منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

الجامعات العربية من الأزمة إلى الإصلاح


الجامعات العربية من الأزمة إلى الإصلاح

د. محسن خضر
أستاذ بكلية التربية - عين شمس - مصر
تبقى الجامعات العربية معقد الآمال في إحداث النقلة النوعية في المحيط المجتمعي، ومع ذلك ما أبعد الفجوة بين المثال والواقع، بين الوجود بالقوّة والوجود بالفعل، بين جامعات مكبلة بعشرات القيود والأعباء والضغوط ومطامح عليا وأهداف نبيلة ترتجيها الجامعات في تطلعها ورؤيتها لرسالة النخبة المتنورة.
إلا أننا نبدأ من تصور مميز لرسالة الجامعة جاءت في محاضرة الفيلسوف الفرنسي الكبير جاك دريدا خلال زيارته الأخيرة للقاهرة بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة.
تحدث دريدا عن إنسانيات الغد والمهام والمسؤوليات المعرفية والأخلاقية الملقاة على عاتق الجامعة وأساتذتها، والحرية غير المشروطة للجامعة، وعن معاني الأستاذية، وضرورة الربط بين المعرفة والمسؤولية والأخلاقية الملازمة لها، وعن ضرورة مناهضة الجامعة لكل ضروب الهيمنات الخارجية سواء أكانت اقتصادية أو سياسية أو داخلية والتي تحدد العلم والمعرفة بتحويلهما الى مجرد خبرات برجماتية خالية من أي مضمون أخلاقي
أو إنساني.
حرية الجامعة في نظر دريدا حرية غير مشروطة، بكل ما يقتضيه البحث والمعرفة والتفكير في الحقيقة، والالتزام بلا حدود تجاه الحقيقة، من حرية.
إلا أننا سوف نختلف مع دريدا في نوعية القوى المطلوب التحرر منها، وفي مدى اتساع نطاق تلك الحرية حيث أن هذا الاتساع يحول الجامعة الى جامعة معولمة، أكثر مما تعبر عن مجتمعها. ومن شأن الحرية ان تضع الجامعة في مواجهة مع عدد كبير من السلطات: سلطات الدولة القومية ووهمها في السيادة التي لا تقبل التجزئة، وبمثل هذه المقاومة توضع الجامعة في مواجهةٍ أيضا مع السلطات الاقتصادية، أي في مواجهة الشركات العملاقة والقوى الرأسمالية الوطنية والعالمية، وفي مواجهة سلطات الإعلام والسلطات الدينية والإيديولوجية والثقافية، باختصار في مواجهة كل السلطات التي تحدد ديمقراطية المستقبل.
ربما كانت الدعوة السابقة تنطوي على انسلاخ للجامعة من التزاماتها، أكثر من مجرد مسؤولية تجاه هذا المجتمع، بمعنى أنها تحرير للجامعة، ليس من القيود والضغوط فحسب التي تعرقل رسالتها بالتأكيد، ولكنها تتجاوز أيضا الالتزامات والمسؤوليات التي ترتقب من الجامعة تجاه محيطها.
إن دعوتنا ليست في إبقاء الجامعات منكشفة أمام كافة القيود والضغوط والعراقيل، بل في توسيع فضاء الحرية الأكاديمية: حرية الأستاذ، حرية الطالب، وحرية البحث العلمي، فإصلاح الجامعات العربية لن يبدأ إلا بتحقيق حريتها الأكاديمية لتنطلق في مسيرتها بلا عراقيل، ولن نبالغ في الذهاب الى إطلاق بالونة الجامعة في الهواء كما يحلم دريدا لتسبح مع هواء الإنسانية المعادل عنده للعولمة، فهذه التفكيكية ربما تناسب محيطا ثقافيا مختلفا. علينا إصلاح الجامعة وإزاحة العراقيل من حولها كي تشد مجتمعها الى آفاق جديدة، ولعلنا نستعيد عبارة الروائي الروسي الكبير تولستوي "إن الحرية شرط لكل تعليم حقيقي".
نعم نبحث عن طريق ثالث بين جامعاتنا بوضعيتها الراهنة، المعوقة، المأزومة، وبين طريق التفكيك الذي يريده دريدا للجامعة في المقابل.
يصف يارو (اليونسكو 1992) ضرورة التطور بقوله: مؤسسات التعليم العالي بطبيعتها منظمات معقدة تشتمل على كل من القوى الرجعية والتقدمية، ويمكنها خدمة الاحتياجات العاجلة، ولكنّ لها توجها رئيسيا نحو المستقبل، فهي المسؤولة عن خيار المستقبل من التعليم والقوى البشرية الماهرة، ويعد التغيير بالنسبة للمؤسسات القائمة الراسخة أمرا صعبا. ولكن بمجرد حدوثه فإنه يستمر طويلا.
ربما كانت وظائف الجامعات الرئيسية التدريس (نشر المعرفة)، والبحث العلمي، وخدمة البيئة. وترصد بعض الوثائق الغربية عشر وظائف للجامعة وهي:
توفير التعليم العام لخريجي المدارس الثانوية ومتابعة البحوث والمساعدة في إعداد الطاقة البشرية للمجتمع، وتوفير تعليم وتدريب عاليين رفيعي التخصص، وشحذ حدّ التنافس في الاقتصاد، وتوفير الحراك الاجتماعي، وتقديم خدمات للمجتمعات المحيطة، وتوفير النخب، وتحقيق تكافؤ الفرص، وإعداد النساء والرجال للأدوار القيادية.
نعم، تبقى الجامعات كما يقول همبولدت (1993): "هي القيمة التي يلتقي لديها كل شيء مباشرة لصالح الحضارة الخلاّقة للأمة، حيث يزدهر التعليم في معناه الأعمق للكلمة"،
أو كما يذهب الوجودي الكبير كارل ياسبرز (1960) بأن "الجامعة جمهرة من العلماء والطلاب منشغلة بواجب البحث عن الحقيقة، وتواجه الجامعة المعاصرة ظاهرة تشكك محيرة نحو أزمة المجتمع الحالي".
تحتار الجامعة في أي اتجاه تسير لتعليم الناس على أساس علمي واجتماعي من اجل مجتمع المستقبل ومن أجل المجتمع الحاضر، وما دور الجامعة في خلق وتنفيذ استراتيجيات التنمية للمجتمعات الحديثة، وفي تنمية الهوية القومية، والوعي بتواجد الفرد في مجتمعه؟ وما الهيكل الذي ستكون عليه؟ وما هي جدليات العلاقة بين المشاركة في الأنشطة العامة للجامعة؟ وكيف سيكون مشروعها التنظيمي؟
إن الإصلاح الداخلي شرط لا غنى عنه لتطوير الجامعة الحديثة وحددت اليونسكو سبعة قضايا تخص الإصلاح الجامعي: تقويم الاحتياجات، والبطالة المهنية، وقلة الوظائف، والنقص الكبير في الموارد المالية، والاختلال في تكافؤ الفرص التعليمية ومنها المشاركة المحدودة للمرأة، والتمييز الجغرافي، واستبعاد الطلاب الفقراء، وصعوبات إدارة الجامعة، والتعاون الدولي، والعوامل الاقتصادية والاجتماعية، وربما تكون الاتجاهات السائدة للجامعة خلال الربع الأول من القرن العشرين هي: ربط التعليم العالي بالإنتاج والبحوث، والعلاقة مع المجتمع المشترك، والمشاركة في التنمية الثقافية على المستوى الوطني والاقليمي، وتضمين المشكلات الدولية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
تتعرض الجامعة في العالم كله في مطلع القرن الحادي والعشرين الى مستقبل غامض، وخاصة تحت ثقل الضغوط من مطالب الدولة، وتغيرات سوق العمل، وتحديات ظهور مراكز مختلفة للنشاط الفكري الرفيع خارج الجامعات، وهو وضع يشبه حدوث الإصلاح الديني بسبب انتشار العلم والتعليم خارج الكنيسة في أوروبا.
وسوف تختفي العديد من المؤسسات الجامعية تحت وطأة الضغوط المتزايدة حولها،
أو تنجح في إيجاد طريقة للخلاص أمامها بشرط إحداث تغيير كبير. ويتخوف البعض من أن تفقد جامعات القرن الحادي والعشرين استقلالها أمام الضغوط التجارية والصناعية والمالية من قبل القطاع الخاص، وتراجع دور الأكاديميين الى دور هامشي في صنع قرارات الجامعة، وسيجري تقديرها من خلال أدائها وفقا للأهداف الخارجية الموضوعة لها.
نحن امام رؤيتين متناقضتين تضع الأولى مسألة الارتباط بقوى السوق والعرض والطلب مكان الصدارة، وتحافظ الثانية على الدور الطليعي للجامعة في مجتمعها، وترى الرؤية الأولى أنه آن الأوان لكي تحتل نوعية التعليم وتنافسيته مكان الصدارة في أولويات نظام التعليم العربي. أما الرؤية الثانية فتنطلق من مقولةِ أنّه يتوجب على الجامعة أن تمثل روح العصر دون الخضوع له.
والجدير ببحثه في الاتجاه الأول هو، ما يترتب على سياسة تخلي الدولة عن تمويل التعليم العالي، والاندفاع نحو مبدإ استرداد التكلفة بتأثير روح اقتصاد السوق، ووجهات نظر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك الخطر من اندفاع الجامعة نحو التسويق التجاري للأنشطة التي تنتجها وبالتالي الخضوع لمبدإ السوق. ويطرح البعض ثلاثة مبادئ تحكم عمل الجامعة في المستقبل.
الملاءمة والنوعية والتدويل، وتعني الملاءمة دور التعليم العالي في المجتمع، ورسالته، ومهامه، وتمويله، ومبدأ الحرية الأكاديمية والاستقلال المؤسس للجامعة، ويلاحظ تربويٌ كبير وهو حامد عمار أن الصورة تبدو غير زاهية في تقييم دور التعليم العالي العربي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك يقرر أن مؤسسات التعليم العربي قامت بأدوار ايجابية متنوعة في سبيل تحديث مقومات الحياة في الوطن العربي وإشاعة قدر من التنوير الفكري، وتهيئة بعض العناصر البشرية المهمة، لكن الدور يظل محدودا في النهاية.
ومن بين الاجتهادات المطروحة لتفعيل دور الجامعات العربية في محيطها الاجتماعي ما يقترحه عبد الله بوبطانه من مفهوم الجامعة الإيجابية والتي تعني تكيفها الإبداعي في عملية البحث عن نماذج وممارسات مؤسسة محددة تفي بالاحتياجات والشروط والإمكانات التي تميز خصوصية مؤسسات التعليم العالي والمجتمعات المحلية والبلدان والمناطق. كما ينبغي لهذا السعي الى تنمية التعليم العالي وتطويره، أن يعتبر جزءا أساسيا من العملية الأوسع للتغيرات الجارية في المجتمع المعاصر.
ان الرؤية السابقة هي رؤية للتعليم العالي تعترف به كأحد أهم مكونات المجتمعات المعاصرة والمقبلة، وتدعو في الوقت نفسه الى تجديد تدريسه وتعلمه وبحوثه ومهامه.
يبلغ عدد الجامعات العربية حوالي 150 جامعة. وكان عددها 33 جامعة في بداية السبعينات من القرن العشرين، وتعد السودان صاحبة أكبر عدد من الجامعات تبلغ 15 جامعة مما سمي بثورة التعليم العالي بصرف النظر عن مستوى أدائها حاليا. ومن المفارقات ان جامعة القاهرة وحدها تستوعب عدد طلبة يوازي طلبة جميع الجامعات في السودان، فيلاحظ أن مصر أكثر الدول العربية ثقلا من حيث الجامعات ذات الأعداد الضخمة تليها سوريا فالمغرب والسعودية. من ناحية أخرى تستوعب الجزائر 35% من جملة المعاهد العليا في الوطن العربي، فيما تحظى سوريا بـ 17% من جملة المعاهد الفنيّة تليها العراق 16%.
كما زاد عدد طلاب التعليم العالي العربي 210% مقارنة بعددهم في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وإن كان التوسع في معدل القيد بدا منخفضا لم يزد عن 130% مقارنة بمعدل القيد في الدول المتقدمة 250%.
إن الزيادة في معدل القيد تبدو متواضعة في مجتمعنا العربي، وبالأخص في مرحلة الدراسات العليا فالنسبة للوطن العربي لا تتجاوز 4% للماجستير و4.1% للدكتوراه مقارنة بنسبة 10 - 20% في الدول المتقدمة وهو المستوى الكافي لتكوين رأس المال البشري.
إلا أن الأزمة الحقيقية للتعليم العالي العربي تكمن في علاقتها بسوق العمل فمنذ منتصف ثمانينات القرن العشرين هبط أداء وإنتاجية هذه المؤسسة، واتسعت الفجوة بينها وبين التحديات المجتمعية المتزايدة، وأخفقت في تقديم نفس الخدمات التي كانت تقدمها من قبل، وازدادت الشكوك في قدرتها على جذب القطاع الصناعي والإنتاجي في المجتمع، وأصبحت تكلفة التعليم وجودته أهم أزمتين تواجهان المؤسسات التعليمية العربية، وخاصة في ظل الاتجاه الواعي الى رفع أيادي الحكومة عن التعليم العالي بتأثير سياسات الإصلاح الاقتصادي وسيادة مبدإ الربحية واسترداد التكلفة. وقد شدد البنك الدولي من ضغوطه لتقليص المخصّصات الموجهة للتعليم العالي، والاتجاه نحو خفض الاستثمار في مجال الخدمات الاجتماعية، ويعكس تقرير البنك الدولي عن التعليم العالي "دروس الخبرة، 1994" هذا التوجه بوضوح.
إلا ان عبور الدول العربية بجامعاتها نحو المستقبل يستدعي التفكير في حلول ومنهج ورؤية جديدة.
جامعة المستقبل
لقد سبق لتقرير "تعلّمْ لتكون" الشهير في ستينات القرن العشرين أن دعا الى الاتجاه الإنساني العلمي، ذلك الاتجاه الذي يلحق بمسيرة العلم، كما يكون مركز الاهتمام فيه هو الإنسان، ومن ثم تصبح الحرية ضرورة لا غنى عنها في التعليم.
إن تعليم المستقبل مطالب بتأكيد عدد من المهارات الرئيسية، مثل القدرة على التكيف، والمرونة، والقدرة على التعامل مع التغيير السريع وتوقّعه، وما يرافقه من غموض وعدم وضوح وفوضى، والقدرة على نقل الأفكار من مجال الى آخر، والنظر في المسائل في ترابطها، وتشابكها، والقدرة على استشراف التغير والاستعداد له، والتأثير فيه.
وتحدد (لجنة ديلور) التي وضعت من قبلُ تقريرها الشهير (التعليم من أجل المستقبل) بتكليف من منظمة اليونسكو، أربع مسائل جوهرية تجاه مستقبل التعليم.
المسألة الأولى: قدرة الأنظمة التعليمية على أن تصبح العامل الرئيسي في التنمية بالقيام بوظيفة ثلاثية: اقتصادية وعلمية وثقافية.
ان الجميع يتوقعون ان يساعد التعليم في بناء قوة عمل مؤهلة وخلاقة تستطيع ان تتكيف مع التكنولوجيات الجديدة، وأن تشارك في "ثورة الذكاء" التي هي القوة المحركة لاقتصاداتنا، وأيضا ان يقوم التعليم بدفع المعرفة بطريقة تسمح بأن تسير التنمية الاقتصادية جنبا الى جنب مع الإدارة المسؤولة للبنية المادية والبشرية وكذلك الحفاظ على الخصوصيات الثقافية مع الانفتاح على الثقافات الأخرى والالتزام بتقدم المجتمع.
المسألة الثانية: قدرة الأنظمة التعليمية على التكيف مع الاتجاهات الجديدة في المجتمع، وهذا يوصلنا الى إحدى المسؤوليات الأساسية للتعليم، وهي إعدادنا للتغيير إزاء مجموعة من العوامل المتداخلة المتحركة.
المسألة الثالثة: مسألة العلاقة بين نظام التعليم والدولة: فدور ومسؤوليات الدولة وانتقال بعض اختصاصاتها الى السلطات المحلية، والتوازن بين التعليم العام والخاص ما هو إلا بعض من جوانب المشكلة.
المسألة الرابعة: نشر قيم الانفتاح والتفاهم المتبادل مع الآخرين، أي زرع قيمة السلام، وأن يخلق التعليم لغة عالمية تتغلّب على بعض التناقضات وأن ينقل رسالة لكل سكان العالم تخاطب البشر في كل أبعادهم.
لكن ماذا عن التفصيلات: المحتوى والتقويم والوسائل؟
يقسم وليم عبيد علوم المستقبل الى الأقسام التالية:
1 - علوم أساسية: رياضيات - فيزياء - كيمياء - بيولوجيا - علوم طبيعية أساسية - ميكروبيولوجيا.
2 - علوم تطبيقية (من أجل الحياة): وتضم أنشطة: الزراعة والهندسة والفلك والفضاء والطب والطاقة النووية والشمسية والاندماجية وعلوم البيئة والأرض والبحار.
3 - علوم تقنية فائقة التقدم: وهي التقنية التي سوف تسيطر على المستقبل تنمويا واقتصاديا، وتكون امتداد وتطورًا للتقنية التقليدية المستحدثة، ومن الضروري أن يستخدم المجتمع التقنية اللازمة له والمعبرة عن ظروفه.
4 - علوم الاتصالات: وتضم الإلكترونيات الدقيقة والمعلوماتية، وعلوم الليزر والألياف الضوئية، وصناعة الأدوية والكيماويات الدقيقة وعلوم الهندسة الوراثية والتقنية البيولوجية، وعلوم الفضاء والمحيطات وطب الأعضاء البدنية.
إن الأزمة تطال جامعات العالم بلا فرق، وبينما أزمة الجامعة في العالم الصناعي مردها فلسفة ما بعد الحداثة، وما يتصل بها من موت المثقف وتآكل الإطار المرجعي، فإن أزمة الجامعات العربية تختلف بعض الشيء بتعميقها للنمط الأوروبي، وغياب الدور الحي والفاعل للجامعة في مجتمعها، كمركز للبحث العلمي، وخميرة للتغير، ومولدة للتقدم.
هل تخرج الجامعة من دوامتها؟ وهل تهتدي جامعاتنا العربية الى هويتها المفقودة وتتحول الى مهامها الرئيسية التي عناها رسبوسو قنقكنقؤ بقوله: يبدو جليا ان هناك اتفاقا اجماليا حول طبيعة الجامعة، بأنها تمثل مجتمعا علميا يهتم بالبحث عن الحقيقة وإن وظائفها الأساسية تتمثل في التعليم والأبحاث وخدمة الحقيقة.
ويبقى التساؤل عن أيّة حقيقة تسعى وراءها الجامعة اليوم، في عصر العولمة؟

