسلاح العزيمة طلبا للحقوق المشروعة يمكن أن يربك ويهزم أسطورة القوة الإسرائيلية التي "لا تقهر" بقواتها العسكرية المتطورة وإجراءاتها الأمنية المشددة.
وفي هذا الصدد ذكرت جريدة "لومند ديبلوماتيك" الفرنسية لشهر أبريل 2002, أن استطلاعات للرأي أجريت داخل إسرائيل أفادت بأن 60 بالمائة من الإسرائيليين يوافقون على إخلاء عدد من المستوطنات و 63 بالمائة يؤيدون قيام دولة فلسطينية و 67 بالمائة منهم غير راضين عن "شارون", كما أن الوضع الأمني المتردي بإسرائيل والأزمة الاقتصادية اللتين أفرزتهما الانتفاضة, أسهما بشكل ملحوظ في ارتفاع عدد المهاجرين منها وانخفاض عدد القادمين منهم إليها, وفي نفس السياق أظهر بحث إسرائيلي هو الأول من نوعه أن الانتفاضة تسببت في أضرار نفسية فادحة للإسرائيليين, إذ أن نصف مليون إسرائيلي يعانون من ظاهرة الاكتئاب النفسي بسبب الأوضاع الأمنية المتردية ... وأن 68 بالمائة منهم لا يشعرون بالأمان في البلاد (14).
ومن نتائج الانتفاضة أيضا, أعلنت جريدة "هآريس" الإسرائيلية ليوم 18 نونبر 2002 أن الجيش الإسرائيلي يشهد أزمة تهرب خطيرة من الخدمة العسكرية بسبب تدهور أوضاع أفراده الاقتصادية, وأضافت أن عدد الفارين ازداد بنسبة 67.2 بالمائة مقارنة مع سنة 2001 .
وإذا كان نموذج الانتفاضة الفلسطينية يعد أرقى ما توصل إليه كفاح الشعوب من أجل تقرير المصير والتحرر من الاحتلال باعتبارها تعبر عن تكامل بين مختلف أنواع المقاومة واشتراك واضح لكل شرائح المقاومة واستخدام متعدد للأساليب النضالية (15), فإن هذه الانتفاضة بعملياتها الاستشهادية ووسائلها النضالية الأخرى ينبغي أن تتم بشكل معقلن وفعال من حيث الفترة الزمنية و الفئات والفضاءات المستهدفة بالشكل الذي سيكسبها مصداقية وتعاطفا شعبيا ورسميا على الصعيد الدولي ويخدمها في المنابر الدولية الكبرى, وحتى لا تستغلها إسرائيل إعلاميا مما قد ينعكس سلبا على القضية, ونرى في هذا الشأن أن تقتصر العمليات على داخل المستوطنات ومناطق 1967 واستهداف العسكريين دون غيرهم.
إن ضمان استمرار هذه الإنتفاضة التي أثبتت فعاليتها ونجاعتها في مواجهة العدو، يتطلب دعما ماديا-عربيا وإسلاميا- أو معنويا على الأقل وذلك بعدم وصم العمليات الفدائية الاستشهادية الفلسطينية بالإرهاب وتجريمها.
ونعتقد أن خيار الحل التفاوضي يجب أن لا يلغي استراتيجية هذه الانتفاضة بل ينبغي أن يتقوى ويحتمي بها ويتكامل معها, ونفس الشيء بالنسبة للانتفاضة التي يجب أن تصب باتجاه تعزيز وتقوية الكفة الفلسطينية نحو مفاوضات متكافئة, ذلك أن إسرائيل دأبت على إجراء المفاوضات من ناحية وممارسة المجازر في حق الفلسطينيين بالموازاة مع ذلك من جهة أخرى, وفي هذا الإطار يرى أحد الباحثين أنه من غير الحكمة الجلوس إلى مائدة المفاوضات مع رفع شعار قوامه لا بديل غير هذا الطريق, لأن الحكمة تقتضي الإيحاء للطرف المقابل أن ثمة طريقا بديلا أو طرقا بديلة, حتى لا يمسك بكل أوراق اللعبة فيزداد غطرسة وغرورا (16).
كما يجب أيضا المراهنة على الوحدة الفلسطينية التي زادت من صمودها ومتانتها الانتفاضة والمصير الواحد والمشترك, ونعتقد أن المحافظة على هذه الوحدة في هذه الظروف العصيبة والحالكة بالذات، يعد مكسبا مهما على طريق تحقيق النصر، وتحديا كبيرا للصهاينة الذين طالما سعوا إلى خلخلتها بكل الوسائل والإمكانيات والضغوطات.
أما بخصوص الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقانونية المزمع إجراؤها داخل السلطة الفلسطينية, فيجب أن تتم بإرادة شعبية داخلية وبمنطق المصلحة الوطنية وليس تبعا للضغوطات الإسرائيلية والأمريكية, هذه الأخيرة التي أضحت لا تتورع في الإعلان صراحة عن ضرورة تخلي عرفات عن السلطة لعدم قدرته على منع "العنف الفلسطيني المتزايد" ضد إسرائيل .
ومن ناحية أخرى على العرب والمسلمين – وأعني الأنظمة هنا - أن يستثمروا كل ما تسمح به الإمكانيات الاقتصادية والسياسية والبشرية والإعلامية للضغط على إسرائيل وحليفتها التاريخية الولايات المتحدة الأمريكية نحو بلورة تسوية عادلة لهذه القضية تستجيب للحقوق الفلسطينية المشروعة, فالشعارات الجوفاء والمراهنة على أوراق مفلسة والمناورات الخاسرة لن تجدي نفعا مع عدو محصن وصلب يضبط حساباته ويعي تماما الواقع المزري للأمتين العربية والإسلامية.
ومن تم فالتحلي بالواقعية واستثمار الإمكانيات المتاحة رغم قلتها، قد يكون له الأثر الإيجابي على القضية، خاصة وأن المراهنة على المواجهة العسكرية النظامية أضحت حلا تقليديا قليل الأهمية بالنسبة للطرفين المتصارعين معا.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي تتحمل القسط الأوفر فيما آلت إليه الأمور الآن, يعيش أكثر من سبعة ملايين عربي ومسلم، بإمكانهم- من خلال تشكيل لوبيات فاعلة داخل هذا البلد اقتداء بالنموذج الإسرائيلي في هذا الشأن- أن يجعلوا القضايا العربية والإسلامية, وفي مقدمتها تسوية المشكلة الفلسطينية ضمن أهم الأولويات الإستراتيجية الأمريكية، طبعا هذا يتطلب فهما حقيقيا لأمريكا واستيعابا جديا لكيفية بلورة قراراتها الخارجية الإستراتيجية وسبل التأثير في مسارها, مع إقناع الأمريكيين بأن مصالحهم الاستراتيجية هي في ربط علاقات ودية مع العرب والمسلمين وليس في معاداتهم, وإقناعهم أيضا بأن إسرائيل هي عبء عليهم وأن تأييدها ومجاراتها في سياساتها العدوانية يمكن أن يجلب لهم المآسي والويلات.
فرصة أخرى لا تخلو من أهمية تفرض نفسها بإلحاح في أعقاب أحداث الحادي عشر من شهر شتنبر على العرب والمسلمين أكثر من أي وقت مضى، وهي تصحيح صورتهم وإبراز ثقافتهم التي شوهتها الدعاية الصهيونية السوداء في أوساط المجتمعات الغربية بشكل خاص والدولية بشكل عام، إلى الحد الذي أصبح فيه اسم العرب والمسلمين مقرونا بالعنف والإرهاب، والتعتيم على المجازر الإسرائيلية المرتكبة في حق الفلسطينيين, وتبدو ملحاحية هذا الرهان قائمة في ظل تنامي دور الرأي العام الدولي كقوة فاعلة للتأثير في بلورة القرار السياسي الدولي باتجاه الضغط على إسرائيل المعتدية.
على العرب والمسلمين الاقتناع بأن معركة الفلسطينيين هي معركتهم أيضا, والعمل على استغلال المكتسبات التي أفرزتها الانتفاضة الفلسطينية بفطنة وذكاء، واللعب خاصة على الموقف الأوربي المتميز عن نظيره الأمريكي من القضية، واستغلال تعاطف وتضامن الأحرار والشرفاء من شعوب العالم، واستثمار القرارات الأممية التي أضحت تقر بالحقوق الفلسطينية أمام تنامي الوحشية الإسرائيلية، فقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1397 الذي صدر في أوج اشتداد الانتفاضة، أقر بحتمية التسوية السلمية للقضية على أساس قيام دولتين، نفس الشيء عبرت عنه أمريكا والاتحاد الأوربي ومعظم دول العالم.
إن بلورة تصور عربي- إسلامي موحد لمواجهة العدو الصهيوني، قد يدفع بهذا الأخير إلى الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني، تتطلب بداية التحدث مع الدول الكبرى بلغة المصالح بدل المراهنة على الخطابات المثالية والأخلاقية التي لا قيمة لها في السياسات الدولية الراهنة, ونبذ الخلافات العربية والإسلامية البينية وتفعيل التكتلات العربية والإسلامية، خاصة وأن الظرفية الدولية الحالية لم تعد تسمح بالتحرك القطري المنفرد.
ونعتقد أخيرا أن بلورة موقف رسمي عربي وإسلامي قوي في هذا الشأن، يتوقف على توسيع هامش المشاركة الشعبية بهذه الأقطار في مجال صناعة القرار السياسي، واتباع إصلاحات سياسية تعزز حقوق المواطنين وحرياتهم وتنهي تباين المواقف الرسمية والشعبية من الأزمات العربية والإسلامية( أزمة الخليج الثانية, القضية الأفغانية, القضية الفلسطينية...)، فكما أن الأنظمة السياسية بإسرائيل والولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية قوية بشعوبها، فإن مثيلاتها العربية والإسلامية يجب أن تراهن على شعوبها- وهي مراهنة رابحة - عوض التزلف والمراهنة الخاسرة على الولايات المتحدة التي أثبتت الممارسة الدولية تاريخيا أن تقلب مصالحها يجعلها تتنكر لأصدقائها وتصدق أعداءها بكل بساطة وبرودة.
الهوامش:

1- د. ناصيف يوسف حتي: القوى الخمس الكبرى والوطن العربي, دراسة مستقبلية - مركز دراسات الوحدة العربية, الطبعة الأولى, بيروت 1987 , ص 67 و68
2- د. ناصيف يوسف حتي, مرجع سابق, ص86
3- د. فواز جرجس: النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى- مركز دراسات الوحدة العربية, الطبعة الأولى 1997 , ص 287
4- لمزيد من التفصيل في هذا الشأن: يراجع, إدريس لكريني: البريسترويكا وآثارها على العالم الثالث, العالم العربي نموذجا, بحث لنيل الإجازة في الحقوق, كلية الحقوق - جامعة محمد بن عبد الله , فاس 1995 – غير منشورة-
5- عبد العزيز محمد سرحان: مصير الأمم المتحدة بعد أزمة الخليج, دار النهضة العربية , القاهرة 1992, ص 327
6- أسامة خالد: المستقبل العربي في العصر الأمريكي – مركز القارة للكتاب والنشر – الطبعة الأولى 1992 ، ص : 184 وما بعدها.
7- أبو خالد العملة : أوسلو محطة لتهويد فلسطين... خطوة للسيطرة على المنطقة, دار الكنوز الأدبية, بيروت لبنان, الطبعة الأولى سبتمبر 1997 ص 244 .
8- عبد المنعم سعيد, مجلة الوفاق العربي – لندن- السنة الرابعة ع 39, شتنبر 2002, ص18
9- سميح فرسون: جذور الحملة الأمريكية لمناهضة الإرهاب ضمن كتاب: العرب و العالم بعد 11 أيلول/ سبتمبر- أحمد بيضون وآخرون , مركز دراسات الوحدة العربية , الطبعة الأولى, نونبر2002 ص 223
10- د. محمد خالد الأزعر: السياسة الأمريكية الفلسطينية بعد 11 سبتمبر, محددات الاستمرارية والتغيير/ مجلة شؤون عربية ع 109 ربيع 2002 الأمانة العامة لجامعة الدول العربية, ص 45 وما بعدها
11- د. ممدوح حامد عطية وآخرون : تحديات العالم العربي في ظل النظام العالمي الجديد, مركز الدراسات العربي – الأوربي, الطبعة الثانية, بيروت 1997 ص 520
12- برهان غليون: العرب ومعركة السلام, الطبعة الأولى 1999, المركز الثقافي العربي – لبنان والمغرب- ص 171
13- للإشارة فقد استشهدت 142 امرأة بواقع 7 بالمائة من مجموع الشهداء وجرحت ما نسبته 9.2 بالمائة من عدد الجرحى البالغ عددهم 40 ألفا, قبل متم سنة 2002
14- القدس العربي, بتاريخ 20-12-2002 ع 4213 ص6
15- عبد الغني عماد: "المقاومة" و"الإرهاب" في الإطار الدولي لحق تقرير المصير , مجلة المستقبل العربي , ع 275 بتاريخ 1/2002 مركز دراسات الوحدة العربية, ص 40
16- منير شفيق : المشروع الصهيوني في فلسطين : التسويات والحلول , المقاومة والانتفاضة - نادي الفكر الإسلامي – الرباط, المغرب – الطبعة الأولى, ماي 2002 ص41

