منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

هذه أعنف أزمات الطاقة في العالم (مدونة دكتور هشام عوكل )


أزمات الغاز الطبيعي ونقص إمدادات الكهرباء وارتفاع أسعار النفط التي يعيشها العالم منذ أسابيع لم تكن الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة.


على مدار نحو نصف قرن شهد العالم أكثر من أزمة في قطاع الطاقة، كان لها أثر واضح في الاقتصاد، ودفعت للتفكير في ضرورة توفير مصادر بديلة للنفط والغاز.

فأزمات الغاز الطبيعي ونقص إمدادات الكهرباء وارتفاع أسعار النفط التي يعيشها العالم منذ أسابيع لم تكن الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة.

"
ـ مطلع السبعينيات زاد استهلاك الطاقة مع زيادة النشاط الصناعي، وبدأ إنتاج النفط المحلي بالولايات المتحدة في التراجع مع ارتفاع الطلب، لكن لم يقلق الأميركيون من تراجع الإنتاج لإمكانية الاستيراد من الشرق الأوسط.

ـ تسببت حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973 بين مصر وإسرائيل في توقف صادرات النفط في الشرق الأوسط.

ـ قررت الدول الأعضاء في منظمة أوبك الرد على الانحياز الأميركي لإسرائيل، فقررت قطع الصادرات النفطية عن الدول الداعمة للدولة العبرية في حربها ضد الجيوش العربية.

ـ أدى قرار المقاطعة الذي اتخذته منظمة أوبك إلى تضاعف أسعار النفط في الأسواق العالمية 4 مرات في 4 أشهر، ليرتفع من 2.32 دولار للبرميل الواحد إلى 9 دولارات.







ـ واجهت البلدان الصناعية الكبرى في العالم، ولا سيما الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية واليابان وأستراليا ونيوزيلندا، نقصًا كبيرًا في المعروض من الطاقة وزيادة أسعار الخام من 3 دولارات إلى 12 دولارا للبرميل.

ـ مارس/آذار 1974: رفعت أوبك حظر تصدير النفط بعد مفاوضات أجريت في مؤتمر قمة النفط بالعاصمة الأميركية واشنطن.

ـ كانت فرنسا من أكثر الدول الغربية التي وجدت نفسها غارقة في مرحلة من الكساد الذي ضرب مختلف القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى أزمات اجتماعية مركبة بسبب ارتفاع معدلات التضخم وتفاقم البطالة.

ـ في سنة 1975 وصل عدد العاطلين عن العمل إلى 500 ألف شخص، وهي أرقام غير مسبوقة في فرنسا التي ظلت تحقق التشغيل الكامل.

ـ تفاقمت الأوضاع الاقتصادية حتى تجاوز عدد العاطلين عن العمل عتبة المليون سنة 1977 والمليونين سنة 1981، قبل أن يقفز عدد العاطلين في فرنسا إلى 3 ملايين شخص سنة 1993.

ـ كانت أزمة الطاقة ضربة قوية للاقتصاد الأميركي، وكان أكبر أثر لها في صناعة السيارات، ورغم انتهاء الحظر في عام 1974، فإن الأسعار ظلت مرتفعة، وظلت آثار الأزمة ملموسة طوال عقد السبعينيات.

1979.. ثورة إيران وأزمة طاقة جديدة
ـ عام 1979: اندلعت الثورة الإيرانية مما تسبب في نشوب أزمة طاقة جديدة وركود اقتصادي في العديد من البلدان مع ارتفاع أسعار النفط.

ـ تضاعفت أسعار النفط في الأسواق العالمية أكثر من 3 مرات مقارنة بمعدل الأسعار المعمول به في سنة 1973.

ـ تسببت تلك الصدمة النفطية الثانية في تكبيد فرنسا خسائر فادحة على صعيد ميزانها التجاري، حيث كانت باريس وقتها تستورد 3 أرباع حاجياتها من الطاقة.