http://www.afkaronline.org/arabic/archives/avr-mai2004/khedher.html

منشور

دور جهاز الإعلام أثناء أدارة الأزمة


دور جهاز الإعلام أثناء أدارة  الأزمة
د.هشام عوكل
أستاذ الإعلام وإدارة الأزمات الجامعة الحرة هولندا

يعيش العالم العربي  اليوم  بعد انتفاضة  ربيع الشعوب العربية  حالة من التعقيد على جميع المجالات، وهو تعقد غالبا ما أنتج  الكثير من الأزمات، ابتداء من أزمة الذات المعاصرة، مرورا بالأزمات الشاملة  التي طالت كل المجالات الحياتية وتعمل  على إعادة تشكيل العالم وفق رؤى خاصة ربما قد  تتجاوز قدرة المجتمعات والأفراد على التحكم فيها، سواء تعلق الأمر بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة ، مع ذلك، فإن الأزمات غالبا ما تهيئ المجتمعات للتفكير في استراتيجيات جديدة فاعلة تساهم فيها كل القوى المجتمعية لتدشين مرحلة جديدة من الحياة.
وعلية  يبقى مفهوم الأزمة العام هو لحظة حرجة وحاسمة ومفاجئة للدولة والمجتمع ترتبط بالصراع والتناقض في المجتمع. وللأزمة مفهوم غير شامل عبر تمثلها بالأزمات الفردية والعامة وبنيتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والمرتكزة على مفاهيم ثلاثة هي نظرية النظم ومنهج صنع القرار والتفسير الشمولي المتغير للأزمة وهكذا تعددت تعار يف الأزمة من نقطة أو حدث حاسم إلى ظرف انتقالي يتم بعدم التوازن أو خلل مؤسساتي شديد أو نقطة تحول للأفضل أو للأسوأ.
إما الكارثة إنها حدث يسبب دماراً ومعاناة، واصطلاحاً هي حادثة مفجعة أو تحطم موارد مادية أو مشكلات طويلة الأمد وتندمج بمتغيرات منها إصابة للنفس البشرية وتدمير للممتلكات وإرباك للموارد المحلية وتمزق تقنية المجتمع وهي شيء قد يحدث في أي مكان وغالباً ما يكون مفاجئاً[1]