إدارة الأزمات الدولية في عالم متحول


إدارة الأزمات الدولية في عالم متحول: مقاربة للنموذج الأمريكي في المنطقة العربية


إدريس لكريني 
      

مقدمة:
اجتاحت تقنية إدارة الأزمات حقل العلاقات الدولية بقوة، بعدما ظل ينحصر استخدامها في مجالات الاقتصاد والإدارة لمدة طويلة، ولا غرابة في ذلك ما دامت هذه الوسيلة التي تتركز في مجمل الاجتهادات والمواقف وردود الأفعال المستندة بدورها إلى مقومات علمية وقانونية بغرض احتواء أزمة معينة، وهي أنجع وسيلة لاحتواء وتطويق المنازعات والأزمات وأقلها تكلفة.
وإذا كانت فترة الحرب الباردة التي شهدت أزمات دولية خطيرة كادت أن تفضي بالعملاقين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية) إلى مواجهات عسكرية مباشرة تعصف بالاستقرار العالمي (أزمة كوريا، أزمة الصواريخ الكوبية، أزمة برلين...) قد تميزت إجمالا بسهولة إدارة الأزمات نظرا إلى كون غالبيتها جاءت نتاجا للصراع بين الشرق والغرب, وتمكن الطرفين من تطويقها في إطار سياسة الردع المتبادل والمفاوضات الثنائية نظرا لغياب قوى دولية منافسة وفعالة حينئذ ونتيجة للشلل الذي أصاب الأمم المتحدة عامة ومجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص بسبب الإقبال الكثيف على استعمال حق الاعتراض, فإن الأمر أضحى في غاية التعقد والصعوبة في عالم ما بعد الحرب الباردة مع بروز أزمات وصراعات متميزة لم تكن مألوفة في مجملها من قبل, كتلك المرتبطة بالصراعات الإثنية والقبلية الداخلية أو الناتجة عن تزايد المطالبة بالتغيير الديموقراطي واحترام حقوق الإنسان...
وفي هذه الفترة بالذات تشكلت رغبة دولية لتفعيل الأمم المتحدة بصفة عامة ومجلس الأمن الدولي على وجه الخصوص في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين بعد حوالي نصف قرن من الشلل. وموازاة مع هذه التحولات الناتجة عن رحيل الاتحاد السوفيتي, خلا الجو للولايات المتحدة لبسط هيمنتها على الساحة الدولية, دشنتها بالتبشير "بنظام دولي جديد" قوامة السلام والعدالة والطمأنينة والديموقراطية واحترام حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب... 
إن الوسائل الدولية لإدارة الأزمات متعددة ومتباينة وتتنوع إلى وسائل ديبلوماسية (المفاوضات، المساعي الحميدة والوساطة، التحقيق، التوفيق، عرض المنازعات على المنظمات الدولية والإقليمية...) وقانونية (التحكيم الدولي والقضاء الدولي) وزجرية (الضغوطات الاقتصادية من حظر وحصار ومقاطعة وتجميد للأموال أو حجزها في الخارج، أو سياسية وديبلوماسية أو اللجوء إلى القوة العسكرية كخيار أخير...)، ولقد عددت المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة في فقرتها الثانية مختلف هذه الوسائل (1)، كما نص الميثاق في مواضع أخرى منه على وجوب عرض النزاع إذا استعصى حله بإحدى هذه الوسائل المذكورة سابقا، على الهيئة الدولية لتوصي بما تراه مناسبا بشأنه، كما بينت الاتفاقيات الدولية الكبرى التي أبرمت منذ مؤتمر لاهاي لإقرار السلام الكثير من هذه الوسائل وما يتصل بها من إجراءات وأحكام، فتكلمت اتفاقية لاهاي الأولى سنة 1907 عن الوساطة والمساعي الحميدة والتحقيق والتحكيم (2)، وسرد النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية كل ما يتصل بالسبل القضائية, وعالجت معاهدة التحكيم العامة المبرمة في جنيف سنة 1928 موضوع التوفيق، كما تعرضت أيضا للقضاء والتحكيم.
إن الظرفية الدولية التي أعقبت سقوط المعسكر الشرقي مكنت الولايات المتحدة من تبوأ مكانة متميزة ضمن إدارة الأزمات الدولية التي تدخل ضمن استراتيجيتها وذلك بالنظر إلى امتلاكها لمقومات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية هامة لم تجتمع لغيرها، تمكنها من ذلك.
والمنطقة العربية التي تتميز بإمكانياتها النفطية ومواقعها الإستراتيجية وبتعدد أزماتها ونزاعاتها المتباينة (داخلية، دولية وإقليمية، ذات طابع سياسي، اقتصادي وعسكري...) وأمام تواضع جامعة الدول العربية في احتواء هذه الأزمات وهزالة حصيلتها في هذا المجال، شكلت فضاء خصبا لتجريب الدور الأمريكي في احتواء الأزمات في عالم ما بعد الحرب الباردة. 
فما هو مفهوم إدارة الأزمات الدولية؟ وما هي المقومات التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في إدارة هذه الأزمات؟ وكيف تعاملت هذه الأخيرة مع الأزمات العربية؟
أولا: في مفهوم الأزمات الدولية
إن بروز خلافات وصراعات ومواجهات بين الدول تشكل تحديا حقيقيا يواجه أصحاب القرار يعد أمرا طبيعيا نظرا لتضارب المصالح في المجتمع الدولي.
وتأتي إدارة الأزمات كوسيلة لدرء وتلافي المواجهات العسكرية الوخيمة العواقب، وهي تقنية قديمة اعتمدت على سبل تقليدية كالمفاوضات تم تطويرها في العقود الأخيرة لتعتمد طرقا فنية وتقنيات عالية الدقة والفعالية، والغاية من إدارة الأزمات هو تجنب حدوث مواجهة عسكرية قد لا يتوقعها أطراف النزاع عند بداية الأزمة. وتقنية إدارة الأزمات لها قواعدها وضوابطها وهي في هذا الجانب علم، ولكن تطبيق هذه القواعد بما يتواءم والظروف الضاغطة والمتقلبة والمواقف المفاجئة والمتسارعة التي يفرضها الأطراف يتوقف على قدرة خلاقة لصاحب القرار أو مدير الأزمة، ولذلك فهي من هذه الناحية فن يتعلق بموهبة القيادة التي لا يمكن أن تكتسب بالمعرفة أبدا وإن كانت المعرفة تصقلها وتهذبها وتعمقها (3) وللحديث عن إدارة الأزمة يلزمنا في البداية التطرق لمفهوم الأزمة وتمييزها عن بعض المفاهيم المماثلة الأخرى.
يعود اصطلاح الأزمة « Crise » إلى الفكر اليوناني القديم الذي يقصد بها نقطة تحول في الأمراض الخطيرة والقاتلة والتي تؤدي عادة إلى الموت المحقق أو الشفاء التام، كما ورد استخدام هذا المصطلح باللغة الصينية في شكل كلمتين « Wet-ji » أولاهما تعبر عن الخطر والثانية عن الفرصة التي يمكن استثمارها لدرء الخطر من خلال تحويل الأزمة وما تنطوي عليه من مخاطر إلى فرص لإطلاق القدرات الإبداعية لاستثمار هذه الأزمة كفرصة لإعادة صياغة الظروف وإيجاد الحلول البناءة (4).
كما تعني الأزمة في المعجم الوسيط: الشدة والقحط، أما في المنجد فإن أصل الكلمة مشتق من: زأم زأما زؤوما أي مات سريعا، هذا عن المعنى الاصطلاحي، أما من حيث دلالاتها الدولية، فهناك مجموعة من التعريفات التي وردت في هذا الشأن، فتريكسا (TRIKSA) يعتبرها ذلك التكثيف الشديد لطاقات الاختلال وعدم الاستقرار داخل النظام الدولي، فيما يعرفها كل من وينر « WINER » وكاهن « KAHN » بأنها تشتمل على قدر من الخطورة المفاجئة وغير المتوقعة، أما بولدنج (BOULDING) فيرى بأنها بمثابة نقطة تحول أو حد فاصل بين وضعين(5)، أما أمين هويدي فيعرفها "سواء كانت عالمية أو إقليمية، بأنها مجموعة من التفاعلات المتعاقبة بين دولتين أو أكثر تعيش في حالة صراع شديد يصل أحيانا إلى احتمال عال لنشوء الحرب ووقوعها، وفيها يواجه صاحب القرار موقفا يهدد المصالح العليا للوطن ويتطلب وقتا قصيرا للتعامل مع هذا الموقف باتخاذ قرارات جوهرية(6).
أما بالنسبة لمايكل، س، لوند فتعني: "مواجهة متوترة بين قوات مسلحة معبأة ومتأهبة, وقد تشتبك مع بعضها في تهديدات ومناوشات على مستوى منخفض من آن لآخر، ولكنها لم تستخدم أي قدر كبير من القوة العسكرية (7).
ويعرفها آخرون بكونها، "مرحلة الذروة في توتر العلاقات في بيئة استراتيجية وطنية أو إقليمية أو دولية، بحيث يصبح أطراف تلك العلاقات قاب قوسين أو أدنى من الحرب"(8).
في حين هناك من يعتبر أنها "بمثابة حالة عصبية مفزعة مؤلمة تضغط على الأعصاب وتشل الفكر وتحجب الرؤيا، تتضارب فيها عوامل متعارضة وتتداعى فيها الأحداث وتتلاحق وتتشابك فيها الأسباب بالنتائج وتتداخل الخيوط ويخشى من فقد السيطرة على الموقف وتداعياته وآثاره ونتائجه...فهي خلل يؤثر تأثيرا حيويا يعرض المتعرض لها سواء أكان فردا أو كيانا أو حتى دولة لحالة من الشتات والضياع، تهدد الثوابت التي يقوم عليها"(9).
أما الأستاذ عباس رشدي فيرى أن "الأزمة هي مرحلة متقدمة من مراحل الصراع، والصراع في أي مظهر من مظاهره وعلى أي نطاق من نطاقاته، بدءا من داخل النفس البشرية وانتهاء بالصراعات الدولية"(10).
ويضيف بأن أشكال الصراع مختلفة الأسباب والدوافع، أما الصراع الدولي فيعرفه بكونه: "ذلك التفاعل الناجم عن المواجهة والصدام بين المصالح والمعتقدات والبرامج وغير ذلك من الكيانـات المتنازعة " (11). ويضيف أيضا بأن الأزمة وباستثناء الأزمات الطبيعية (زلازل، براكين...) هي فعل أو رد فعل إنساني يهدف إلى توقف وانقطاع نشاط من الأنشطة أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع بهدف إحداث تغيير في النشاط أو الوضع لصالح مدبره"(12).
وبذلك تختلف الأزمة عن الحرب التي تعرف بأنها تلك المواجهة العسكرية التي تتم بين طرفين دوليين أو أكثر لفترة طويلة أو قصيرة باستخدام قوات مسلحة منظمة وتسفر عن ضحايا.
أما عن الأسباب التي تقف وراء نشوب الأزمات فهي متعددة ويمكن إجمالها في: 
وجود بؤرة خلاف لم تحسم رغم مرور الوقت.
وجود حالة من تعارض المصالح والأهداف بين الدول.
تنامي الإشاعات بين الدول(13).
بروز أزمات مدبرة ومخطط لها بهدف تحقيق أهداف استراتيجية معينة (14).
الأخطاء البشرية الناجمة عن سوء الفهم وسوء التقدير أو سوء الإدارة إلى جانب اليأس.
الميل إلى استعراض القوة من قبل دولة تجاه دولة أخرى قصد ابتزازها وإحراجها.
خرق الدول للاتفاقيات القائمة بينها.
وعموما يمكن إجمال أهم مميزات الأزمة الدولية فيما يلي:
هي محطة تحول حاسم غالبا ما تتسم بالفجائية في نسق داخلي أو دولي تهدد مصالح دولية معينة، وتثير نوعا من الذهول والحرج لدى القوى المعنية بها.
تتسم بالتعقيد والتشابك في عناصرها وأسبابها وتستقطب اهتماما كبيرا وتثير نوعا من الخوف.
تتطلب جهدا كبيرا لمواجهتها، لتلافي تطوراتها السلبية التي قد يمتد خطرها للمستقبل.
تضع صانعي القرار في محك حقيقي، بحيث تتطلب اتخاذ قرارات وإجراءات سريعة وراجحة.
هي نتاج لتراكم مجموعة من التأثيرات السابقة والتي لا يتم حسمها(15).
تطرح نوعا من الارتباك والشك في الخيارات المطروحة عند التعامل معها خاصة في غياب معلومات دقيقة وكافية حولها.
قد تخلق حالة من التوتر العالمي خلال فترة زمنية قصيرة في ظل العلاقات الدولية المتشابكة حاليا (16).
بقي أن نشير إلى أن لكل أزمة دولية طرفان: الأول هو الذي خرج عن الوضع السلمي الطبيعي القائم مع الطرف أو الأطراف الأخرى ويعرف بمفجر الأزمة, بينما الطرف الثاني فهو الذي تستهدفه الأزمة ويفترض فيه أنه هو الذي يواجهها.
ثانيا: في مفهوم إدارة الأزمات الدولية
إذا كانت الأزمة – كما رأينا- هي حالة يمكن أن توصف بالاقتراب من خروج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة، فإن مواجهتها ينبغي أن تتم بسرعة وبطرق ذكية وإجراءات رشيدة لتفادي تطور المواقف إلى نزاع مسلح مباشر، وهي العملية التي تدخل في إطار ما يسمى بإدارة الأزمات التي يعرفها أحد الباحثين بكونها: "كيفية التعامل والتغلب على الأزمة بالأدوات العلمية المختلفة وتجنب سلبياتها والاستفادة منها مستقبلا(17).
فيما ينظر البعض الآخر إلى الأزمة في السياسة الدولية باعتبارها "محاولة لموازنة المجابهات أو المنازعات بقصد الحفاظ على المصالح المشتركة دون اللجوء للحرب(18).
إن ظهور الأزمة للوجود يضع الطرف الذي يواجهها أمام هدفين أو مطلبين: الأول، هو حماية المصالح والأوضاع القائمة بأقل تكلفة مادية وبشرية، والثاني هو العمل قدر المستطاع على تجنب الدخول في غمار مواجهة عسكرية مكلفة.
ورغم أن بعض المفكرين متشائمون حيال احتمال تحقق تطور نظري يعزز تقنية إدارة الأزمات في ظل العراقيل البيروقراطية والتنظيمية خلال بروز الأزمة مما قد يؤثر سلبا على اتخاذ القرارات بشكل عقلاني(19)، فإن هذه العملية يمكن أن تستمد نجاعتها وفعاليتها من قوة الطرف الذي يدير الأزمة وتناسق استراتيجيته في هذا الصدد من خلال:
طرح الهدف ومحاولة السيطرة على الأفعال الصادرة عن الأطراف أو الطرف المعتدي وردود أفعال الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.
مرونة القرار السياسي وملاءمته للأهداف البديلة المرسومة.
توفير البدائل والخيارات، وتجنب العقبات التي قد تبرز.
ترك هامش للتحركات السياسية تضمن "حفظ ماء الوجه" لدى الخصم(20).
ومن جهة أخرى يتطلب إنجاح هذه العملية دراسة الأزمة على ضوء عناصرها الموضوعية وأسبابها الحقيقية، وعدم الاكتفاء بإلقاء مسؤولية بروزها على عاتق الخصم، ومحاولة تبرئة الذات من ذلك، لأن نجاح هذه الإدارة لا يتحقق بالدفاع عن الذات وتبرئتها وتحميل عاتق الخصم المسؤولية كاملة، خصوصا وأن ذلك يمكن أن يزيد من تعنت الطرف الآخر ويؤدي بالطبع إلى طريق مسدود (21).
