مدخل كتاب
إدارة
الأزمات
الجزء الاول
المبحث
الأول
الأزمة
Crisis
المقدمة:
مفهوم الأزمة من المفاهيم الواسعة الانتشار في المجتمع
المعاصر، حيث أصبح يمس بشكل أو بآخر كل جوانب الحياة بدءاً من الأزمات التي تواجه
الفرد مروراً بالأزمات التي تمر بها الحكومات والمؤسسات وانتهاءً بالأزمات
الدولية.
بل إن مصطلح الأزمة
أصبح من المصطلحات المتداولة على جميع الأصعدة وفي مختلف المستويات الاجتماعية.
وعالم الأزمات عالم حي ومتفاعل، عالم له أطواره، وله خصائصه،
وأسبابه، تتأثر به الدولة أو الحكومة فيتأثر به أصغر كائن موجود في المجتمع
البشري.
ولما للأزمات ومواجهتها من أهمية كبيرة تتطلب المواجهة...
فعليه سيقوم الباحث بتوضيح مفهوم الأزمة، وخصائصها، ومراحل تطورها، وأسبابه
نشوئها، وأنواعها.
1/1- مفهوم الأزمة:
لا يختلف اثنان في أن الأزمات جزء رئيس في واقع الحياة البشرية
والمؤسسية، وهذا يدفع إلى التفكير بصورة جدية في كيفية مواجهتها والتعامل معها
بشكل فعال يؤدي إلى الحد من النتائج السلبية لها، والاستفادة إن أمكن من نتائجها
الإيجابية.
وحيث أن بعض الباحثين من عرف الأزمة بالمفهوم الاجتماعي
والسياسي والاقتصادي حيث أشار إلى ذلك بقوله:
يقصد بالأزمة من الناحية الاجتماعية: " توقف الأحداث
المنظمة والمتوقعة واضطراب العادات مما يستلزم التغيير السريع لإعادة التوازن،
ولتكوين عادات جديدة أكثر ملائمة".
أما الأزمة من الناحية السياسية: " حالة أو مشكلة تأخذ
بأبعاد النظام السياسي وتستدعي اتخاذ قرار لمواجهة التحدي الذي تمثله سواءً كان
إدارياً، أو سياسياً، أو نظامياً، أو اجتماعياً، أو اقتصاديا، أو ثقافياً".
ومن الناحية الاقتصادية فهي تعني:" انقطاع في مسار النمو
الاقتصادي حتى انخفاض الإنتاج أو عندما يكون النمو الفعلي أقل من النمو
الاحتمالي".
وسوف يقوم الباحث بتقصي المعاني اللغوية والاصطلاحية اللازمة
ومن ثم مفاهيمها وذلك على النحو التالي:
الأزمة لغةً: تعني الشدة والقحط، والأزمة هو المضيق، ويطلق على
كل طريق بين جبلين مأزم.
ومصطلح الأزمة ( Crisis) مشتق أصلاً من الكلمة اليونانية (KIPVEW ) أي بمعنى لتقرر (To decide).
أما اللغة الصينية فقد برعت إلى حد كبير في صياغة مصطلح
الأزمة... إذ ينطقونه ( Ji-Wet)
وهي عبارة عن كلمتين: الأولى تدل على ( الخطر ) والأخرى تدل على (الفرصة) التي
يمكن استثمارها، وتكمن البراعة هنا في تصور إمكانية تحويل الأزمة وما تحمله من
مخاطر إلى فرصة لإطلاق القدرات الإبداعية التي تستثمر الأزمة كفرصة لإعادة صياغة
الظروف وإيجاد الحلول السديدة.
أما الأزمة اصطلاحا: فهي " حالة توتر ونقطة تحول تتطلب
قراراً ينتج عنه مواقف جديدة سلبية كانت أو إيجابية تؤثر على مختلف الكيانات ذات
العلاقة".
ويعرف قاموس رندام الأزمة بأنها:" ظرف انتقالي يتسم بعدم
التوازن ويمثل نقطة تحول تحدد في ضوئها أحداث المستقبل التي تؤدي إلى تغيير
كبير".
كما يعرفها فليبس بأنها" حالة طارئة أو حدث مفاجئ يؤدي
إلى الإخلال بالنظام المتبع في المنظمة، مما يضعف المركز التنافسي لها ويتطلب منها
تحركاً سريعاًً واهتماماً فورياً، وبذلك يمكن تصنيف أي حدث بأنه أزمة اعتمادا على
درجة الخلل الذي يتركه هذا الحدث في سير العمل الاعتيادي للمنظمة".
ويعرف رضا رضوان الأزمة بأنها:" فترة حرجة أو حالة غير
مستقرة تنتظر تتدخلاً أو تغييراً فورياً".
كما أن الأزمة تعني : " نقطة تحول، أو موقف مفاجئ يؤدي
إلى أوضاع غير مستقرة، وتحدث نتائج غير مرغوب فيها، في وقت قصير، ويستلزم اتخاذ
قرار محدد للمواجهة في وقت تكون فيه الأطراف المعنية غير مستعدة، أو غير قادرة على
المواجهة ".
ويعرفها بيبر ( Bieber) بأنها:" نقطة تحول في أوضاع غير مستقرة يمكن أن تقود إلى
نتائج غير مرغوب فيها إذا كانت الأطراف المعنية غير مستعدة أو غير قادرة على
احتوائها أو درء مخاطرها.
أما وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر فاعتبر
الأزمة بأنها: " عرضاً Symptom لوصول مشكلة ما إلى المرحلة السابقة مباشرة على الانفجار، مما
يقتضي ضرورة المبادرة بحلها قبل تفاقم عواقبها".
مما سبق وباستقراء تعريفات الأزمة في
أدبيات الإدارة يتضح وجود عناصر مشتركة تشكل ملامح الأزمة وتتمثل في:
·
وجود خلل وتوتر في
العلاقات.
·
الحاجة إلى اتخاذ
قرار.
·
عدم القدرة على التنبؤ
الدقيق بالأحداث القادمة.
·
نقطة تحول إلى الأفضل
أو الأسوأ.
·
الوقت يمثل قيمة
حاسمة.
وقد عرف الباحث الأزمة - وتأسيساً على ما تقدم - بأنها:"
حالة غير عادية تخرج عن نطاق التحكم والسيطرة وتؤدي إلى توقف حركة العمل أو هبوطها
إلى درجة غير معتادة، بحيث تهدد تحقيق الأهداف المطلوبة من قبل المنظمة وفي الوقت
المحدد".
ولا شك أن هناك الكثير من المفاهيم الشائعة والتي قد تتشابه مع
الأزمة في بعض خصائصها ولكنها في واقع الأمر ليست أزمة ونذكر منها على سبيل
المثال:
أ_ مفهوم الكارثة: Disaster
الكارثة من كرث ... بمعنى الغم، تقول: فلان اشتد عليه وبلغ منه
المشقة، والكارث هو الأمر المسبب للغم الشديد.
أما قاموس أكسفورد ، فقد عرف الكارثة Disaster بأنها: " حدث يسبب
دماراً واسعاً ومعاناةً عميقةً، وهو سوء حظ عظيم".
أما السيد عليوة، فقد قال بأن الكارثة: هي أحد أكثر المفاهيم
التصاقاً بالأزمات، وقد ينجم عنها أزمة، ولكنها لا تكون هي أزمة بحد ذاتها، وتعبر
الكارثة عن حالة مدمرة حدثت فعلاً ونجم عنها ضرر في الماديات أو كليهما معاً.
أما عبد الوهاب محمد كامل فقد عرف الكارثة بأنها: " حدث
مروع يصيب قطاعاً من المجتمع أو المجتمع بأكمله بمخاطر شديدة وخسائر مادية وبشرية،
ويؤدي إلى ارتباك وخلل وعجز في التنظيمات الاجتماعية في سرعة الإعداد للمواجهة،
وتعم الفوضى في الأداء وتضارب في الأدوار
على مختلف المستويات."
وعلى ما تقدم نستطيع أن نجمل أهم الفروقات بين مفهومي الأزمة
والكارثة على النحو التالي:
الأزمة أعم وأشمل من الكارثة، فكلمة الأزمة تعني الصغيرة منها
والكبيرة، المحلية والخارجية، أما الكارثة فمدلولها ينحصر في الحوادث ذات الدمار
الشامل والخسائر الكبيرة في الأرواح والممتلكات.
للأزمات مؤيدون داخلياً وخارجياً، أما الكوارث وخاصة الطبيعية
منها فغالباً لا يكون لها مؤيدون.
في الأزمات نحاول اتخاذ قرارات لحل تلك الأزمات، وربما ننجح
وربما نخفق، أما في الكارثة فإن الجهد غالباً ما يكون بعد وقوع الكارثة وينحصر في
التعامل معها.
ب- مفهوم الصراع والنزاع: Conflict
And Dispute
وهو يعبر عن تصادم إرادات وقوى معينة بهدف تحطيم بعضها البعض
كلياً أو جزئياً والانتهاء بالسيطرة والتحكم في إدارة الخصم.
كما ويركز مفهوم الصراع على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد
وينشأ نتيجة وجود تعارض في الأهداف أو المصالح أو التصرفات بين الأفراد والقيادات
داخل الكيانات التنظيمية والاجتماعية المختلفة.
أما سعود عابد فقد عرف الصراع بأنه:" تضارب المصالح
والمبادئ والأفكار"، كما وقسمه إلى ثلاثة أقسام:
·
الصراع الخفيف الحدة.
·
الصراع متوسط الحدة.
ج- مفهوم المشكلة: Problem
تعبر عن الباعث الرئيسي الذي يسبب حالة ما من الحالات غير
المرغوب فيها، وتحتاج عادة إلى جهد منظم للتعامل معها وحلها، وقد تؤدي إلى وجود
أزمة ولكنها ليست بذاتها أزمة.
د- مفهوم الحادث: Accident
وقد عرفه كل من السيد عليوة وحواش بأنه:" شيء مفاجئ عنيف
تم بشكل سريع وانقضى أثره فور إتمامه وقد نجم عنه أزمة لكنها لا تمثله فعلاً وإنما
تكون فقط أحد نتائجه".
1 / 2 – خصائص الأزمة:
وحتى يمكن التعامل مع الموقف الخطير الذي يواجه الكيان الإداري
على أنه يشكل أزمة فلابد أن يتوافر فيه مجموعة من الخصائص.
ويرى بعض العلماء أن
الأزمات تتسم بالخصائص التالية:
في رأي لويس كمفورت L . Komfort فإن هناك ثلاث خصائص للأزمة تؤدي إلى إعاقة
التعامل معها ومعالجتها وهي:
·
عامل الشك أو عدم
التأكد : Uncertainty.
·
عامل التفاعل: Interaction.
·
عامل التشابك
والتعقيد: Complexity.
ويضيف الصباغ إلى الخصائص السابقة:أن الأزمة تساعد على ظهور
أعراض سلوكية مرضية مثل" القلق، فقدان العلاقات الاجتماعية، شيوع اللامبالاة،
وعدم الانتماء."
أما السيد عليوة فيرى أن أهم خصائص
الأزمات ما يلي:
·
نقطة تحول تتزايد
فيها الحاجة إلى الفعل المتزايد ورد الفعل المتزايد لمواجهة الظروف الطارئة.
·
تتميز بدرجة عالية من
الشك في القرارات المطروحة.
·
يصعب فيها التحكم في
الأحداث.
·
تسود فيه ظروف عدم
التأكد ونقص المعلومات ومديرو الأزمة يعملون في جو من الريبة والشك والغموض وعدم
وضوح الرؤية.
·
ضغط الوقت والحاجة
إلى اتخاذ قرارات صائبة وسريعة مع عدم وجود احتمال للخطأ لعدم وجود الوقت لإصلاح
هذا الخطأ.
·
التهديد الشديد
للمصالح والأهداف، مثل انهيار الكيان الإداري أو سمعة وكرامة متخذ القرار.
·
المفاجأة والسرعة
التي تحدث بها، ومع ذلك قد تحدث رغم عدم وجود عنصر المفاجأة.
·
التداخل والتعدد في
الأسباب والعوامل والعناصر والقوى المؤيدة والمعارضة، والمهتمة وغير المهتمة...
واتساع جبهة المواجهة.
·
سيادة حالة من الخوف
والهلع قد تصل إلى حد الرعب وتقييد التفكير.
1 / 3 – مراحل تطور الأزمة:
تمر الأزمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية بدورة حياة ، مثلها في
هذا مثل أي كائن حي، وهذه الدورة تمثل أهمية قصوى في متابعتها والإحاطة بها من
جانب متخذ القرار الإداري.
فكلما كان متخذ القرار سريع التنبه في الإحاطة ببداية ظهور
الأزمة، أو بتكون عواملها كلما كان أقدر على علاجها والتعامل معها، وذلك للحد من
آثارها وما ينتج عنها من انعكاسات سلبية.
ويرى الخضيري أن هناك خمس مراحل رئيسية
لتطور الأزمة هي:
1 / 3 / 1 – مرحلة الميلاد:
وفي هذه المرحلة تبدأ الأزمة الوليدة في الظهور لأول مرة في
شكل (إحساس) مبهم قلق بوجود شيء ما يلوح في الأفق، وينذر بخطر غريب غير محدد
المعالم أو الاتجاه أو الحجم أو المدى الذي سيصل إليه.
والأزمة غالباً لا تنشأ من فراغ وإنما هي نتيجة لمشكلة ما لم
يتم معالجتها بالشكل الملائم.
ومن هنا يكون إدراك متخذ القرار وخبرته ومدى نفاذ بصيرته ، هي
العوامل الأساسية في التعامل مع الأزمة في مرحلة الميلاد، ويكون محور هذا التعامل
هو " تنفيس الأزمة " وإفقادها مرتكزات النمو، ومن ثم تجميدها أو القضاء
عليها في هذه المرحلة دون أن تحقق أي خسارة أو دون أن تصل حدتها إلى درجة الصدام
العنيف.
وتكون عملية التنفيس في محورها العام هي:
خلق محور اهتمام جديد يغطي على الاهتمام بالأزمة، ويحولها إلى
شيء ثانوي لا قيمة له.
معرفة أين تكمن عواملها والتعامل معها بالعلاج الناجح للقضاء
على أسباب التوتر الذي انشأ الأزمة.
امتصاص قوة الدفع المحركة للأزمة وتشتيت جهودها في نواح أخرى.
1
/ 3 / 2 – مرحلة النمو والاتساع:
وتنشأ نتيجة لعدم معالجة المرحلة الأولى – الميلاد – في الوقت
المناسب، حيث تأخذ الأزمة في النمو والاتساع من خلال نوعين من المحفزات هما :
مغذيات ومحفزات ذاتية
مستمدة من ذات الأزمة تكونت معها في مرحلة الميلاد.
مغذيات ومحفزات خارجية استقطبتها الأزمة وتفاعلت معها وبها،
وأضافت إليها قوة دفع جديدة، وقدرة على النمو والاتساع.
وفي تلك المرحلة يتعاظم الإحساس بالأزمة ولا يستطيع متخذ
القرار أن ينكر وجودها أو يتجاهلها نظراً لوجود ضغط مباشر يزداد ثقله يوماً بعد
يوم، فضلاً عن دخول أطراف جديدة إلى مجال الإحساس بالأزمة سواءً لان خطرها امتد
إليهم أو لخوفهم من نتائجها أو من أن خطرها سوف يصل إليهم.
وفي هذه المرحلة يكون على متخذ القرار التدخل من أجل إفقاد
الأزمة روافدها المحفزة والمقوية لها على النحو التالي:
تحييد وعزل العناصر الخارجية المدعمة للأزمة، سواءً
باستقطابها، أو خلق تعارض مصالح بينها وبين استفحال الأزمة.
تجميد نمو الأزمة بإيقافها عند المستوى الذي وصلت إليه وعدم
السماح بتطورها، وذلك عن طريق استقطاب عوامل النمو الذاتي التي حركت الأزمة.
1
/ 3 / 3 – مرحلة النضج:
تعد من أخطر مراحل الأزمة، ومن النادر أن تصل الأزمة إلى مثل
هذه المرحلة، وتحدث عندما يكون متخذ القرار الإداري على درجة كبيرة من الجهل
والتخلف والاستبداد برأيه وانغلاقه على ذاته أو إحاطة هذه الذات بالقدسية
والتأليه، وبحاشية من المنافقين الذين يكيلون له المديح ويصورون له أخطاءه حسنات..