ونظرا لكثرة الأزمات وتنوعها وتصاعد حدتها، ، تبرز أهمية الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في مصاحبة الأزمات، سواء من حيث دورها في إحداثها أو المساهمة في تفاقمها أو حلها.  وتتباين الرؤى حول أهمية وحدود الدور الذي تلعبه هذه الوسائل إنه أمر مطلوب ولاسيما في حل المشكلات كتلافي خطر الأزمات لأنه من غير المجدي ترك الأمور للتجربة أو الخطأ أو الارتجال وعليه فالتخطيط من المرتكزات الأساسية للعملية الإعلامية 
فالإعلام  نشاط إنساني أساسة الفكرة ومشاركة وإقناع عن طريق بث المعومات والحقائق والأخبار والأرقام والإحصائيات، وهنا يبرز عنوان آخر مرادف لكلمة الإعلام وهو الاتصال الجماهيري مع وضوح الفرق بين الإعلام الذي يفترض فيه الموضوعية والحياد وبين الدعاية التي تتبع أسلوب الإغراء والإثارة وتحريك العواطف.
- فالإعلام يفترض فيه مواكبة الثقافة والحضارة القائمة والارتقاء بمستوى الرأي العام بيئياً وحضارياً وبناء المعارف وتجسيد التعقيدات.
ونظرا للأهمية وسائل الإعلام لكونه ثورة رابعة لأنه مرتبط بالتطورات العلمية والتكنولوجية المسهمة في توسيع الآفاق وبناء العواطف وشد الجمهور، مع المقارنة بين تأثير التلفزيون والمدرسة والجامعة ببعديه، وتوسيع مجالات الحياة والبعد الاقتصادي لأن أي تدفق إعلامي سيجعل من الناس قادرين على فعل الكثير[2]
.
فإن وسائل الإعلام، بشقّيها التقليدي والجديد، تمثل فاعلا محورياً في صياغة عالم اليوم، فإنه يمكن أن تلعب دورا توعويا وتربويا مهما في خلق وعي بالأزمات من خلال الإخبار والشرح والتفسير، أو الميل إلى تغطيتها بطريقة درامية إثارية يغلب عليها التسطيح وتغييب وعي الأفراد.   إن الاختيار بين هذين النمطين، هو الذي يجعل الإعلام يتموقع ضمن الفاعلين الساعين إلى تجاوز الأزمات، بعدين عن أولئك الباحثين عن تضخميها واستثمارها في الحصول على عائدات آنية.




 وإذا وسعنا دائرة الأسئلة أكثر: كيف يكون الإعلام، بوصفه، مجالا بحثيا وممارسة مهنية، أداة فاعلة في إدارة الأزمات والسيطرة عليها؟ بمعنى آخر هل هناك “ ثقافة” معرفية ومهنية خاصة تؤهل الإعلاميين للتعامل مع الأزمات؟ كيف يتم توظيف الإعلام وإدارته أثناء حدوث الأزمات؟ هل يقتصر الأمر على المهنيين أم أن الأمر يتعدى إلى الأكاديميين؟ وما دور كل منهما؟ هل تتعامل وسائل الإعلام مع الأزمات بغض النظر عن طبيعتها: مالية، اقتصادية، صحية، بيئية، رياضية، ثقافية، سياسية، اجتماعية؟ هل تتساوى وسائل الإعلام في تأثيرها و توجيهها للأزمات؟ ما هي علاقة الخصوصيات الظرفية للأزمات بطريقة تناول وسائل الإعلام لها؟ هل هناك اختلاف بين وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في تغطية الأزمات؟ هل تؤثر الأزمات على وسائل الإعلام بطريقة تمس جوهر نشاطها المهني، وآلياتها التنظيمية، وطبيعة أشكال خطابها؟ كيف تتعامل وسائل الإعلام مع الأزمات المتنوعة؟ وأخيرا ماذا عن الموضوعية المعنية والالتزام بخدمة الحقيقة والأمن والاستقرار في العال[3]

يمكن أن نتناول دور الإعلام أثناء الأزمة من أربع وجهات نظر
أ.دور الإعلام أثناء الأزمة من وجهة نظر المنظّمات:
ترى أغلب المنظّمات أنّ الأجهزة الإعلاميّة تُسيطر على المعلومات ،و تعمل كمرشّح لما يتلقّاه الجمهور من أخبار و كيفيّة تفسيرها للأزمات ، من خلال تناول الإعلام أو عدم تناوله لقضايا يمكن أن تؤثّر على السّياسات العامّة الّتي تُتّخذ و كيفيّة تنفيذها و المعلومات الّتي يتمّ تغطيتها  و رؤيتهم و آرائهم و النّغمة الّتي يقدّمون بها الموضوع يمكن أن تحدّد أو تُظهِر الأحداث و تشكّل اتّجاهات الرّأي العام لذا لابد من وضع الأسس 
عند تصميم خطة إعلامية للأزمات
.1. إعداد الخطة في ضوء الاستراتيجيات العامة لإدارة الأزمة وضمن حدود توجهات السياسة العامة.
2.    وجوب تناول الخطة الإعلامية لمراحل الأزمة، بحيث يكون لكل خطة مرحلية إستراتيجيتها ومنطقاتها وأهدافها ووسائل   متابعتها وتقييمها.
 3.   تحديد الجمهور المستهدف في كل مرحلة من مراحل الأزمة، وكذلك وسائل وأساليب توجيه الرسائل الإعلامية ضمن       الخطاب الإعلامي لإدارة الأزمة.
4.تركيز الخطط على الصور الذهنية الإيجابية للمنظمة، مع إظهار اهتمامها بأفراد المجتمع وأسر الضحايا ومن لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالأزمة.
5.التعامل بمصداقية في نقل الحقائق إلى كافة وسائل الإعلام واختيار الوقت المناسب لضخ المعلومات إلى أجهزة الإعلام بما لا يعوق مسار عمليات التصدي للأزمة.
6. الاستعانة بالخبراء والمتخصصين والأكاديميين وأصحاب الرأي في تصميم وتنفيذ ومتابعة الخطط الإعلامية للأزمات.
7. أهمية تضمن الخطة الإعلامية أساليب متابعة تطورات الأزمة ورصد مساراتها الواقعية للتعامل معها بحكمة.
8. متابعة الخطة الإعلامية لما ينشر في وسائل الإعلام الصديقة والمحايدة والمعادية لتحديد أساليب الرد والتعقيب عليها وتحصين الرأي العام من أهدافها إذا كانت خبيثة.
9. أن تتضمن الخطة الإعلامية إنشاء مركز إعلامي للأزمة كوعاء تصب فيه كافة أقنية المعلومات الأزموية، ولرصد أصداء الأزمة المحلية والإقليمية والعالمية، على أن يكون مزوداً بكافة الأجهزة وتقنية الاتصالات الحديثة في الجانب الإعلامي لاستقبال المعلومات وتخزينها وتحليلها، ومن ثم يدفعها كمخرجات إعلامية صادقة.
10ضرورة اشتمال الخطة الإعلامية على أسلوب الإدلاء بالتصريحات الأزموية وتحديد المسؤول عن ذلك.


ب دور أجهزة الإعلام أثناء الأزمة من فريق ادارة الأزمة 
يكون ضمن الحقائق التالية لفريق أدارة الأزمة  توافر المعلومات وتجزئة الاختصاصات وتنوع المسؤوليات وفق إدارة الأزمة التنظيمي ويحتاج ذلك إلى مقر إدارة الأزمة وهو غرفة العمليات وموقع الحدث وهو مسرح الأزمة.
وشروط غرفة العمليات تكون في المكان السري، الصعب الاختراق والمجهز بأحدث الوسائل والأدوات، والمناسب سعة وأجهزة والتي تمكن من تحقيق رؤية شاملة ودقيقة للأحداث وتطوراتها لتوسع دائرة الكم المعرفي على حساب تناقص الكم المجهول.
أما موقع الحدث فهو مكان الأزمة وعناصر إدارتها وتحتاج إلى عقل ومنطق بعيد عن العواطف.
ومهارات فريق إدارة الأزمة هو صفاء ذهني وقدرة على صناعة القرار واهتمامات المساهمين والحلفاء والمشاركة في صنع القرار والاتصال الواضح والإجابة الدقيقة والأمانة والقدرة والاستجابة السريعة واستخدام الموارد المتاحة وتحمل ضغوط الوقت والعمل بنظام الفريق بمرونة وتفكير إبداعي ولفريق إدارة الأزمة شروط هي المهارة ورباطة الجأش والطاعة العمياء والوعي والحرص والتضحية بالذات والولاء.
1. الإعلام والرأي العام أثناء الأزمات
 الرأي العام ظاهرة اجتماعية قديمة نالت الاهتمام والتطور حتى أصبحت علماً له نظرياته وفلسفاته وتقنياته وأساليبه وشروط الرأي العام هي أن يكون رأي الأغلبية وأن تكون الأغلبية مثقفة وواعية وضرورة وجود مشكلة أو قضية وتوافر مناخ من الحرية وللرأي العام مدرستان بورجوازية واشتراكية وأهمية الرأي العام تظهر في الأزمات الكبيرة أو في القضايا ذات الصلة مباشرة بحياة الناس وقواعد الرأي العام في آراء الناس ووجهات نظر متنوعة وأثر في الحياة وحساسية تجاه الأحداث وتأثر بعوامل ثقافية وتربوية وهو ظاهرة فكرية ديناميكية الحركة ونتاج اجتماعي لعملية الاتصال والاتصال المتبادل.
2.أساليب قياس الرأي العام للفريق إدارة الأزمة
عبر توافر المتطلبات التالية:
- وسائل إعلام فاعلة مع وجود أحزاب ومنظمات وجمهور واسع وإبراز الاختلاف بين الرأي العام والرأي الاجتماعي.
- استطلاع الرأي العام يتم بالاستفتاء والتحليل والملاحظة وقياس الرأي العام بالأزمات يكون عبر المقابلات مع الجمهور أو مسح أو قياس لمدى فعاليته مع الأزمة وإعداد استمارة تقييم للآراء ومسح كيفية التعامل مع وسائل الإعلام وتخصيص خطوط ساخنة لآراء الجمهور والرقابة وضوابط التعبير.
- أهمية تغير اتجاهات الرأي العام في الأزمات وجوهر ذلك يكون عبر الحوار وهو حق إنساني شامل مع حق الاجتماع والمناقشة والحصول على المعلومة والثقافة والاختيار والخصوصيات ورصد أهم ملامح التطورات المنهجية الحديثة للرأي العام التي تجدد الاستراتيجيات للأزمة دون الوقوع بالخطأ ويتم تقييم ذلك بالإجابة عن التساؤلات التالية: هل هنالك من مشكلة؟ ماذا حدث في نهاية المطاف ومدى تأثير ما حدث في سمعة المنظمة؟ وهل يؤثر في امتداد وتوسع الأزمة؟ وكيف يتم الإعداد للسيناريوهات الأسوأ؟ وكيف ترى الجماهير الأزمة من الخارج؟
3.أهمية التخطيط الإعلامي  لفريق إدارة الأزمة في مواجهة الأزمات
إنه التخطيط المعد والمدروس الذي يقسم ويشتت العناصر المسببة وغير الجيدة يساعد في استفحال الأزمات وهو تخطيط فاشل عشوائي. تكمن إدارة الأزمات في صميم السياسات الإعلامية المختلفة وتشمل جوانب الحياة العامة كافة بما فيها مفهوم الأمن وعلاقته بالأزمات وصعوبة تعريف الأمن نتيجة الغموض والخصوصية واختلاف الموقع العلمي وانعدام وحدة المفاهيم، ومن هنا برز الارتباط الوثيق بين الأمن والأزمات ومنها الأزمة الأمنية والتي هي خلل مفاجئ أو حالة توتر تؤثر في الكيان
الأزمة الإعلامية تستدعي تحقيق الأمن الإعلامي عبر إيجاد قدر من الصناعات الإعلامية وتقديم خطاب إعلامي متطور ومقنع مع تعاون مثمر.
4.الإعلام الحر:
 هو الانطلاق بحرية في الرأي والكلام والتعبير وهذا يحتاج إلى تطبيق دستوري فاعل للكلمة الحرة وقد سادت مجموعة من الأفكار المضللة للمفاهيم والرأي منها الرأي والرأي الآخر- حرية الإعلام وميثاق الشرف الإعلامي- الصحافة الحرة...) والناس هنا لا يدرون ما وراء هذه الأكمة من كذب وزيف وخداع... ونصل إلى حقيقة مفادها أن الحرية في وسائل الإعلام الغربية هي حرية البعد الواحد أي أن تقول كل شيء في اتجاه واحد محدد وغير مسموح لك التكلم بحرية في مجالات محرمة.
التحيز الإعلامي بأشكال متعددة منها تفضيل وجهة نظر معينة مع أدلة صحتها أو عرض الحقائق المقصودة دون بيان أو وجهة النظر الأخرى أو استخدام لغة معينة تؤدي إلى تكوين الحقائق.
5.الوعي الأمني
 هو أساس كل عملية فكرية تربط الإنسان بالعالم الخارجي وهو إدراك عميق لقيمة الأمن، والتوعية الأمنية تستمد أهميتها من أهمية الأمن في حياة الشعوب واتساع نطاق الأمن الشامل ودور المجتمع في توفير الأمن وحمايته وخطوة الجهل بأهمية الأمن وحيويته ودور الأجهزة الأمنية والتوعية القائمة على قاعدتين الأولى تنمية الوعي للحماية الذاتية ضد الجريمة والثانية الإسهام في مكافحة الجريمة التي تصب في مصلحة المواطن