ـ الآثار المترتبة على أزمة الطاقة استمرت لفترة، كما واصلت أسعار الطاقة نسقها التصاعدي، وتزامن ذلك مع تراجع الموقف التنافسي للدولار في الأسواق العالمية.

العاصفة الكاملة (2000 ـ 2008)
ـ بعد أزمة الطاقة في السبعينيات، استقر سعر النفط عند 25 دولارا للبرميل، واستمر الاستقرار حتى مطلع الألفية.

ـ عام 2000: بدأت تتصاعد أزمة الطاقة في الغرب، التي عرفت بـ"العاصفة الكاملة" وتطورت على مدار 5 أعوام، ونتجت عن ضعف الاستثمارات في إنتاج الطاقة، وأرجع البعض سببها إلى عوامل جيوسياسية.

ـ لم تظهر ملامح الأزمة في شمال غرب الولايات المتحدة إلا في شتاء عام 2000 وربيع 2001.

ـ كانت آثار الأزمة واضحة في مختلف أنحاء العالم خلال الأزمة المالية عام 2008، عندما وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق حيث وصل سعر البرميل إلى 147 دولارا في يوليو/تموز 2008.

ـ علاوة على ذلك، كان تراجع قيمة الدولار وزيادة الطلب على النفط في الصين، والتوترات السياسية المرتبطة بكوريا الشمالية، وأيضا التوتر في الشرق الأوسط، عوامل أسهمت في ارتفاع سعر الخام بدرجة لم يتحملها الاقتصاد العالمي.

ـ وصلت الأزمة لنهايتها في ديسمبر/كانون الأول 2008، عندما دخل الاقتصاد العالمي في ركود، وهوت أسعار الخام من 147 إلى 32 دولارا للبرميل.

أميركا الشمالية.. أزمة الغاز
ـ من عام 2001 وحتى 2005: انخفض إنتاج الغاز الطبيعي في قارة أميركا الشمالية مما تسبب في ارتفاع أسعاره في وقت زاد فيه الطلب على توليد الكهرباء.

ـ عام 2006: زيادة بشكل طفيف في إنتاج الغاز الطبيعي لكنها لم تكن كافية لإنهاء الأزمة.

ـ عام 2008: بدأت بوادر الأزمة المالية العالمية وما تلاها من طلب على استيراد الغاز الطبيعي المسال.

ـ بعدها هدأت الأزمة في ظل زيادة في إنتاج الغاز الطبيعي، واكتشاف احتياطيات مؤكدة في بعض مناطق القارة، مما أسهم في وقف الاستيراد.

الأرجنتين.. "الكساد الكبير"
ـ عام 1982: بدأت بوادر اقتصادية في الأرجنتين تصاعدت حدتها رويدا رويدا.

ـ مطلع عام 2002: بلغت الأزمة ذروتها، وعرفت باسم "الكساد الكبير بالأرجنتين".

ـ عام 2002: بدأ الاقتصاد في التعافي وزاد الطلب على الطاقة نتيجة زيادة الطلب على السلع، ولم يستطع الاقتصاد الأرجنتيني الوفاء بالزيادة.

ـ عام 2004: كانت البلاد تعمل بكامل طاقتها من دون وجود احتياطيات من الطاقة للطوارئ، ولم تتمكن من الوفاء بالطلب المتزايد.

ـ تعرضت صناعات كبيرة تعتمد على الغاز في الإنتاج إلى انقطاعات، وصلت إلى 30% يوميا، ولجأت الحكومة إلى تقليص تصدير الغاز مما خفف الأزمة بالتدريج.

كاليفورنيا.. أزمة الكهرباء
ـ بين أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 2000: شهدت ولاية كاليفورنيا الأميركية أسوأ انقطاعات للكهرباء في تاريخها، وأسهم تأخير إصدار تراخيص محطات جديدة والظروف المناخية القاسية في نقص الإمدادات وارتفاع سعر الكهرباء 800%.