وبذلك تصل الأزمة إلى أقصى قوتها وعنفها، وتصبح السيطرة عليها مستحيلة ولا مفر من
الصدام العنيف معها. وهنا قد تكون الأزمة بالغة الشدة ، شديدة القوة تطيح بمتخذ القرار
وبالمؤسسة أو المشروع الذي يعمل فيه، أو أن يكون متخذ القرار قد استطاع بدهاء
تحويل اتجاه الأزمة إلى كبش فداء، وهمي، تتفتت الأزمة عنده، وتنتهي باستقطاب عناصر
القوة فيها والسيطرة عليهم بشكل أو بآخر.
1 / 3 / 4 – مرحلة الانحسار والتقلص:
تبدأ الأزمة بالانحسار والتقلص نتيجة للصدام العنيف الذي تم
اتخاذه والذي يفقدها جزءاً هاماً من قوتها......
على أن هناك بعض
الأزمات تتجدد لها قوة دفع أخرى، عندما يفشل الصدام في تحقيق أهدافه وتصبح الأزمات
في هذه الحالة كأمواج البحر، موجة تندفع وراء موجة.
1 / 3 / 5 – مرحلة الاختفاء:
وتصل الأزمة إلى هذه المرحلة عندما تفقد بشكل شبه كامل قوة
الدفع المولدة لها أو لعناصرها حيث تتلاشى مظاهرها وينتهي الاهتمام بها والحديث
عنها، إلا أنه من الضرورة الاستفادة من الدروس المستفادة منها لتلافي ما قد يحدث
مستقبلا من سلبيات.
والحقيقة أن الانحسار للأزمة يكون دافعاً للكيان الذي حدثت فيه
لإعادة البناء وليس لإعادة التكيف، فالتكيف يصبح أمراً مرفوضاً وغير مقبول لأنه
سيبقى على آثار ونتائج الأزمة بعد انحسارها، أما إعادة البناء فيتصل أساساً بعلاج
هذه الآثار والنتائج ومن ثم استعادة فاعلية الكيان وأدائه وإكسابه مناعة أو خبرة
في التعامل مع أسباب ونتائج هذا النوع من الأزمات.
ويرى أحمد عز الدين أن الأزمة تمر بخمس
مراحل هي :
مرحلة الحضانة:
وهي المرحلة التي تمهد لوقوع الأزمة ، وهذه المرحلة إذا ما تم تبيينها واستيعابها
وإدراكها إدراكاً كاملاً كان التعامل مع الأزمة سهلاً.
مرحلة الاجتياح:
وهي مرحلة بداية الأزمة الفعلية، وهي بلا شك أصعب أوقات التعامل مع الأزمة.
مرحلة الاستقرار:
وهي المرحلة التي تبدو فيها أبعاد الأزمة، ويتم تطبيق الخطط والإستراتيجيات الخاصة بإدارة الأزمة.
مرحلة الانسحاب:
وهي المرحلة التي تبدأ فيها الأزمة في التلاشي وتمتد حتى تنتهي تماماً.
مرحلة التعويض:
وهي المرحلة التي تتم فيها عملية التقويم وتلافي الآثار.
1 / 4 – أسباب نشوء الأزمة:
لكل أزمة مقدمات تدل
عليها، وشواهد تشير إلى حدوثها، ومظاهر أولية، ووسطى، ونهائية تعززها... ولكل حدث
أو فعل تداعيات وتأثيرات، وعوامل تفرز مستجدات، ومن ثم فإن حدوث المقدمات، ليس إلا
شواهد قمة جبل جليد، تخفي تحتها قاعدة ضخمة من الجليد ومن المتواليات والتتابعات.
وأيا ما كان فإن هناك أسباباً مختلفة
لنشوء الأزمات يظهرها لنا الشكل التالي:
شكل
(1)
أسباب
نشوء الأزمات
ويمكن إيضاح تلك الأسباب على النحو
التالي:
1 / 4 / 1 – سوء الفهم:
وينشأ سوء الفهم عادة من خلال جانبين هامين هما:
·
المعلومات المبتورة.
·
التسرع في إصدار
القرارات أو الحكم على الأمور قبل تبين حقيقتها، سواء تحت ضغط الخوف
والقلق والتوتر أو نتيجة للرغبة في استعجال النتائج.
من الأمثلة على سوء الفهم قصة أحد الصحابة الذي أرسله الرسول
صلى الله عليه وسلم لجمع الزكاة من إحدى القبائل- وكان من عادة أهل هذه القبيلة أن
يخرجوا لاستقبال ضيوفهم وهم يحملون كامل أسلحتهم وسيوفهم مشرعة في أيديهم يلوحون
بها تحية للضيف- فلما رآهم هذا الصحابي ، وكان بينه وبينهم في الجاهلية ثأر وعداوة
، ظن أنهم خارجون لمحاربته، فما كان منه إلا أن عاد أدراجه وجلاً و خائفاً، مخبراً
الرسول ( ص ) بأنهم منعوا عنه الزكاة، وأنهم خرجوا لمحاربته وكادوا يقتلونه لولا
أنه هرب منهم .. وكانت أزمة .. استعد الرسول صلى الله عليه وسلم خلالها لمحاربة
هذه القبيلة، لولا أن أدركه أهلها ليخبروه بالحقيقة وانتهت الأزمة.. والتي أورد
الله فيها قرآنا ً" يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن
تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين".
1 / 4 / 2 – سوء الإدراك:
الإدراك يعد أحد مراحل السلوك الرئيسية حيث يمثل مرحلة استيعاب
المعلومات التي أمكن الحصول عليها والحكم التقديري على الأمور من خلالها، فإذا كان
هذا الإدراك غير سليم نتيجة للتشويش الطبيعي أو المتعمد يؤدي بالتالي إلى انفصام
العلاقة بين الأداء الحقيقي للكيان الإداري وبين القرارات التي يتم اتخاذها، مما
يشكل ضغطاً من الممكن أن يؤدي إلى انفجار الأزمة.
ومشكلة أخرى بالنسبة للمعلومات هي محاولة تفسيرها على ضوء
رغبات المرء الشخصية، أو ما يعرف باسم منطق الميول النفسية Psycho Logic فيتقبل المرء من هذه المعلومات ما يوافق هواه ويتفق مع تطلعاته،
ويتجاهل من هذه المعلومات ما يخالف رغباته، ومن ثم يسعى لاختلاق المبررات للمعلومات
التي تجد هوى في نفسه، كما يتفنن في إيجاد الذرائع لاستبعاد المعلومات التي تتناقض
مع مفاهيمه الأساسية، ومن ثم يأتي تفسيره للأزمات مشوباً بنظرة شخصية ضيقة.
1 / 4 / 3 – سوء التقدير والتقييم:
يعد سوء التقدير
والتقييم من أكثر أسباب حدوث الأزمات في جميع المجالات وعلى وجه الخصوص في
المجالات العسكرية.
وينشأ سوء التقدير الأزموي من خلال جانبين
أساسيين هما:
·
المغالاة والإفراط في
الثقة سواءً في النفس أو في القدرة الذاتية على مواجهة الطرف الآخر والتغلب عليه.
·
سوء تقدير قوة الطرف
الآخر والاستخفاف به واستصغاره والتقليل من شأنه.
وتعد حرب أكتوبر 1973م أحد الأمثلة القوية على هذا السبب/ خاصة
عندما توافرت لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل المعلومات الكاملة عن الحشود
المصرية والسورية العسكرية، ولكنها تحت وهم وغطرسة القوة وخداع النفس العنصري
الإسرائيلي، وأسطورة الجيش الذي لا يقهر، اطمأنت إلى أن المصريين والسوريين لن
يقدموا على شيء ذي أهمية، ومن ثم كان الهجوم المصري السوري المشترك مذهلاً
وصادماً.
1/ 4 / 4 – الإدارة العشوائية:
ويطلق عليها مجازاً إدارة، ولكنها ليست إدارة، بل هي مجموعة من
الأهواء والأمزجة التي تتنافى مع أي مبادئ علمية، وتتصف بالصفات الآتية:
·
عدم الاعتراف
بالتخطيط وأهميته وضرورته للنشاط.
·
عدم الاحترام للهيكل
التنظيمي.
·
عدم التوافق مع روح
العصر.
·
سيطرة النظرة
الأحادية السوداوية.
·
قصور التوجيه للأوامر
والبيانات والمعلومات وعدم وجود التنسيق.
·
عدم وجود متابعة أو
رقابة علمية وقائية وعلاجية.
ويعد هذا النوع من الإدارة الأشد خطراً لما يسببه للكيان
الإداري من تدمير لإمكانياته وقدراته، ولعل هذا ما يفسر لنا أسباب أزمات الكيانات
الإدارية في دول العالم الثالث التي تفتقر إلى الرؤية المستقبلية العلمية والتي لا
تستخدم التخطيط العلمي الرشيد في إدارة شئونها وتطبق أنماطاً إدارية عشوائية شديدة
التدمير والخراب.
1 / 4 / 5 – الرغبة في الإبتزاز:
تقوم جماعات الضغط، وأيضاً جماعات المصالح باستخدام مثل هذا
الأسلوب وذلك من أجل جني المكاسب غير العادلة من الكيان الإداري، وأسلوبها في ذلك
هو صنع الأزمات المتتالية في الكيان الإداري، وإخضاعه لسلسلة متوالية من الأزمات
التي تجبر متخذ القرار على الانصياع لهم.
1 / 4 / 6 – اليأس:
ويعد من أخطر مسببات الأزمات فائقة التدمير، حيث يعد اليأس في
حد ذاته أحد " الأزمات " النفسية والسلوكية والتي تشكل خطراً داهماً على
متخذ القرار.
ومع ذلك ينظر إلى
اليأس على أنه أحد أسباب نشوء الأزمات، بما أن اليأس يسبب الإحباط مما يترتب عليه
فقدان متخذ القرار الرغبة في التطوير والاستسلام للرتابة، مما يؤدي إلى انفصام
العلاقة بين الفرد والكيان الإداري الذي يعمل من خلاله، وتبلغ الأزمة ذروتها عندما
تحدث حالة " انفصام " وانفصال بين مصلحة العامل أو الفرد الذاتية وبين
مصلحة " الكيان الإداري" الذي يعمل فيه.
1 / 4 / 7 – الإشاعات:
من أهم مصادر الأزمات، بل إن الكثير من الأزمات عادة ما يكون
مصدرها الوحيد هو إشاعة أطلقت بشكل معين...، وتم توظيفها بشكل معين، وبالتالي فإن
إحاطتها بهالة من المعلومات الكاذبة، وإعلانها في توقيت معين، وفي إطار مناخ وبيئة
محددة، ومن خلال حدث معين يؤدي إلى أن تنفجر الأزمة.
1 / 4 / 8 – استعراض القوة:
وهذا الأسلوب عادة ما يستخدم من قبل الكيانات الكبيرة أو
القوية ويطلق عليه أيضاً مصطلح " ممارسة القوة " واستغلال أوضاع التفوق
على الآخرين سواء نتيجة الحصول على قوة جديدة أو حصول ضعف لدى الطرف الآخر أو
للاثنين معاً.
ويبدأ بعملية استعراضية خاطفة للتأثير على مسرح الأحداث دون أن
يكون هناك حساب للعواقب، ثم تتدخل جملة عوامل غير منظورة فتحدث الأزمة، ومن ثم
تتفاقم مع تتابع الأحداث وتراكم النتائج.
1 / 4 / 9 – الأخطاء البشرية:
وتعد الأخطاء البشرية من أهم أسباب نشوء الأزمات سواءً في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وتتمثل تلك
الأخطاء في عدم كفاءة العاملين، واختفاء الدافعية للعمل، وتراخي المشرفين، وإهمال
الرؤساء ، وإغفال المراقبة والمتابعة، وكذلك إهمال التدريب.
ومن الأمثلة على الأزمات الناتجة عن الأخطاء البشرية، حادثة
تشرنوبيل، وحوادث اصطدام الطائرات في الجو.
1 / 4 / 10 – الأزمات
المخططة:
حيث تعمل بعض القوى المنافسة للكيان الإداري على تتبع مسارات
عمل هذا الكيان، ومن خلال التتبع تتضح لها الثغرات التي يمكن أحداث أزمة من
خلالها.
1 / 4 / 11- تعارض الأهداف:
عندما تتعارض الأهداف بين الأطراف المختلفة يكون ذلك مدعاة
لحدوث أزمة بين تلك الأطراف خصوصاً إذا جمعهم عمل مشترك، فكل طرف ينظر إلى هذا
العمل من زاويته، والتي قد لا تتوافق مع الطرف الأخر.
1 / 4 / 12 - تعارض المصالح:
يعد تعارض المصالح من
أهم أسباب حدوث الأزمات، حيث يعمل كل طرف من أصحاب المصالح المتعارضة على إيجاد
وسيلة من وسائل الضغط لما يتوافق مع مصالحه، ومن هنا يقوي تيار الأزمة.
ويضيف عبد اللطيف الهميم أن لكل أزمة
سبب نشوء فهناك:
·
أزمات نشأت بسبب وباء
مرضي.
·
أزمات نشأت بسبب
تناقص وجود.
·
أزمات نشأت بسبب
اختلاف الدين.
·
أزمات نشأت بسبب
احتقان التاريخ بترسبات الماضي.
·
أزمات نشأت بسبب ثأر
دولي.
·
أزمات نشأت بسبب نظام
جديد لا يحسن السيطرة على وسائل القوة.
ويرى الباحث أن أسباب حدوث الأزمات
متعددة، ومتجددة مع تجدد سبل الحياة، وعلى الباحث المدقق والإداري الناجح والخبير
الممارس أن يكشف هذه الأسباب وأن يحدد جوانبها وأبعادها ويشخصها تشخيصاً جيداً حتى
يتمكن من التعامل معها وإدارة الأزمة بنجاح.
1/ 5 –
أنواع الأزمات:
إن فهم الأزمة – أي أزمة – وطريقة التعامل معها يعتمد بصورة
كبيرة على درجة المعرفة بنوع وطبيعة هذه الأزمة.
وعلى الرغم من تعدد وتنوع الأزمات، والتي تحدث فيها الكثير من
العلماء والباحثين في مجال علم إدارة الأزمات، إلا أن الواقع أن تصنيف الأزمات
يعتمد في الأصل على الجانب الذي ينظر منه إلى الحادثة.
وممن تطرق لهذا التقسيم لأنواع الأزمات (الشعلان)،
حيث انه يصنف أنواع الأزمات إلى ما يلي:
1 / 5 / 1 – من حيث طبيعة الحدوث:
حيث قسمها إلى قسمين:
·
أزمة بفعل الإنسان:
وهي تلك الأزمات الناتجة عن فعل إنساني مثل: التهديد بالغزو العسكري، وعمليات
الإرهاب...
·
أزمة طبيعية: وهي
الأزمة التي لا دخل للإنسان في حدوثها مثل: الزلازل، والبراكين، والجفاف.
1
/ 5 / 2 – من حيث المستهدف بالاعتداء:
·
إقتداء على شخصيات.
·
اعتداء على ممتلكات.
1
/ 5 /3 – من حيث الهدف:
·
إرهاب الطرف الآخر..
كتفجير الطائرات دوت تحديد مطالب.
·
الابتزاز .. كفرض مطالب معينة كشرط لإنهاء الأزمة.
1 / 5 /4 – من حيث مسرح الجريمة:
·
أزمة خلقتها الظروف
في مسرح الحادث كالذي يحدث عندما يطلب مختطف طائرة، الهبوط في مطار ما للتزود
بالوقود.
·
أزمة حدد فيها مسبقاً
مسرح الحادث الذي وقعت فيه.
1 / 5 / 5 – من حيث المصدر:
·
أزمة مصدرة كالذي
يحدث عندما يتم تفجير معين في بلد ما لاعتبارات معينة لها أهميتها في بلد أخر.
·
أزمة لها جذورها في بلد الحادث سواءًا كانت سياسية أو غيرها.
1 / 5 / 6 – من حيث العمق:
·
أزمة سطحية غير عميقة
هامشية التأثير.
·
أزمة عميقة جوهرية
هيكلية التأثير.
1 / 5 / 7 – من حيث التكرار:
·
أزمة ذات طابع دوري
متكرر الحدوث.
·
أزمة فجائية عشوائية
وغير متكررة.
1 / 5 / 8 – من حيث المدة:
·
أزمات قصيرة الأمد
يتم إخمادها والقضاء عليها في مدة قصيرة.
·
أزمات طويلة الأجل
وهي التي تستمر معالجتها لمدة طويلة.
1 / 5 / 9 – من حيث الآثار:
·
أزمات ذات أثار
وخسائر بشرية.
·
أزمات ذات آثار
وخسائر مادية.
·
أزمات ذات آثار
وخسائر معنوية.
·
أزمات ذات آثار
وخسائر مختلطة.