لا شكّ أنّ الإعلام يمثّل بؤرة اهتمام الرّأي العامّ عند حدوث أزمة، و الإعلام يمكن أن يلعب دورا جدّيّا و حيويّا في التّوعية بالأزمات المحتملة. و دور الإعلام الرّئيسي من وجهة نظر المسؤولين و المشتغلين بالإعلام هو التّأكيد على صالح المواطن و تبصيره لكلّ ما يمكن أن يضرّه ، و خلق إحساس بالمسؤوليّة الجماعيّة و تأكيد روح التّكامل و التّعاون.
و يسعى الإعلام عند حدوث الأزمات إلى الحصول على المعلومات اللاّزمة، و القيام بالاستعانة بالخبراء لإجراء التّحليلات و التّعليقات، و الهدف هو خلق رأي عامّ واع و مهّيأ لامتصاص ما حدث.[4]
و من الضّروريّ في كلّ مرحلة من مراحل الأزمة إعداد تقرير إعلاميّ يتناول جميع عناصر الأزمة و تأثيرها، و خاصّة فيما يتعلّق بالجمهور و الرّأي العامّ ، و يجب العمل على توفير المصداقيّة مع الجمهور و الّتي تعتمد على احترام ذكائه و عدم الاستهانة بقدراته على التّمييز ، و على التّعرف على النّغمة الصّحيحة و العزف على الوتر الحسّاس ،دون إثارة مُبالَغ فيها للمشاعر و الّتي ينبغي أن يكون هناك قدر كاف من المعرفة بها من جانب المسؤولين بالإعلام.

ت ‌- الاعتبارات الّتي يجب مراعاتها أثناء التّعامل مع الإعلام عند حدوث أزمة بالمنظّمة:
إنّ العلاقة بين أجهزة الإعلام و فريق إدارة الأزمات يجب أن تتمّ معالجتها بدرجة عالية من الدّقة و الحيطة و الحذر ، و هناك بعض الاعتبارات الّتي يجب مراعاتها أثناء التّعامل مع الإعلام عند حدوث، أزمة بالمنظّمة :
- يجب تلبية احتياجات أجهزة الإعلام الّتي تتطلّب معرفة الحقائق بسرعة و دقّة و وضوح.
- الإعلان عن الحقائق و تطوّرات الموقف بصورة واضحة لا تقبل الالتباس حتّى لا يحدث تحريف فيها.
- الاعتراف بالأخطاء و توخّي الأمانة و الصّدق في نقل المعلومات ، و توضيح أسباب حدوث الأخطاء لأنّ إنكارها و معرفة الإعلام بها من جهات أخرى يمكن أن يؤدّي إلى موقف غير مستحقّ من جانب الإعلام في تغطية الأزمة.
- مواجهة الغموض و عدم التّأكد و الانفعال المصاحب للأزمات.
- عدم اتّخاذ المنظّمة موقف الدّفاع عن النّفس و الإجابة على التّساؤلات بثقة و مصداقيّة.
- إعداد قائمة بالإجابات عن الأسئلة المتوقّعة مثل عدد الوفيّات أو الإصابات و الخسائر وقت الأزمة.
- يجب محاولة كسب ثقة و تعاون و تعاطف الإعلام و الموظّفين و الرّأي العام.
- الاستعانة بالمحامين و الخبراء لتحديد الوسيلة الّتي يمكن بها معالجة الموقف و إعداد المذكّرات و التّصريحات اللاّزمة للإعلام.
- مصداقيّة التّعامل مع الإعلام بلا تضخيم و لا تصغير للأزمة .
- توفير سجلاّت و إجراءات الأمن الخاصّة بالمنظّمة ، و إبراز أيّ تصرّفات بطوليّة للعاملين أثناء مواجهة الأزمة.
- الانتباه للصّور الّتي تأخذها أجهزة الإعلام، فليس للمنظّمة أيّ سلطة على الصّور الّتي أُخِذت.
ج- وسائل إعلام الأزمات
بما أنّ التّهديدات و المخاطر المرتبطة بالأزمة علاوة على ضغط الوقت ترفع من درجة التّوتّر و لاعقلانيّة الجمهور، و من ثمّ يكون أكثر عرضة للاستهواء و الوقوع تحت تأثير الشّائعات، كان من الضّروريّ تكرار الرّسائل التّحذيريّة. و قد أشارت الأبحاث أنّه كلّما زادت المصادر الّتي يسمع منها الفرد رسالة التّحذير و الدّفاع كلّما زاد الاعتقاد في مصداقيّته ،و لذلك فإنّ استخدام مصادر و قنوات إعلاميّة متعدّدة يزيد من احتمال وصول التّحذير أو المعلومة بالنّظر إلى فئات مختلفة من الجمهور ، كما أنّه يؤدّي إلى التّغلب على حالات التّشتّت المعتاد الّتي تنتاب بعض فئات الجمهور و نوضّح فيما يلي أهمّ وسائل الإعلام أثناء الأزمة:
1/- الصحافة المكتوبة
تلعب الصّحف دورا هامّا في تكوين الرّأي العام، فهي تزوّد الجماهير بالأخبار اللاّزمة لها، تنشر المقالات و تعكس آراء الآخرين، و هي تتميّز بخصائص معيّنة منها:
- أنّها تصل إلى جمهور كبير من مختلف الفئات.
- تُنشر دوريّا بصفة يوميّة.
- تغطّي مساحة جغرافيّة كبيرة في داخل الوطن.
- هي سياسة رخيصة التّكاليف إذا قيست بمدى انتشارها.
و لكن يجب أن يُؤخذ في الاعتبار أنّ قارئها يحتفظ بها لوقت قصير و لا يتعدّى اليوم الّذي صدرت فيه.
و موقف الأزمة كثيرا ما يؤدّي إلى دوافع صراع في العلاقات بين الصّحفيّين و مسئولي الاتّصالات أو العلاقات العامّة ، فإذا ما سعى هؤلاء من أجل التّقليل من الآثار السّلبية، فإنّ الصّحفيّين يسعون هم أيضا من أجل إجراء سبق صحفي منافس من أجل إحداث قصص إخباريّة مثيرة ، لذا كان لزاما على المنظّمات أن تكون درجة استجابتها في نقلها للأخبار بنفس سرعة الصّحفيين أو أكثر سرعة من أجل الحفاظ على صورتها.
و يمكن للمنظّمة استخدام عدّة وسائل للاتّصال بالصّحافة منها :
- النّشرات الصّحفيّة.
- المؤتمرات الصّحفيّة.
- الإعلان.
إنّ الإعلان في فترة الأزمة له خصوصيّاته ، و هي تتمثّل فيما يلي:
- خاصيّة الوقت: فالإعلان يستدعي السّرعة، و قابليّة الاستجابة السّريعة، إذ يمكن أن يُدرَك في مهلة زمنيّة وجيزة و يمسّ جمهورا كبيرا.
_ خاصيّة التّماسك: حيث أنّ الإعلان يضمن استمراريّة الرّسالة مع القدرة على المراقبة، فهو يسمح بإصدار رسالة معدّة مسبقا بدون مخاطرة التّشويه، و مراقبتها تسمح بالتّحقّق من المحتوى.
- خاصيّة الاستيلاء على الرّأي العام : فالإعلان يسعى للفوز بقلب الرّأي العام .
2/- التّلفزيون:
تهيمن النّشرة المتلفزة على الرّأي العام ، و تكون الكلمات في هذه الوسيلة أقلّ أهميّة بالنّظر إلى الصّورة ، كما أنّه لا يتمّ الإثبات و التّوضيح بل عرض المعلومات فقط ، لذا فعلى المنظّمة استعمال هذه الوسيلة من أجل الحدّ من جانبها السّلبي هذا.
إذن فعلى المنظّمة إمداد التّلفزيون بمعلومات وصور لتطوّر الأحداث مع التّركيز على إصلاح و تقليل نتائج الحدث على المتأثّرين به ، و ذلك حتّى تتوقّف تلك الوسائل عن نشر المعلومات و الصّور الأولى للأزمة ، و الّتي تكون في العادة أسوأ ما تمّ التقاطه من صور ، و هنا يفضّل التّركيز على وجود المسئولين في موقع الحادث و في الحقیقة فإنّ هذه الوسيلة يتمّ استعمالها عند حدوث أزمات خطيرة تهيمن بدرجة كبيرة على الرّأي العام.
3/- الإذاعة:
أصبحت الإذاعة في عصرنا الحديث من أهمّ وسائل الاتّصال إلى جانب التّلفزيون، فما زال للبرامج الإذاعيّة دور كبير في حياتنا اليوميّة.
و تُعتبر هذه الوسيلة وسيلة اتّصال جيّدة في حالة الأزمة، لأنّ لها خاصيّة التّنظيم و التّكرار للأخبار بصفة أحسن من التّلفزيون و الصّحف. لذا ففي حالة الأزمة يمكن إمداد الإذاعة بتسجيلات صوتيّة للمتحدّث الرّسمي باسم المنظّمة .
4/- الانترنت:
تسمح الانترنت بإبقاء ملفّ الأزمة الّذي تعدّه المنظّمة و تنشره على موقع خاصّ بذلك- على المدى الطّويل - فهي تمنح مجالا غير محدود من أجل وضع المعلومات المفصّلة، و تسمح بالاستعمال المباشر، و لكنّها لا تمسّ عددا كبيرا من الجمهور.
 هذه الاستراتيجيات وغيرها تعد محطات هامة في التعامل الإعلامي مع الأزمات ، ومنها ندرك البعد الخطير والاستراتيجي لإعلام الأزمات ، والدور الحيوي الذي يؤديه خلال هذه الفترة الحرجة التي تطبع كل الظروف المحيطة بها بطابع التوتر والقلق والارتباك والخوف من المجهول وتوقع الأسوأ .[5]
غير أن الواقع يثبت أن وسائل الإعلام لا تضطلع بهذا الدور الرائد المنوط بها في كل الأزمات، ولا تلتزم بالرسالة الإنسانية المنتظرة منها في كل الأحوال ، ويصدق عليها في هذا المقام المثل القائل أنها سلاح ذو حدين ، فمثلما هي قادرة على احتواء الأزمات وإعلام الجمهور وطمأنته وتعبئته ورأب الصدع وتوحيد الصفوف والتخفيف من الآثار السلبية والمساعدة على إعادة البناء ، فإنها في الوقت ذاته يمكنها أن تصنع الأزمات وتؤججها وتنشر الفوضى وتروج للإشاعات وتثير النعرات الطائفية والحزازات القطرية والفتن المذهبية ، وتخرج الأحقاد والضغائن ، وتؤلب القوى على بعضها ، وتتسبب في كثير من المصائب والقلاقل والاضطرابات التي قد تفضي إلى ما لا تحمد عقباه.
انتهى والحمد الله