إن النتائج التي تقود إليها أية أزمة هي الحرب أو التسوية السلمية، وهذه النتائج لا تستند إلى مصادفات بقدر ما ترتكز سلبا أو إيجابا إلى المقومات الشخصية لمدير الأزمة من ناحية وإرادته ومدى كفاءة أو رداءة استراتيجيته المتبعة في إدارة هذه الأزمة(22).
ثالثا: دور القوة العسكرية والمعلومات في إدارة الأزمات الدولية 
إن إدارة أية أزمة دولية بشكل فعال يتطلب إمكانيات بشرية ومادية وعسكرية وسياسية...مهمة, لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن توظيف القوة إلى جانب الديبلوماسية في إدارة الأزمات الدولية؟ أم أن من شأن ذلك تعميق الأزمة والإسراع بإشعال الحرب غير المرغوب فيها؟
من الحقائق الثابتة في علم العلاقات الدولية أن القوة أداة للديبلوماسية، وبذلك فإن "جزءا من إدارة أية أزمة هو بلورة وسائل وسياسات وضغوط أخرى أمنية تجعل الذي يفكر في الاعتداء يتردد"(23).
ويعتقد بعض الباحثين أن الممارسة الدولية تؤكد على ضرورة استعمال القوة العسكرية لردع الخصم أثناء تصعيد الأزمة مع تجنب العمليات التي يمكن أن يفسرها الخصم بأنها استعداد لأعمال قتالية(24). كما أن ميثاق الأمم المتحدة ورغم أنه حرم اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية, خول لمجلس الأمن التدخل عسكريا في إطار نظام الأمن الجماعي وذلك في حالة تطور الأزمات والمنازعات الدولية بشكل يهدد السلم والأمن الدوليين، خصوصا بعد استنفاذ محاولات إدارة الأزمة سلميا, أو عبر الضغوطات غير العسكرية (المادة 42 من الميثاق) وسمح للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي عن النفس (المادة 51 من الميثاق الأممي).
فهناك ضرورة للمزج في هذا الإطار بين سياسة الترغيب والمساومة والمفاوضات عن طريق تقديم العروض والتنازلات لحمل الخصم على وقف الإثارة من جانبه أو لإرغامه على القبول والإذعان للمطالب المرجوة من ناحية، والترهيب الذي يتم عبر استخدام القوة والأعمال الزجرية غير العسكرية الأخرى أو التهديد باستعمالها من ناحية ثانية، وبخاصة وأن للقوة أهميتها –أحيانا- في الدفاع عن المصالح المهددة بأقل ما يمكن من الخسائر المادية والبشرية، مع الاحتفاظ بقنوات الاتصال مفتوحة - طبعا-, وتجنب الارتجال في اتخاذ القرارات للحؤول دون إقدام الطرف الآخر على القيام بعمل عسكري قد يفشل إدارة الأزمة تماما(25). وفي نفس السياق يشير البعض إلى أن الكلام الذي لا يستند إلى إمكانيات حقيقية عديم التأثير على طرف يجيد حساباته (26).
والجدير بالذكر أن عنصر الردع الذي يعرف بالتهديد باستخدام السلاح دون استعماله فعليا, أسهم بشكل كبير وفعال في إدارة العديد من الأزمات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، وإذا كان الردع وسيلة معهودة استخدمت على نطاق واسع في إدارة الأزمات بين القوى الدولية الكبرى في إطار "توازن الرعب"، فإن هذه الأخيرة – حاليا- قد تلجأ مباشرة وبسهولة إلى استعمال القوة العسكرية في إدارة الأزمات التي تكون الدول الضعيفة طرفا رئيسيا فيها إلى جانبها.
فمدير الأزمة قد يلجأ إلى التهديد باستعمال القوة أو استخدامها فعلا إذا كان توازن القوة في صالحه، بحيث يجد نفسه مضطرا إلى اختيار الممكن من بين عدة بدائل قد تكون صعبة وسيئة بناء على منطق معادلة الربح والخسارة.
وإذا كانت فترة الحرب الباردة قد شهدت استثمارا للقوة في إدارة العديد من الأزمات الدولية عبر سياسة الردع، فقد أصبح واضحا أن استخدامها حاليا هو أكثر سهولة وكثافة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بعد اختفاء تحدي المعسكر الشرقي.
وإلى جانب أهمية القوة في إدارة الأزمات، نجد المعلومات أيضا والتي يجب تمييزها عن الأخبار والآراء التي قد لا تتسم في غالب الأحيان بالاستقرار والمصداقية وبالخصوص مع تطور وسائل الإعلام ومبالغتها في تضخيم الأمور، ومن ثم فإن إدارة أية أزمة دولية يتطلب توافر معلومات كافية ودقيقة حول ملابساتها وحول قدرة وإمكانيات مدير الأزمة نفسه وقدرة الطرف أو الأطراف الأخرى. لأن سوء التصور والمغالاة في ردود الأفعال مع عامل ضغط الوقت وتوقف الاتصال بين أطراف الأزمة يمكن أن يؤدي إلى تصعيد هذه الأخيرة، ومن ثم فاحتواء الأزمة وتقييم أهداف الخصم يتطلب كفاءة وفعالية نظم الاتصال ونظام الاستخبارات، وهما اللذان يعتمد عليهما صانع القرار في تدفق المعلومات إليه (27).
وفي كل الأحوال يظل اتخاذ الحيطة والحذر عبر القيام باستعدادات مسبقة وإيجاد نسق تنظيمي فعال، أمرا ضروريا للتعامل مع الأزمة سواء قبل حدوث هذه الأخيرة حتى يتسنى له مواجهتها عند الوقـوع (28) ويتجنب المخاطرة والارتجال في غياب المعلومات، مما قد يؤدي إلى تصاعد حدة الأزمة، أو معلومات أثناء وقوع الأزمة تتعلق بأسبابها وملابساتها وتطوراتها وقدرات وإمكانيات الخصم أو الخصوم، أو معلومات ما بعد وقوع الأزمة وذلك لاستثمارها في مواجهة أزمات مماثلة قد تقع لاحقا والتعلم من التجربة السابقة.
ومعلوم أن جمع هذه المعلومات لا يخلو من صعوبات ومشاكل, فغالبا ما تتسم هذه العملية بالافتقار للموضوعية، ولذلك فاتخاذ قرار صحيح باتجاه إدارة الأزمة يتطلب تحديدا دقيقا للخط الفاصل ما بين الحقائق الموضوعية وبين الرؤية الشخصية لهذه الحقائق(22).
ثالثا: في المقومات الأمريكية لإدارة الأزمات الدولية
دأبت الولايات المتحدة الأمريكية في مباشرتها لإدارة أزمات دولية تدخل ضمن استراتيجيتها ومصالحها على استثمار الشرعية الدولية من خلال الارتكاز إلى قرارات من الأمم المتحدة تتدخل بموجبها زجريا بشكل عسكري أو غير عسكري في هذه الأزمات، وباستغلال الإمكانيات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تتيحها لها المنظمات الإقليمية كحلف شمال الأطلسي وبعض المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية مثلما هو الشأن بالنسبة لصندوق النقد والبنك الدوليين والمنظمة العالمية للتجارة ومجموعة السبعة الكبار التي انضمت إليها روسيا بصفة مراقب, وبخاصة بعد أن بوأت-الولايات المتحدة- نفسها راعية للسلام العالمي وصرحت علنا بأن ضمان الأمن القومي الأمريكي هو بمثابة حماية للأمن العالمي.
وفي أحيان كثيرة أخرى تتدخل منفردة متحملة تبعات وتداعيات تدخلها هذا، لتقوم بتبريره فيما بعد.
وسعيا منها لتأبيد زعامتها وهيمنتها ومواجهة كل ما من شأنه عرقلة أو التشكيك في هذه الهيمنة, تلجأ الولايات المتحدة أحيانا إلى افتعال أزمات تستخدمها كوسيلة لتصفية حساباتها مع بعض الأنظمة وتديرها بسيناريو محبوك ومعد مسبقا يفرز أوضاعا دولية وإقليمية تتماشى ومصالحها الاستراتيجية.
وإذا علمنا أن مفهوم القوة ينقسم إلى ثلاثة عناصر متميزة:
أعمال التأثير والنفوذ التي تؤثر بها الدولة على غيرها من الدول.
الإمكانيات المستخدمة في توجيه التأثير أو النفوذ الوجهة الناجحة.
الاستجابة لعمليات التأثير هاته.(30)
فإن الولايات المتحدة تمتلك إمكانيات هائلة وعلى مختلف الأصعدة مكنتها من التربع على مكان الصدارة في إدارة الأزمات الدولية، وتتنوع هذه الإمكانيات بين ماهو اقتصادي عسكري وسياسي...
فعلى الصعيد الاقتصادي، تمكنت هذه الدولة ومنذ الحرب العالمية الثانية من أن تسيطر على مجمل الاقتصاد العالمي وتتحكم فيه، فاستطاعت بناء نظام اقتصادي دولي يخدم أغراضها من خلال المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية التي أفرزها نظام "بريتون وودز" التي تهيمن عليها (30 بالمائة من التمويل الخاص بالبنك وصندوق النقد الدوليين). وعن طريق حقوقها التصويتية بهذه المؤسسات وقدرتها على اختيار رؤسائها ووجود مقرهما فوق ترابها, وهو ما مكنها من تعبئة سياسة كل من المؤسستين لخدمة مصالحها (31).
كما نجحت في تأهيل اقتصادها ليكون أكثر قوة واستقرار على الصعيد الدولي من حيث طاقة الإنتاج والمردودية أيضا، واعتماد التقنيات العالية الجودة، وسيطرة شركاتها العملاقة على حركة رؤوس الأموال والاستثمار والتبادل التجاري الدولي، مع الدفع بالقوى الاقتصادية الدولية الكبرى المنافسة لها كاليابان ودول الاتحاد الأوربي إلى القبول بالتبادل العالمي وفقا لشروطها، هذا بالإضافة إلى تمكنها من اختراق جل اقتصاديات بلدان العالم.
وهذه الإمكانيات والقدرات التي تميز الاقتصاد الأمريكي المرتكز إلى الاتصالات والمعلومات والإعلام والترفيه تستثمرها الولايات المتحدة بشكل جيد في إدارة الأزمات الدولية من خلال نهج سياسة العقوبات الاقتصادية أو سياسة المساعدات الاقتصادية والمالية والتقنية التي أضحت وسيلة فعالة لتنفيذ سياستها الخارجية (32). 
وعلى المستوى العسكري تمتلك الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية في العالم، فهي تخصص ميزانية سنوية ضخمة لاستثمارها في هذا المجال تصل إلى حدود 270 مليار دولار، أي ما يوازي 30 بالمائة من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي الذي يقدر بحوالي 900 مليار دولار (33). وقد تمكنت هذه الدولة من مراكمة ترسانة عسكرية ضخمة كما ونوعا، بدءا بالأسلحة التقليدية ثم النووية وصولا إلى الأنظمة الدفاعية المتطورة والتي ليس بإمكان دول كالصين واليابان وأوربا وروسيا امتلاكها، مع إصرارها المستمر على تقويض القدرات النووية لخصومها والحؤول دون استثمار القوى الاقتصادية الكبرى لإمكانياتها الاقتصادية والتكنولوجية في المجال العسكري، ولعل هذا التفوق العسكري هو الذي أتاح لها إمكانية الانتشار العسكري الزجري –بناء على تدخلات قهرية- والودي - في إطار اتفاقيات ثنائية أو إقليمية- في مختلف أنحاء العالم (منطقة المحيط الهادي, منطقة الشرق الأوسط، أفغانستان، اليابان، أوربا ومن خلال حلف شمال الأطلسي رغم زوال حلف وارسو...)، وهذه الإمكانيات كما يرى الخبراء تؤهل الجيش الأمريكي ليكون الجيش الوحيد في العالم القادر على خوض حربين من حجم حرب الخليج الثانية في موقعين مختلفين من العالم في نفس الوقت. والولايات المتحدة التي أصبحت ترى أن التهديد القائم بعد الحرب الباردة يتمثل في الفوضى النابعة عن الفراغ الأمني والسياسي الذي تركه انهيار الاتحاد السوفيتي(34)، استفادت من تجاربها الحربية، ففي سبيل الحد من خسائرها البشرية والمادية، انتقلت من استراتيجية الانتشار العسكري المكثف في مناطق التوتر, إلى دفع الغير ليقود الحرب بدلا عنها مثلما تم في أفغانستان سنة 2001 حيث اعتمدت على أعمال قتال قوات تحالف الشمال، واكتفت هي بالتمهيد والدعم النيراني، وتركت الأعمال الرئيسية لهذه القوات (35).
هذا بالإضافة إلى الاعتماد على القوة الجوية بدل القوات البرية مثلما ثم خلال أزمة الخليج الثانية.
والولايات المتحدة لها أيضا من الإمكانيات التكنولوجية في مجال جمع ومعالجة وتوزيع ونشر المعلومات ما يسمح لها بتعزيز رقابتها على جل دول العالم من خلال تقنياتها العالية في مجال الأقمار الاصطناعية المدنية والعسكرية وكفاءتها في مجال الاستعلام والتجسس والتي تستخدمها في تدفق المعلومات الأكثر دقة عبر مختلف أرجاء العالم إليها. ومن ناحية أخرى تتحكم هذه الدولة في حوالي 80 بالمائة من الصور المبثوثة في العالم وهو ما يمكنها من التحكم في الأخبار والمعلومات المتداولة، فالمؤسسة الصحفية الأولى في العالم هي "الأسوشيتد برس" الأمريكية التي تزود بالأنباء والصور ما يناهز 1600 صحيفة يومية و 5900 محطة للراديو والتلفزيون في مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى أن 90 بالمائة من مواقع شبكة الإنترنيت هي مواقع أمريكية(36).
وأمام تنامي البعد الإعلامي في العلاقات الدولية ودروه في توجيه الرأي العام المحلي والدولي فإن الولايات المتحدة تستثمر بذكاء كبير هذه الإمكانيات سواء في المغالاة في تضخيم حجم "العدو" الخصم المستهدف وإعداد المسرح الدولي والرأي العام المحلي والدولي لتقبل ما ستقدم عليه الولايات المتحدة من إجراءات في مواجهته (مثلما تم مع العراق، وكوريا الشمالية وإيران بإدراجها ضمن محور الشر) أو باتهامه بخرق حقوق الإنسان مثلا والاستهانة بالسلوكات العدوانية لحلفائها والتغطية على ما تقترفه من خروقات للشرعية الدولية بل وتلميع صورتها (مثلما يتم مع إسرائيل...).