1 / 5 / 10 – من حيث القصد:
·
أزمات عمديه تحبكها إحدى
القوى وتنفذها لتحقيق أهداف معلومة.
·
أزمات غير عمديه،
وإنما نتيجة إهمال وسوء تقدير.
·
أزمات قضاء وقدر، لا
حيلة للإنسان فيها.
1 / 5 / 11 – من حيث مستوى المعالجة:
·
أزمة محلية تتعلق
بدولة واحدة، أو منشأة بعينها، وتتطلب معالجة محلية.
·
أزمة إقليمية تتعلق
بعدة دول في المنطقة، وتتطلب تنسيقاً إقليمياً لمواجهتها.
·
أزمة دولية تتعلق
بعدة دول أجنبية، وتتطلب تنسيقاً وجهوداً دولية.
1 / 5 / 12 – من حيث المظهر:
·
الأزمة الزاحفة: وهي
التي تنمو ببطء ولكنها محسوسة، ولا يملك متخذ القرار وقف زحفها نحو قمة الأزمة
وانفجارها.
·
الأزمة العنيفة
الفجائية: وهي أزمة تحدث فجأة وبشكل عنيف، وتأخذ طابع التفجر المدوي.
·
الأزمة الصريحة
العلنية أو المفتوحة: وهي أزمة لها مظاهرها الصريحة العلنية الملموسة، بحيث يشعر
بها كل أطرافها منذ نشأتها.
·
الأزمة الضمنية أو
المستترة: وهي من أخطر أنواع الأزمات وأشدها تدميراً للكيان الإداري، فهي أزمة غامضة
في كل شيء سواءً أسبابها، أو عناصرها، أو أطرافها، أو العوامل التي ساعدت في
ظهورها وتفاقمها.
أما الدكتور أحمد ماهر فقد قسم الأزمات
كما يلي:
1 / 5 / 13 – الأزمات المادية، أو
المعنوية:
أ- الأزمات المادية:
وهي أزمات ذات طابع
اقتصادي، ومادي، وكمي، وقابلة للقياس، ويمكن دراستها والتعامل معها مادياً وبأدوات
تتناسب مع طبيعة الأزمة.
ومن أمثلتها:
·
انخفاض حاد في
المبيعات.
·
إنتاج سلع فاسدة أو
غير مطابقة للمواصفات.
·
أزمة الغذاء.
·
أزمة الديون.
·
أزمة الاقتراض من
البنوك.
·
عدم توفر السيولة.
·
أزمة العمالة.
ب- الأزمات المعنوية:
وهي أزمات ذات طابع نفسي، وشخصي، وغير ملموس، ولا يمكن الإمساك
بأبعادها بسهولة، ولا يمكن رؤية أو سماع الأزمة، بل يمكن الشعور بها. ومن أمثلتها.
·
أزمة الثقة.
·
تدهور الولاء.
·
عدم رضاء العاملين
واستيائهم.
·
يأس البعض.
·
تدهور الانتماء.
·
انخفاض الروح
المعنوية.
1
/ 5 / 14 – الأزمات البسيطة، أو الحادة:
أ- الأزمات البسيطة:
وهي الأزمات خفيفة التأثير، ويسهل معالجتها بشكل فوري وسريع.
ومن أمثلة هذه الأزمات
البسيطة:
·
الإشاعات الداخلية
المحدودة.
·
عمل تخريبي في بعض
أجزاء الكيان الإداري.
·
إضراب عمال أحد
الأقسام في الشركة.
·
وفاة مدير إدارة أو
استقالته.
·
عطل في خط إنتاج.
ب- الأزمات الحادة:
وهي الأزمات التي تتسم بالشدة والعنف وقهر الكيان الإداري
للمنظمة وتقويض أركانه.
ومن أمثلة هذه الأزمات
الحادة:
·
حريق لكل مخازن
الخامات والسلع الجاهزة.
·
إضراب شامل لكل
العاملين في الكيان الإداري.
·
اعتصام الطيارين في
شركة طيران.
·
مظاهرات في كافة مدن
الدولة.
·
اعتداء من دولة
خارجية.
1
/ 5 / 15 - أزمات جزئية، أو عامة:
أ- أزمات جزئية:
وهي أزمات تطول جزءاً من كيان المنظمة أو النظام، وليس كله،
ويكون الخوف من أن استمرار الأزمة قد يمتد إلى باقي أجزاء النظام.
ومن أمثلته ما يلي:
·
حريق في أحد عنابر
الإنتاج.
·
اعتصام لبعض العاملين
في أحد الأقسام.
·
تدهور العمل في أحد
الأقسام.
·
انخفاض الروح
المعنوية في إحدى الإدارات.
·
ظهور وباء في أحد
المدن الصغيرة.
·
تسمم في إحدى
المدارس.
ب- أزمات عامة:
وهي أزمات تغطي كافة أجزاء الكيان ( سواءً كان شركة أو منظمة
أو دولة )، وهو يؤثر على كافة أطراف النظام وأشخاصه، ومنتجاته.
ومن أمثلته ما يلي:
·
حريق يأتي على الشركة
بأكملها.
·
تدهور حاد في إنتاجية
المصنع.
·
إضراب عام لكافة
الموظفين والعاملين في الشركة.
1
/ 5 / 16 – أزمات وحيدة، أو متكررة:
أ- الأزمات الوحيدة:
وهي أزمات فجائية، غير دورية، وغير متكررة، ويصعب التنبؤ
بحدوثها، وعادة ما يكون هناك أسباب خارجة عن الإدارة هي التي تؤدي إليها.
ومن أمثلتها:
·
أمطار عنيفة أو جفاف
يؤدي إلى خسائر.
·
حر شديد يؤدي إلى
حرائق.
·
سيول تؤدي إلى هدم
منشآت.
·
أعاصير وصواعق.
ب- الأزمات المتكررة:
وهي أزمات تتسم بالدورية والتكرار وتحدث في دورات اقتصادية
ومواسم يمكن التنبؤ بها. وبالدراسة والبحث يمكن تحديد متى ستقع الأزمة ودرجة
حدتها، وبالتالي يمكن السيطرة عليها، ومن أمثلتها:
·
انخفاض الطلب على
المشروبات في الشتاء.
·
أزمة عدم توافر القوى
العاملة في مواسم الحصاد.
·
عدم الاحتياج
للعاملين في شهور معينة دورياً.
·
كساد عال كل 10
سنوات.
·
أزمات الصقيع التي
تهدد المزروعات.
المبحث
الثاني
إدارة
الأزمة: Crisis Management
المقدمة:
يعد التعامل مع الأزمات أحد محاور الاهتمام في الإدارة، حيث
أنه يقتضي وجود نوع خاص من المديرين الذين يتسمون بالعديد من المهارات منها
الشجاعة والثبات والاتزان الانفعالي، والقدرة على التفكير الإبداعي والقدرة على
الاتصال والحوار وصياغة ورسم التكتيكات اللازمة للتعامل مع الأزمة.
وفي هذا المبحث سيقوم الباحث بتوضيح مفهوم إدارة الأزمة مع
الإشارة إلى أزمة الصواريخ الروسية في كوبا، ومقومات إدارة الأزمة، ومراحلها، و
وسائل تحسين قدرة المجتمع أو الكيان الإداري في إدارة الأزمات.
وسيتحدث الباحث أيضاً عن معوقات عمل إدارة الأزمات، وسيقوم
بتوضيح نموذج لإدارة الأزمة في المراحل المختلفة لإدارة الأزمة.
2/1 – مفهوم إدارة الأزمة:
مفهوم إدارة الأزمة يشير إلى كيفية التغلب على الأزمة باستخدام
الأسلوب الإداري العلمي من أجل تلافي سلبياتها ما أمكن، وتعظيم الإيجابيات.
ويرجع أحد الباحثين أصول" إدارة الأزمة " إلى
الإدارة العامة ( وذلك للإشارة إلى دور الدولة في مواجهة الكوارث العامة المفاجئة
وظروف الطوارئ، مثل الزلازل، والفيضانات، الأوبئة، والحرائق، والغارات الجوية،
والحروب الشاملة).
فإدارة الأزمات هي " نشاط هادف يقوم على البحث والحصول
على المعلومات اللازمة التي تمكن الإدارة من التنبؤ بأماكن واتجاهات الأزمة
المتوقعة، وتهيئة المناخ المناسب للتعامل معها، عن طريق اتخاذ التدابير للتحكم في
الأزمة المتوقعة والقضاء عليها أو تغيير مسارها لصالح المنظمة".
ويرى بعض الباحثين أن إدارة الأزمة:" عملية إدارية متميزة
لأنها تتعرض لحدث مفاجئ، ولأنها تحتاج لتصرفات حاسمة سريعة تتفق مع تطورات الأزمة،
وبالتالي يكون لإدارة الأزمة زمام المبادأة في قيادة الأحداث والتأثير عليها
وتوجيهها وفقاً لمقتضيات الأمور".
كما تعني إدارة الأزمة " التعامل مع الأزمات من أجل تجنب
حدوثها من خلال التخطيط للحالات التي يمكن تجنبها، وإجراء التحضيرات للأزمات التي
يمكن التنبؤ بحدوثها في إطار نظام يطبق مع هذه الحالات الطارئة عند حدوثها بغرض
التحكم في النتائج أو الحد من آثارها التدميرية".
أما عبد الرحمن توفيق فقد عرف إدارة الأزمات بأنها:" فن
القضاء على جانب كبير من المخاطرة وعدم التأكد بما يسمح لك بتحقيق تحكم أكبر في
مصيرك ومقدراتك ".
وقال أيضا بأنها: " التخطيط لما قد لا يحدث ".
ومن خلال المفاهيم السابقة لإدارة
الأزمة يمكن تحديد عناصرها فيما يلي:
عملية إدارية خاصة تتمثل في مجموعة من الإجراءات الاستثنائية
التي تتجاوز الوصف الوظيفي المعتاد للمهام الإدارية.
استجابات إستراتيجية لمواقف الأزمات.
تدار الأزمة بواسطة مجموعة من القدرات الإدارية الكفوءة
والمدربة تدريباً خاصاً في مواجهة الأزمات.
تهدف إدارة الأزمة إلى تقليل الخسائر إلى الحد الأدنى.
تستخدم الأسلوب العلمي في اتخاذ القرار.
2/2-
أزمة الصواريخ الكوبية وتأصيل إدارة الأزمات:
يقول هنري كيسنجر " إن التاريخ هو ذلك المنجم الزاخر
بالحكمة الذي نجد فيه المفاتيح الذهبية لحل مشاكل عصرنا ، شريطة أن نعرف أين نضرب
معولنا ".
لقد وجدت إدارة الأزمات في الممارسة منذ عصور موغلة في القدم.
وكانت مظهراً من مظاهر التعامل الإنساني مع المواقف الطارئة أو الحرجة، التي
واجهها الإنسان منذ أن جوبه بتحدي الطبيعة وغيره من البشر. ولم تكن تعرف آنئذ – بطبيعة الحال – باسم إدارة الأزمات وإنما تحت
مسميات أخرى مثل الحنكة الدبلوماسية، أو براعة القيادة، أو حسن الإدارة ....إلخ.
وكانت هذه الممارسة هي المحك الحقيقي لقدرة الإنسان على مواجهة
الأزمات والتعامل مع المواقف الحرجة بما تفجره من طاقات إبداعه، وتستفز قدراته على
الإبتكار.
لقد كانت إدارة الأزمات إحدى أساليب إدارة العلاقات الإنسانية
على مستوياتها المختلفة منذ فجر التاريخ، وكانت القدرة على النجاح فيها امتيازاً
غريزياً خص به الله – سبحانه وتعالى –
البعض من البشر دون البعض الآخر.
وكانت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م، باعتبارها النموذج
الناجح" لإدارة الأزمات "، هي إشارة البدء لانطلاق الجهد الأكاديمي نحو
تأصيل مبادئ" إدارة الأزمات "، وبها يؤرخ تاريخ دخول هذا المصطلح إلى
قاموس العلاقات الدولية، وذلك عندما أطلق " روبرت ماكنمارا " وزير
الدفاع الأمريكي في إدارة الرئيس كنيدي جملته الشهيرة " لم يعد هناك – بعد
الآن – مجال للحديث عن الإستراتيجية، وإنما عن إدارة الأزمات فقط".
وقد جاء تعقيب ماكنمارا هذا نتيجة حماسه المفرط لنجاح الولايات
المتحدة الأمريكية في إدارة هذه الأزمة، وليبرز أهمية إيلاء " إدارة الأزمات
" قدراً أكبر من الاهتمام بحسبان ما كان يمكن للإخفاق في إدارة هذه الأزمة من
التسبب في دفع العالم إلى هاوية الدمار النووي، حيث قدرت الخسائر المحتملة في هذه
الحالة، وفي الأرواح فقط، ما بين 33 – 50 % من تعداد سكان المعسكرين المتنازعين،
كما تراوحت فرص النجاح في إدارة هذه الأزمة بين 27 – 50 %.
2 / 3- مقومات إدارة الأزمة:
يقول الخضيري بأن التعامل مع الموقف الأزموي وإدارة الأزمة
يتطلب استخدام عدة أساليب إدارية متقدمة تعمل على تحقيق المناخ المناسب للتعامل مع
الأزمة، وفي الوقت ذاته تتيح لفريق التعامل مع الأزمات حرية الحركة بالكامل.
ومن هنا تحتاج إدارة الأزمات إلى احتياجات إدارية خاصة وأيضاً
إلى مهارات إدارية خاصة، ومن هنا يطلق عليها البعض مصطلح الإدارة بالاستثناء Management
By Exception حيث تخرج الأوامر
الإدارية عن مسار الأوامر العادية، وعن الهيكل التنظيمي القائم وتصبح السلطات
منزوعة ومسندة إلى فريق عمل Task Force لديه كافة الصلاحيات والمسؤوليات للتعامل مع الأزمة.
ويمكن أن نحدد أبرز مقومات الإدارة الفعالة للأزمات من خلال
أدبيات الدراسة التي تطرقت لتلك المقومات فيما يلي:
2 / 3 / 1 – تبسيط الإجراءات وتسهيلها:
لا يجوز إخضاع الأزمة للتعامل بنفس الإجراءات التقليدية،
فالأزمة عادة ما تكون حادة وعنيفة، وأيضاً لا يمكن تجاهل عنصر الوقت الذي قد يؤدي
تجاهله إلى دمار كامل للكيان الإداري الذي حدثت فيه الأزمة، فالأمر يتطلب التدخل
السريع والحاسم من خلال تبسيط الإجراءات مما يساعد على التعامل مع الحدث الأزموي
ومعالجته.
2 / 3 / 2 – إخضاع التعامل مع الأزمة
للمنهجية العلمية:
لا يمكن التعامل مع الأزمة في إطار من العشوائية الارتجالية أو
سياسة الفعل ورد الفعل، بل يجب أن يخضع التعامل مع الأزمة للمنهج الإداري السليم
لتأكيد عوامل النجاح، وحماية الكيان الإداري من أي تطورات غير محسوبة قد يصعب عليه
احتمال ضغطها، ويقوم المنهج الإداري على أربع وظائف أساسية هي:
التخطيط. ب- التنظيم. ج- التوجيه. د – المتابعة.
2 / 3 / 3 – تقدير الموقف الأزموي:
لابد أن يشمل تقدير الموقف الأزموي تحليلاً كاملاً لأسباب
الأزمة وتطورها، وتحديد دقيق وشامل للقوى الصانعة للأزمة، والمساعدة لها، والمؤثرة
فيها، ثم تقدير القدرات والإمكانات المتاحة لدى الجهة المسئولة عن إدارة الأزمة،
وذلك من خلال جمع المعلومات الدقيقة عن أبعاد الأزمة، والتنبؤ باحتمالات تطور
الأحداث وإمكانية السيطرة عليها.
2 / 3 / 4 – تحديد الأولويات:
بناءاً على تقدير الموقف الحالي والمستقبلي لأحداث الأزمنة،
توضع الخطط والبدائل التي يتم ترتيبها في ضوء الأولويات التي تم تحديدها وفق
معايير معينة.
2 / 3 / 5 – تفويض السلطة:
يعد تفويض السلطة " قلب" العملية الإدارية النابض،
وشريان الدورة الدموية في إدارة الأزمات، ومن ثم ينظر إلى تفويض السلطة محور
العملية الإدارية سواءً في إدارة الأزمات، أو في نطاق فريق المهام الأزموية،
ويتطلب تفويض السلطات منح كل فرد من أفراد الفريق المناط به معالجة الأزمة السلطة
الضرورية لتحقيق عمله المحدود، وفي الوقت ذاته على الفرد أن يعرف المهام والأنشطة
التي يتوقع منه إنجازها.