ـ كانت الأزمة بسبب نقص إمدادات الكهرباء الناجم عن إغلاق شركة إنرون للطاقة، والتلاعب في الأسواق، ووضع حد أقصى لأسعار الكهرباء في سوق التجزئة.

روسيا وأوكرانيا.. 3 أزمات طاقة
ـ أدت الصدامات الروسية الأوكرانية التي دارت أعوام 2006 و2009 و2014 إلى الانقطاعات الأولى في إمداد أوروبا بالغاز الروسي.

ـ 49% من صادرات الغاز الروسية تمر عبر أوكرانيا التي تعاني حاليًا من عجز في إمدادات الغاز.

ـ في أعقاب الصراع على شبه جزيرة القرم الأوكرانية، لم تكتف روسيا برفع أسعار صادرات الغاز إلى أوكرانيا فحسب، بل هددت بوقف تام لتسليم الغاز إليها إن لم تسدد الديون المترتبة عليها.

ـ الأزمة الأوكرانية تركت أثرًا حادًا وفوريًا على واردات الطاقة الأوروبية، وخصوصًا على واردات الغاز الذي يعتبر واحدًا من أنواع الوقود المفضّلة في إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي، نظرًا لتأثيره المنخفض نسبيًا على البيئة.

أزمة الغاز العالمية.. 2021
ـ منذ أسابيع بدأت أزمة الطاقة تعصف بأوروبا خاصة بريطانيا وإسبانيا، بسبب نقص المخزون وتحول جانب من صادرات الغاز الروسي لأوروبا نحو الأسواق الآسيوية، مما تسبب في توقف بعض شركات الصناعات الكيميائية.

ـ تم إغلاق المصانع مؤقتا، من مصاهر الألومنيوم في المكسيك إلى مصانع الأسمدة في بريطانيا.

ـ أسعار الطاقة في ألمانيا وفرنسا ارتفعت بنحو 40% خلال الأيام القليلة الماضية.

ـ ارتفعت أسعار بيع الغاز بالجملة بنسبة 400% هذا العام في أوروبا لأسباب عدة.

ـ حذرت شركات التصنيع التي تستخدم الطاقة بكثافة في بريطانيا، بما في ذلك منتجو الصلب والزجاج والسيراميك والورق، الحكومة من أنها قد تضطر لوقف الإنتاج ما لم يتم فعل شيء حيال ارتفاع أسعار الغاز بالجملة.

ـ تواجه دول الشمال فواتير طاقة عالية جدا، تبلغ 5 أضعاف المستوى الذي كانت عليه في عام 2020.

ـ على خلفية ارتفاع أسعار الفحم وتراجع المخزونات منذ أوائل عام 2021، تعاني الصين أسوأ أزمة كهرباء منذ عقد، حيث بدأت المقاطعات هناك بقطع التيار الكهربائي عن بعض المصانع والمناطق السكنية.

ـ كما ظهرت مشكلات الطاقة في الهند أيضا، ولم يسلم لبنان هو الآخر من انقطاع التيار الكهربائي بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

ـ حسب مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، ارتفعت أسعار المواد الغذائية العالمية بنسبة 30% على أساس سنوي في أغسطس/آب 2021.

ـ ووفق خبراء، فإن أقرب الأزمات المتوقعة في الشتاء القادم هي انقطاع التيار الكهربائي في ظل زيادة الطلب على الطاقة للتدفئة، خاصة إذا لم توفر الرياح الطاقة الكافية.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية
منشور

أزمة الطاقة العالمية.. ما أسبابها وتداعيتها؟ وماذا عن وضع المنطقة العربية؟


أزمة الطاقة العالمية.. ما أسبابها وتداعيتها؟ وماذا عن وضع المنطقة العربية؟

سعر برميل النفط تجاوز سقف الـ86 دولارا (غيتي)