أما على المستوى السياسي والديبلوماسي فإذا كانت الولايات المتحدة قد لاقت صعوبات وتحديات منعتها من بسط هيمنتها على الأمم المتحدة عامة ومجلس الأمن الدولي خاصة خلال فترة الحرب الباردة بسبب وجود الاتحاد السوفيتي واستخدامه لحق الاعتراض (37)، فإنه ومع اختفاء التحدي السوفيتي وتراجع تكتل دول العالم الثالث ومنظماتها, أصبحت الظروف ملائمة أمام أمريكا لقيادة الأمم المتحدة وبخاصة جهازها مجلس الأمن الدولي المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين وتوجيهها بالشكل الذي يتماشى وأهدافها، وقد بدا ذلك جليا في إقدامها باسم هذا الجهاز على تأديب المتمردين عن إرادتها والخارجين عن طاعتها- الولايات المتحدة- سواء في صورة عمل عسكري مباشر كما في حالة العراق وأفغانستان أو في صورة عقوبات اقتصادية وحظر جوي كما في حالة ليبيا...
وهكذا صار المجلس أداة طيعة في يد هذه الدولة العظمى تصفي عبره حساباتها مع خصومها وتعيد ترتيب الأوضاع الدولية بما يتلاءم ورؤيتها ويعزز زعامتها، وقد أسهم الغموض الذي يشوب بعض مواد الميثاق الأممي (المادة 39 من الميثاق مثلا...) في فتح المجال أمام هذه الدولة للقيام بتكييفات منحرفة لها بالشكل الذي يتيح لها التدخل باسم الشرعية الدولية خدمة لمصالحها.
فعلى الرغم من الشعارات التي روج لها الغرب بقيادة هذه الدولة والتي تفيد بتدعيم فاعلية مجلس الأمن في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين في ظل التحولات الدولية الجديدة، فإن الممارسة الميدانية للمجلس تثبت أن الولايات المتحدة تتستر خلف مفهوم الشرعية الدولية لتحقيق أهداف معلنة وأخرى غير معلنة في السياسة الخارجية الأمريكية (38), فهي تصر على استغلال هذا الجهاز باعتباره أداة دولية مؤثرة وذات قوة ملزمة تبرر بها قرارات الحصار أو الحظر وتسمح لها بإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية والدولية(39) وتستند هذه الدولة في تسخيرها للشرعية الدولية إلى مرتكزين: فمن جهة أولى هناك احتكارها للعضوية داخل مجلس الأمن الدولي, فالطابع السياسي الذي يميز عمل هذا الجهاز جعله معرضا في كثير من الأحيان لتأثيرات القوى الكبرى وخاصة الدول الدائمة العضوية فيه، مما انعكس سلبا على مصداقيته أثناء مباشرته لمهامه واختصاصاته، واحتكار العضوية داخل هذا الجهاز وفضلا عن كونه يمس بمبدأ المساواة بين الدول ويكرس ديكتاتورية المجلس التي تؤثر سلبا على دمقرطة الأمم المتحدة، يشكل مدخلا للدول الكبرى لتمرير ما تشاء من القرارات عبر هذا الجهـاز(40).
ومن جهة ثانية هناك التذرع بالشرعية الدولية الذي أضحت شعارا تتستر خلفه الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها وتكريس هيمنتها على المجلس وعلى المجتمع الدولي، إلى الحد الذي دفع بأحد الباحثين إلى اعتبار أن هذه الشرعية أصبحت تتحرك بحسب "بوصلة أمريكية" (41). والغريب في الأمر أن تفعيل مجلس الأمن بالمنطق الأمريكي جاء على حساب تقزيم دور الجمعية العامة التي تضم دولا فقيرة وتهميش دور محكمة العدل الدولية.
رابعا: الإدارة الأمريكية للأزمات في المنطقة العربية
إن مقاربة النموذج الأمريكي لإدارة الأزمات الدولية والعربية في عالم ما بعد الحرب الباردة تتطلب منا التمييز بين الحالات التي تتدخل فيها هذه الدولة باسم الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وبين تلك الحالات التي تتدخل فيها بشكل منفرد تحت ذرائع مختلفة.
ففي قضية كوسوفو كان من الصعب على الولايات المتحدة التدخل باسم مجلس الأمن الدولي وذلك بسبب حق النقض الروسي ورفض الصين العلني لأي هجوم أمريكي على يوغوسلافيا السابقة، ولهذا لجأت واشنطن إلى حلف شمال الأطلسي واستغنت عن مجلس الأمن.
أما التدخل الأمريكي في أزمة البوسنة والهرسك التي برزت كإفراز مباشر لتفكك الاتحاد اليوغوسلافي السابق وإقدام جمهورياته على الاستقلال والذي أفضى إلى اتفاق دايتون عام 1995، فقد تم بعدما سمح لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إن تعمل كذراع عسكري للأمم المتحدة بموافقة من مجلس الأمن ذاته.
أما بخصوص الأزمات العربية التي نعني بها تلك الأزمات التي مست طرفا أو أطرافا عربية سواء في علاقاتهم البينية أو مع أطراف إقليمية أو دولية أخرى بمختلف مظاهرها وأسبابها وخلفياتها وتداعياتها، فقد نالت نصيبا وافرا من التدخل الأمريكي بكل أشكاله الودية والزجرية، وبدا واضحا الانحراف الأمريكي في إدارتها, فبرزت أزمات تمت إدارتها باسم الأمم المتحدة كما هو الشأن بحالة أزمة الخليج الثانية سواء قبل الحرب أو بعدها والأزمة الصومالية، ثم التعسف في إدارتها مثلما تم في قضية لوكربي وأزمات تمت رعايتها بنوع من الانحياز السلبي لأحد الأطراف المتصارعة بعد إبعادها عن الأمم المتحدة مثلما حدث مع القضية الفلسطينية.
ففي أزمة الخليج الثانية التي استعملت فيها استراتيجية إدارة الأزمات على نطاق واسع، وفي الوقت الذي كان العالم قد نسي فيه وجود منظمة دولية مسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، قامت الأمم المتحدة بتحركات غير مسبوقة نحو إدارة هذه الأزمة بمنطق أمريكي سواء على مستوى إجراء المفاوضات التي أجرتها هذه الدولة مع العراق في بداية الأزمة (42) أو على مستوى الانفراد بمبادرة اقتراح مشاريع قرارات أمام مجلس الأمن الدولي حيث تمكن هذا الأخير من استصدار عدد كبير من القرارات في هذا الشأن في زمن قياسي(43) وهو ما لم يعهد فيه من ذي قبل, وكان أهم وأخطر هذه القرارات هو القرار رقم 678 الذي سمح باستعمال القوة العسكرية لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت، وهنا ستخرج الأمور عن سيطرة الأمم المتحدة بعدما أضحت الولايات المتحدة هي صاحبة المبادرة سواء في تفسير بنود القرار السابق أو تطبيقه، فقد أسهمت هذه الدولة بحوالي ثلثي القوات والعتاد الحربي في مواجهة العراق، وبخاصة وأن القرار لم يحدد بشكل دقيق ومحدد الهدف من شن العمليات العسكرية ضد العراق أو طبيعتها أو نوع الأسلحة المستخدمة، لتتوالى بعد ذلك القرارات وتتوج بالقرار 687 الذي يعد من ضمن أكثر قرارات المجلس تعقيدا، فهو أطول قرار اعتمده على الإطلاق, سعى فيه إلى إشراك العراق بصورة متعاونة في تدابير ما بعد الحرب (44) والظاهر أن الولايات المتحدة هي التي فاوضت العراق على شروط وقف إطلاق النار وليست الأمم المتحدة وذلك لفرض تلك الشروط لتلزم الأمم المتحدة بها فتصير شروطا دولية (45).
ورغم أن الفقرة 21 من القرار 687 نصت على إعادة النظر في العقوبات المفروضة على العراق أو التخفيف منها كل ستين يوما في ضوء ما ينفذ من القرارات، فبفعل الضغوطات الأمريكية والبريطانية داخل المجلس فإنها لا تزال قائمة رغم آثارها اللاإنسانية على الشعب العراقي، ورغم استجابة النظام العراقي لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. والواضح أنه ورغم الانحراف الصارخ الذي تعاملت به الولايات المتحدة مع هذه الأزمة إلا أنها تمت بترخيص ومباركة من مجلس الأمن.
وباسم تطبيق قواعد الشرعية الدولية والتي تجسدها قرارات المجلس في الموضوع وفرض احترامها وخاصة فيما يتعلق بنزع أسلحة الدمار الشامل المزعوم توافرها لدى العراق, تسعى الولايات المتحدة ومنذ تدخلها العسكري في أفغانستان سنة 2001 إلى الإطاحة بنظام صدام حسين وذلك في خرق واضح لقواعد الشرعية الدولية ذاتها وخاصة تلك التي تحث على اتباع الوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية (الفقرة 3 من المادة الثانية من الميثاق الأممي) وعدم استعمال القوة في العلاقات الدولية أو التهديد باستعمالها (الفقرة الرابعة من نفس المادة) وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها (الفقرة السابعة من نفس المادة أيضا).
أما بخصوص الأزمة الصومالية التي برزت بفعل اندلاع القتال بين مختلف الفصائل داخل هذا البلـد (46) وتعرض الآلاف من شعبها إلى المجاعة، كإفراز إقليمي لنهاية الحرب الباردة إلى جانب عوامل داخلية مرتبطة بالصراع على السلطة إلى الحد الذي غابت فيه السلطة المركزية وانهار الجيش وتوزع بأسلحته على القبائل إلى درجة أن الشعب الصومالي أصبح مسلحا، بعدما ورث هذا التناحر القبلي ترسانة مسلحة تم بناؤها خلال الحرب الباردة (47), وفي غياب معلومات كافية عن هذه الأزمة, تدخل مجلس الأمن في البداية مركزا على الجوانب الإنسانية حيث اعتمد قراره رقم 733 في 23 يناير 1992 حث فيه جميع الأطراف المتناحرة على وقف إطلاق الأعمال العدوانية(48) وأمام تفاقم الأوضاع وعجز قوات الأمم المتحدة (يونصوم1) على احتواء المشكل، جاء القرار 794 والقاضي بتفويض الأمم المتحدة سلطة توفير القوات اللازمة لخلق بيئة آمنة لعملية الإغاثة في الصومال، ولم ينفذ هذا القرار إلا مع قيام الولايات المتحدة الأمريكية بمبادرة مفادها قيادة تحالف دولي يتضمن 25 ألف جندي أمريكي وخمسمائة فرد من دول أخرى (49)، لحماية أعمال الإغاثة الإنسانية، وتولت الولايات المتحدة قيادة هذه العملية التي أطلق عليها عملية "استعادة الأمل" تمهيدا لنقلها إلى الأمم المتحدة في إطار عمليات حفظ السلام، وفي غياب رضا الدولة المنهارة تم التدخل في هذا البلد وقد أشار القرار 794 في ديباجته إلى الطابع الاستثنائي لهذه الوضعية(50). ومع وصول القوات الأمريكية إلى الميدان دخلت هذه الأخيرة في صراعات مع بعض الفصائل الصومالية بعد تورطها في تحريض قوى ضد أخرى أملا في التحكم في هذا البلد ذي الموقع الإستراتيجي الهام في انحراف سافر بالمهام الإنسانية والسلمية الحيادية المنوطة بها.
مما أدى إلى سقوط ضحايا من الجنود الأمريكيين، حيث تحولت هذه القوات في أنظار الشعب الصومالي إلى قوات احتلال، بل إن الكثير من الفصائل الصومالية اتجهت نحو التحالف مع بعضها البعض ضد هذه القوات بعد اختلاط الدور الأمريكي بالأممي، قبل أن تقرر الولايات المتحدة قرارا حاسما بالانسحاب من الصومال, لتتولى الأمم المتحدة قيادة هذه العمليات في ماي 1993، وورثت الأمم المتحدة موقفا معقدا في هذا البلد بسبب الأخطاء الأمريكية، وهكذا وفي 3 مارس من سنة 1995 انسحبت قوات الأمم المتحدة من الصومال منهية بذلك عملية أممية من أكثر العمليات الأممية فشلا وإثارة للجدل والتي أثرت سلبا على مصداقية هذه المنظمة.
أما في أزمة "لوكربي" التي يمكن أن نصنفها ضمن خانة الأزمات المفتعلة لتصفية الحسابات فإن الولايات المتحدة وبعد مرور عدة سنوات عن حادث "لوكربي" حاولت استخدام مجلس الأمن باعتباره آلية تجسد الشرعية الدولية كمؤسسة لتمرير قرارات زجرية في مواجهة هذا البلد العربي، وقد ظهر التعسف والانحراف الأمريكي في إدارته لهذه الأزمة من خلال تسييس هذا المشكل القانوني الذي محوره اتفاقية مونتريال لعام 1971 الخاصة بحماية الملاحة الجوية، والتحكم في مسار إدارة المجلس لهذه الأزمة سواء من حيث جمع المعلومات والخاصة بالأزمة واستصدار القرارات وتطبيقها. وبخصوص القضية الفلسطينية التي حظيت باهتمام الأمم المتحدة منذ تأسيسها حيث أصدرت في شأنها العديد من القرارات والتوصيات (قرارات مجلس الأمن و242 و338... وقرارات الجمعية العامة 3089 و3236 و2646 و2672...) التي تؤكد الحقوق الفلسطينية. والدور الأمريكي في مسار هذه الأزمة كان حاضرا منذ زمن الحرب الباردة، فهذه القرارات وغيرها أضحى بلا فعالية ولا جدوى لكونها لم تكن في أغلب الأحوال مصاحبة بإجراءات ميدانية لتنفيذها بفعل التواطؤ الأمريكي, فما بين سنة 1948 و1989 أصدرت الجمعية العامة ومجلس الأمن 300 قرار إدانة للكيان الصهيوني إلا أن هذا الأخير لم يكترث بها لثقته المطلقة في حق الاعتراض الأمريكي الموضوع في خدمته، وفي المدة نفسها أدان مجلس الأمن هذا الكيان 46 مرة كان بالإمكان أن ترتفع إلى 68 قرارا لو لم تستعمل الولايات المتحدة حق الاعتراض. وبعد رحيل الاتحاد السوفيتي واندلاع أزمة الخليج الثانية وما تلاها من تدهور في الأمن القومي بكل مكوناته وتراجع للتضامن والمصالحة العربيين وتنامي الهيمنة الأمريكية على الشؤون الدولية وتراجع دور الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في إدارة الأزمات, انطلق مؤتمر مدريد للسلام الذي رعته الولايات المتحدة وأضحت فيه الأمم المتحدة مراقبة فقط بعد أن كانت طرفا رئيسيا في القضية ما يربو على النصف قرن(51)، بحيث أن هذه المفاوضات لم ترتكز بالأساس إلى قرارات مجلس الأمن الحاسمة (القرارات 242 و338 و181) وإنما تمت بشكل مفتوح لتنتهي هذه الاتفاقيات بمؤتمر كامب دايفيد الثاني الذي لعب فيه الرئيس الأمريكي الأسبق دورا شخصيا مباشرا لا يقارن إلا بدور جيمي كارتر في "كامب دايفيد" الأولى(52) وقد كتب لهذه المفاوضات غير المتكافئة التي جاءت نتائجها في مستوى التخاذل العربي والدولي والتواطؤ الأمريكي التعثر بسبب استمرار إسرائيل وكعادتها في وضع العقبات أمامها في جو من الصمت لراعية السلام (الولايات المتحدة) بل وبمباركة وتزكية منها.