2/ 3 / 6 – فتح قنوات الاتصال والإبقاء
عليها مع الطرف الآخر:
تحتاج إدارة الأزمة إلى كم مناسب من المعلومات، وإلى متابعة
فورية لتداعيات أحداث الأزمة، وسلوكيات أطرافها، ونتائج هذه السلوكيات، ومن ثم فإن
فتح قنوات الاتصال مع الطرف الأخر يساعد على تحقيق هذا الهدف.
2 / 3 / 7 – الوفرة الاحتياطية الكافية:
الأزمة تحتاج إلى الفهم الكامل لأبعاد الموقف الناشئ عن
التواجد في موقع الأزمة، كما تحتاج إلى الدعم المادي والمعنوي الذي يساعد على سرعة
التصدي للأحداث، إضافة إلى ما يمتلكه القطاع الخاص من معدات وإمكانيات كبيرة يمكن
توظيفها، والاستفادة من القوى البشرية المخلصة والتي من الممكن أن تساعد في عمليات
إدارة الأزمة وإتاحة فرصة العمل التطوعي وفق أسس مدروسة.
2 / 3 / 8 – التواجد المستمر في مواقع
الأحداث:
لا يمكن معالجة أزمة وهناك تغييب للمعلومات الخاصة بها لدى
متخذ القرار، لذا فإن التواجد في مواقع الأحداث يأخذ أحد أسلوبين أساسيين هما:
التواجد السري في موقع الأحداث.
تأمين تدفق كم مناسب من البيانات الكافية لمتخذ القرار في
إدارة الأزمات.
2
/ 3 / 9 – إنشاء فرق مهمات خاصة:
وهذه تفيد أكثر في الجوانب الأمنية، حيث أنه ونظراً لتباين
الأزمات واختلاف طبيعتها فإن من الضرورة إنشاء فرق المهمات الخاصة وذلك للتدخل
السريع عند الحاجة إليها، على أن تخضع هذه الفرق لتدريب خاص وعالٍ حسب نوع وحجم
المهمة، كما يجب الاستفادة من الدول الأخرى وذات السبق في هذا المجال.
2 / 3 / 10 – توعية المواطنين:
في الحقيقة لا يمكن مواجهة أي أزمة بفاعلية دون إعلام وتوعية
المواطنين والمقيمين بالدور المطلوب منهم القيام به عند وقوع الأزمة، حيث أن وعيهم
بالدور المطلوب منهم يؤدي إلى المساعدة في مواجهة الأزمة، مما يتطلب إعداد وتنفيذ
خطط إعلامية وتوعوية في هذا الإطار، كما أنه يتطلب حملة إعلامية على كافة
المستويات تستخدم كافة وسائل وأساليب الاتصال الجماهيري من أجل توضيح الإجراءات
المستخدمة في مواجهة الأزمة والمساعدة التي ينتظر المواطنين تقديمها.
2 / 3 / 11- الخطة الإعلامية في الأزمة:
تعد الخطة الإعلامية من أهم مقومات إدارة الأزمات، والضرورة
تحتم وجود سياسة إعلامية قبل وأثناء وبعد الأزمة.
ونظراً لما للإعلام من
أهمية كبرى في إدارة الأزمات، ولأنه عندما يهمش الدور الإعلامي يكون لذلك انعكاس
سلبي على عملية إدارة الأزمة، لذ يقترح إزاء ذلك تعيين متحدث رسمي على قدر من
الكفاءة والتأهيل والخبرة بحيث يتولى الإدلاء بكافة التصريحات عن الأزمة.
2 / 4 – مراحل إدارة الأزمة: Crisis Management Phases
تمر معظم الأزمات بخمس مراحل أساسية، وإذا فشل متخذ القرار في
إدارة مرحلة من هذه المراحل فإنه يصبح مسئولاً عن وقوع الأزمة وتفاقم أحداثها.
2 / 4 / 1 – اكتشاف إشارات الإنذار
المبكر: Signal Detection
عادة ما ترسل الأزمة قبل وقوعها بفترة طويلة سلسلة من إشارات
الإنذار المبكر: أو الأعراض التي تنبئ باحتمال وقوع الأزمة، وما لم يوجه الاهتمام
الكافي لهذه الإشارات فمن المحتمل جداً أن تقع الأزمة، وبالإضافة إلى ذلك فإن كل
أزمة ترسل إشارات خاصة بها، وقد يصعب التفرقة بين الإشارات الخاصة بكل أزمة على
حدة، وعلى سبيل المثال فقد تكون الكتابة على الجدران أو في بعض الأماكن الخاصة
مثلاً تعبيراً عن غضب في صدور بعض العاملين، أو ربما لا تحمل هذا المعنى إطلاقاً،
وربما تعني زيادة عدد أعطال الآلات فجأة إشارة إنذار مبكر لعمليات تخريب داخلي
متعمد، أو ربما تكون نتيجة لوجود عيوب في المواد تحت التصنيع.
وقد لوحظ أن المديرين بالمنظمات المستهدفة للازمات Crisis
Prone على درجة عالية
من المهارة في حجب إشارات الإنذار التي تتنبأ بقرب وقوع الأزمات، بينما يتوافر لدى
المديرين في المنظمات المستعدة لمواجهة الأزمات Crisis
Prepared مهارات عالية في
الشعور بأية إشارات حتى وإن كانت خافتة والأسوأ من ذلك أن المديرين بالمنظمات
المستهدفة للازمات لا يتعمدون حجب إشارات الإنذار فحسب ولكنهم يعاقبون حملة
الأخبار السيئة، وشعارهم:
2 / 4 / 2 – الاستعداد والوقاية: Prepatation
/ Prevention
يجب أن يتوافر لدى المجتمع الاستعدادات والأساليب الكافية
للوقاية من الأزمات، ويؤكد ذلك على أهمية إشارات الإنذار المبكر، لأنه من الصعب أن
تمنع وقوع شيء لم تتنبأ أو تنذر باحتمال وقوعه، إن الهدف من الوقاية يتلخص في اكتشاف
نقاط الضعف في نظام الوقاية بالمجتمع، وهناك علاقة بين التنبؤ بالأزمات وبين
الاستعداد والوقاية منها، إذ تعتبر الزلازل والحرائق والسيول وانهيارات المباني
القديمة أهم الكوارث التي تتعرض لها الدول، حيث انعكس ذلك على خطط الاستعداد
والوقاية التي يقوم بها الدفاع المدني، بما تتضمنه من تدريب للأفراد واختيار
للمعدات وما إلى ذلك، ولكن تعرض المباني الحديثة متعددة الطوابق للانهيار لم يكن
يدخل في دائرة المخاطر المحتملة، فعندما تقع الأزمة لا يستطيع سوى عدد محدود جداً
من الناس أن يتصرف بهدوء وبكفاءة دون أن يكون مدرباً على ذلك، ولهذا السبب فمن
الضروري تصميم سيناريوهات مختلفة وتتابع للأحداث لأزمة نتخيلها، واختبار ذلك كله
حتى يصبح دور كل فرد معروفاً لديه تماماً.
2 / 4 / 3 – احتواء الأضرار والحد منها:
Containment
/ Damage Limitation
من سوء الحظ، بل إنه من المستحيل منع الأزمات من الوقوع طالما
أن الميول التدميرية تعد خاصية طبيعية لكافة النظم الحية، وعلى ذلك فإن المرحلة
التالية في إدارة الأزمات تتلخص في إعداد وسائل للحد من الأضرار ومنعها من
الانتشار لتشمل الأجزاء الأخرى التي لم تتأثر بعد في المجتمع، وتتوقف هذه المرحلة
في إدارة الأزمات على طبيعة الحادث الذي وقع، فعلى سبيل المثال نجد أن كارثة غرق
عبارة، وغرقها السريع لم يجعل هناك أي مجال لحماية أرواح من غرقوا فعلا، كما في
حال التعرض للعمليات الإرهابية يصعب أن نفعل شيئاً لتقليل التأثير الناتج عن
الصدمة على نفوس أولئك الأشخاص.
ويعد تسرب المواد الكيماوية من أخطر الأزمات التي يمكن أن تعرض
الناس والبيئة لمخاطر لا حدود لها، وإذا أخذنا تسرب الوقود من صهاريج شركات أنابيب
البترول وما يترتب عليه من تشريد العديد من الأسر وإتلاف الأراضي الزراعية
والمحاصيل، وكذلك تعريض العديد من القرى للحرائق وتهديد الأرواح والممتلكات
والثروة الحيوانية، فإننا ندرك أبعاد أهمية احتواء الأضرار التي تنشأ عن مثل هذه
الأزمات.
2 / 4 / 4 – استعادة النشاط: Recovery
تشمل هذه المرحلة إعداد وتنفيذ برامج ( جاهزة واختبرت بالفعل )
قصيرة وطويلة الأجل، وإذا لم تختبر هذه البرامج مسبقاً فإنه يكون من الصعب
الإستجابة ووضع الحلول المناسبة عندما تحتدم الأزمة، وتتضمن مرحلة استعادة النشاط
عدة جوانب منها: محاولة استعادة الأصول الملموسة والمعنوية التي فقدت والملاحظ أن
المديرين الذين يحددون مسبقاً العناصر والعمليات والأفراد، الذين يعتبرون على درجة
من الأهمية للقيام بالعمليات اليومية يستطيعون إنجاز هذه المرحلة بكفاءة.
وقد ترتكب المنظمات
المستهدفة للأزمات خطأً جسيماً بالتركيز على العمليات الداخلية بتجاهل تأثير
الأزمة على الأطراف الخارجية أو تهتم بذلك في وقت متأخر، وعادة ما ينتاب الجماعة التي تعمل في هذه المرحلة شيء من الحماس الزائد، حيث
تتكاتف الجماعة وتتماسك في مواجهة خطر محدد ومهمة أكثر تحديداً.
2 / 4 / 5 – التعلم: Learning
المرحلة الأخيرة هي التعلم المستمر وإعادة التقييم لتحسين ما
تم إنجازه في الماضي، حيث أن التعلم يعد أمرا حيوياً، غير أنه مؤلم للغاية ويثير
ذكريات مؤلمة خلفتها الأزمة.
ولكي يتعلم المرء فإنه يجب أن يكون على استعداد لتقبل القلق
دون الاستسلام للفزع.
إن استخلاص دروس مستفادة من كارثة أو أزمة رهن بتوافر حس مرهف
لدى الإنسان يجعله يقدر معاناة الغير ويتصور نفسه أو أحب الناس إليه يمرون بتجربة
الغير.
والتعلم لا يعني تبادل الاتهامات، أو إلقاء اللوم على الغير
وتحميله المسؤولية، أو البحث عن كبش فداء، أو إدعاء بطولات كاذبة.
وقد قام بعض الباحثين بتحديد مراحل
إدارة الأزمة بشكل مختلف عما سبق...
فقد قسمها أحمد عز الدين إلى ثلاث
مراحل:
·
مرحلة ما قبل الأزمة:
وهي المرحلة التي تنذر بوقوع الأزمة، وهي غالباً ما تكون مرحلة تتبلور فيها مشكلة
ما، وتتفاقم حتى تنتج الأزمة عنها.
·
مرحلة التعامل مع
الأزمة:
وهذه المرحلة هي المحور الرئيس لمفهوم إدارة الأزمة حيث يتولى فريق الأزمة استخدام
الصلاحيات المخولة له، ويطبق الخطط الموضوعة.
·
مرحلة ما بعد الأزمة:
وهي المرحلة التي يتم فيها احتواء الآثار الناتجة عند حدوث الأزمة، وعلاج تلك
الآثار يعتبر جزءً هام من عملية إدارة الأزمة.
كما حددها عليوه بأربع مراحل:
·
المرحلة التحذيرية:
تكمن أهمية هذه المرحلة في قدرة القيادة على استشراف واستكشاف كل الاحتمالات
والمتغيرات التي قد ينجم عن وقوعها أزمة ما..
·
مرحلة نشوء الأزمة:
إذا ما فشل صانع القرار في توقع حدوث أزمة فإن متغيرات هذه المرحلة سرعان ما تنمو
وتتسع ويتعاظم خطرها.
·
مرحلة انفجار الأزمة:
تبدو هذه المرحلة عندما يخفق صانع القرار في التعامل مع العوامل التي حركت الأزمة
أو لم يستطع السيطرة على متغيراتها المتسارعة بحيث تصل إلى هذه الدرجة من
الاستشراء.
·
مرحلة انحسار الأزمة:
تتلاشى في هذه المرحلة العوامل المسببة للأزمة بحيث تعود الأمور إلى مرحلة التوازن
الطبيعي قبل حدوث الأزمة، وتتميز هذه المرحلة بتوافر درجات عالية من الكفاءة
والخطط بصدد التعامل مع الأزمات وصولاً لمرحلة التوازن.
2 / 5 – وسائل تحسين قدرة المجتمع أو
الكيان الإداري في إدارة الأزمات:
يمكن للمجتمع أن يحسن من قدرته في إدارة المراحل الخمسة
للأزمات عن طريق ما يلي:
مرحلة اكتشاف إشارات الإنذار المبكر:
·
ضرورة إنشاء أساليب
لاكتشاف إشارات الإنذار للأزمات المحتملة.
·
فريق داخلي لاختبار
الإجراءات المتبعة.
·
مكافأة مكتشفي ومبلغي
الإنذار.
·
وصف الوظائف الرسمية
المستخدمة في النظام.
·
هيكل للتقارير التي
سيستخدمها مركز إدارة الأزمات.
·
إنشاء مركز لتلقي
إشارات الإنذار.
·
نشر ثقافة تنظيمية
مساندة لنظام كشف إشارات الإنذار.
مرحلة الاستعداد والوقاية:
·
فحص للأزمات.
·
فحص روتيني وصيانة
لكل المعدات.
·
إرشادات فنية رسمية،
وإجراءات تستخدم أدوات إدارة الأزمات ( تحليل الخطر، شجرة المخاطر).
·
تحليل العوامل
البشرية الخاصة بالمعدات ذات الخطورة.
·
التحكم في التحميل
لمنع الزيادة.
·
إدارة النظام ومنع
الإسراف.
مرحلة احتواء الأضرار والحد منها:
·
الحصول على المعلومات
اللازمة.
·
تحديث القدرات في
مجال الاحتواء.
·
إختبار قدرات
الاحتواء.
·
تنفيذ أسلوب
الاحتواء.
·
تقدير ومكافأة محتوي
الأضرار.
·
تخصيص الموارد
لاحتواء الأضرار.
مرحلة استعادة النشاط:
·
تحديد الأطراف
المعنية الهامة لمرحلة استعادة النشاط.
·
تحديد المستوى الأدنى
من المهام والخدمات والمنتجات المطلوبة لمزاولة الأعمال.
·
تدبير الموارد
اللازمة لعملية استعادة النشاط بعد الأزمة واستعادة الثقة.
·
تحديد الاحتياجات
الداخلية والخارجية.
·
تحديد وسائل استعادة
الثقة بالنفس، ولو سببت الأزمة عزل جزء عن باقي وحدات المنظمة.
·
تحديد أولويات
للاحتياجات الأساسية.
·
تحديد أهم الأعمال
المطلوبة لاستئناف النشاط.
·
تحديد التفاعل بين
وسائل التقنية والمتطلبات البشرية في خطط استعادة النشاط.
مرحلة التعلم:
·
ضرورة مراجعة الأزمات
السابقة.
·
مراجعة أسلوب إدارة
الأزمات بدون إلقاء اللوم على أحد.
·
المقارنة بين الأعمال
التي تمت بصورة جيدة وتلك التي تمت بطريقة غير سليمة.
·
التعلم للأزمات
الأخرى المحتملة.
·
عرض الدروس المستفادة
بصورة رسمية.
·
إتباع أسلوب العصف
الذهني والابتكار مع فريق مراجعة الأزمات.
·
استعادة وتذكر
الأزمات السابقة بصورة دورية ( سنويا مثلاً ).
2
/ 6 – معوقات عمل إدارة الأزمات:
رغم الجهد المتوقع من إدارة الأزمات إلا أن هناك عوامل عديدة
تواجه هذه الإدارات بل وتواجه فكر إدارة الأزمة ذاته…….. منها:
·
إدارة الأزمات هي
إدارة مستقبلية تتوقع وتضع احتمالات لما قد يحدث وهو قد يكون مرفوضاً وعامل شؤم في
نظر بعض القيادات التي تبدأ العمل بتفاؤل زائد.
·
إدارة الأزمات لا
ضرورة لها في الوقت الحاضر.
·
نحن في بدء النشاط
ولا نتوقع حدوث أزمات بالمعنى الذي يستدعي وجود إدارة للأزمات.