عبد الحافظ الصاوي


في آخر التطورات لأسعار النفط في السوق الدولية، تجاوز سعر برميل النفط سقف الـ86 دولارا للبرميل أمس الاثنين 18 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وهو معدل جديد يعكس مدى الأزمة التي تمر بها سوق النفط، من حيث عدم تلبية العرض للطلب الآخذ في التزايد، وكذلك أسعار الطاقة التي تربك حسابات الدول المستهلكة ووجود حالة من الضبابية بشأن مستقبل أسعار السلع والخدمات في السوق الدولية.


في هذه السطور نحاول أن نلقي الضوء على أزمة الطاقة، من ناحية أسبابها، وتداعياتها، ومستقبلها، والمستفيدين والمتضررين منها.





ثمة مجموعة من الأسباب أدّت إلى ظهور أزمة الطاقة في الشهرين الماضيين، سواء في ما يتعلق بارتفاع الأسعار، أو في ما يخص نقص الإمدادات، وكان لها أثرها الواضح في فواتير استهلاك الكهرباء لدى المواطنين في الدول الرئيسة المستهلكة للطاقة في أميركا وأوروبا وآسيا، أو في نقص الطاقة في الصين التي اضطرت إلى تعطيل الإنتاج في العديد من المصانع، وبخاصة الصناعات الكثيفة الاستخدام للطاقة، كما تأثر ثلثا المقاطعات الصينية بانقطاع الكهرباء في الفترة القليلة الماضية.


وفي ضوء قراءة أسباب الأزمة، يقدم الخبيران بشؤون الطاقة كارلوس فرنانديز وجير جيلي، على موقع وكالة الطاقة الدولية، تحليلا بشأن أزمة الطاقة، ويذكران أن من أسباب الأزمة الحالية تراجع الاستثمارات في مجالي النفط والغاز، بعد تدنّي الأسعار في السوق الدولية، في الفترة 2015- 2020، وكذلك الشتاء الشديد البرودة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.


كما أن تراجع الإنتاج وتدنّي الطلب على النفط والغاز خلال أزمة كورونا أسهما في انصراف الشركات والحكومات إلى إجراء عمليات الصيانة بحقول الإنتاج، وذلك أثر في العرض سلبًا، في الوقت الذي ينتعش فيه الطلب على النفط والغاز.


وكان لانخفاض المخزونات الإستراتيجية عن متوسطاتها الطبيعية أثر في الأزمة، فانخفاض المخزونات أدى إلى زيادة الطلب، وذلك ساعد على زيادة السعر؛ فنقص مخزونات الغاز الطبيعي في أوروبا في الفترة الماضية بلغ 15% عما كانت عليه تلك المتوسطات في السنوات الخمس الماضية.


وما زاد من أزمة الغاز أيضا اهتمام الشركة الروسية للغاز بالعقود الطويلة الأجل، وعدم التفاتها إلى العقود القصيرة الأجل إلا في نطاق ضيق، وأخيرا أدّت حالة الجفاف في البرازيل إلى تراجع المياه في أكبر خزاناتها للمياه بنسبة 25%، وذلك أثر في إنتاج الطاقة الكهرمائية، ومن ثم زاد الطلب على الغاز الطبيعي.


أين تشتد الأزمة حاليا؟

تشتد أزمة الطاقة في الدول الكبرى المستهلكة للطاقة، التي اعتادت الحصول على الطاقة الرخيصة في الفترة من منتصف 2014 إلى نهاية 2020، وعلى رأس تلك الدول أميركا، وأوروبا، والصين، والهند، وبقية الدول المستوردة للطاقة، حيث ترتفع الأسعار، وتتراجع معدلات الإنتاج.