[1] . د.نعيم إبراهيم الظاهر .موقع ادارة التنمية البشرية دراسة إدارة الأزمات  http://www.hrdiscussion.com/hr7541.html
[2] .مشعان الشاطري .دراسة الدور الاعلامي اثناء الازمات .الموقع  http://www.hrdiscussion.com/hr32793.html
[3] .مشعان الشاطري .مصدر سابق http://www.hrdiscussion.com/hr32793.html
[4] .د. ابراهيم فواز الجباوي (الإعلام والرأي العام أثناء الأزمات) دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر بيروت  سنة 2010 ص25-27
[5] . د. ابراهيم فواز الجباوي (الإعلام والرأي العام أثناء الأزمات) دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر بيروت  سنة 2010 ص40-41
منشور

الإعلام بين إدارة الأزمات وصناعتها


الإعلام بين إدارة الأزمات وصناعتها

بقلم: د. خالد الخاجة
الأزمة هي لحظة حرجة لا تنفع معها الحركة الروتينية المعتادة؛ لأنها لحظة غير معتادة تتطلب سرعة الحركة واتخاذ القرار السريع، عبر بث المعلومة، التي في غيابها تكثر التكهنات، كما أن غياب المعلومة يوحي بأن هناك شيئا ما يتم إخفاؤه أو الخشية من الإعلان عنه، وهذه بداية تصاعد الأزمة وخروجها عن السيطرة.
وتختلف الأزمة عن المشكلة، التي لا تتحول إلى أزمة إلا إذا تم تجاهلها أو حلها في بدايتها ثم تناولها إعلاميا بشكل سلبي، أي أن بداية الأزمة تصدر عن وسائل الإعلام، وهنا تكون بداية النشر. ولأن المدرسة الإعلامية الغربية تعيش على الأحداث المثيرة وغير المألوفة، وكذلك على الأزمات باعتبارها تحوي قصصًا إنسانية تشد القارئ أو تثير فضوله؛ فافتتاح مستشفى أو بناء عشرة آلاف مسكن أو تعبيد طريق، لا تحتل العنوان الرئيس من الصحف، عكس تسرب النفط من عَبّارة أو غرقها أو انخفاض أرضي أودى بحياة مئات الأسر، أو أزمة اقتصادية أو انهيار للبورصات.
وبالتبعية فإن هذا هو حال إعلامنا العربي، الذي لم يرد أو لم يستطع أن يضع لنفسه خارطة تختلف عن المدرسة الغربية، التي تقدم مادتها إلى جمهور يختلف في تكوينه الثقافي وفي إطار يختلف.
إن إعلامنا العربي سار على نفس خطوات الإعلام الغربي، فأصبحت الأزمات هي الزاد الذي يعيش عليه، باعتبارها تصنع جماهيرية المقدم الذي يريد أن يصفق له الجمهور، وكذلك القناة التليفزيونية أو الصحيفة، على اعتبار أنه كلما زادت الإثارة زادت نسبة المشاهدة، وبالتبعية زاد إقبال المعلن عليها. وفي حال وجود أخطاء فلا بأس في أحسن الأحوال من الاعتذار، أو حتى التعديل دون تنويه أو اعتذار، فالقارئ أو المشاهد سريع النسيان، وكيف له أن يتذكر في ظل تلك الزحمة والضجيج الذي لا ينقطع!
لذا، فمن يتابع ما تنشره بعض الصحف أو تبثه الفضائيات العربية المتخمة ليلا ببرامج “التوك شو” التي تسبب عسرا للفهم وارتباكا في المشهد الإعلامي على عموميته، رغم أن بعض هذه البرامج لها دور لا ينكر في إيصال صوت المهمشين وإلقاء الضوء على ساكني المقابر في بعض البلدان، إلا أن صناعة الأزمات أصبحت زادا يوميا يصدر للمشاهد، سواء بين الدول بعضها البعض أو بين مكونات المجتمع الواحد.
ألم تقم وسائل الإعلام ببث حالة من الفزع، من مرض انفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير، وأغلقت المدارس أبوابها في بعض الدول خوفا على أبنائها من هذا المجهول، الذي قيل عنه إن له دورة ثانية وثالثة يتحور فيها، للدرجة التي تم خلالها حصر مبدئي لما قد يقع من ضحايا في كل مرحلة بشكل مفزع، ليتضح لنا بعد ذلك أن تلك الأمراض رغم وجودها، إلا أن تقديمها بهذا الشكل كان ظاهرة إعلامية في المقام الأول، ثم اختفى الحديث عنها وكأن شيئا لم يكن، بعد أن حققت شركات العقاقير العالمية أهدافها وسوقت ما لديها من مخزون.
إن الخطورة تأتي من أن بعض الفضائيات والصحف في عالمنا العربي، تتبع المدرسة الشعبوية للإعلام، إن جاز التعبير، وهي مدرسة تلعب على مشاعر الجماهير في كل الحالات، سواء كانوا على صواب أم خطأ، وهنا تفقد الوسيلة دورها التنويري والتوجيهي والإرشادي. ثم يأتي انتزاع الكثير من النصوص من سياقها وتقديمها للجمهور، أو تعظيم حالات فردية وتقديمها على أنها ظاهرة، فضلا عن إشاعة حالة من الإحباط العام، وهو من أخطر الأزمات التي يصدرها الإعلام للمشاهد.
إن كثيرا من الحروب يبدأ على شاشات التليفزيون قبل أن يبدأ على أرض الواقع، كما أن العلاقات بين الدول تديرها شاشات التليفزيون أحيانا قبل السفارات والهيئات الدبلوماسية، بل إن الدبلوماسية في أوقات كثيرة تستنزف كثيرا من طاقاتها في رتق الخرق وجبر الكسر، وإطفاء الحرائق التي يشعلها بعض الإعلاميين عبر الفضائيات العربية، وهم يقاتلون في قضايا وهمية أو يسعون لمصالح ضيقة أو بطولة زائفة، بصرف النظر عن علاقات الشعوب ومصلحة الأمة.
وهنا أقول إن إدارة الأزمة تتطلب من المسؤول أن يكون على صلة بوسائل الإعلام، وأن يكون هو المصدر الرئيس للمعلومة؛ لتنقطع ـ بالتالي – المصادر التي تجتهد في ما لا تعلم، وأن يملك شجاعة الاعتذار عن الخطأ إن حدث، بما يضفي له المصداقية، وبما يجعل الأزمة – أحيانا – فرصة للتصحيح إذا تم تجاوزها بشكل سليم؛ على اعتبار أن السم الذي لا يقتلني يحييني، خاصة وأن الأزمة قد تؤرق أو تعيق عمل المؤسسة المعنية بها لفترة، لكنها لا تقضي عليها، شرط أن تملك مهارة مخاطبة الجماهير ووسائل الإعلام.
ففي إحدى الأزمات شاهدت متحدثا رسميا خرج على الناس ليهدئ من روعهم عبر مؤتمر صحفي، وإذا به يعامل الحضور وكأنهم في فصل دراسي؛ فيمنع من لديه هاتف نقال ويهدد الآخر بالطرد ويطلب من الثالث ألا يتحدث، ولم يبق غير أن يوقفهم على الحائط كالتلاميذ! وكانت النتيجة أن خسر لسوء تصرفه، تعاطف الإعلام والرأي العام معا. وهنا أتذكر أحد رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، وكان لا يجيد التحدث إلى الإعلاميين، حين قال بأسلوب غير مباشر لمستشار له: “كيف تساعدني على إزالة بقعة التبغ التي على لساني؟” في إشارة إلى رغبته في التحدث بود ولطف.
لذا، فمن الأهمية بمكان أن يكون هناك فريق لإدارة الأزمات يحدد متحدثا رسميا، يجسر العلاقة بين المؤسسة التي ينتمي إليها وبين مختلف وسائل الإعلام، ويمدها دائما بالحقيقة الأولى التي يصعب محوها في غالب الأحيان…
وفي التعامل مع الأزمات ليس المهم ما حدث، ولكن المهم ما يعتقد الناس أنه حدث، وهذا يحتم أن يتم التعامل مع ما يتصورونه هم، لا وفق تصوراتنا نحن؛ حتى لا نكون في واد وهو في واد آخر، وأن يضع المسؤول نفسه مكان الجمهور، لكي يستطيع أن يتفهم مشاعرهم ويتعاطف معها، ويشعرهم بأنه معهم، وأن يخاطبهم بما يحبون أن يسمعوه، لا من باب امتصاص غضبهم وحسب، بل من باب مد جسور الثقة بين أطراف الأزمة، وهذا هو الأهم لما يليه من إجراءات.
إن الإعلام في العالم العربي لا يجب أن يكون صانعا للأزمات أو مصدرا لها، كما أن الأدوار المنوطة بوسائل الإعلام في أوطاننا لا بد أن تتوافق وطبيعة الظروف المحيطة بنا، فضلا عن السعي للبناء لا الهدم، وطرح القضايا الحقيقية، دون افتعال قضايا وهمية واللعب بمشاعر المشاهدين وعقولهم، وتغليب الصالح العام على المصالح الضيقة.. هنا يستطيع الإعلام بحق أن يدير الأزمات، لا أن يصدرها ويقتات عليها.
* عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية، جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
منشور