وعقب أحداث 11 شتنبر كان هناك اعتقاد بأن الولايات المتحدة ستراجع سياستها الخارجية وخاصة في ارتباطها بأزمة الشرق الأوسط عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، لكن التطورات التي حصلت جاءت مخيبة للآمال، فالولايات المتحدة استمرت في تأييدها اللامشروط لإسرائيل وسياساتها بل عملت ولأول مرة على ضم فصائل فلسطينية تحررية إلى قائمة المنظمات "الإرهابية"، واستعمال حق الاعتراض أو التهديد باستعماله داخل مجلس الأمن لمنع إرسال قوات لحماية الفلسطينيين أو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الجرائم الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني، زيادة على توقيع الرئيس الأمريكي لقرار الكونغريس القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل- في انحراف صارخ لدورها كراعية للسلام في المنطقة وخرق لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة- ليصبح قانونا ساري المفعول، زيادة على تقديم الدعم المالي والعسكري لهذه الدولة وهو ما أفرغ الدور الحيادي الأمريكي المزعوم كوسيط في الأزمة نزيه من كل دلالاته ومعانيه.
وأمام هذا الوضع استغلت الحكومة الإسرائيلية الفرصة للتكثيف من تضييقها على الفلسطينيين واغتيال رموز المقاومة وقصف مؤسسات السلطة واقتحام المدن والقرى والمخيمات ومحاصرة الرئيس باسم وقف "الإرهاب"، والتبرأ من الاتفاقيات السابقة وحصر التفاوض حول الانسحاب إلى ما قبل 28 شتنبر 2001.
وإذا كان الدور الأمريكي في إدارة هذه الأزمة أصبح ملحا وضروريا بعد أن نجحت هذه الأخيرة في توريط الطرف الفلسطيني في مفاوضات غير متكافئة وغامضة الأفق مع خصم محصن وصلب يجيد حساباته ويعي تماما حجم التأييد الأمريكي والواقع المزري للأمتين العربية والإسلامية, فإن الولايات المتحدة ما فتئت تقلل من اتصالاتها مع السلطة الفلسطينية إلى حد تجميدها بذريعة كونها غير جدية في مساعيها نحو تحقيق السلام ووصفها بكونها ليست في مستوى الشريك المناسب لتحقيق السلام المنشود. وبالنظر إلى الأهداف والمصالح الجديدة للولايات المتحدة في المنطقة والتي تطورت منذ بداية التسعينات وبلغت قمتها في أحداث 11 شتنبر والمرتبطة بالعمل على الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل ومقاومة الحركات الأصولية الإسلامية ومحاربة الإرهاب وشبكاته ومنظماته وقواعده بل والدول التي تشجعه وتؤويه (53) فإن هذه الدولة لا تتحرك على أساس الحقائق الموضوعية التي ينطق بها الوضع، بل على أساس الانعكاسات التي قد تتركها هذه الحقائق على مصالحها وكلما كانت هذه المصالح ملحة وطارئة كلما سمت مرتبتها على سلم الأولويات (54).
وأمام وصول هذه القضية إلى أصعب وأخطر مراحلها بدأت الولايات المتحدة في البحث عن شركاء جدد للبحث عن مخرج لأزمة الاجتياح الإسرائيلية لمناطق الحكم الذاتي رغبة منها في عدم تحمل تداعيات ما آلت إليه الأمور التي تتحمل قسطا وافرا فيها وعدم وجود حل في الأفق القريب.
خاتمة: 
إن إدارة الولايات المتحدة للأزمات الدولية والعربية عموما تتم وفقا لسياسة واقعية تستحضر عناصر الربح والخسارة وتتوخى اختيار الممكن من بين عدة بدائل ولو كان سيئا، وإذا كانت الضوابط القانونية الدولية هي آخر ما تفكر فيه هذه الدولة عند مباشرتها لإدارة هذه الأزمات فإنها تستحضر مجموعة من العوامل التي تأخذها بعين الاعتبار وتحدد نوع وفعالية هذه الإدارة (إدارة تعسفية أو موضوعية...) والتي نجملها في مدى قوة أو ضعف الطرف المستهدف/الخصم ومدى ارتباط الأزمة بمصالح حيوية أمريكية وتأثيرها الآني أو المستقبلي على زعامتها.
وتظل السمة المميزة لهذه الإدارة في غالب الأحوال هي كونها تعكس قانون القوة بدل قوة القانون.
*****************************************
الهوامش:
1- تنص المادة 33 من الميثاق الأممي على أنه: "يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها.
2- علي صادق أبو هيف: القانون الدولي العام، الطبعة الثامنة 1966 منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، ص:759.
3- أمين هويدي: التحولات الاستراتيجية, البريسترويكا وحرب الخليج الأولى, دار الشروق , مصر, الطبعة الأولى 1997,ص 130 
4- محمد صدام جبر: المعلومات وأهميتها في إدارة الأزمات- المجلة العربية للمعلومات، تونس-المجلد التاسع- العدد الأول 1998.ص 66
5- وردت هذه التعريفات وغيرها في: عطية حسين أفندي عطية: مجلس الأمن وأزمة الشرق الأوسط، 1967-1977، دراسة حول فعالية المنظمة الدولية، الهيئة المصرية العامة للكتاب مصر 1986 ص: 23 و24.
6- أمين هويدي، م س، ص 131.
7- مايكل، س، لوند؛ منع المنازعات العنيفة، استراتيجية للديبلوماسية الوقائية، ترجمة عادل عناني، الطبعة الأولى 1999، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية (مصر) ص:59.
8- عثمان عثمان: مواجهة الأزمات , مصر العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1995، ص:14.
9- محمد الشافعي: إدارة الأزمات، مركز المحروسة للبحوث والتعريب والنشر,الطبعة الأولى, يناير 1999، ص:5.
10- عباس رشدي العماري: إدارة الأزمات في عالم متغير، مركز الأهرام للترجمة والنشر (القاهرة) الطبعة الأولى 1993، ص:1.
11- عباس رشدي العماري، م.س، ص:16.
12- عباس رشدي العماري، م.س، ص:19.
13- محمد الشافعي، م.س، ص:21.
14- غالبا ما تقدم الدول الكبرى على افتعال وتدبير هذه الأزمات في الدول الصغرى بهدف السيطرة على هذه الأخيرة وتحقيق مصالح خاصة.
15- محمد الشافعي: م.س، ص:6.
16- أمين هويدي: م.س , ص:132.
17- محمد الشافعي: م.س، ص:10.
18- محمد صدام جبر: م.س، ص:68.
19 -FRANK HARVEY : Rationalité et théorie prospective, 
un programme de recherche sur la gestion des crises internationales, revue d’études internationales, volume XXVII N°1 Mars 1996, P :15.
20- عثمان عثمان: م.س، ص:24.
21- عباس رشدي العماري: م.س، ص:22.
22- لا بأس من التمييز هنا بين إدارة الأزمات والإدارة بالأزمات، فالأولى كما ذكرنا هي محاولة التحكم في مسار الأزمات وضبطها وفق أسس علمية وقانونية واجتهادات شخصية، قيما تقوم الثانية على افتعال أزمات واقعية أو وهمية, تستخدم عادة من قبل بعض الدول والمنظمات كشكل من أشكال التآمر لتحقيق أهداف ومصالح خاصة.
23- شقيق ناظم الغبرا: النزاعات وحلها، إطلالة على الأدبيات والمفاهيم- المستقبل العربي- مركز دراسات الوحدة العربية- لبنان، ع 171 ماي 1993، ص:91.
24- أحمد عباس عبد البديع: إدارة الأزمات الدولية ودبلوماسية القوة مجلة السياسة الدولية (الأهرام، مصر) عدد 111 يناير 1993، ص: 126.
25- FRANK HARVEY-op cit p :16. 
26- أمين هويدي: م.س، ص:132.
27- يعتقد البعض أن تصوراتنا وملاحظاتنا ومعلوماتنا مهما كانت دقيقة حول أزمة معينة، فإن الأزمة التي تصورنا تفاصيلها لنضع لها إطارا نظريا للتعامل معها تختلف عن تلك التي تجري في الواقع، لمزيد من التفاصيل، يراجع: جيمس دورتي وروبرت بالستراف: النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي, كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع- الطبعة الأولى 1985، ص:231-232.
28- يرى أحد الباحثين أن توقع المنازعات لا يعني التنبؤ بتوقيت واتجاه الأحداث مستقبلا بدقة متناهية، أي أنه ليس ما يطلق عليه تسمية التنبؤ "أحادي النقطة" في دوائر المخابرات، فالإدعاء بإمكانية التنبؤ بمثل هذه الدقة – في نظر هذا الباحث- هو في الحقيقة أمر من الأفضل أن يترك للعرافين. راجع: مايكل لوند.م س، ص:139.
29- عباس رشدي العماري: م.س، ص: 21.
30- محمد نصر مهنا: مدخل إلى علم العلاقات الدولية في عالم متغير، المكتب الجامعي الحديث (الإسكندرية). ط 1998، ص:190.
31- حنان دويدار: الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، السياسة الدولية، عدد 124 أبريل 1996، ص:43.
32- محمد جاد: المعونة الأمريكية والأهداف الأمنية، مجلة السياسة الدولية، ع 127 (الأهرام، مصر) يناير 1997، ص:73.
33- عبد الخالق عبد الله: النظام العالمي، الحقائق والأوهام، مجلة السياسة الدولية، ع 124 أبريل 1996، ص: 43.
34- كريم حجاج: ملامح الإستراتيجية الأمريكية في القرن القادم – السياسة الدولية- ع 127 يناير 1997، ص:73.
35- أحمد عبد الحليم: الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، السياسة الدولية- ع 147، مؤسسة الأهرام، مصر, يناير 2002، ص:199.
36- رضا هلال: إمبراطورية...لكنها في أزمة، مجلة الوفاق العربي (لندن) ع 32- فبراير 2002، ص:36.
37- في الفترة ما بين 1946 و1955 على سبيل المثال، استخدم الاتحاد السوفيتي حق الاعتراض 75 مرة، واستعمله 26 مرة في الفترة ما بين 1956 و1965 فيما لم تستعمله الولايات المتحدة ولا مرة واحدة خلال هاتين الفترتين.
38- مصطفى عبد الله أبو القاسم خشيم: علاقات التفاعل بين أعضاء مجلس الأمن في إطار النظام العالمي الجديد، حالة أزمة الخليج، مجلة المستقبل العربي-عدد 168 فبراير 1993، ص:87.
39- منصور العادلي: القانون الدولي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، م السياسة الدولية ع 127 يناير 1997، ص:110.
40- وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الدول إلى المطالبة بتعديل ميثاق الأمم المتحدة بالشكل الذي يسمح بتوسيع العضوية الدائمة بهذا الجهاز حتى يعبر بصدق عن الخريطة السياسية والاقتصادية في العالم وعلى علاقات القوة السائدة فيه والمعنى الذي ينصرف إلى خدمة البشرية جمعاء، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع مكونات المجتمع الدولي بشماله وجنوبه، خصوصا وأن تشكيلته الحالية ما هي في واقع الأمر إلا تعبير عن موازين القوى في النظام الدولي الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية منه عن موازين القوى في عالم اليوم، وللإشارة فإن توسيع عضوية مجلس الأمن تقتضي تعديل المادتين 23 و27 من الميثاق الأممي وقد سبق تعديلهما في سنة 1963 عندما توسع العضوية من 11 عضوا إلى 15 عضوا.
41- عفيف البهنسي: الهيمنة الشاملة والنظام القطبي الوحيد، العرب وتحديات الهيمنة والعولمة، مؤلف جماعي-منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الطبعة الأولى 1997، ص:40.
42- قبيل اندلاع حرب الخليج (عاصفة الصحراء) بأيام جرت محادثات بين وزير الخارجية العراقي طارق عزيز ونظيره الأمريكي جيمس بيكر في جنيف وكأن الأمر يتعلق بمشكل أمريكي صرف. انظر نص المحادثات الكاملة في: نصوص الحرب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (الأردن) الطبعة الأولى 1992.
43- انظر مضمون هذه القرارات في: قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالحالة بين العراق والكويت، إدارة شؤون الإعلام بالأمم المتحدة، وثيقة:
44- D.P.I/1104/REV2-40513 May 1991-3M
45- الأمم المتحدة والنزاع بين العراق والكويت 1990-1996, إدارة شؤون الإعلام، سلسلة الكتب الزرقاء، المجلد التاسع, الأمم المتحدة نيويورك 1996،ص:33.
46- عبد الإله بلقزيز: ماذا تبقى من الأمم المتحدة؟ في العدوان على العراق والمجتمع الدولي، منشورات إفريقيا الشرق 1999 ص:31 و32.
47- حول أهم هذه القوى المحلية والفصائل الفاعلة في الصومال، يراجع: نجوى أمين الفوال: الأزمة الصومالية وعام من التدخل الدولي، مجلة السياسة الدولية-ع 115 يناير 1994، ص:63 و64.
48- نجوى أمين الفوال: انهيار الدولة في الصومال، السياسة الدولية، عدد 112 أبريل 1993، ص:8.
49- الأمم المتحدة والصومال: 1992-1996، سلسلة الكتب الزرقاء، المجلد الثامن، إدارة شؤون الإعلام، الأمم المتحدة، نيويورك 1996، ص:19.
50- هالة سعودي وآخرون: الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة في: الأمم المتحدة، ضرورات الإصلاح بعد نصف قرن، وجهة نظر عربية, مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، ص:70.
51- Jean More Sorel: La Somalie et les Nations Unies, Annuaire Français de droit international. Edition du C.N.R.S Paris P : 74 et 75.
52- في سنة 1991 تمكنت الولايات المتحدة من قيادة حملة ناجحة لإلغاء قرار الجمعية العامة والقاضي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال التمييز العنصري، بل إن العديد من الدول العربية صوتت لصالح هذا القرار.
53- السيد أمين شلبي: هل حققت الولايات المتحدة مصالحها في الشرق الأوسط؟ م شؤون عربية (الأمانة العامة لجامعة الدول العربية) ع 109، ربيع 2002، ص:32.
السيد أمين شلبي: م.س، ص:34.
54- حسن صعب: الدولة الفلسطينية المستقلة في السياسة الأمريكية. م شؤون الأوسط: ع 105 شتاء 2002 مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق ص:247.