·
حجم منشأتنا كفيل
بحمايتنا من الأزمات.
·
قيادات المنشأة من
الكفاءات المشهود لها ولا نتوقع أزمات.
·
لابد أن نتفاءل
بالمستقبل.
·
النشاط نجح فيه عديد
من المنشآت قبلنا.
·
نحن نمشي على خطا
مؤسسات ناجحة عديدة.
·
هناك من سينقذنا –
كالحكومة بكل إمكاناتها – عند وقوع الأزمة.
·
موقعنا المختار سوف
يحمينا من الأخطار.
·
الشائعات لن تؤثر على
مكانتنا في السوق.
·
حتى الآن لم نتعرض
لما يشكل أزمة فلماذا نتوقع الأسوأ؟.
·
وماذا تفعل إدارات
الأمن والإنقاذ والمطافئ وغيرها من الإدارات الحكومية.
·
لا توجد أزمة طالما
لم يقع أي نوع من أنواع الضرر.
·
ما هي الأزمة التي
يجب أن نستعد لها الآن؟ ربما يقع غيرها.
·
الأزمة قدر لا يمكن
رده... ألسنا مؤمنين بالله؟!
·
وإذا كانت أكبر مما
قدرنا واستعددنا... ماذا نفعل؟
·
سوف تقع يعني سوف
تقع.. إذا قدر لها ذلك – وحتى إذا استعددنا لها.
·
الأزمات التي وقعت لمنشآت
أخرى سابقاً وقعت لظروف خاصة بهذه المنشآت، فلماذا نتوقع حدوثها لنا؟
·
هل يكفي شراء عديد من
وثائق التأمين لتغطية كل أزمة متوقعة؟
·
أهم شيء حماية سمعة
المنشأة ومنتجاتها، وما يأتي بعد ذلك لا أهمية له.
2/7–
نموذج إدارة الأزمة:
قلنا سابقاً أن الهدف الأساسي من إدارة الأزمة هو منع حدوثها
إن أمكن أو التقليل من آثارها إلى الحدود الدنيا.
ولتحسين قدرة الإدارة في التعامل مع الأزمة في كل مرحلة من
مراحلها كان لابد من وجود عدد من المتطلبات التي تتوافق مع هذه المرحلة.
2 / 7 / 1 – مرحلة ما قبل الأزمة (
اكتشاف الإشارات + الاستعداد والوقاية ):
وفي هذه المرحلة تقوم بعض المنظمات بتخصيص الوقت والمعدات
والقوى العاملة من أجل الاستعداد للأزمة وذلك من خلال عدد من المتطلبات التي
تتوافق مع هذه المرحلة:
إنشاء وحدة لإدارة الأزمات:
وهذه الوحدة مهمتها التصدي للأزمات المختلفة، ويجب أن تعطى لها
الصلاحيات الكافية للقيام بمهامها ومسؤولياتها، وأن يتم تنظيمها بشكل جيد"
نظام المصفوفة "، وهو احد الأساليب الفاعلة لتصميم الهيكل التنظيمي ويتكون من
وحدة دائمة يمكن تعزيزها بخبراء من الأقسام الوظيفية المختلفة، وتتميز بالمرونة
وسرعة التكيف مع تغيير الظروف، وبمجرد تحديد وتعريف الأزمة ودرجة التهديد المصاحبة
لها يمكن لمدير الأزمة أن يختار مع جميع الأقسام الوظيفية أفضل الأفراد ذوي القدرة والمهارة اللازمة للتعامل
مع الأزمة.
إنشاء فرق المهمات الخاصة:
للتعامل مع كل أزمة حسب خصوصيتها وذلك للتدخل السريع عند
الحاجة على أن تخضع هذه الفرق لتدريب خاص وعالٍ حسب نوع وحجم المهمة.
التدريب:
يجب القيام بعقد دورات تدريبية متخصصة لكافة العاملين في إدارة
الأزمات على أن يتم التركيز فيها على دورهم في إدارة الأزمة.
التطوع ومشاركة القطاع الخاص:
يجب على إدارة الأزمة فتح القنوات مع القطاع الخاص للاستفادة
من إمكانياتهم وقت الأزمات.
التوعية والإعلام:
لا بد أن يتم إعلام وتوعية المواطنين بالدور المطلوب منهم
القيام به عند وقوع الأزمة، وهذا يؤدي إلى المساعدة بدرجة كبيرة في مواجهة الأزمة،
وهذا يتطلب إعداد وتنفيذ خطط إعلامية وتوعية في هذا الإطار قبل وأثناء وبعد
الأزمة.
التعاون الإقليمي والدولي:
مد جسور التعاون سواءً مع المؤسسات الإقليمية أو الدولية وذلك
لتبادل المعلومات حول كيفية التعامل مع الأزمات ومدى إمكانية الحصول على مساعدات
من هذه الجهات.
إعداد سيناريوهات الأزمة:
يعتبر إعداد سيناريوهات لمواجهة الأزمة وتحديد الإجراءات
اللازمة الإتباع لمواجهة التطور من الأمور الهامة والأساسية لنجاح خطة الأزمة،
والسيناريو هو عرض لما يمكن أن يحدث من تطورات لأزمة معينة عن طريق الخيال واستخدام أسلوب الانطلاق الفكري، ويتيح وجود
سيناريوهات للأزمة تسهيل عملية اتخاذ القرار أثناء المجابهة، كما يفترض إعداد
استراتيجيات في ضوء أفضل وأسوأ سيناريو وذلك لتحقيق الفائدة المرجوة من هذه
السيناريوهات.
2 / 7 / 2 – مرحلة التعامل مع الأزمة:
وهذه المرحلة تعد الاختبار الحقيقي للخطط المعدة سلفاً
وللتجهيزات المرتبة مبكراً وللتدريب الذي سبق قبل حدوث الأزمة، ولا ننسى هنا أن
الأزمات ليست واحدة فلكل أزمة تكتيك معين لإدارتها والتعامل مع أحداثها إلا أن هذا
الاختلاف لا يمنع من وجود قواسم مشتركة بين هذه الأزمات.
وفيما يلي بعض الجوانب التي يجب أخذها
في الاعتبار أثناء هذه المرحلة:
تنفيذ خطط الأزمات:
وهنا يجب على وحدة
إدارة الأزمات وضع الخطط المجهزة سلفاً موضع التنفيذ والاستفادة من السيناريوهات
التي تم إعدادها واختبارها في المرحلة السابقة ما قبل الأزمة، مع ملاحظة أن بعض السيناريوهات قد يحتاج إلى تعديل
تحتمه طبيعة الأزمة وتطوراتها المفاجئة، وهنا لا بد أن تتوفر في إدارة الأزمة
المرونة والكفاءة، وضبط النفس، والموضوعية، والدقة.
قيادة مركز الأحداث:
أو إنشاء فرق عمليات مصغرة قريبة من الحدث لمعايشة ومعرفة
الأمور على حقيقتها بحيث تقوم برفع تقاريرها إلى إدارة الأزمات ... وتتلقى بالتالي
التوجيهات حيال ما يلزم اتخاذه.
المعلومات والاتصالات:
وحتى تنجح إدارة
الأزمات في أعمالها لابد لها من تملك المعلومات الحقيقية وفي الوقت المناسب.
التعامل مع الإعلام:
يجب على إدارة
الأزمة التعامل مع الإعلام لما له من دور بارز ومؤثر في تفاعلات الأزمة، لذا يقترح
أن يتم تخصيص " متحدث رسمي" على قدر من الكفاءة والتأهيل والخبرة يقوم
بالإدلاء بكافة التصريحات عن الأزمة، على أن يتم إعداد هذا التصريح من قبل فريق
( إعلامي ، سياسي، أمني ) مختص لمراعاة كافة أصدائه وانعكاساته
المحتملة.
أهمية الوقت:
الوقت يعتبر حاسماً في مواجهة الأزمات بكافة أنواعها، لذا يجب
على إدارة الأزمة كسب الوقت، واختيار الوقت المناسب للتحرك، وأن لا يفرض التوقيت
من قبل الخصم، لذا يجب على إدارة الأزمة محاولة كسب الوقت لما له من تأثير على سير
المواجهة واستغلاله طولاً أو قصراً بالشكل الذي يخدم ظروف المواجهة.
ضبط وتنظيم التداخلات:
يحدث في الغالب أثناء
مواجهة الأزمات أن تتعدد التداخلات من قبل المسئولين والإدارات المعنية حيث يدلي
كل بدلوه في اتخاذ القرار، لذا ينبغي توزيع الأعمال والمسئوليات والصلاحيات بين
لجان إدارة الأزمة باختلاف مستوياتها – عليا، وسطى، فرق العمل التنفيذية – لذلك
يقترح أن يرأس إدارة الأزمة أحد المسئولين من ذوي المراتب العليا، من أجل أن تذوب
كافة التدخلات.
سرية المعلومات:
يجب على إدارة الأزمة
أن تحافظ على سرية العمليات والاتصالات لان التفريط في ذلك يؤدي إلى تدمير لكافة
الخطط، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن الإفراط في السرية يؤدي إلى حجب المعلومة،
لذلك يجب على إدارة الأزمة تحديد درجات السرية وتصنيف المعلومات تبعاً لذلك ووفق
معايير أمنية سليمة.
المصالح .. وضرورات الأمن:
في الأزمات ذات الطابع الأمني يجب على إدارة الأزمة مراعاة مصالح
المواطنين، و ملاحظة الشعور العام لهم، ومحاولة التوفيق بين ضرورات الأمن ومصالح
المواطنين.
2 / 7 / 3 – مرحلة ما بعد الأزمة (
استعادة النشاط + التعلم ):
وإدارة الأزمة لا تتوقف بمجرد الانتهاء من الأزمة وإخمادها،
وإنما تمتد إلى مرحلة ما بعد الأزمة، وهي المرحلة التي يتم خلالها علاج الآثار
الناتجة عن الأزمة، وإعادة البناء لما تم تدميره، وإعادة ترتيب الأوضاع، بالإضافة
إلى وضع ضوابط لعدم تكرار ما حدث، والاستفادة من دروس الأزمات لتلافي ما قد يحدث
مستقبلاً، من خلال المحاور التالية:
البناء وإصلاح الأضرار:
وهي مهمة بالغة الصعوبة وقد تحتاج إلى أشهر بل إلى مدد زمنية
قد تطول وفقاً لحجم الضرر والإمكانيات المادية والبشرية وإصلاح الأضرار قد لا
يقتصر على النواحي المادية فقط بل يشمل أيضاً النواحي المعنوية التي كسرت لدى
الرأي العام.
التقييم والدروس المستفادة:
لقد برعت اللغة الصينية في نحت مصطلح الأزمة... إذ ينطقونه ( Ji –
Wet ) وهي عبارة عن
كلمتين الأولى تدل على ( الخطر ) أما الأخرى فهي تدل على ( الفرصة ) التي يمكن
استثمارها، وتكمن البراعة في تصور إمكانية تحويل الأزمة وما تحمله من مخاطر إلى
فرصة لإطلاق القدرات الإبداعية التي تستثمر الأزمة حيث تعتبر فرصة مناسبة لإعادة
تقييم الخطط والإستراتيجيات وتحديد المسارات والوقوف على مواطن الخلل في الأداء
وكوامن القصور والتقصير .. مما يتيح فرصة للتغيير والتطور.
إجراء الدراسات والأبحاث:
نتيجة لوقوع الأزمة ينتج عن ذلك تراكم كم كبير من المعلومات
والتي تعد كنزاً ثميناً للباحثين والمهتمين بحيث تعينهم في إعداد الدراسات
والأبحاث ذات العلاقة بالأزمة، لذا ينبغي تشجيع الباحثين على الاستفادة من هذه
المعلومات وتسهيل قيامهم بالأبحاث ودعمهم – معنوياً ومادياً- لإجراء دراساتهم.
وضع الضوابط لعدم التكرار:
يعتبر تكرار الأزمة من أقسى ما تمر به المنظمات والأجهزة
الأمنية نظراً لعدم الاستفادة من الأخطاء السابقة وعدم وضع الضوابط لعدم تكرارها،
لذا ينبغي أن تأخذ إدارة الأزمة ذلك في الاعتبار، وان لا تكتفي بإخماد الأزمة،
وإنما بدراسة أسبابها، والتعامل مع تلك الأسباب بموضوعية لمنع انفجار الأزمة من
جديد.
المبحث
الثالث
الإدارة
بالأزمات
management
by Crisis
المقدمة :
الأزمات – باستثناء أزمات الطبيعة – مثل الزلازل والعواصف،
والبراكين، وحرائق الغابات الناجمة عن الصواعق.. الخ، هي فعل أو رد فعل إنساني؛
فعل يهدف إلى توقف، أو انقطاع نشاط من الأنشطة، أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع،
بهدف إحداث تغيير في هذا النشاط، أو الوضع لصالح مدبره، وهو ما يعرف " بالإدارة
بالأزمات". ومن قبيل ذلك سعي العاملين في مشروع اقتصادي ما إلى الإضراب
عن العمل، من أجل زيادة أجورهم، أو المشاركة بنسبة في الأرباح، أو تكوين نقابة
خاصة بهم، أو خفض ساعات العمل أو الحصول على غير ذلك من مزايا عينية وتسهيلات، أو
محاولة رب العمل من جانبه طرد بعض المحرضين على الإضراب، بهدف تحقيق الانضباط.
وقد تفلح محاولة أي من
هذين الفريقين ( العمال أو أرباب الأعمال )، وهنا يقال إن تسبب أيهما في خلق
" الأزمة " قد أفلح في تحقيق مراده، ونجحت محاولته للإدارة
بالأزمات" management by Crisis "، وقد تفشل مثل هذه المحاولة، فيجد مدبر الأزمة نفسه وقد
أصبح في مأزق حقيقي. وتمثل محاولاته للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة
إدارة للأزمة Crisis
Management""
، فإذا فشل الإضراب مثلاً في تحقيق أهدافه، ونجحت جهود المحرضين عليه في إقناع
صاحب العمل بمجازاتهم في تحقيق أهدافه، ونجحت جهود المحرضين عليه في إقناع صاحب
العمل بمجازاتهم بخصم بضعة أيام من أجورهم بدلاً من فصلهم، فإن ذلك في حد ذاته يمثل
إنجازاً لهم في تحجيم خسائرهم ، أو نجاحاً في إدارتهم للأزمة.
بيد انه وإن كان المثال السابق يمثل نموذجا خاصاً بالجمع بين
" الإدارة بالأزمات"، و "إدارة الأزمات" من قبل طرف واحد من
أطراف الأزمة، فإن الحياة العلمية لا تفترض حتمية الربط بين هذين الأسلوبين من قبل
جانب واحد، والمثال الأكثر شيوعاً هو قيام أحد أطراف الأزمة باستخدام "
الإدارة بالأزمات"، يقابله لجوء الطرف الآخر المدبرة الأزمة ضده إلى أسلوب
" إدارة الأزمات".
كما أنه على الرغم من أن النتيجة المفترضة نظرياً لتقاطع هذين
الأسلوبين، أو للتفاعل القائم بينهما، هو أن يحقق أحدهما قدراً من المكاسب يعادل
ما يتكبده الطرف الآخر من خسائر، أو ما يعرف" بالمباراة ذات الحصيلة الصفرية " Zero-Sum-
game إلا أن الواقع العملي لا يحتمل دائماً مكسباً
كلياً مقابل خسارة تامة، وإنما يحقق كل من الطرفين قدراً من المكاسب والخسائر
المزدوجة. وفي المثال الذي سقناه آنفاً، فإن نجاح صاحب العمل في فصل العمال
المضربين قد يؤدي إلى نقص في الإنتاج، أو إلى تكرار الإضرابات من جانب باقي العمال
تعاطفاً مع زملائهم المفصولين، مما يهدد بتوقف نشاط المشروع الاقتصادي، كما أن
نجاح العمال المضربين في الحصول على زيادة في أجورهم قد يدفع صاحب العمل إلى
التنكيل ببعض متزعمي الإضراب، أو تشديد الجزاءات الموقعة على من يخطئ منهم.
وهناك بعض الأزمات التي قد تسفر عن فائدة مشتركة للطرفين، ولا
يزال المثال السابق الرائد في التمثيل لهذا النوع من الأزمات، وذلك في حالة ما إذا
ترتب على هذا الإضراب نجاح العمال في الحصول على زيادة في أجورهم، في مقابل العمل
ساعات إضافية لزيادة إنتاجية المشروع.