أزمات الإعلام العربي بطرفيه القومي والقطري



منذ عشرات السنين والعالم العربي مازال يعاني الامرين من سلبيات وتداعيات أزمات الإعلام العربي بطرفيه القومي والقطري، في منهجية إدارته وتوجهاته ورسم سياسة هويته واهدافه

  منذ عشرات السنين والعالم العربي مازال يعاني الامرين من سلبيات وتداعيات أزمات الإعلام العربي بطرفيه القومي والقطري، في منهجية إدارته وتوجهاته ورسم سياسة هويته واهدافه، المرتبطة بخدمة قضايا أمته وتحديد مساراته الواضحة، وبما يعكس توجهاته وطموحات وآمال وتطلعات شعوبه فى الحرية والديمقراطية، على الرغم من التطورالكبير والهائل الذي أحرزه، فى مجال تحقيق وامتلاك جوانب الإمكانات والأدوات ووسائل التقنية الحديثة، التى تواكب التطورات المتنامية فى الإعلام المتقدم والمتطور بوسائله المتنوعة فى ميادين الإتصالات المسموعة والمرئية، بجانب آلياته وأدواته المكتوبة من صحافة ورقية وألكترونية، وبما فى ذلك أيضا التطور الهائل الذى تحقق للإعلام الفضائي الواسع، بما يمثله من إعلام رسمي أوقطري، أوعربي أو قومي، وبما يشتمله كذلك من نقلات إيجابية فى هذا الجانب.
  تحدث هذه المفارقة العجيبة لهذا التطور للإعلام العربي، فى جانب الأدوات والآليات والمباني واللوازم الفنية اللوجستية، فى الوقت الذي نجد فيه هذا الإعلام مايزال يرزح أسيرا ومكبلا لمفهوم وأيدلوجيات السياسات الفردية أوالجماعية الخاضعة لسلطة الحاكم أوسلطة الطائفة أوالقبيلة أوالعقلية الشوفينة الرجعية والوصولية، التى تقود للتعبئة السلطوية والحزبية، متخليا عن دوره الحقيقي فى هذه الممارسة ومعايشة همومه ومشاكله وقضاياه، بجانب تخليه عن الإلتزام بخط ممارساته المهنية والميدانية، وبما يعكس تطلعات وطموحات الجماهير وقضايا الأمة وتطلعاتها نحو الحرية والديمقراطية.
   ويبدوان أن الإعلام العربي قد تخلى فعلا عن هذا الدور، بصورة فاقعة أصبحت تستلفت الإنتباه، وبعد أن جنح إلى تسخير وتكريس وتجنيد وتعبئة كل توجهاته وأهدافه وإمكاناته فى جوانب بعيدة عن هذا الدور، وذلك بعد أن أوغل فى إعتباره الناطق الرسمي المبجل للسلطة أوالطائفة أوالقبيلة.
   فنجد أنه يتم من خلال ذلك التحكم على سبيل المثال بنوعية الخبر أوالخطاب أوالحدث وطريقة عرضه والخلفية السياسية المبتغاة من وراء نشره أوتعميمه وبالشكل الذى يراد منه، كما يعكس بالتالى رأي وسياسة وتوجهات السلطة أوأصحاب المؤسسة الإعلامية ذاتها، ويبين مدى إنغماسهما بأدوات الإبتذال المسفة بوسائل المديح والتلميع والتطبيل والتزمير كأبواق مسخرة ومجندة للحاكم أوالحزب أوالسلطة المهيمنة على توجيه هذه أوتلك الوسيلة، وبالتالى تفشي نشر أهداف الترويج التعبوي لثقافة أطرافها من المنتفعين بهذه الوسائل، والتى أدعت كثير منها منغمسة ومنفلتة فى قضايا وأطروحات هامشية لاناقة فيها ولاجمل بالأحداث وبالقضايا التى تعيشها الأمة، فبدت وكأنها معزولة عن جماهيرها العربية، بل وقد لاتتورع هذه الوسائل فى العمل على دعم أعمال الشحن والتطرف وإحياء العصبيات والإنتماءات الحزبية والدينية، والضرب على وتيرة الخلافات المذهبية والطائفية والقبلية، عوضا عن تبني الإعلام الجماهيري القومي الحر الذى يترجم حس وهموم المواطن، ويكون إعلاما ناطقا بإسم الجماهيرالعربية العريضة فى الوطن العربي، للتعبيرعن هويتها وأهدافها وآمالها ومطالبها، وباعتبارهم أمة عربية واحدة، تتفق فى إنتماءاتها ومشتركاتها وقواسمها وأهدافها وآمالها وتطلعاتها القومية العربية الموحدة، بغض النظر عن السلطة أوالدين أوالطائفة أوالحزب أوالقبيلة، وعلى إعتبار أن هذه المفردات ليست من أولويات الإنتماء العرقي للأمة العربية، فمن بين مشتركات هذه الأمة العظيمة هو ذلك التنوع المذهبي والطائفى الحميد، فى حين أن المفترض هو أن يكون ذلك البعد السلبي فى الخطاب الإعلامى منبوذا وعلى أساس أنه من مخلفات العصور الظلامية المقيتة، ومن السخريات الكاريثية هو أن يقوم هذا الإعلام بربط حقوق المواطنة بالإنتماءات المذهبية والطائفية أو القبلية، وهذا ربما كان أحد السقطات الكارثية التى وقع فيها الإعلام العربي، بإنجرافه إلى مهاوي هذه التوجهات التى أوجدت لنا نوعية هذا الإلتباس فى توجهات هذا الإعلام البائس، وهو توجه مسيئ قد يؤسس إلى إحداث بلبلة وإنقسامات فى صفوف المجتمعات المتآلفة فى هذه الامة، على خلفية تنوع أديانها ومذاهبها، وهذا يذكرنا بنفس نبرة الخطاب الإعلامي الذي هيمن على وتيرة الأحداث خلال السنوات الماضي بسبب تباين مواقف الانظمة العربية من المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية، والذى عرفها الإعلام بمايسمى بالدول الممانعة والدول الموالية، وهوتقسيم منسوب كما هو معلوم إلى الدول الممانعة التى ترفض بمايسمى بنظام الشرق الأوسط الجديد أومفاوضات السلام، والتى يقصد منها هوغسل أدمغة الرأي العام العربي، لابتلاع وتمرير مايراد منها فى قبول هذه التوجهات الجديدة لعملية السلام بأي ثمن والسير والتوافق مع الخط  الأمريكى، ومن ثم محاولة إقصائنا عن قضايانا المصيرية والتنموية والإنقلاب على هذه القضايا، والهدف منها باطنا هو الترويج لثقافة التطبيع وابتلاع عملية الإندماج مع الحركة الصهيونية ولكن بمظاهر تبدو بريئة، كما يذهب إلى ذلك أصحاب الخط الممانع، وهو غالبا مايكون بالقطع على حساب تلك القضايا والمصالح الوطنية والقومية، والتي يعمل بها ويدعو إليها الطرف الآخر من أصحاب الخط الموالي، وهذا أيضا بالرغم من أن أصحاب الخط الممانع كذلك يؤخذ عليهم إعلاميا إنزلاقهم إلى الإنخراط فى مزالق ودعوات التحزب والتفرد بالرأي وبالتحيزفى تناول القضايا التى تستحوذ على إهتمامات أطرافها.
   عزيزي فى الحلقة الثانية سنتعرف على تداعيات مصداقية الإعلام العربي وكيف وصل به الحال إلى وضع التمترس والتقوقع أمام الأحداث التى يشهدها الشارع العربي..!
احمد علي الشمر