ملحوظة: هذه الدراسة منشورة بمجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، عدد 287 بتاريخ 1-2003

مجرى العلاقات في المسرح المحلي والدولي.د هشام عوكل

مقدمة

البداية كانت مشكلة بسيطة ، لم تجد من يتصدى لها ، ثم استفحلت حتى صارت كالوحش الكاسر تأتي على الأخضر واليابس ، هام الجميع على وجوههم في السؤال عن كيفية الخلاص منها .... وظل البحث والسؤال لسنوات وسنوات لايجاد مخرج من سوادل الليل المظلم التي حاكتها عن قصد أو غيره أياد خفية .. غيرت مجرى العلاقات في المسرح المحلي والدولي ، لتصبح بحق ذات مفهوم معقد تلوح أركان المأزق من مجرد إسمه ( أزمــــة ) .. فما طبيعة ادارة الأزمات الدولية ؟
لمحاولة الاحاطة بهذا المفهوم الشائك وما يتعلق به من أطر نظرية وعملية في آن واحد ، حاولنا من خلال البحث المتواصل ضبط جملة من الفرضيات أبرزها وأهمها : بقدر ما تتناول الأزمة بالتحليل والتعمق في فهم ركائزها وأركانها بقدر ما تتنوع حلولها وتتضح معالم آفاقها ..
وللاحاطة بمختلف جوانب الاشكالية المطروحة انتهجنا المنهج الوصفي والتاريخي ، لتنسج خطتنا على فصلين ، فبعد المقدمة نستعرض في الفصل الأول مفهوم ادارة الازمات الدولية كإطار نظري لنتطرق في الفصل الثاني الى آليات ادارة الازمات الدولية كإطار تطبيقي عملي ، فالخاتمة ...

الفصل الأول : مفهوم ادارة الازمات الدولية
المبحث الأول : تعريف ادارة الازمة الدولية

 أولا : تعريف الأزمة – لغة : تعني الشدة والقحط والضيق وأصل الكلمة اغريقي ( krisis) وتعني القرار ( decision) ، وفي الانجليزية تعني التحول إلى الأسوأ في مرض خطير أو خلل في الوظائف ، أما في اللغة الصينية ( wetji ) وتعني الفرصة والخطر أي عندما تتعرض للخطر انتهز الفرصة وحقق ما تحلم به ..
- اصطلاحا : هي موقف أو حدث يتسم بالخطورة والعمق واتساع التأثير مما يجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على الأوضاع بالطرق والاساليب والامكانات المعتادة ... انها نتاج مجموعة من التتابعات التراكمية التي يغذي كلا منها الآخر الى أن تصل الى الانفجار وهي أنواع عدة : أمنية – اقتصادية – اعلامية – ثقافية ..... وتتميز عموما بجملة الخصائص التالية :
- وجود مجموعة قوى تشكل ضغطا على السلطة السياسية
- وجود تهديد سياسي لمصالح كيان الدولة وأهدافها واستقرارها
- قد يتطلب التعامل مع الازمة الاستعانة بقوى خارجية للتغلب عليها
- محدودية الوقت لاتخاذ القرار الملائم
- التوتر والقلق المصاحب لظروف اتخاذ القرار
- تجلب الازمة مؤيدين ومعارضين من الداخل والخارج بحسب الطبيعة والمستوى ..
 ثانيا : تعريف الازمة الدولية :
هي الحد الذي يبلغه التناحر الدولي والذي يؤدي الى تعطيل سير النظام أو يحول دون تأديته لوظيفته أو إحدى وظائفه ... ولقد انقسم الكتاب في تعريف ازمة الدولية الى ثلاث مدارس :
- المدرسة النسقية : ابرز روادها كورال بيل – سنايدر كلين – أوران يونغ
- مدرسة صنع القرار : ابرز روادها فارلس هيرمن – هولتس – جيمس روبنسون ..
- المدرسة التوفيقية : أبرز روادها مايكل بريشر

 ثالثا : تعريف الادارة :
النشاط الموجه نحو التعاون المستمر والتنسيق الفعال بين الجهود البشرية المختلفة من أجل تحقيق هدف معين بدرجة من الكفاءة العالية ...
انها جملة من التفاعلات الموجهة لايجاد حلول لبعض المعضلات الحادثة سواء مفتعلة أو مفاجئة ، تقوم على التخطيط والتدريب بهدف التنبؤ بالازمات ومعالجتها والوقاية من عواقبها ...
 رابعا : أبرز المفاهيم ذات العلاقة :
لعل أهم المفاهيم المرتبطة بمصطلح الازمة : الصراع ، النزاع
- الصراع : تصادم الارادات حيث يكون هدف كل طرف تحطيم الآخر كليا أو جزئيا ..
- النزاع : عادة ما يكون قانونيا ، ويعني الخلاف وعدم الاتفاق ..
كما نميز أيضا مفاهيم أخرى ( أوضحناه في المطبوعة المرفقة )
- الكارثة
- القوة القاهرة
- الصدمة
- المشكلة
- الخلاف
- الحدث

الفصل الاول انتهى

الخميس، 23 مايو، 2013

إدارة الأزمــــات ... الإدارة و الحلــول



فاضـل الصفار

إن العديد من الذين دخلوا في النزاعات كأطراف أو وسطاء لاحظوا أن هناك قواسم مشتركة في أكثرها. بعضها يساهم في تأجيجها وبعضها يمكن أن يساهم في حلها إذا عرف المتنازعون كيف يتعاملون معها.
ولعل من يدخل في النزاع دخول الحاذق الفطن سيلتفت إلى الأسباب والدوافع التي كانت وراء تأجيجه وإذا درس الأسباب سيتوصل إلى طرق جيدة للحل أيضاً فإن قانون السببية الحاكم في الأشياء يقضي بعدم وجود مشكلة لا تقبل الحل أو التحجيم. لكن إذا عرفت الأسباب والدوافع..