وثمة حالة من الإرباك تنتظرها اقتصاديات تلك الدول، بسبب موجة التضخم التي تشهدها الآن بشكل أولي، ولكنها ستزيد بلا شك مع دخول أشهر الشتاء، وستكون تداعياتها أكبر، بعد أن تؤثر حركات نقص الإمدادات للطاقة على رفع أسعار المنتجات في الصين وغيرها من الدول التي تعدّ مصدرا رئيسا للسلع التي تمثل احتياجات أساسية للاستهلاك والإنتاج.


أزمة الطاقة تشتد حاليا في الدول الكبرى المستهلكة للطاقة (غيتي)

ما تأثير الأزمة على خدمة الكهرباء وبقية السلع الاستهلاكية؟

أدّى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى زيادة أسعار استهلاك الكهرباء لدى المستهلكين وكذلك  في الصناعات التي تعتمد على الكهرباء المولدة من الوقود الأحفوري (النفط، والغاز الطبيعي، والفحم)، فالأرقام تشير إلى أن أسعار الغاز بلغت 10 أضعاف مستواها منذ عام في كل من أوروبا وآسيا، في حين تضاعف سعر الغاز الطبيعي في أميركا 3 أضعاف في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وفي ألمانيا أدى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى ارتفاع أسعار الكهرباء 6 أضعاف عما كانت عليه في عام 2020.


ولا يمكن الوقوف عند الأثر المباشر للطاقة على أسعار الكهرباء والتدفئة، فمنظمة "الفاو" تشير إلى أن أسعار الغذاء ارتفعت في سبتمبر/أيلول 2021 على أساس سنوي بنحو 32.8%، وسيكون من العواقب السيئة على العديد من الدول إذا تزامنت أزمة ارتفاع أسعار الطاقة مع أزمة ارتفاع أسعار الغذاء، فسيكون لذلك تأثير مباشر على ارتفاع معدلات الفقر والجوع في الدول الأقل نموا، وكذلك في الدول النامية.


كيف يتوقع الخبراء أن يكون وضع الطاقة في العالم في الشتاء القادم؟

ينظر الخبراء إلى وضع الطاقة في العالم خلال الشتاء القادم في ضوء آليات العرض والطلب من جانب، ومن جانب آخر من زاوية طبيعة موسم الشتاء من حيث قسوة البرد، ومدة الشتاء، فإذا استمرت الأوضاع الحالية من طلب نشط على الطاقة، وعرض لا يلبي هذا الطلب، فستكون موجة ارتفاع أسعار الطاقة مستمرة، وقد تتجاوز الـ100 دولار للبرميل، وثمة توقعات تخص الغاز الطبيعي والفحم تذهب إلى أن يبلغ سعر المليون وحدة حرارية 30 دولارا أميركيا، وأن يبلغ سعر طن الفحم 190 دولارا أميركيا.


وبلا شك فإن مرور النصف الشمالي من الكرة الأرضية بشتاء قارس سوف يزيد من استهلاك الطاقة، ومن ثم سيؤدي ذلك إلى زيادة الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون، وحدوث اختلالات مناخية لا تُحمد عواقبها.


ما الحلول التي تعمل عليها الدول لتدارك الكارثة الاقتصادية القادمة؟

الحلول التي يمكن بها تفادي الأزمة تعتمد على وجود حالة من توازن المصالح بين القوى الكبرى المتصارعة، فروسيا اليوم مثلا تجد ضالّتها في تفعيل ورقة الغاز الطبيعي كسلعة "جيوسياسية" لتصفية العديد من الملفات مع أوروبا وأميركا، وتعويض سنوات النفط الرخيص التي أهدرت فيها ثرواتها.


كما أن المعادلة الدولية الخاصة بعلاقة الدول النامية بالدول المتقدمة تحتاج إلى تطور يسمح بإفادة الدول النامية من التكنولوجيا، مقابل حصول الدول المتقدمة على المواد الأولية وعلى رأسها النفط والغاز الطبيعي والفحم، فمنذ سنوات طويلة والدول النامية تطالب بتجارة عادلة، في حين تطالب الدول المتقدمة بتجارة حرة تحقق مصالحها من دون اعتبار لمصالح الدول النامية.