3/1- مفهوم الإدارة بالأزمات:
الإدارة بالأزمات تقوم على افتعال الأزمات، وإيجادها من عدم
كوسيلة للتغطية والتمويه على المشاكل القائمة التي تواجه الكيان الإداري، فنسيان
مشكلة ما، يتم فقط عندما تحدث مشكلة أكبر وأشد تأثيراً، بحيث تطغى على المشكلة
القائمة، وهكذا يظل الكيان الإداري المهترئ يتعرض لأزمة تلو أزمة، وتتعاقب عليه
الأزمات متلاحقة حتى يتم تدميره بالكامل. أو يهدي الله إليه من يأخذ بيده إلى بر
النجاة.
ومن هنا يطلق البعض على الإدارة بالأزمات علم صناعة الأزمة
للتحكم والسيطرة على الآخرين. والأزمة المصنوعة المخلقة، لها مواصفات حتى تبدو
حقيقية، وحتى تؤتي ثمارها، وأهم مواصفاتها هي الإعداد المبكر، وتهيئة المسرح
الأزموي، وتوزيع الأدوار على قوى صنع الأزمة، واختيار التوقيت المناسب لتفجيرها،
وإيجاد المبرر والذريعة لهذا التفجير.
وللأزمة المصنوعة إيقاع سريع متدفق الأحداث، ومتلاحق التتابع،
ومتراكم الإفرازات والنتائج، وكل منها تصب في سبيل تحقيق الهدف المراد الوصول
إليه، فلكل أزمة مصنوعة هدف يتعين أن تصل إليه، وبدون تحقيق هذا الهدف لن يتلاشى
الضغط الأزموي، أو يخف التأثير العنيف الصاخب لإفرازات الأزمة، وكذا لن تهدأ قوى
صنع الأزمة أو تتراجع حتى تحقيق هذا الهدف.
ومن ثم وللتعامل مع الأزمات المفتعلة أو المصنوعة يتعين أن
تحصل على إجابات سريعة ووافية عن الأسئلة التالية:
·
كيف ظهرت الأزمة
وتطورت أحداثها؟
·
من هم الأطراف
الصانعة للأزمة سواء العلنيون أو الذين يعملون في الخفاء؟
·
لماذا تم صنع الأزمة
في الوقت الراهن؟
·
ما الهدف الذي تسعى
إلى تحقيقه قوى صنع الأزمة؟
·
ما المدى الذي لا
يتعين أن تتجاوزه قوى الضغط الأزموي؟ وما هي المحاذير الموضوعة لكل منها؟ والحدود
المتفق عليها بينها؟
وتقوم عملية الإدارة بالأزمات على خلق أزمة وهمية يتم من
خلالها توجيه قوى الفعل السلوكي والاقتصادي إلى تكريس الأزمة، أو إلى سلوك معين
بشأنها.
وخير مثال على ذلك ما
يعمد إليه بعض التجار من أصحاب الموقع الاحتكاري من خلق أزمات في بعض السلع من
خلال تخزين هذه السلع وعدم عرضها بالسوق لتعطيش المستهلك لها، وإشاعة أن هناك أزمة
شديدة في إنتاج هذه السلع، مما يدفع المستهلكين إلى البحث عنها بأكثر من
احتياجاتهم، وهنا يقوم هذا التاجر بعرضها سرا لتحقيق أرباح طائلة.
ومثل هذا الأسلوب في الحقيقة يكون مدمراً للتاجر وللمنتج لهذه
السلع، حيث يعمد المستهلك إلى البحث عن بديل متوفر، وقد يكون أفضل، كما يدفع هذا
الوضع بعض المنتجين الجدد إلى الدخول إلى ميدان إنتاج هذه السلعة وتقديمها بشروط
أفضل للمستهلكين... وهكذا.
وتستخدم الدول الكبرى الإدارة بالأزمات كأسلوب لتنفيذ
إستراتيجيتها الكبرى في الهيمنة والسيطرة على العالم Globalization، ولتأكيد قوتها، وفرض إرادتها وبسط النفوذ وبشكل لا يفقدها
أصدقائها ولتحييد أعدائها وتدمير مصالحهم، وفي الوقت ذاته لتقوية تحالفاتها
القديمة.
بل ولتحقيق أهدافها
الخفية طويلة المدى التي لا تستطيع الإعلان عنها أو حتى مجرد التنويه عنها، وهو ما
استخدمه أدولف هتلر عند اشتعال الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب المدمرة
التي كلفت البشرية 50 مليون إنسان قتلى حرب، فضلاً عن تكاليفها المادية الباهظة،
وقد استخدم هتلر الإدارة بالأزمات ببراعة ودهاء شديدين، دون اعتبار لأي قيم أو
مثل، لإيجاد المبرر، ولكسب التأييد الشعبي لغزو بولندا، وتحييد دول العالم أمام
هذا الغزو، حيث بدأت الحرب من سبتمبر عام 1939 باجتياح القوات الألمانية حدود
بولندا.
ولكن قبل الاجتياح تم افتعال أزمة ببراعة وحنكة، محورها تصوير
الغزو الألماني على انه مجرد دفاع عن النفس ومرحلة تأديب لبولندا التي خانت
المعاهدات وعلاقات حسن الجوار، وفي الوقت ذاته الوصول بالموقف العالمي إلى أزمة
حافة الحرب.
وقد بدأت صناعة الأزمة في الليلة السابقة لقيام الحرب، حيث
أخذت قوات العاصفة الألمانية النازية 12 سجيناً بولندياً من معسكر اعتقال بالقرب
من برلين، وألبستهم ملابس الجيش البولندي، ثم أطلقت عليهم الرصاص وألقت بجثثهم في
غابة على الحدود الألمانية البولندية، مع إضافة بعض المؤثرات لتصوير الموقف على
أنه عملية قذرة عسكرية قامت بها بولندا ضد ألمانيا، ليتم عرضهم على مراسلي الصحافة
الأجنبية، وتصويره على انه بداية غزو بولندي لألمانيا، وأن الحرس الألماني استطاع
إحباط المحاولة وقضى على عدد كبير من الغزاة، وفي الوقت نفسه قامت قوات العاصفة
بمهاجمة محطة إذاعية ألمانية على الحدود البولندية الألمانية وهي ترتدي ملابس
الجيش البولندي، وتصطحب سجيناً بولندياً آخر، ثم قامت القوات بإطلاق الرصاص في
كافة الاتجاهات، وقتل عدد من العاملين الألمان بالمحطة، وإجبار السجين البولندي
على إذاعة بيان بقيام القوات البولندية بغزو ألمانيا، ثم هربوا تاركين الأسير
البولندي جثة هامدة بعد أن أطلقوا عليه الرصاص، وأحد العاملين الألمان بمحطة
الإذاعة مصاباً إصابة بسيطة ومغمى عليه من هول الصدمة، ليحكي عما شاهده من قيام
الجيش النظامي البولندي بمهاجمة المحطة وقتل من فيها من الألمان أمام ممثلي
الصحافة العالمية، وأمام جهات التحقيق الألمانية.
وبعد إتمام صنع الموقف الأزموي بنجاح، قام هتلر في الساعة
العاشرة من صباح اليوم التالي، أول سبتمبر، مرتديا
" المعطف المقدس"، بزيارة الرايخستاخ "البرلمان
الألماني " وإلقاء كلمة قصيرة، قال فيها:
" لأول مرة يجرؤ الجنود البولنديون
النظاميون على مهاجمة وطننا، فقمنا منذ الساعة السادسة إلا ربعاً صباحاً بالرد على
النيران. ومنذ الآن فصاعداً سنرد بالقنابل على القنابل".
وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية
بأزمة مدبرة مفتعلة.
وصناعة الأزمة هي في
حقيقتها عملية جراحية جذرية في الكيان الإداري الذي صنعت فيه، وبهدف تأكيد وضمان
استمرار المصالح الحيوية القائمة، وتدعيم قوى الاستقرار والتوازن المتواجدة، أو
إيجاد قوى استقرار وتوازن جديدة. ومن ثم فقد تؤدي عملية صناعة الأزمة على المستوى
الدولي إلى ابتلاع دول، وتفتيت إمبراطوريات، وتفكيك تحالفات وإقامة أحلاف جديدة،
وضم أجزاء لدول أخرى، وإعادة رسم الخرائط السياسية، وإعادة ترتيب الأوضاع والقوى،
وذلك كله من خلال عملية صنع الأزمة.
فعملية الإدارة بالأزمات أسلوب تتبعه المنظمات والشركات والدول
والحكومات والعصابات، ويتسع مداه ويستخدمه الأفراد أيضاً، وهو أسلوب أدى إلى إسقاط
حكومات، وإشعال حروب، وحصد آلاف من أرواح البشر، وتدمير آلاف الملايين من
الدولارات.
وأوضح مثال على صناعة الأزمات ما تعرضت له السلطة الفلسطينية
بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في 25 / 1 / 2006م وتشكيلها الحكومة...
هذه الأزمة التي لما تنته بعد والتي أخذت أوجهاً متعددة ستتضح
للقارئ جيداً بعد الانتهاء من قراءة الصفحات التالية.
3/2- صناعة الأزمة:
الأزمة ليست فقط وليدة تفاعل ذاتي، وإنما أيضاً هي عملية يمكن
صناعتها، وصناعة الأزمة تخضع لأساليب علمية تتولى خلق المناخ الفكري والظروف
المناسبة لتفجير الأزمة المفتعلة، وتعبئة كافة الأدوات والوسائل الدافعة والمؤيدة
والمحفزة لذلك.
وصناعة الأزمات فن مستحدث للسيطرة على الآخرين، وإخضاعهم
وابتزازهم.
ويتم افتعال الأزمات عن طريق برنامج
زمني محدد الأهداف والمراحل التي يمكن توضيحها فيما يلي:
3/2/1-
مرحلة الإعداد لميلاد الأزمة:
ويطلق عليها البعض مرحلة التمهيد للأزمة، نظراً لأنها تقوم على
تهيئة المسرح الأزموي لافتعال الأزمة، وإيجاد وزرع بؤرتها في الكيان الإداري،
وإحاطتها بالمناخ والبيئة التي تكفل نموها
وتصاعدها. وأهم الخطوات التنفيذية التي تتم في هذه المرحلة ما يلي:
·
استخدام الضغوط
الاتصالية على الكيان الإداري وحلفائه لإفقاده توازنه، ودفعه رويداً رويداً إلى
حافة الهاوية، ومن خلال حسابات الفعل وردود الفعل القائمة على دراسة متأنية
لسيكولوجية متخذ القرار في الكيان الإداري المزمع إحداث الأزمة فيه.
·
تشويه حقيقة القائمين
على الكيان الإداري وإطلاق الشائعات المبنية على حقائق جزئية، والأكاذيب المدعمة
للشائعات،وتصويرهم على أنهم فاقدو الأهلية والرشاد، وأنهم خطر على الأمن
والاستقرار، أو أنهم مجرمون خطرون على المجتمع الدولي والشعوب.
·
كسب المؤيدين لأي
تدخل عنيف ضد الكيان الإداري، سواء من خلال الإعلام المكثف المصاغة والمعدة رسائله
بشكل ممتاز، أو من خلال شبكة المصالح والارتباطات، أو من خلال تسريب المعلومات
المغلوطة أو الحقيقية، أو هي جميعاً.
3/2/2-
مرحلة إنماء وتصعيد الأزمة:
ويطلق عليها البعض مرحلة التعبئة الفاعلة والمكثفة للضغط
الأزموي، وحشد كل القوى المعادية للكيان الإداري المستهدف نيله بالأزمات العنيفة،
حيث يتم اصطياد هذا الكيان ووضعه في فخ
الأزمة ومن خلال مجموعة متكاملة من التكتيكات يظهرها لنا الشكل
التالي:
شكل(2)
تكتيكات
تصعيد الأزمة
المصدر:
الخضيري، محسن أحمد، 2003م، مرجع سابق، ص (18).
وهي تكتيكات قد تستخدم في شكل بدائل، أو في شكل متكامل مع
بعضها البعض، وفقاً لحجم الكيان الإداري المستهدف نيله بالأزمات، واستنزافه، وحله
بشكل مخطط خبيث، وبشكل متصاعد متنام
ويتم التصعيد بموجب ثلاثة تكتيكات خطيرة
هي:
تكتيك التصعيد الرأسي:
وهي تقوم على الدفع المباشر لقوى صنع الأزمة وزيادة قدرتها
وقوتها، وتكثيف تواجدها في منطقة صنع الأزمنة، و بشكل سريع متعاظم لتأكيد التفوق
الكاسح لقوى صنع الأزمة ولعدم تمكين الطرف الآخر من التقاط الأنفاس، والرضوخ
للتهديد الصريح العلني للقوة الضاغطة لقوى صنع الأزمة، وزيادتها ونموها ذاتياً مع
الوقت.
تكتيك التصعيد الأفقي:
ويقوم على كسب مزيد من الأصدقاء والحلفاء والمؤيدين لقوى صنع
الأزمة، وانضمامهم لها في عملية زيادة الضغط الأزموي، واتساع وتوسيع نطاق المواجهة
لتشمل مجالات جديدة ومناطق جديدة، وأبعاداً جديدة متسعة، تجعل من عملية مواجهة
الأزمة عملية معقدة وصعبة تستنزف الكيان الإداري الذي تم صنع الأزمة لديه، وتقوض
دعائمه وتهدم أركانه وبنيانه.
تكتيك التصعيد الدائري المتراكم:
وهذا النوع من التكتيكات ذات الطبيعة الخاصة التي تستخدم في
صناعة الأزمات بشكل فعال لزيادة الضغط الأزموي، وإرباك الطرف الأخر إرباكاً
شديداً. حيث يتم التصعيد للأزمة باستخدام كافة الأدوات والوسائل، والتخفيف
مرحلياً، والتصعيد بشكل كامل كما يوضحه لنا الشكل التالي:
شكل(3)
طريقة
التصعيد الدائري المتراكم
المصدر:
الخضيري، محسن أحمد، 2003م، مرجع سابق، ص (19).
حيث يتم التصعيد بشكل متكامل ومتنام لفترة يعقبها مرحلة تجميد،
وبعد التجميد يتم التصعيد مرة أخرى، وهكذا.
وتستخدم هذه الطريقة
في الأزمات الدولية ذات الطبيعة الخاصة، التي من خلالها يتم إرهاق وإرباك الكيان
الإداري المستهدف نيله بالأزمة، وتخويخ هيكله، وضعضعة عناصره وإفقاده الثقة
بقيادته، وفوق كل هذا إحداث حالة من التفسخ واليأس والإحباط وبشكل يدفع أفراد هذا
الكيان إلى أعمال طائشة هوجاء، وتدفع بالقوى المعارضة الكامنة تحت السطح، أو تحت
الأرض في الخفاء إلى الظهور العلني، والتحرك بشكل سريع ومؤثر لاستثمار الخلل في
هذا الكيان، ومن ثم زيادة هذا الخلل وتوسيع نطاقه وإجبار الخصم على التقهقر
والتسليم بالمطالب التي تطالب بها، والاستجابة لها بشكل كامل.
وأياً ما كان فإن عملية تصعيد وإنماء الأزمة يجب أن تدرس
بعناية، وفي ضوء الحساب الختامي المتوقع لها، خاصة في إطار احتمالات قيام الخصم
بتصعيد مماثل ومتقابل في هذه العملية.
وفي هذه المرحلة يتم استخدام أدوات مادية ذات
تأثير مباشر على التصعيد الأزمة، من خلال:
·
قطع المساعدات وفرض
الحصار الاقتصادي على الكيان الإداري، سواء كان دولة أو مؤسسة أو شركة، أو حتى
أسرة، وإحداث إرباك مالي ونقدي وعيني، وإشعار كافة المستفيدين من هذه المساعدات
بأهمية التخلص من الأفراد الذين يعارضون سياستنا، أو من القيادة التي استنفذت
الغرض منها.
·
استخدام الوثائق
والمستندات الحقيقية، أو ذات التزوير المتقن لتأكيد صدق الشائعات السابق إطلاقها
في المرحلة الأولى، وتسريب بعض منها إلى أجهزة الإعلام الدولية الواسعة الانتشار.
·
افتعال الأحداث
وتنميتها وتصعيدها بشكل كبير لإيجاد المبرر للتدخل العنيف ضد الكيان الإداري، أو
ضد قيادة هذا الكيان.
3/2/3- مرحلة المواجهة العنيفة والحادة:
وهي تلك المرحلة التصادمية بين الكيان المنشئ للازمة، والكيان
المطلوب صنع الأزمة فيه أو له.
ويشترط لنجاح هذه المرحلة ما يلي:
·
اختيار التوقيت غير
المناسب للكيان الخصم المراد تحطيمه أو استنزافه بالأزمات. وعلى أن يمثل في ذات
اللحظة الوقت المناسب لنا لافتعال الأزمة.