القواسم المشتركة
1- إن العديد من الناس يتخوف من النزاع ويعده شكلاً من أشكال الحرب والقتال مع الآخرين هذا التخوف من أهم الاسباب التي تتوفر في أكثر النزاعات وتزيد من تأجيجها لأن في الحرب ينقسم الأطراف عادة إلى قسمين.، طرف منتصر وآخر مهزوم.،.، وفي أكثر الحروب يدوس الأطراف على المبادئ والقيم ويخرقوا القواعد الأخلاقية النبيلة من أجل كسب النصر.، لأن الهدف الأولي الذي يريده كل طرف محارب هو التحكم بالآخر وفرض إرادته عليه وهذا يتطلب أن يستخدم الأطراف كل الطرق المتاحة لتحطيم الخصم والقضاء عليه شخصاً أو شخصية (إلاّ القليل طبعاً).
وعلى هذا الاحساس تنمو مشاعر الخوف والقلق وتزداد الحاجة إلى رفع مستوى القدرة كما تزداد الوسوسة والتشكيك بكل خطوة يخطوها الطرف الآخر عديم القيم والأخلاق في نظر الخصم ومع هذا الخوف والقلق تتوالد التراكمات النفسية والعصبية وتكبر الضغائن التي سرعان ما تنفجر بأدنى ملامسة أو إحتكاك.، هذا أولاً.،.، وثانياً.،.، (تأجيج النزاع)
2- في الغالب لا يوجد طرف واحد يتحمل مسؤولية تصعيد النزاع وعليه تقع كل تبعاته ويبقى الطرف الآخر خال من أي ذنب أو تقصير بل تؤكد التجارب والدراسات الميدانية للأزمات أن النزاع لا ينشب مالم تكن هناك عوامل مساعدة.،.، تنضم إلى الدوافع والأسباب فتزيد فيه اشتعالاً.،
قد توجد بعض الأطراف تحمل دوافع نفسية للنزاع والخلاف وقد توجد بعض الأطراف تجد مبررات للنزاع سواء في المصالح أو الأفكار إلا أن صاعق التفجير يبقى بيد الطرف الآخر الذي يتعامل معها.،.، فان العديد من الأفراد يهيئون للآخرين الفرص السانحة لإعلان الحرب.،.، وبذلك يكونون قد ساهموا في تأجيج المعركة بدلاً من حلّها.،.، فأن من الواضح ان كل طرف يحب مصالحه واهدافه ويسعى لتحقيقها.،.، ومع انه قد يجد أن الطريق الوحيد أو المناسب (على الأقل) للوصول إليها هو الحرب إلاّ أنه يبقى يتخوف من ويلاتها ومضارها وما يترتب عليها من التبعات والمسؤوليات.، ومن هنا فإنه يترقب الأحوال ليتجنب قرار البدء والتفجير.،.، فإذا وجد الأرضية المناسبة دخل المعركة وعندها سيجد لنفسه وللآخرين مبرر النزاع ويلقي باللوم على خصمه لأنه هو الذي سبب ذلك.، ولعلَّ القاعدة المعروفة التي تقول: أن السبب أقوى من المباشر.،.، تنطبق في بعض هذه الحالات فأنك إذا لاحظت
العديد من النزاعات تجد أن المتنازعين يتذرعون بهذه وأمثالها من الحجج وبالتالي فأن الذي قدح الشر واستفزّ كوامنه يدخل سبباً من أسباب الحرب بصورة وبأخرى.، صحيح أن بعض المعارك بدأت من طرف واحد وكان فيها طرف ظالم وآخر مظلوم.، إلاّ أن الغالب الذي نجده في العديد من النزاعات ان المظلوم اعطى بيد الظالم سلاح المعركة وهيأ بعض الأجواء للدخول فيها.، فعلى الوسطاء المصلحين أن يدرسوا محفزات النزاع أيضاً عند دراستهم للأسباب.، ليمسكوا بمفاتيح الحل بشكل أفضل.،
التفكير في البدائل
3- ان العديد ممن خاض النزاع لم يخضه حبّاً به أو شوقاً إليه.،.، إلاّ أنه وجده طريقاً وحيداً أو مناسباً لتلبية الأهداف والطموحات ولعلهُ لو وجد طريقاً وسطاً يضمن له المصالح ويجنبه اضرار الحرب لما دخل فيه.،.، وهنا قد تجد المقولة المعروفة في (قواعد الحرب) مصداقيتها.، المقولة التي تقول: (أن الحرب قد تكون سبباً من أسباب السلام أيضاً) ومعناها: ان الحرب سلاح وليست نهجاً.،.، ووسيلة وليست غاية والعديد من الأطراف عندما تغلق أمامهم طرق الحوار أو تعجز لغة المنطق تكون الحرب الوسيلة الوحيدة للتفاهم فيما بينهم إذ لا يجدون امامهم طرقاً أخرى أو طرقاً أفضل.،.، ومن هنا نجد أن وراء أكثر الحروب المستمرة اطراف تتحاور وتتفاهم، ونحن وإن كنّا لا نؤيد هذه المقولة بشكل عام إلاّ أنه لا مجال لإنكار أن النزاعات في الغالب تنشأ بسبب عجز الأطراف عن الحلول السلمية إذ تتصاعد الأزمة وتزداد الدوافع ثم تنفجر بشكل أو بآخر ليفرض كل طرف ارادته على الآخر بالعنف مهما أمكن.، ولذلك علينا أن نلتفت إلى ان العديد من الأطراف ليسوا بذاتهم عدوانيين أو عديمي الأخلاق والقيم فيميلون الىالحرب دائماً بل قد يدخلون الحرب لأنهم يجهلون الطرق الوسطى (أو سبل الوصول اليها) التي تجنبهم ويلاتها وفي نفس الوقت تضمن لهم مصالحهم أو تحقق لهم أهدافهم وما دامت هناك طرق سلمية لمعالجة الأزمات فأن الحرب آخر الدواء في نظرهم.،
وعليه ينبغي أن نفكر دائماً (كأطراف أو وسطاء) في البدائل الصحيحة ونضع أمامنا خيارات عديدة مفتوحة على السلام.، فربما يضمن الإنسان نفسه في أنه لا يتخذ قراراً في الحرب مهما كانت النتائج أما نكراناً للعنف أو تجنباً لاضراره أو قل أنه قد يعرف كيف يتعامل مع الازمة بطريقة حكيمة إذا انسدت في وجهه الأبواب إلاّ أنه لا يضمن هذه الحكمة في طرفه الآخر.،.، ولا يعرف بالضبط
كيف سيتعامل الآخرون مع الامور إذا وجدوا الطرق مسدودة أمامهم.،.،
إذن وضع الخيارات العديدة والتفكير في البدائل الســــلمية ومحاسبة الاحتمالات في الفعل ورد الفعل يسدّ على الحرب أبواباً ويفتح أبواباً واسعة للسلام.،
خطوات وحلول
* لعل من الصعب أن نتصور وجود جماعة بلا اختلاف.،.، كما أن من الصعب أن نرى العالم متطوراً متكاملاً بلا وجود صراعات في بُعديها الإيجابي أو السلبي فان الصراع غالباً ما يحفز الدوافع للثبات والوقوف بقوة وتصميم وإرادة ولولاه لفترت كثير من الهمم وتعطلت الكثير من الطاقات والإبداعات.،فأن من الواضح أن التطور والنجاح يتوقف على الإرادة الحديدية وهي لا تنمو وتكبر مالم تشدها الإبتلاءات والمحن والمصاعب.،.، فان مواقف الصراع بشكليه يفجر مخزوناً كبيراً من الطاقة لدى البشر يمكن أن يكون قدرة عظيمة إذا وجهت بالإتجاه الصحيح كما أن محاولات التوفيق والمصالحة بين المصالح والحاجات والأهداف الكبرى يشكل منبعاً أساسياً للأفكار الخلاَّقة والحلول المبدعة والإرادة القوّية.،.، وعليه فأن من الحكمة أن ننظر إلى الصراع نظرة إيجابية متفائلة إذا خططنا لتوجيهه واستثماره بالشكل المطلوب.، وعندما نخاف من مخططات الصراع أو نتعامل معها كما نتعامل مع الحرب فأننا نكون قد فقدنا إمكانية
التعرف عليه حقاً فضلاً عن إستثماره.، وهذه أول خطوة بإتجاه الفشل.،.، اترى يوجد اشدّ من النار ضراوة ووطأة.، إلاّ أن التخوف والهروب منها يزيدنا خسارة فوق خسارة إلاّ أن التعامل معها بشكل إيجابي صحيح يعطينا من الأرباح الشيء الكثير.، والأمر نفسه يجري في الدواء وغيره وهكذا.، إذن.،.، علينا أن نفكر في أسباب الصراع ودوافعه قبل أن نحكم عليه،.، وعلينا أن ندرس سبل توجيهه وإستثماره قبل أن نخوض فيه .، وبذلك نكون قد خطونا أول خطوة باتجاه الحل.،
إدارة الأزمة
* والخطوة التالية.،.، ان نعرف أن منبع الصيغ المختلفة للمعارك والمنازعات بين الأطراف والخطوط والجماعات ليس التعددية والاختلاف في الآراء والمذاهب بل المنبع هو أساليب التعامل مع الإختلاف وطرق إدارته.،.، فإن التنوع والإختلاف أمر لا مهرب منه (كما قلنا) وعلينا أن نفكر كيف نتعايش معه ونديره ثم نستثمره للأفضل بدلاً من الهروب منه أو الخوض في تأجيجه.،.،
ولعل من أهم مقومات إدارة الصراع التوفر على قسط كبير من الثقة والطمأنينة بين الأفراد والجماعات فأن الكثير من حالات الإنفصال والخصومة ناشئة من إنهدام جدار الأمان والوثاقة بين الأطراف.،.، فإذا وفرناها سنكون قد هيأنا فرصاً أكبر للحلول.،.، ومن الواضح أن الوثاقة بالخصم لا تحصل من الهواء بل لا بد أن تجتمع مجموعة ضخمة من خصال النبل والفتوة فينا وفي أصدقائنا حتى نتمكن من زرع الثقة في الأوساط.،.، وربما في خصومنا أيضاً (لان بعض الصفات موروثة).، ولعل من أهمها.،.، التدليل على صدق النوايا والواقعية.، بنهج واضح مستقيم وبتطبيق للمبادئ والشعارات والمشي المتواصل في سبيل الأهداف المثلى وعدم الإنجرار وراء هذه أو تلك من هوامش الامور وصغائرها أما ما يظهرنا بصورة المتراجعين فإن من أكثر ما يزيل ثقة الأفراد بنا ثم ثقتنا بأنفسنا فضلاً عن ثقة أطرافنا الأخرى فأن نكون على نهجين أو صورتين .،.، يمنع ثقة الناس بنـــا ويقودنا بالتالي الى الخسران.،
فان من الصعب على الناس ان يوائموا بــيــــن حالتين تبدوان متناقضتين أو متضادتين وإن كنا نجد لهما ما يبررهما ويفسرهما بالوجهة الصحيحة.،فان نكون واضحين في الخطوات والأهداف أفضل من أن تكون صورتنا مبهمة تثارحولها التساؤلات والشكوك.،.، وإن عاد علينا الوضوح ببعض الخسائر لقاء ما نحظى به من أرباح مادية ومعنوية وبالتالي فأن من يحتدم مع طرف واضح النهج والسلوك يجد للقيم مكانتها سيحصِّل ضمانا جيداً للنتائج وطرقاً مناسبة للحلول وان إحتدم النزاع وطالت مدته بعكسه اذا كان مبهماً غامضاً يتقلب مع الأمور كيفما إتفق.،
ومن الواضح.،.، ان هذه ليست قاعدة مطردة تجري في كل مكان ومع كل خصم إذ هناك إستثناءات تمليها طبائع النزاعات وخصوصيات بعض الخصوم.،.، فان بعض الخصوم لا يصح أن نكون معه واضحين من كل الجهات لأن هذا من شأنه أن يوفر له فرصة أكبر وافضل لضربنا والتأثير بنا.، والبعض الآخر يعدّ هذا ضعفاً وهزيمة فيتمادى في العدوان ويجرّ النزاع إلى التصعيد اكثر إلاّ أن هذا ليس قاعدة عامة أيضاً لذا فإنَّ من الحكمة بمكان أن ندرس جيداً طبيعة النزاع واسبابه وخصوصيات أطرافه مع أخذ شرائط الزمان والمكان والظروف العامة بنظر الاعتبار.،ولكن ينبغي أن لا ننسى أيضاً بأنه لازال العديد من المدراء والقادة والموجهين بل والدول أيضاً يعملون بحسن سمعتهـــم وقوة إعتــبارهم وحنكتهم ويتمتعون بدور فاعل في الأوساط واستطاعوا أن يحققوا الكثير ولم ينفقوا مالاً ولم يرفعوا سلاحاً سوى سلاح الرؤية الحاذقة والسيرة الحسنة والحكمة والتدبير.،
الشجاعة والوضوح
* لعل الكثير منّا خاض في بعض مراحله تجارب إصلاحية قام فيها بأنهاء نزاع أو تخفيف حدّته أو نجح في إصلاح بين طرفين متخاصمين.،.، وإذا تتبعنا بعض الخطوات الناجحة في هذا الإتجاه سنجد أن هناك نحوين من الشعور ينتاب اطراف النزاع عادة:
الأول: يحثهما إلى التواصل والتلاقي فان ضرورة معرفة الطرف الآخر وبِمَ يفكر وكيف يفكر وماذا يريد؟ تدعوهما إلى الحفاظ على بعض خيوط الربط مهما أمكن.،.،
الثاني: شعور بالرضا والسعادة بعد الصلح يحثهما نحو الإيجابية والتفاؤل والأمل من جديد بعد أن عاشوا أجواءاً من القلق والخوف ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا ان هذين الإحساسين يلازمان أكثر حالات الصلح والتفاهم الأول تفرضه أجواء النزاع والخصام والثاني تفرضه اجواء الصلح والسلام ويرى بعض علماء النفس: ( إن كثيراً من الأزواج يشعرون بالحب والتفاهم الأكبر مع شركاء حياتهم إذا إتفقا على الحل وصفّا العوالق بعد فترة خصام.،.، لأن الخصام قد يدعو كل طرف للتعبير عما يدور بداخله من هواجس وافكار وشعور بالنقص أو الحاجة.،.، أو الشعور بالشكوك والآلام حيال الآخر ومن ثم سيكون هذا الهيجان بوابة للحل إذ يتوصل كل طرف إلى تقدير مشاعر الآخر ورعايتها بالشكل المناسب للوصول إلى توافق تام وحل مشترك يرضي الجميع) وحيث أن الطبيعة البشرية واحدة لذا قد لا يختلف الأمر في الأسرة أو في المؤسسة أو ساحة العمل وإن اختلفت في بعض الأمور الاخرى ومع أن هذه ليست قاعدة عامة (كما أن هناك طرقاً أخرى للتعبير عن المخاوف والشكوك غير التصعيد والمشاحنة) إلاّ أنها تحمل بعض الحقيقة عند بعض الأفراد فإن الأحاسيس الكبيرة والمسائل المعقدة والخطيرة التي يحملها تجاه الآخرين إذا لم تجد فرصة للظهور فانها ستتراكم ثم تنفجر بشكل سلبي يصعب علينا تحجيمها أو تجاوزها.،
صحيح أن تجنب أو تأجيل المناقشات في بعض المشاكل والازمات واستيضاح جذورها وحلولها يوفر علينا في بعض الأحيان اعصاباً وجهوداً ونغطي على بعض العيوب وبالتالي فان التجاوز وغض النظر من أهم مقومات الإدارة الناجحة إلاّ أن مما يؤسف له أنه لا يصح الإعتماد عليه دائماً لأن تجاوز الخلاف وتجنّبه لا يحقق هدفه إلاّ إذا كان مدروساً ومتوازناً ومحسوباً في معادلات إدارية موثوقة أو لا يتمكن من إنجاحه إلاّ بعض المدراء الذين يملكون قلوباً كبيرة ونفوساً رحبة مع حنكة وقدرة جيدة على إزالة الضغائن ومحو آثار الخلاف وقليل من المدراء الذين يملكون هذه القدرة الكبيرة، لذا فان من الحكمة بمكان أن نمتلك شجاعة الفحص بصراحة ومنطقية عن الأزمات وندرس أسبابها وسبل حلّها ثم نقوم بشرحها وتوضيحها إلى الأطراف الأخرى لكي نغلق أمامهم وأمامنا طرق التصعيد أو المواجهة قبل الانفجار فان مواجهة المرض في أوائله ثم معالجته يؤمن لنا خطورة المواجهة بعد الإستفحال كما يوفر لنا جهوداً وفرصاً كثيرة نصرفها في البناء والتطوير.،.
التواصل ضرورة لابد منها
* وحتى نتمكن من تحقيق هذا الهدف (أي القضاء على الخلاف قبل أن يكبر) ينبغي أن ننفتح على أطراف الخلاف ونتواصل معهم (تواصلاً مدروساً) ونبادلهم الرأي في موارد الخلاف أو نقاط الإثارة.،.، فان القطيعة التامة وكتم الأمور في زوايا القلوب يحبس العقد ويزيد من تفاقمها ثم يسبب لنا ولخصومنا تراكماً كبيراً من الإنفعالات السلبية التي من شأنها أن تنفخ في نار الصراع.،
وقد أثبتت بعض التجارب ان حبس المشاعر وتجنب إثارة الحديث عن الصراع يسبب في العديد من الأحيان إلى ان ينحى تفكير الأطراف منحاً سلبياً يغيب فيه المنطق ويحكم الغضب فأن من طبيعة بعض الناس أن يصنع عن خصومه صوراً شديدة في مخيلته واوهامه وهذه الخيالات والأوهام قد تكون أشد خطراً وضرراً عليه من خوض النزاع نفسه.،.، لأنه سيكون صورة مكبرة ومضخمة عنه.،.، إن بمقدور كل واحد منّا أن يتذكر العديد من المنازعات التي خاضها بنفسه هو أو خاضها غيره وكيف بدأت تكبر ثم تكبر حتى خرجت عن حدها الواقعي بسبب القطيعة المستمرة وعدم التنفيس والتواصل.،.،
فأن كل طرف أخذ يحسب لطرفه الآخر ألف حساب ويخطط له مخططاً تلو الآخر ويتصور عنه تصورات هي في الكثير من الأحيان من نفخ الشيطان ووساوس إبليس إلاّ أنها زالت لدى أول لقاء أو حوار أو مفاتحة إن الارتياح الذي يحس به أطراف النزاع لزوال المخاوف والشكوك بعد المصالحة أجدى وربما اكبر من توترات القلق قبلها.،
لنترك الأوهام