منشور

أزمة الإعلام العـربي


اكتوبر 2010
25
أزمة الإعلام العـربي

لكل قضية في الدنيا وجهان: مضيء يبوح بإمكانات الخير للإنسان والتقدم للمجتمعات، وهو في كل الأحوال يضيف لحركة التاريخ وانتقاله من حال إلي حال، ومظلم يفعل العكس تماما، حينما يوقظ قوي الشر ويوحدها علي طريق الدمار. وفي الماضي كان المثل الشهير يأتي من النار، التي يعتقد أنه مع قدرة الإنسان علي إشعالها بدأ الطريق إلي الحضارة، ولكنها كانت أيضا: حرق الأصابع والمزارع والمصانع والمدن والحضارة ذاتها. وفي الحاضر توجد أمثلة كثيرة ولكن موضوعنا هو الإعلام العربي الذي انفجر فجأة خلال العقدين الماضيين، كما لم يقدر له الانفجار، وبعد سعادة لا حد لها بعد مشاهدة المسلسلات الرمضانية، إذا بالأمر كله يتحول إلي بث الفتنة والتحريض والكراهية بين الأديان والمذاهب والشعوب في مناسبات تبدأ من خلافات سياسية، ولكنها لا تنتهي بمباريات في كرة القدم.
الانفجار لم يعد له حدود، البداية كانت بسيطة في الستينيات مع اختراع الترانزستور البسيط الذي يمكن أن يكون في متناول كل مواطن. القاهرة في ذلك الوقت كانت في زهوتها الناصرية، ومع الوحدة مع سوريا، صارت "صوت العرب" سلاحا سياسيا من الدرجة الأولي. وسرعان ما أصبح لدي كل دولة عربية صوتها العربي الخاص، وبات معروفا أنه كلما حل الوئام بين دولة عربية وأخري فإن صوت العرب في البلدين سوف يسكت بعد اتفاق الزعماء علي وقف الحملات الإعلامية. ولم يكن يهتم بعد ذلك كثيرا بالتساؤل حول ما كان في هذه الحملات من أكاذيب وكيف يمكن احترام ما قام به محترفوها بعد ذلك، تلك كانت أسئلة صعبة وملفات لا يريد أحد فتحها، وربما كان المستمعون يعرفون الحقيقة في كل الأحوال.
ولكن المسألة كانت بسيطة، وبعد عقد من الاستماع لأصوات العرب لم تعد هناك مشكلة فقد بات العرب يستمعون إلي إذاعة لندن أو أي إذاعات أخري ناطقة بالعربية من دول صغيرة بحجم ألبانيا ومن دول كبري بحجم الولايات المتحدة. وحتي عندما تقدم التليفزيون في عصوره البدائية "أبيض وأسود" لم يتغير شيء، وعندما تم صبغه بالألوان ظلت الحال علي ما هي عليها لأن أصوات العرب التليفزيونية لم تكن تصل إلي البلدان العربية الأخري. ولكن تسعينيات القرن الماضي شهدت ميلاد الوحش الجديد من خلال ظهور الفضائيات التليفزيونية مرة، ومع القرن الجديد ظهرت الصحف الإلكترونية المتعددة الوسائط من إذاعة وتليفزيون. وانفجر الفضاء الإعلامي العربي بلا سيطرة من دولة وبلا خشية من أمة.
وفي وقت من الأوقات ظهرت المشكلة كما لو كانت قناة الجزيرة وحدها علي ساحة التحريض السياسي، ولكنها ما لبثت أن شحبت ألوانها بعد أن دخلت علي الخطوط السياسية محطات فضائية تصل إلي 690 محطة مع بداية هذا العام، وأضيفت لها عشرات الألوف من المدونات والصحف الإلكترونية، وحتي الصحف المطبوعة رغم الضغط عليها فقد زاد عددها ولم يقل. وببساطة اختلط الحابل بالنابل، وفي دول مثل العراق ولبنان أصبح الإعلام محرقة للنزعات الطائفية والمذهبية، وما جري هناك تسلل بسرعة في أشكال جديدة إلي دول كان يعتقد أن العقد السياسي والاجتماعي فيها عصي علي الضغط والكلمات الحماسية.
هذه المرة لم يعد هناك صوت للعرب يمكن إسكاته، ولا كانت هناك دولة متهمة بأنها وراء حملة صوت العرب الخاص بها، ما بات لدينا إلا فضاء واسع امتلأ فجأة بمن يحرض علي الدولة والمذهب والدين والحضارة. وفي وقت من الأوقات كان باديا أن هذا الفضاء فيه ما يغري سياسيا حينما جعل كل الأحزاب السياسية المعارضة وغير المعارضة تعوي في فضاء غير معلوم، وفي أوقات أخري كان مغريا أن الانقسامات الجارية والاتجاهات المعاكسة بين أركان النخبة العربية أعمق وأكثر شراسة من الفجوة بينها وبين النظم الحاكمة، والنخب الاقتصادية المسيطرة. ولا بأس في كل الأحوال، وبعيدا عن السياسة التي لم تشغل بال أكثر من 10% من اهتمامات القراء والمشاهدين، فإن تسلية الشعوب من فضائل الحكم.
ومع الزمن لم تعد المسألة كذلك، فالمحاكم فقدت بسبب الإعلام قدرتها علي ممارسة العدالة، وكثيرا ما كان مطروحا ما إذا كان ممكنا منح متهم حكما بالبراءة يستحقه بعد أن أدانه الإعلام في محاكماته الخاصة المتعجلة والمثيرة. وبعد المحاكم جاءت الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني. وحتي الصحافة المطبوعة أخذت نصيبها من الأسرع والأكفأ في ساحة الفضائيات، وبدون مبالغة وجد الإعلام نفسه علي منصة الحكم، ومن فيه باتوا نجوما لا يقترب ولا يمس أحد منهم خاصة بعد أن باتوا علي صلة بشبكات عالمية علي استعداد. لكي تصرخ بمخالفة حقوق الإنسان إذا ما تعرض أحد منهم لنقد أو هجوم أو اتهام.
مأزق الإعلام العربي يكمن في مجموعة من الحقائق: الأولي إيجابية وهي أن التكنولوجيا سوف تظل علي تطورها السريع، ومن ثم قدرتها علي أن تقدم للإنسان العربي ما لم يحصل عليه في تاريخه من معلومات وحقائق. والثانية إيجابية. كذلك أن حرية هذا الإعلام سوف تتزايد، ومهما حاولت الدولة فرض السيطرة عليها فإن التكنولوجيا سوف تحملها إلي أرض الله الواسعة، ترسل وتبث منها ما شاءت إذا ما تأخرت تراخيص أو غابت منح. والثالثة سلبية لأن الإعلاميين العرب لم يعودوا مراقبين للدولة والمجتمع كما هي حال الإعلاميين في دول العالم الأخري، وإنما طرف في معارك سياسية واقتصادية وأيديولوجية ومذهبية، وجزء من تيارات العودة إلي الماضي وتكريس التخلف وكراهية العالم. والرابعة سلبية أيضا أن الدولة العربية كانت من القوة بحيث عرفت كيف تتعامل مع الانقلابات العسكرية، ومع الحركات الراديكالية بأنواعها المختلفة اليسارية واليمينية، ولكنها لا تزال حائرة، وربما عاجزة، عن التعامل مع هذا الهجوم الجديد. ورغم محاولات خلق كيانات منافسة، أو احتواء كيانات قائمة، فإن فيروس نشر الشحناء والاحتقان والإثارة والتمييز مستمر بلا توقف.
حل المأزق ليس في متناول اليد دائما، ومع ذلك فإن قوة الدولة العربية وشرعيتها كانت ولا تزال سلاحها الأول فيمن يريد بها سوءا، ولكن المواجهة والقدرة الإعلامية علي الشرح لا تزال تشكل "كعب أخيل" بالنسبة لكل الحكومات العربية ،الذي تحتاج إلي حمايته بالكلمة الحقة. وفي النهاية فإن الأمر كله يحتاج إلي تنظيم يعظم الحرفة الإعلامية وما فيها من تقاليد تبحث عن الحقيقة ولا تستغلها أو تحرفها، تحللها إلي عناصرها الأولية ولكنها لا تشرحها بحثا عما يغضب ويثير، وفي النهاية يجعل الإعلام جزءا من تقاليد الدولة التي تعمل علي الحفاظ عليها وليس تدميرها.
 
منشور

التعليم العمومي، ومعالجة الأزمة: (وجهة نظر)



ـ نساء، ورجال التعليم، العاملات، والعاملين في التعليم العمومي، المخلصات، والمخلصين في أداء رسالتهم، الحريصات، والحريصين على تطوير أدائهم.
ـ التلميذات، والتلاميذ، الصامدات، والصامدين في إعطاء أهمية لدراستهم في التعليم العمومي، من أجل إعطاء وجه مشرف لهذا التعليم في المغرب.
ـ الأمهات، والآباء، والأولياء، والإدارة التربوية، والمراقبة التربوية، الحريصات، والحريصين جميعا، على إنجاح العملية التربوية التعليمية التعلمية، في إطار المدرسة العمومية. 
مفهوم الأزمة التعليمية:....2
 ونظرا لأن التعليم في برامجه، وفي طرقه، وفي أهدافه الإجرائية، وفي غاياته، لا يرتبط بالتنمية في مستوياتها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وكاستجابة للتطور المتنامي، ونظرا لعدم تفاعله مع المحيط، في مظاهره المختلفة، فإن ذلك لا يمكن أن ينبئ إلا عن قيام أزمة تعليمية.
فالأزمة التعليمية، إذن، هي العجز التام، والمزمن، عن إيجاد الحلول للمشاكل المختلفة، التي يعاني منها التعليم على المستوى العام، والتي تعاني منها المدرسة المسماة عمومية على المستوى الخاص، مما يجعل النظام التعليمي في المغرب، عاجزا عن إعداد الأجيال إعدادا جيدا، لمواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية. وهذا العجز، هو الذي يجسد الأزمة التعليمية في المغرب، ويقف وراء استمرار تلك الأزمة، إلى حين قيام اختيارات ديمقراطية شعبية، تؤدي إلى إيجاد تعليم ديمقراطي شعبي، لا وجود فيه لشيء اسمه الأزمة التعليمية؛ لأن التعليم، حينها، سيصير مستجيبا لإرادة الشعب المغربي، وفي خدمة جميع أبنائه، على أساس احترام مبدأ تكافؤ الفرص، بدل العمل على فرز النخبة، التي تصير في خدمة الطبقة الحاكمة، وكل المستغلين (بكسر الغين)، والمستفيدين من الاستغلال.
والعلاقة بين مفهوم الأزمة التعليمية العامة، والأزمة التعليمية في المدرسة المسماة عمومية، علاقة جدلية، وعضوية، وامتدادية.
فالأزمة التعليمية العامة، تتفاعل مع الأزمة التعليمية الخاصة، تفاعلا سلبيا بطبيعة الحال، كما أن الارتباط بين الأزمتين ارتباط عضوي؛ لأن الأزمة التعليمية على المستوى العام، لا تختلف عن الأزمة التعليمية في المدرسة المسماة عمومية، وفيما يخص الأزمة التعليمية في المدرسة المسماة عمومية، فإنها تعتبر امتدادا للأزمة التعليمية العامة.
وكذلك الشأن بالنسبة للأزمة التعليمية على المستوى العام، وعلى مستوى المدرسة المسماة عمومية، فإن العلاقة بينها، وبين الأزمة العامة، التي يعرفها المجتمع، في مستوياتها المختلفة: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، علاقة جدلية، وعلاقة عضوية، وعلاقة امتدادية في نفس الوقت، من منطلق أن الأزمة التي يعرفها المجتمع، هي أزمة كلية. والأزمة الكلية، تحكم مجمل الأزمات: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وتتفاعل معها تفاعلا سلبيا، كما تعتبر جزءا لا يتجزأ منها، وهي في نفس الوقت، تجد لها امتدادا تحكميا في الأزمات القطاعية، لكون الأزمة العامة، نتيجة للاختيارات اللا ديمقراطية، واللا شعبية، ذات الطبيعة الرأسمالية التبعية، وفي خدمة الطبقة الحاكمة، والتحالف البورجوازي الإقطاعي، وسائر المستغلين، (بكسر الغين)، والمستفيدين من الاستغلال، ومدبريه.