·
اختيار المكان غير
المناسب للخصم، والذي فيه لا يستطيع السيطرة على الأحداث أو على تداعياتها، ويكون
لنا فيه القدرة على توجيه الأحداث والسيطرة عليها.
·
اختيار المجال غير
المناسب للخصم لإحداث الأزمة فيه، سواء كان هذا المجال اقتصادياً، أو سياسياً، أو
اجتماعيا، أو ثقافياً... الخ، والذي نملك فيه القدرة على تحريك قوى الفعل وإدارة
الأزمة.
ويشترط لنجاح التصادم حدوث حادث معين، يطلق عليه حادث ( × )
الذي يكون بداية الشرارة وانطلاق اللهيب، ويفضل أن يكون هذا الحادث طبيعياً عفوياً
أو تلقائياً، فإذا لم يتوافر هذا الحادث، كان علينا أن نوفره، وبشكل يبدو تلقائياً
عفوياً.
3/2/4- مرحلة السيطرة على الكيان الإداري للخصم:
وهي مرحلة الاستفادة من حالة انعدام الوزن لدى الخصم، وعدم
قدرته على الحكم على الأمور، وتعرضه للاستهواء، ومن ثم من خلال العناصر التي تم
زرعها لديه، والمحيطة به يمكن توجيهه بالشكل المطلوب، ومن ثم إفقاده القدرة على الرؤية
الذاتية، وفي الوقت نفسه تخليه عن أهدافه الأصلية التي كان يتجه إليها، واستبدال
هذه الأهداف بأهداف جديدة تتناسب معنا، بل وربطه بعلاقات تبعية يصعب عليه الفكاك
منها، أو الخروج عنها، ما لم يتحمل تكاليف باهظة لا يقدر على دفع ثمنها.
3/2/5-
مرحلة تهدئة الأوضاع:
وهي المرحلة التي يتم فيها تخفيض الضغط الأزموي، وإعادة
الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، واستخدام أساليب التعايش الطبيعي، والتخفيف من حدة
التوتر القائم على الضغط الأزموي، والاستجابة الهامشية لبعض مطالب الطرف الثاني،
والتي تكون بمثابة امتصاص لقوى الرفض والاستثارة الداخلية لديه، وفي الوقت نفسه
إعطاء الفرصة كاملة للقوى المؤيدة لنا للسيطرة عليه، وإحكام عملية توجيه، وفي
الوقت ذاته استخدام الحكمة الكاملة في امتصاص كل غضب جماهيري، والاستعانة بقادة
الرأي والفكر المعتدلين والموالين لنا، وفي إطار حملة إعلامية مخططة ومدروسة جيدا،
يتم إعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية، بعد أن تم تكييفها بالشكل المناسب لمصالحنا
ورغباتنا وأهدافنا البعيدة المدى.
3/2/6-
مرحلة سلب وابتزاز الطرف الآخر:
ويطلق عليها البعض مرحلة جني المكاسب والغنائم والمغانم، والتي
يتم فيها حلب الخصم كما تحلب البقرة الحلوب تماماً، وبالتالي يتم في هذه
المرحلة حصد نتائج الجهود المثمرة التي تمت في المراحل السابقة، ويتخذ جني المكاسب
عادة جانبين، هما:
·
جانب سلبي
في إجبار الطرف الآخر على الامتناع عن القيام بأي عمل من شأنه تهديد مصالحنا.
·
جانب إيجابي
في إقناع الطرف الآخر بالقيام بعمل معين من شأنه تقوية مصالحنا ومكاسبنا.
ومن هنا، فإن الإدارة بالأزمات هي
افتعال الأزمات الحادة وليس علاجها.
وتقوم عملية افتعال الأزمة على عدة قواعد
أساسية، هي:
·
خلق علاقة تبعية
وانقياد وسيطرة على الكيان المزمع افتعال الأزمة فيه، حتى يمكن جني المكاسب
المستهدفة من وراء افتعال الأزمة، وفي الوقت نفسه لضمان عدم اتساع رد الفعل إلى
مدى وأبعاد غير مطلوبة.
·
زرع مجموعة عناصر
موالية تتولى مواقع حساسة في أجهزة الكيان الإداري، يمكنها في الوقت المناسب إعاقة
حركة الكيان، وتوجيه قادته، وتقليل رد فعل وبشاعة افتعال الأزمة.
·
اختيار التوقيت
المناسب الذي يكون افتعال الأزمة مؤثراً فيه، وقدرة العناصر الموالية لنا على
توجيه متخذ القرار وإفقاد التأثير الأزموي للازمة مرتفعة، ومن ثم القدرة على
امتصاص التأثير الأزموي وابتلاعه.
·
إيجاد المسار البديل
في شكل مصلحة جانبية يحرص الكيان الإداري على الحصول عليها، وفي سبيلها يمكن أن
يتغاضى عن الأزمة التي تم افتعالها، أو يمكن للعناصر الموالية توجيه سلوكه بها.
·
افتعال الأزمة بشكل
سريع ومؤثر، وجني مكاسبها وتحقيق الهدف منها، ثم عقد لقاء امتصاص مع متخذ القرار
في الكيان الإداري الذي حدثت فيه الأزمة، وذلك بهدفين، هما:
o
هدف خفي،
وهو التحقق من النتائج التي أفرزتها الأزمة المفتعلة، ومن استقرار علاقة التبعية
مع الكيان الإداري، وعدم تأثرها بالأزمة.
o
هدف علني،
وهو امتصاص الانفعال، وتجديد الروابط، وتنقية العلاقات، وفتح صفحة جديدة، ونسيان
ما مضى.
وتستخدم في ذلك مجموعة إدعاءات ومبررات، من
بينها:
·
الشرعية.
·
الاضطرار.
·
الحتمية.
·
التنبيه للخطر.
·
الحفاظ على
الاستقرار.
·
الحفاظ على الأمن.
·
الحفاظ على السلام.
·
حماية النفس والدفاع
عنها وعن المصالح.
ومن الجدير بالذكر أنه على مستوى الوحدة الاقتصادية يستخدم بعض
متخذي القرار أساليب الإدارة بالأزمات بشكل متعمد، عندما يرغب في تحقيق أرباح
طائلة وغير عادية، فيقوم باستغلال ما تتمتع به الوحدة الاقتصادية من مركز احتكاري
بالسوق، ويقوم بتحجيم وتقليل المعروض من منتجاتها بالسوق، وتخزين جانب كبير من
إنتاجها لتعطيش السوق، وافتعال أزمة لرفع أسعار المنتجات بالسوق، وخلق طلب مغالي
فيه على السلعة التي تنتجها شركته، تدفعه للتخلص من المخزون الراكد والمعيب لديه.
كما قد يستخدمها متخذو القرار بشكل تلقائي، حيث إنه كثيراً ما يواجه متخذ القرار
في إدارته للشركة التي يعمل بها أزمات
مختلفة، ويجد نفسه محاطاً بوقائع وأحداث تبدو له خطيرة ومقلقة، ولا يستطيع تفسيرها
ومعرفة عواملها الباعثة لها، وتراكماتها الذاتية، واتجاهاتها ونتائجها، ومن ثم
يزداد أمامه سمك جدار عدم التأكد.
ومن ثم في غياب منهج
علمي ورؤية تحليلية متعمقة، يلجأ متخذ القرار إلى الارتجال واستخدام سياسة رد
الفعل إزاء الحدث، أو الفعل الذي خيل إليه أنه سبب فيما يواجه الشركة من أزمات،
فيؤدي إلى نشوء أزمات جديدة، قد تكون أشد خطراً وأعمق تأثيراً على الكيان الإداري
أو الشركة التي يشرف على إدارتها.
ونتيجة لسياسة الفعل ورد الفعل واستمرار التهميش
للقضايا والمواقف، وتغييب المستقبل، والاعتماد على أسلوب الإدارة يوماً بيوم، أن
استفحلت الأزمات، بل واستخدمت الأزمات كوسيلة لتغطية بعضها على بعض، ومن ثم اعتمد
أسلوب الإدارة بالأزمات كأسلوب للإدارة، لتخفي به المؤسسات مشاكلها وعجزها عن
تحقيق أهدافها الموضوعة والمتمثلة في:
·
الربحية.
·
التوسع والنمو.
·
الاستمرار.
ويستخدم رجال الأعمال أسلوب الإدارة
بالأزمات لفرض مصالحهم، وإملاء إرادتهم على الحكومات، وجعلها تستجيب لمطالبهم
بطريقة غير مباشرة، ومن أهم الأمثلة على ذلك، أن أحد رجال
الأعمال في الخليج تقدم إلى مركز للبحوث والإدارة بطلب دراسة جدوى لإنشاء حي سكني
متكامل بعيداً عن المدينة، وأشار عليه المركز أن يبدأ بإنشاء الطريق وتوصيل المياه
والكهرباء إلى الموقع، ولكن الرجل بعد أن استمع إلى هذا المشروع، عبث بلحيته وقال
" أنا موافق على كل شيء إلا الطريق والمياه والكهرباء"، مما دفع
الباحثين إلى السخرية، ومضى الرجل في البناء حتى انتهى منه، ثم مر على جميع الصحف
المحلية فشكا لها من أنه أقام حياً كاملاً للتغلب على أزمة الإسكان، ولكن الدولة
لا تريد الفراغ من استكمال المرافق العامة، فقامت الصحف بحملة هجومية على الحكومة
من أجل هذا التقصير، وامتد الطريق ووصلت المياه والكهرباء، دون أن يدفع الرجل
شيئاً.
المبحث
الرابع
نماذج
من إدارة الأزمات في الممارسة العملية
المقدمة:
وجدت إدارة الأزمات في الممارسة منذ عصور موغلة في القدم.
وكانت مظهراً من مظاهر التعامل الإنساني مع المواقف الطارئة أو الحرجة، التي
واجهها الإنسان منذ أن جوبه بتحدي الطبيعة وغيره من البشر، ولم تكن تعرف آنئذ –
بطبيعة الحال – باسم إدارة الأزمات وإنما تحت مسميات أخرى مثل الحنكة الدبلوماسية،
أو براعة القيادة، أو حسن الإدارة... الخ، وكانت هذه الممارسة هي المحك الحقيقي لقدرة
الإنسان على مواجهة الأزمات والتعامل مع المواقف الحرجة بما تفجره من طاقات
إبداعه، وتستفز قدراته على الابتكار.
هذه القدرات الخاصة
جعل منها تشارلس رووتر في كتابه " فن الدبلوماسية "الأصل في نشأة
الدبلوماسية بفرض مؤداه أن قبيلتين اقتتلتا زمناً طويلا، حتى أوشك الفناء أن
يبيدهما معا، وفي هذه اللحظة الحرجة من تطور الإنسانية ينشط الذكاء العاطل، وتتفتق
القريحة الخاملة عن حلول عبقرية تحت ضغط الحاجة إلي تحقيق المعادلة الصعبة، وهي
تجنب الفناء، وتجنب الهزيمة في آن واحد، فاختارت إحدى القبيلتين من بين أبنائها
أكثرهم حكمة، وأربطهم جاشاً وأوسعهم حيلة، وأوفدتهم إلى القبيلة الأخرى في أول
مهمة سلام عرفها الإنسان، كان هذا الوفد يرتدي ملابس مزركشة زاهية الألوان، وقد
تجرد أعضاؤه من الأسلحة التي اعتادوا حملها، وارتسمت علي وجوههم ابتسامات ودودة
مسالمة، فأحجم أفراد القبيلة الأخرى عن الانقضاض عليهم، وتهشيم رؤوسهم بهراواتهم
الحجرية، وأدركوا أن هؤلاء القادمين يختلفون عن غيرهم من المحاربين، ليس بالزى
والملامح فقط، وإنما بالنوايا أيضا، وهكذا نجحت أول مهمة سلام في التاريخ.
وما يعنينا في هذا المثال: أن الجماعات الإنسانية قد اهتدت في
وقت مبكر من تاريخها إلى أسلوب آخر، غير أن أسلوب الصراع البدائي يمكنها أن تستمر
في تطورها من خلاله، وانه إذا كان مبدأ البقاء للأقوى، قد ساد المراحل من نشأتها،
بحيث كان بعضها يتوقف علي فناء البعض الآخر منها، في نزاعها علي المراعي أو عيون
الماء، فقد اكتشفت في مرحلة لاحقة أن اقتسام كسرة الخبز مع الغير أفضل من الصراع
من اجل الاستئثار بها كلها، معرضة بذلك نفسها لخطر الفناء.
أمثلة الأزمات كثيرة جدا.... ولكن، ارتأى الباحث في هذا المبحث
أن يضع بين يدي القاريء ثلاثة نماذج من الأزمات، أولها الأزمة التي عايشها سيدنا
يوسف عليه السلام في مصر، والتي أرخها لنا القرآن الكريم، ثم الأزمة التي عايشها
الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة أثناء غزوة الأحزاب، وفي النهاية تحدث
الباحث باستفاضة عن أزمة الصواريخ الكوبية سنة 1962.
وللحق
فإن الباحث يعتقد أن أي إنسان يريد أن يفهم إدارة الأزمة وخاصة على المستوى
الدولي، يجب عليه أن يقرأ بتمعن كيف أديرت أزمة الصواريخ الكوبية، فهي من أفضل
النماذج على الإطلاق في هذا المجال.
الأزمة الاقتصادية في مصر في عصر يوسف عليه السلام
وقعت هذه الأزمة في مصر في عهد يوسف عليه السلام، لمدة سبع
سنوات سميت بالسنوات العجاف، لعدم نزل المطر وقلة منسوب مياه النيل التي تعتمد
عليه الزراعة في مصر لإشباع حاجات الإنسان الضرورية.
الإنذار:
بدأ التنبؤ بالأزمة من رؤيا رآها ملك مصر ولم بجد أعوان الملك
من يفسرها إلا يوسف الصديق عندما تذكر ساقي الملك يوسف في السجن (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي
سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ
خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَعْلَمُونَ).
ففسرها يوسف عليه السلام بسنوات رخاء وسنوات جدب، ووضع لهم
العلاج بأن يخزنوا المحصولات في سنوات الرخاء وهم السبع الأول ليمكنهم من توزيعه
في السنوات الجدب، ثم نبأهم بان السنة الخامسة عشر ستكون رخاءً وهذا لم يأت في
رؤيا الملك.
يقول الحق: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا
حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ
يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ
إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ
فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).
ومعنى ذلك انه ينبغي للمصريين أن يجدوا ويتقنوا العمل كدأبهم
أي كعادتهم، وهذه شهادة لأهل مصر أنهم جادون ملتزمون مقدسون للعمل منذ الأزل
ويضاعفون العمل الجاد المستمر حتى يكون المحصول كبيراً يكفى للاستهلاك الآدمي
والتخزين، ثم يدعون القمح في السنابل حتى لا يأكله السوس أو يتعفن فلا يصلح
للاستهلاك بعد ذلك، وذلك أن حنطة مصر ونواحيها لا تبقى أكثر من عامين إلا بحيلة
إبقائها في السنابل فإذا بقيت فيها حفظت ويكون قصبها علفاً للدواب، فلما فسر لهم
يوسف عليه السلام الرؤيا طلبه الملك وولاه على خزائن الأرض ليعالج الأزمة بما لديه
من علم في إدارة الأزمات واحتوائها ومعالجتها والخروج منها دون حدوث مجاعة أو
خسائر بشرية أو مادية.
الاستعداد:
·
التحديد الكمي: كان
الملك يأخذ عشر ناتج ما يفضل من النفقات والمؤن لنوائب الدهر وهو أول من وضع
مقياساً للنيل بمنف.
·
بناء المخازن: أمر
يوسف ببناء المخازن الكبيرة حتى يمكن حفظ كمية كبيرة من سنابل القمح والشعير فيها.
تقول التوراة: وخزن يوسف قمحاً كرمل البحر كثيراً جداً.
الاحتواء:
لما أجدبت الأرض في السنوات العجاف ذهب المصريون إلي المخازن
ليشتروا القمح الذي خزن بقيادة يوسف عليه السلام في السنوات الخضر، كل فرد له نصيب
محدد، حتى يكفي أهل مصر ومن جاورها من البلاد،
تقول التوراة:
وابتدأت سني الجوع في جميع البلدان، أما جميع أرض مصر فكان فيها خبز .، وفتح يوسف
جميع ما فيه من طعام وباع للمصريين.
يقول القرضاوى:
ما قدمتم لهن ما يدل على أن ما استهلك إنما يتم بحساب وتقدير، فهم الذين يقدمون
وهذا دليل القصر، وفيه دليل على مشروعية تدخل الدولة لتقييد الاستهلاك في أيام
الشدائد حفاظاً على الموارد القليلة.