* إذن بدلاً من أن نحسب لأطرافنا الأخرى ألف حساب وحساب قبل التثبت الدقيق ومدارسة الأمر فلنحسب للأوهام والهواجس بعضاً من الحساب لأنها في كثير من الأحيان تصنع من النملة جملاً ومن الحبة جبلاً.، وعندها توقعنا في شراك الأخطاء الكبيرة وتدفعنا للمشي في طريق لا يستحق المشي أو مقابلة الفعل أو رد الفعل بما هو أكبر وأخطر منه دون شعور وإلتفات.،.، وبذلك نكون قد خسرنا ليس في بعد واحد بل في أبعاد مختلفة بعد أن نكون قد سلمنا الخصم فرصاً كبيرة للأضرار بنا من حيث لا نحتسب فلنعط إذن كل شيء مقداره ونحسب للأشياء حسابها ولكن بحجمها الواقعي لا اكثر ولا أقل لأن الأوهام التي لا يتم تمحيصها ودراسة واقعها من خيالها ومقارنتها مع الواقع المدروس هي أيضاً ستصبح بعد فترة بسيطة مخاوف ودواعي قلق كبيرة خارجة عن قدرتنا وحكمتنا وبالتالي نفقد السيطرة عليها أو ضبطها كما نريد وهذه الهاوية التي نكون قد وضعنا أقدامنا باتجاهها باختيارنا نتيجة التسرع والارتجال.،
ولو لاحظنا العديد من النزاعات الشخصية أو الجماعية سنجد أن للأوهام دوراً فاعلاً في تناميها لأنها غالباً ما تكون وراء أحكام كل طرف على طرفه الآخر كما هي وراء تفسيره المنحاز ضد أفعال وتصرفات الآخرين الأمر الذي يدعو إلى إتخاذ مواقف أو قرارات تضر به وبالآخرين معاً.،.،
بينما نجد أن المحادثات المفتوحة والتي تتمتع بالصراحة والوضوح كانت سبباً في العديد من الأحيان لإكتشاف كل طرف طرفه الآخر وتفهم وضعه وتقدير مشاعره ومصالحه.،.، وكلنا نعرف كم من النتائج الأيجابية التي سنحصل عليها جرّاء هذا التواصل والإنفتاح.،.،فأن أول ما يصنعه التواصل والحوار المفتوح هو أنه يقطع الطريق أمام الشكوك والأوهام ويزيل الكثير من المخاوف.،.، ويذكرنا دائماً ان الأطراف الذين تأزمنا معهم هم أشخاص عاديون مثلنا، لهم أفكارهم وطموحاتهم ولهم نوايا طيبة ويريدون الإصلاح والخير للجميع والقليل النادر هو الذي يخرج كما تصورناه في بادئ الأمر من سوء النية وخبث السريرة والإندفاع نحو العدوان وقد أكدت القواعد الشرعية في الآيات والروايات والسيرة الشريفة بأن الأصل هو الصحة في الأقوال والأفعال إلاّ ما أخرجه الدليل.، فليس من الحق ان نحكم على الآخرين بأحكام مسبقة ونتجنب مواجهتهم والتحادث معهم للتعرف على حقائق الأمور عن قرب دون تثبت ويقين.،.، ولعل من المناسب أن نقترح.،.، إلى الذين إبتلوا بالأزمات ودوّختهم نــــزاعاتها.،.، أن يقوموا بين آونة وأخرى بزيارات أو يجتمعوا بالأطراف المتعاملة معهم من قريب أو بعيد سواء للمجاملة والإحترام أو لتبادل الآراء والتداول في الأمور التي يرونها مناسبة فإن هذه الزيارات والإجتماعات ستكون صمام أمان أو قناة تنفيس عن تراكمات الهموم والأوهام ولو بعض الشيء والفوائد التي ستترتب عليها عديدة يمكن إختصار بعضها في:
1- انها ستوضح لكل طرف حقيقة آرائه ومواقفه وبذلك يزول الغموض والقلق.،.،
2- إنها تحول دون إنفجار النزاع أحياناً قبل أوانه وربما تقضي على جذوره أحياناً أخرى بعد ان يطمأن كل طرف بحقيقة ما جرى ويجري.،
3- انها تهدئ من شدّة النزاع وتخفف وطأته على الطرفين.،
4- ربما تعطي فرصاً جيدة للتفاهم ثم التعاون والتنسيق وبذلك نكون قد بدلنا الحرب إلى سلام والخلاف إلى توافق.،.، 
والتشاور ضرورة أخرى 
*قد يستصعب البعض ان يفتش عن الحلول عند الآخرين اذا وجد نفسه عاجزاً عنها.،.، ولعل البعض يعدّه نوعاً من الهزيمة والضعف.،.، والأغرب منهما من يعدّه نقصاً أو عيباً إلاّ أن العاقل اللبيب هو الذي يفتش عن الحكمة أينما وجدت فأن الحكمة ضالة المؤمن.،.، وعلى الطرف النقيض من هؤلاء نجد الآيات والروايات الشريفة لأنها تدعو إلى التشاور ومشاركة الرجال في عقولها وايضاً السيرة المستمرة لعلماء المسلمين بل وسيرة العقلاء وذوي الشأن والبصيرة فأنهم لا يستصعبون على أنفسهم أن يسألوا الآخرين عن الحلول في مواقع الحيرّة كما لا يجدون أي حرج من إشراك الآخرين في البحث عن الخطوات الصحيحة والطرق السليمة الموصلة ليس إلى إنهاء النزاع فقط بل إلى كل أمر ذي شأن وخطورة.،.، وهذا ليس عيباً ولا ضعفاً بل النقص أن نخوض في نزاعات تجرنا إلى الهوامش وتبعدنا عن الجذور.،.،
والعيب أن ننشغل في أمور قد تشابه أعمالاً ليست من شأننا أو أخلاقنا وقيمنا.،.،ولا ننسى أن العديد من النزاعات تخوض في الباطل وفي مجالسها توجد شبهة مجالس البطالين.،.،
وعليه فإن اللبيب هو الذي يبحث عن الحل.،.، فأن عجز عنه كُلاً أو بعضاً.،.، فإن الحكمة والعقل يدعوان إلى عقد مجالس مشاورة وتداول مع اطراف أخرى محايدة أو منصفة من كلا طرفي النزاع للوصول إلى الحل ومضافاً إلى هذا لا تخفى علينا النتائج المربحة الكبيرة التي سنحصدها جراء هذه المشاورات لأنها ستعود علينا:
1- بإظهار حسن النية والجدّية في طلب الحل وهذا امر من شأنه أن يعكس نظرة إيجابية إلى الطرف الآخر أيضاً فيهدئ من قلقه ويطفي بعض ضغائنه.،
2- أنها قد تدعو الطرف الآخر للتفكير جديّاً أيضاً من أجل إيجاد صيغة مقبولة للحل وبهذا نكون قد هيأنا دافعين في الطرفين إلى التقارب والتفاهم مما يزيد من نسبة النجاح.،
3- وإذا لم يتحقق كل ذلك نكون نحن قد حصلنا على وسطاء جيدين أو أعوان قد يفهموننا جيداً ويحترمون ما نريده ونتطلع إليه الأمر الذي يعطينا قدرة أكبر على مواجهة الأزمة بثقة وإطمئنان ومن المعروف بين أهل الرأي والمشورة ان اصعب الأزمات وأكثرها خطورة تسهل أمام أهلها إذا خاضوا فيها جماعة بعد تشاور وتداول والعكس صحيح أيضاً لأن الأشياء تعرف بأضدادها.،
كيف نعالج الأزمة؟
* إنّ من أهم طرق معالجة الأزمات.،.، إدارتها.،.، ولعل أول خطوة بأتجاه إدارة الأزمة هو توجيهها ولا نعني بالتوجيه المعنى السلبي وان كان هو الآخر سلاحاً أيضاً يمكن أن تستخدمه الأطراف التي تميل إلى السلبية أو ترى مصالحها في تأجيج النزاع.،.، إلاّ أننا نقصد به التوجيه المثمر فعلاً في حل النزاع.،.، التوجيه الذي يمارسه ذوو الحكمة وأصحاب الأهداف الكبرى الذين يسعون للإصلاح والبناء والتقدم.،.،
مما لاشك فيه أن التوجيه الإيجابي هو المتسم بالعقلانية والإيجابية والإنصاف.،.، ويبدو أن من يمارس العواطف ويحكّم الانفعالات في خطواته وتصرفاته لم يدقق النظر في إدعائه الإيجابية.،.،
ومن يقوم بدور المهزوم الذي يثبط العزائم وينظر إلى الأمور بنظرة سلبية متشائمة لا يحمل القدرة على الحل، أو الآخر الذي يدّعي أن الحق حقّه فقط وأن الباطل مع غيره فقط هو الآخر مثله.،.، صحيح أنهم يديرون نزاعهم إلا أنه بطريقة معكوسة تبتعد يوماً فيوماً عن النهاية.،.، ومن الواضح أن إدارة النزاع بطريقة سلبية أمر لا يكلف الكثير من الحكمة والبصيرة فأن العواطف والإنفعالات سريعة الإثارة إلاّ أننا ينبغي أن نعرف أنها خطيرة العواقب أيضاً.،ولا اظن أحداً من العاملين المخلصين يميل إلى التوتر وإثارة الشحناء أو يحب أن يصرف عمره في أمور قد تضر دينه أولاً ثم دنياه.،لذا ينبغي أن نفكر بطريقة إيجابية فيها من الحكمة والتدبير أكثر مما فيها من العواطف والأحاسيس.، والحكمة وحسن التدبير لا يتوفران في الأجواء المتنازعة مالم يحكم فيها التعقل والإيجابية والإنصاف.،.، وأن كل شخص فينا ينظر إلى ما له وما عليه وما هو الصحيح وما هو الخطأ وما هو المقرِّب إلى الهدف وما هو المبِّعد منه وبالتالي التفكير فيما يصب في الصالح العام ومصلحة المجموع.،.، هذا أولاً.،
أمور لابد أن نعرفها
* وثانياً: علينا أن نوفر في أنفسنا القدرة الرشيدة على إدارة النزاع.،.، ولا نقصد من القدرة قدرة الإنجاز والتنفيذ أو قدرة إستثمار الأموال أو النفوذ من أجل مواصلة أو إنهاء النزاع.،.، بل نقصد القدرة التي تتسم بالنضج والواقعية وتتحكم بالأمور بلا خسائر واضرار أو مع الأقل منهما.،
وقد تكون أول خطوة في هذا الإتجاه أن نعرف أولاً:
ماذا نريد نحن وماذا يريد الخصم؟ وماذا يهمنا وماذا يهم الخصم واين مربط الفرس الذي شب النزاع من أجله.،.، فأن معرفتنا بماذا نريد يوفر لنا فرصاً جيدة لتفهم طرق الحل لأنه سيساعدنا كثيراً على تشخيص الأولويات في حساباتنا وما هو الأهم وما هو المهم وبالتالي يعرفنا أين نقف بثبات واين نكون مرنين.،.،
أين نركز في حديثنا وأين نمر مروراً وعلى هذا الأساس من المعرفة والتشخيص سيكون لنا قدرة جيدة على تقديم هذا الخيار أو ذاك.،كما ان تشخيص ماذا يريد الخصم.، سيعرفنا على أولوياته وما يضره وما ينفعه والنتيجة أنه سيوفر لنا بدائل جيدة للتفاوض معه وطرح الخيارات التي تساعد على التفاهم وإرضائه أو إقناعه بها.،
إذن.،.، إذا عرفنا ماذا نريد وماذا يريد طرفنا الآخر سنستنتج افكاراً مبدعة وقواعد ناجحة في التخطيط الخلاّق تدلنا على أفضل الأساليب في التدبير والعمل على إنهاء النزاع بطرق سلمية وناجحة ترضي الطرفين وربما تبدل الخلاف إلى تعاون وتنسيق إذا درسنا جوانبها الأخرى.، ليس هذا فحسب بل أن تشخيص أولويات الخصم قد يساعد كثيراً على حسن تخطيطنا لأنفسنا ويزيد من قوتنا ونجاح مشروعنا وعملنا.، ويختصر امامك الطريق للوصول إلى القدرة الكبرى والمستوى الأرقى فان من يريد السلام مع خصم كبير يخشى الحرب يوفر له مجالاً جيداً لإستخدام دبلوماسية منطقية ضاغطة مع استعراض للقوة يغمز بالـــسيطرة والقدرة والعلو وإن كان لا يعتقد بالعنف ولا يؤمن بأنه الطريق الأفضل إلى الحل.، ولعل في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...) وغيرها بعض الإشارات إلى هذا المضمون.،.،فأن الأستعداد بذاته قوة وان كنا لا نميل إلى ممارستها.،.، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن هذا الاستعداد سيدعونا الى الظهور بالمستوى اللائق الذي يعطينا مكانة ونفوذاً كبيرين وهو الآخر سيدفعنا إلى العمل على رفع مستوى القوة والقدرة عندنا في مجال التنظيم والإدارة والمزيد من ترابط المؤسسات وجبهوية العمل وغيرها من وسائل القوة فضلاً عن الوسائل الأخرى النافعة في سياسة الردع.،.، كما أن الخصم العنيد والواسع المنتشر الذي يتخفى وراء سمعة جماهيرية كبيرة يمارس من وراءها سياسة سلبية ظالمة، سيعطينا هو الآخر مجالاً لممارسة دبلوماسية مع قوة إعلامية يمكن ان تنزل إلى حلبة المعركة فتزيل عنه أقنعة كثيرة بذل الكثير من اجل إيجادها فلننظر:
ان هذه المعرفة وفـّرت لنا مجالاً أكثر للتعرف على اسلوب عملنا أيضاً إذ ينبغي في هذه الصورة التركيز على المؤسسات الإعلامية وإيجاد علاقات مع صحفيين وصحف وإذاعات أو تأسيس بعضها إن أمكن وهكذا وبالتالي فإنّ الخصم والخصومة قد تدلنا على نقاط ضعفنا ونقاط قوتنا وتضع أقدامنا بالاتجاه الصحيح في الأساليب والتكتيكات.. ونستخلص من هذا إذن أن التعرف على ما نريد نحن.. والتعرف على ما يريده الخصم يوفر لنا مجالاً أكثر للتعرف على أسلوب عملنا ويوصلنا إلى طرق إيجابية تمكننا من إدارة النزاع والتحكم فيه بشكل إيجابي يقودنا جميعاً إلى الحل المرضي الذي يضمن للكل حقوقه..
ومن هنا يرى البعض أن الصراع بشقيه (الإيجابي والسلبي) قد يقود إلى التطور والتكامل، إذا عرفنا كيف نتعامل معه..





***************************************************************