وإن كانت ثمة جهود تبذل، فهناك حاجة إلى ضخ استثمارات جديدة في مجالي النفط والغاز، وإزالة العقبات من طريق الإمدادات، والعمل على ترخيص تكلفة الشحن، وتخفيض تكلفة التأمين على حركة السلع ونقلها.


في ظل استمرار أزمة الطاقة فإن الرهان على الطاقة البديلة غير مناسب في الأجلين القصير والمتوسط (غيتي)

ماذا عن رهانات التحول نحو الطاقات البديلة؟

كشفت الأزمة الحالية عن أن الجهود المبذولة في مجال الطاقة البديلة ما زالت قاصرة عن الوفاء باحتياجات العالم، لتكون بديلا كاملا عن النفط والغاز الطبيعي والفحم، بل قد تساعد الإجراءات التي سوف تتخذها الحكومات لمواجهة أزمة الطاقة، من تخفيض الضرائب، والتسهيلات الأخرى لمنتجي النفط والغاز، إلى تقليص الإنفاق على الاستثمارات المتجهة لمجال الطاقة البديلة، وكذلك الأبحاث الخاصة بها، وهو ما يجعل الرهان على الطاقة البديلة غير مناسب في الأجلين القصير والمتوسط.


ماذا عن المنطقة العربية؟

لا يمكن الحديث عن أزمة الطاقة من دون الحديث عن المنطقة العربية التي تضم نحو 9 دول مصدّرة للنفط والغاز الطبيعي، حيث تستحوذ الدول العربية على ما نسبته 25% من الإنتاج العالمي من النفط، ونحو 15% من إنتاج الغاز الطبيعي.


وفي الوقت الذي ستستفيد فيه الدول النفطية العربية من ارتفاع أسعار الطاقة في ظل أزمة ارتفاع الأسعار بالسوق العالمية، وبما يخفف من حدة أزمتها المالية في الأجلين القصير والمتوسط، إلا أنها ستدفع الثمن كذلك في ارتفاع فاتورة وارداتها السلعية من جميع السلع الأخرى، لأن الدول العربية غير منتجة للسلع الصناعية بشكل كاف، فضلا عن اعتمادها الكبير على استيراد الغذاء.


هل مصدّرو الغاز والنفط أكبر المستفيدين؟

تعكس حركة الأسعار المرتفعة والمستمرة للنفط والغاز في السوق الدولية نتيجة أولية مفادها أن الدول المصدّرة للنفط والغاز ستكون الرابح من هذه الأزمة، لأنها تؤدي إلى زيادة مواردها من النقد الأجنبي، وتعوضها عن سنوات الطاقة الرخيصة.


فمتوسط أسعار النفط في الأشهر التسعة من عام 2021 كانت عند 62 دولارا للبرميل، أما أسعار أكتوبر/تشرين الأول 2021 فتزيد على 80 دولارا للبرميل، وهو ما يعني أن هناك زيادة بنحو 20 دولارا عن متوسط الأشهر التسعة الأولى.


ولكن إذا نظرنا من زاوية أخرى، هي كيفية استفادة الدول المصدرة من تلك الطفرة الجديدة في الأسعار، من حيث حسن توظيفها لمشروعاتها التنموية، أو تحسين هياكلها الإنتاجية، فإن الاستفادة بلا شك ستكون كبيرة، أما إذا تم إيداع تلك العوائد في أسواق المال للمضاربة على الأسهم والسندات في الأسواق الغربية والأميركية أو الآسيوية فستكون بلا فائدة، وكذلك الحال إذا وظفت هذه العوائد في الإنفاق على التسلح، أو الحروب البينية، أو النزاعات المحلية، فستكون هذه العوائد النقدية بلا فائدة تذكر.