وانطلاقا مما رأينا، فإن الأزمة التعليمية في المدرسة العمومية، تعتبر امتدادا للأزمة التعليمية العامة، التي تصير بدورها امتدادا لمختلف الأزمات التي يعرفها المجتمع، مما يجعل هذه الأزمات، في مستوياتها المختلفة، مرتبطة ارتباطا عضويا، وجدليا، بالإضافة إلى الارتباط الامتدادي.
وبهذه الخلاصة، نكون قد أتينا على تشريح مفهوم الأزمة، ومفهوم الأزمة التعليمية في مفهومها العام، وعلى مستوى المدرسة المسماة عمومية، من أجل أن تصير واضحة في الأذهان، حتى نبني على ذلك الوضوح، التصور الذي نعتمده، لوضع تصور للخطوات التي يجب اعتمادها، من أجل التخلص من الأزمة في مستواها العام، وعلى المستوى التعليمي، وعلى مستوى المدرسة المسماة عمومية.
فهل نكون قد وفينا لمفهوم الأزمة حقه في التشريح، والتوضيح؟ أم أن مفهوم الأزمة، لا زال في حاجة إلى تشريح؟
 إن القارئ، والمتتبع وحده، هو الذي يملك الحق في الحكم، وننتظر منه أن يتدارك جوانب التصور في المفهوم، في مستوياته المختلفة، طلبا للمزيد من الوضوح، الذي تنبني على أساسه الحلول المقترحة، لمعالجة الأزمة في مستواها العام: الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، الذي يشمل المجتمع برمته، وفي مستواها التعليمي العام، وفي مستوى المدرسة المسماة عمومية.
محمد الحنفي
منشور

أزمة تعليم وتعلم والتقنية المزدوجة


التقنية، أزمة تعليم وتعلمs

e learning thumb التقنية، أزمة تعليم وتعلم
ما زلت أتذكر استشارة من فتاة مقبلة على تخصص الحاسب وهي تريد ملخصًا عنه لتقرر فيما إن كانت ستدرس الحاسب أم الكيمياء الحيوية. أجبتها بحماسة وجدية بأن الحاسب يتطلب الهدوء والتركيز والتفكير التحليلي، وذكرت لها ارتباطه بالمنطق والفلسفة ونسيت فيما إن كنت حدثتها عن العقلية النقدية أم لا. طبعًا آثرت السلامة واختارت الكيمياء! مر زمن على هذا الموقف وما زلت سعيدة بأني تحدثت لها عن حقيقة التخصص كما أفهمه وأحبه، لا كما يتم تدريسه وتخريج الطلاب منه.
أن تنتمي للحقل التقني يعني ببساطة أن تعايش أغرب النماذج البشرية في مفاهيمها. هذه الغرابة تجرك لفهم أسباب الأخطاء التي تقع وتتكرر في هذا الحقل أو بالأصح في المجال التعليمي منه. فتخصص الحاسب بجميع أقسامه، يساعدك على تجربة عيش مختلفة مع صنفين غريبين: الأول اختار التخصص بدون رغبة حقيقية والآخر اختاره راضيًا، لتجد الصنفين -بعد فترة من الدراسة- يعانيان منها، وسبب هذه المعاناة يرجع لخطأ في مفاهيمهم حول طبيعة العلم ومواده. وإن لم تدرك بعد أن سبب هذا الخطأ يعود للمؤسسة التعليمية، فلا بد أن أشير لوجود صنف ثالث أشد غرابة من سابقيه: عدد هائل من الطلاب المتفوقين دراسيًا، والذين يكرهون التخصص جملةً وتفصيلًا! دراستي للحاسب كانت كفيلة بأن توضح لي مكامن الخلل في العملية التعليمية حينما يتعلق الأمر بالتقنية ومستجداتها. خصوصاً وأن الأخطاء تتكرر من جيلي: الأساتذة الجدد وأساتذتهم. هذا الخلل أدى بدوره لوجود النماذج السابقة بأرقام مفزعة والأسوأ أن التعليم بهذه الطريقة ينجح في حصر مفاهيمهم حول تعلم التقنية.
في بداية حياتي الجامعية تعرضت لصدمة عنيفة عندما أخبرونا أن ما سندرسه في البرمجة لا علاقة له إطلاقًا بالبرامج! عندها فهمت، وفهمت دفعتي بل وكل الطلاب الذين يتلقون التعليم بهذه الطريقة: أن النظام التعليمي يقول لنا بأن الحواسيب والهواتف التي نستعملها، التطبيقات التي تساعدنا على تنظيم حياتنا، التفكير البرمجي الذي يساهم في تحسين مستوى العيش، كل هذا لا علاقة له بالتخصص! بل إن بعض الأساتذة يعلنونها بجرأة: ما تدرسونه هنا لا علاقة له إطلاقًا بالحياة “الوظيفية”. دون أن يتنبهوا لأن الكتب التي يعتمدونها هي الكتب نفسها المعتمدة في الجامعات العالمية والتي تخرج بدورها من يغيرون العالم. وأن المشكلة ليست في هذه الكتب والمعلومات وإنما في الطريقة العقيمة للتعليم. لأجل هذه النقطة صارت التقنية فعلًا جامدًا لا علاقة له بأي شيء خارجي مرتبط بحياتنا. هذا الخلل اتضح لي أنه مرتبط بنقطتين:
  • عدم ربط المعلومات بتاريخها
  • فصلها عن العلوم الأخرى
وحل هذا الخلل ليس مستحيلًا. إلا أنه سيؤدي لنتيجة مذهلة: تعديل مفاهيم الطلاب ومن ثم المجتمع حول التقنية وما يمكن أن تفعله. ولتجاوز هذا الخلل لا بد للطالب أن يفهم كيف وصلت الفكرة إليه ومن ثم كيف تؤثر عليه. وهو ما سأناقشه في النقطتين التالية:

المعلومة وتاريخها

عندما يتقدم الطالب بعرض بحوثه، لا بد له أن يتبع خطًا زمنيًا منطقيًا في طرح الموضوع الذي يتناوله. حيث يبدأ بتاريخ المفهوم وتعريفه ومن ثم يتحدث عن تطبيقاته. ولهذا نتذكر بحوث زملاء الدراسة ونستفيد منها أكثر من تذكرنا للدروس والمحاضرات.
أولى المشاكل التي تتعرض لها المعلومات عند التدريس يعود بالدرجة الأولى لعدم ربطها بتاريخها. مما يجعل مفهومها ضبابيًا لحدٍ كبير وبالتالي يصعب التعامل معها. فمعرفة السياق التاريخي للفكرة ومتابعة تطورها، يعطيان منهجية ممتازة لفهمها وتفعيلها. بعد هذا تبرز أهمية وضع تعريف دقيق لها قبل التطرق لتطبيقاتها. إلا أن تعليمنا يقفز فجأة ليشرح لنا كيف نرسم دائرة كهربائية دون أن يخبرنا ما هي هذه الدائرة وإلى أي نوع تنتمي، فضلًا عن أن يخبرنا كيف تتمايز هذه الأنواع. هذه الآلية في التدريس تلغي التفكير في جدوى الدائرة لتجعله منصبًا فقط على رفع كفاءتها. باختصار، تجاهل تاريخ الموضوع وعدم إيجاد تعريف دقيق له يعني أن تقوم ببرمجة كائن معقد دون أن تنشئ  صفاته الخاصة، فمهما بلغت دواله من الذكاء، سيظل كائنًا عاجزًا عن العمل!

الاتصال بالعلوم والحياة

بسبب طبيعة العلم التراكمية، لا أبالغ لو قلت بأن كتابتي لهذا الموضوع على جهازي اللوحي كانت نتيجة تسلسلية لإحدى محاورات أفلاطون. ولأوضح أكثر فإن الناقد والفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو ذكر في كتابه “حكايات عن إساءة الفهم” -وهو كتاب يتحدث عن إشكالات لغوية وربما فكرية – قصة ابتكار النظام الثنائي وهي قصة أغرب من ارتباط أفلاطون بالآي باد.
من خلال قراءاتي البسيطة في المنطق والفلسفة والنقد، وصلت لتوافق كبير بين تخصصي الغارق في علميته وبين ما أحب أن أقرأ حوله وأعيش في ظله. هذا الانسجام زاد من تعميق فهمي لتخصصي التقني. حتى أصبح تعديل الكود يشبه في كثير من حيثياته نقد النص الأدبي، وهكذا تتشابه كتابة الكود مع كتابة هذا النص! أنا لا أبالغ فيما أقول ولا أحاول تقريب المستحيلات. هذه قناعة خاصة حسنت علاقتي مع اهتماماتي ولن أستطرد فيها كثيرًا، غير أني أردتها مدخلًا لشرح هذه النقطة: حتى تحب التخصص وتفهم جدواه، لا بد أن تربطه بكيانك الداخلي ويصبح جزءًا لا يتجزأ من تعاملاتك مع الحياة. لنعد للتعليم، هل يتم هذا من قبل الأساتذة؟  ليس مستحيلًا أيضًا أن يتم عقد صلح ما بين التقنية كمفاهيم وتطبيقات وبين بقية العلوم والحياة المعاشة. كل ما نحتاجه هو تغيير النظرة للتخصص وإدراك قدره الحقيقي ومعاملته على هذا الأساس.
أخيرًا نحن نعلم أن النظام التعليمي يعاني خللًا هائلًا في التعامل مع التخصص وأن المجتمع ككل يعاني من قصر نظر تجاهه. لكن يبقى دور الطالب والأستاذ لتعديل هذا الخلل وتحسين هذه النظرة. ما أريد إيصاله من خلال التدوينة أن على الأستاذ إعادة النظر في مفهومه حول تدريس الحاسب بجميع فروعه ومواده، وعلى الطالب أن يتوقف عن التذمر والحفظ الأجوف. بالنهاية نجد أن كليهما يتحمل مسؤولية التغيير. الإنترنت مجال رحب لتعديل هذه  الأخطاء: التدوين، الويكيبيديا، أنظمة إدارة المحتوى (كموقع  Bloomfireوتطبيقه على آي فون) كل هذا وغيره يتطلب منا التفاتة جادة لتصحيح مسار العملية التعليمية فيما يخص الحاسب خصوصًا بتعزيز مفهوم التعلم الذاتي.