ويدل شراء إخوة يوسف للقمح على انتفاع جيران مصر بالمخزون:
(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ
وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي
بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا
خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).
وكان يوسف يقدر كيلاً لكل فرد: (يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي
هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا
وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)
، أي أن كل فرد كان له قدر معين، ويستلزم ذلك إحصاء الأفراد وتدوين أسمائهم في
الديوان، وحضارة مصر تستوعب كل ذلك فهم أول من دون المعلومات عن المعارك وأعمال
الملوك والرعية والرحلات التجارية على الأحجار رسماً أو كتابة، كما ضبطوا الموازين
والمكاييل " أني أوفي الكيل". والنقد.
استعادة النشاط:
وفي السنة الخامسة عشر نزل المطر كم تنبأ يوسف عليه السلام: (فِيهِ
يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)
،وعاد المصريون إلى الزراعة ثم جني المحاصيل والقيام ببعض الصناعات كعصر الزيوت
والعنب والزهور بعد أن كانت الصناعات قد توقفت أثناء الأزمة في السنوات العجاف،
وقد استمروا كما كانوا في بناء الحضارة.
التعلم:
·
أدركوا أهمية
التوحيد.
·
آمنوا بالرسل.
·
تكونت لديهم خبرة في
معالجة الأزمات.
·
تعلموا أن للدورة
الزراعية وجهان: رواج وجدب.
·
حددوا الأهداف قبل
القيام بالأعمال.
·
خططوا للأعمال قبل
تنفيذها.
·
لاحظوا ودرسوا
الظواهر ودونها.
·
وضعوا مقياساً للنيل
ولاحظوا وعرفوا من قياسه سنوات الفيضان من عدمه للاستعداد لها.
·
أدركوا أن قيادة
الأزمة تحتاج إلى قائد له صفات محددة كالعلم والحفظ والأمانة والصدق.
·
تعاونوا وتكافلوا في
الأزمة.
وللحق فإن الفوائد التي نستنبطها من هذه الأزمة كثيرة جداً قد
لا يتسع المجال هنا لحصرها لذلك نكتفي بما سبق.
غزوة
الخندق
الإنذار:
تحالفت قريش مع غطفان وبني سليم وبني أسد وفزارة وأشجع وبني مرة،
فكانوا عشرة آلاف، وقائدهم جميعاً أبو سفيان بن حرب، وكان على كل قبيلة قائدها.
تحالفت معهم بنو قريظة، وهم من قبائل اليهود التي تسكن
المدينة، رغم المعاهدة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي أقروا فيها
ألا يخونوا ويتآمروا مع قريش ضده، وان يدافعوا عن المدينة مع المسلمين، ولكنهم
نقضوا العهد كعهدهم.
الاستعداد:
كان أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بديلين:
إما قتالهم وجهاً لوجه.
وإما مصالحتهم ولو على حساب ثلث ثمار المدينة.
استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين، فرفض الأنصار
المصالحة وأبوا إلا السيف، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف والعدو عشرة آلاف غير بني
قريظة، والمسلمون ثلثهم أو يقلون.
وبدأ المسلمون في الاستعداد للحرب.
الاحتواء:
شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسلوب الحرب.
أشار سليمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة لمنع العدو من
اختراقها والاستيلاء عليها، كما يفعل الفرس في حماية مدنهم.
أدخلت النساء الحصون المنيعة، وكانوا مدربين على مداواة الجرحى
لقيامهم بها من قبل.
قسم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى عدة فرق، كل فريق
منهم يتكون من عدة أفراد.
حدد لكل فريق مهمته، وهي حفر أربعين ذراعاً كل حسب قدرته.
كل ما يخرج من الحفر يطرح تجاه المدينة حتى لا يستخدمه العدو
لردم الخندق.
بث رسول الله صلى الله عليه وسلم العيون على الأعداء حتى يأتوه
بالمعلومات ويغموا عنه العدو كحذيفة بين اليمان.
وعدهم بالنصر وان الله سبحانه وتعالى قد أراه قصور الشام
واليمن ومصر وفارس، ومعنى ذلك أن النصر سيكون حليفه ومن معه دائماً وليس فقط في
تلك المعركة.
تخذيل العدو وتفرقتهم، وكانت تلك مهمة نعيم بن مسعود للتفريق
بين القبائل وبين اليهود، وكان قد أسلم ولم يعلم المشركون أو اليهود بإسلامه.
عسكر المسلمون وجبل (سلع) خلفهم لحماية ظهورهم، والخندق من
إمامهم، فلم يستطيع الأعداء الالتفاف حولهم كما فعلوا في غزوة أحد، ولم يستطيعوا
مهاجمتهم أو اختراق الخندق بأنفسهم أو على خيولهم.
حدثت بعض المعارك الفردية مع بعض الفرسان، وكان النصر لفرسان
المسلمين كعلي بن أبي طالب.
أنزل الله عليهم الريح فقلعت خيامهم وألقت قدورهم وأطفأت
نيرانهم وهلك الكراع
(
الخيل ) والخف ( الإبل )، فقرر أبو سفيان الرحيل فارتحلوا معه.
ردهم الله بغيظهم لم ينالوا شيئاً، أي لم يحققوا هدفهم وكفى
الله المؤمنين القتال.
قرر الرسول صلى الله عليه وسلم معاقبة بني قريظة لنقضهم العهد.
قرر الرسول صلى الله عليه وسلم انتقال المسلمين من مرحلة
الدفاع إلى مرحلة الهجوم.
استعادة النشاط:
رجع المسلمون إلى المدينة وعادوا إلى نشاطهم من الزرع والرعي
والإعداد للمعارك القادمة التي سينتقلون فيها إلى الهجوم وليس الدفاع فقد علموا أن
المدينة أصبحت في أمان.
التعلم:
·
تعلم المسلمون
أسلوباً جديداً في القتال.
·
صبروا وصابروا حتى
تحقق الهدف.
·
على المسلم إعداد ما
يمكنه والنصر من عند الله.
·
ابتكروا بعد ذلك في
الحروب حتى يفاجئوا العدو فيربكوه فينتصروا عليه.
·
أعدوا الفرق ووزعوا
عليها المهمات المتكاملة.
·
العمل الجماعي يحقق
الأهداف بفعالية.
·
حددوا الأهداف لكل
عمل.
·
وضعوا الخطط
والسيناريوهات.
·
تشاوروا في كل أمورهم
ليعصم رأي الجماعة خطأ الفرد.
·
كانوا دائمي الرجوع
إلى قائد الأزمة إذا استعصي عليهم شيء.
·
أدركوا ضرورة تواجد
قائد الأزمة دائماً معهم لتكون الاتصالات مباشرة لإصدار القرار المناسب لكل موقف.
·
استخدموا الموارد
المادية المتاحة الاستخدام الأمثل.
·
وجهوا الموارد
البشرية التوجيه الصحيح.
·
حافظوا على الموارد
البشرية بحمايتها من الهلاك أمام عدو أكثر عتاداً وعدداً.
·
تعلموا أهمية توصيل
المعلومات الصحيحة لاتخاذ القرار السليم.
أزمة
الصواريخ الكوبية أكتوبر 1962م
خلفيات الأزمة وأبعادها:
أسفرت الحرب الأمريكية- الأسبانية، التي انتهت بانتصار
الولايات المتحدة في عام 1898، عن استقلال كوبا، والتي كانت عند استقلالها من أكثر
دول أمريكا اللاتينية ثراءً. وقد أعقب هذا الاستقلال، وكنتيجة للدور الأمريكي في
تحقيقه، أو عرفاناً للولايات المتحدة بهذا الفضل، أن توثقت العلاقات الاقتصادية
بين البلدين إلى حدٍ كبير، بحيث بلغت جملة الاستثمارات الأمريكية في كوبا عام 1924
نحو 1.2 بليون دولار أمريكي، كما كانت كوبا تحصل من الولايات المتحدة على 66% من
وارداتها وتبعث إليها ب 83% من صادراتها، وبعد ذلك بعشر سنوات، أي في عام 1934
حظرت اتفاقية التبادل التجاري المبرمة بين الدولتين على كوبا فرض ضرائب أو تحديد
حصص على قائمة طويلة من الواردات الأمريكية إليها، وضمنت الولايات المتحدة الحصول
على السكر الكوبي بسعرٍ بخس، وهو ما وصفه إيرل بابيت، مدير شركة تكرير السكر
الكوبية، بأنه " خطوة ناجحة على طريق صياغة سياسة استعمارية".
إلا أنه بعد عام 1945 أخذت الولايات المتحدة تخفف من قبضة
سيطرتها الاقتصادية على كوبا، ومع ذلك ظل السفير الأمريكي في هافانا أقوى شخصية
سياسية في البلاد، إلى درجة تحدي نفوذ الرئيس الكوبي ذاته وفي يناير 1959 نجح
الثائر فيديل كاسترو في الإطاحة بحكم الطاغية باتيستا و استولى على زمام الأمور في
كوبا. وبرحيل باتيستا – المشمول برعاية الولايات المتحدة – كان على كاسترو أن يبحث
عن حليف آخر يضارع في قوته الحليف الأكبر لعدوه، ومن نافلة القول أن كان هذا
الحليف هو الإتحاد السوفيتي، وكنتيجة متوقعة لمثل هذا التحالف الجديد، وتوثيقاً
لعراه، اعتنق نظام كاسترو الماركسية في منتصف عام 1959.
وأحدث تحول كوبا – تلك الجزيرة الصغيرة التي لا تبعد أكثر من
أربعين ميلاً عن الأراضي الأمريكية – إلى الشيوعية إخلالاً كبيراً بتوازن القوى
العالمي لغير صالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم.
مقدمات الأزمة:
يلمح بعض الكتاب الأمريكيين إلى أن أزمة الصواريخ الكوبية ترجع
بجذورها إلى تلك الزيارة، التي قام بها ميكوبان نائب رئيس الوزراء السوفيتي، إلى
كوبا في عام 1959 على رأس وفد تجاري كبير. إذ على الرغم من أن الشكوك قد ثارت حول
حقيقة الهدف المعلن لهذه الزيارة، وهو توثيق العلاقات التجارية بين البلدين، إلا
أن أذهان هؤلاء الكتاب لم تنصرف إطلاقاً إلى احتمال سعي الإتحاد السوفيتي إلى
إقامة قواعد صواريخ متطورة للغاية في الفناء الخلفي للولايات المتحدة ذاتها،
واللجوء إلى الأسلوب الصارخ في الاستفزاز، لقد كانت المغامرة أخطر من أن تصدق!!.
ولكن إذا كان ما فعله الإتحاد السوفيتي مثيراً للدهشة، فإن
الأغرب من ذلك أن تغفل الولايات المتحدة، التي تنفق ملايين الدولارات سنوياً على
أجهزة مخابراتها، عما يدور بالقرب من حدودها. وأنه في الوقت الذي كانت تقوم فيه
طائرات الاستطلاع الأمريكية بمسح كل شبر من الأراضي السوفيتية، تعجز عن رصد الخطر
المتنامي والمحدق بها على بعد أربعين ميلاً فقط من شواطئها.
وظل الأمر كذلك حتى كثر الحديث في أواخر شهر أغسطس عام 1962،
وبخاصة داخل الكونجرس الأمريكي، عن ازدياد النشاط السوفيتي في كوبا، مما حدا
بخروشوف إلى أن يبعث برسالة سرية إلى الرئيس الأمريكي كنيدي عن طريق أناتولي
دوبرينين، سفير الإتحاد السوفيتي في واشنطن، حيث قام الأخير بتسليمها يوم 4 سبتمبر
عام 1962 إلى روبرت كنيدي المدعي العام الأمريكي. وتتضمن الرسالة تعهداً من
الإتحاد السوفيتي بألا يحاول إثارة المتاعب للحكومة الأمريكية أثناء انتخابات
نوفمبر 1962. وفي نفس اليوم رد الرئيس كنيدي برسالة تحمل إنذاراً حازماً للإتحاد
السوفيتي، هدد فيه بأن على الإتحاد السوفيتي أن يتحمل العواقب الوخيمة التي سوف
تترتب على إقدامه على إدخال أسلحة لكوبا.
وفي يوم 6 سبتمبر حمل دوبرينين رسالة سرية أخرى من خرشوف إلى
الرئيس كنيدي – سلمها لمستشاره سورنسن – تتضمن أن بلاده لن تقدم على اتخاذ أية
إجراءات قد تؤدي إلى زيادة حدة التوتر في العلاقات بين البلدين كما أنها لا ترغب
في التدخل في الشئون الداخلية للولايات المتحدة. إلا أن سورنسن رد على دوبرينين
موضحاً أن لدى الولايات المتحدة معلومات مؤكدة على تدفق أسلحة ومعدات وقوات
سوفيتية على كوبا، وهو الأمر الذي زاد بالفعل من حدة التوتر في العلاقات بين
البلدين، وأثار قلقاً بالغاً للرأي العام الأمريكي.
وفي نفس الوقت قام بولشاكوف الوسيط السري بين خروشوف وكنيدي
بنقل رسالة إلى الأخير من خروشوف وميكوبان تحمل تأكيدا قاطعاً بأنه ليس في نية
الإتحاد السوفيتي حشد أية صواريخ هجومية في كوبا.
وفي يوم 11 سبتمبر أذاعت وكالة " تاس " السوفيتية
بياناً جاء فيه :" إن الإتحاد السوفيتي ليس بحاجة إلى نقل أسلحته لدولة ثالثة
مثل كوبا، حتى يتمكن من الرد على أي عدوان، أو توجيه ضربة نووية انتقامية. إن لدى
الإتحاد السوفيتي ما يفي بحاجته من الرؤوس النووية ذات القدرة التدميرية الهائلة،
ومن الصواريخ القادرة على حمل هذه الرؤوس إلى أية بقعة من بقاع العالم، مما يغنيه
عن الحاجة إلى نقل أسلحته لدول أخرى.
وفي يوم 13 سبتمبر ألقى الرئيس كنيدي خطاباً أشار فيه إلى
تزايد الوجود العسكري السوفيتي في كوبا، وحذر من أنه لو تحولت هذه الدولة إلى
قاعدة هجومية سوفيتية، فإن عليها أن تدرك منذ ذلك الحين بأن أمنها وأمن حلفائها قد
أصبح في خطر.
وفي يوم 19 سبتمبر أجمعت أجهزة المخابرات الأمريكية المختلفة،
فيما عرف باسم تقديرات سبتمبر المخجلة " Notorious
September Estimates"
على أن احتمال قيام الإتحاد السوفيتي بنصب صواريخ في كوبا هو احتمال بعيد للغاية،
وقد استحقت هذه التقديرات وصفها المشين، لأنه بعد أقل من شهر من تاريخها اكتشفت
طائرات الاستطلاع الأمريكية وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا.
تطورات الأزمة:
فور اكتشاف الصواريخ السوفيتية في كوبا أصدر الرئيس جون كنيدي
قراراً بتشكيل ما عرفت باسم " اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي" من
15 عضواً لإدارة الأزمة. وطلب الرئيس من أعضاء هذه اللجنة أن ينفضوا أيديهم من
كافة مسئولياتهم الأخرى، وأن يتفرغوا تماماً لإجراء دراسات مستفيضة لكافة جوانب
الأزمة، وانسب الأساليب لمواجهتها في اقصر وقت ممكن.
ويصور روبرت كنيدي المناخ العام الذي باشرت اللجنة أعمالها في
ظله بقوله: " إن أبرز ما يميز هذه الاجتماعات هو ظاهرة المساواة التامة في
تعامل أعضاء هذه اللجنة فيما بينهم، حيث طرحنا جانباً الشكليات، ولم نعر اهتماماً
للأسبقيات الوظيفية".
وتلخص برنامج عمل
اللجنة في محاولة الوقوف على النوايا الكامنة وراء هجر الإتحاد السوفيتي لحرصه
التقليدي على عدم المجازفة، والمغامرة بنصب صواريخه في كوبا، وأيضا السعي للوصول
إلى أكثر البدائل ملائمة لإحباط المغامرة السوفيتية دون المجازفة بالدخول في
مواجهة مأساوية مع الإتحاد السوفيتي.
وعلى ضوء المعلومات المتوافرة جرت هاتان
العمليتان:
أولاً: محاولة الوقوف على النوايا
السوفيتية:
وكانت النتائج التي خلصت إليها اللجنة
متعددة على ضوء اختلاف القراءات للوقائع على النحو التالي:
1- جاء في مقال تحليلي للكاتب السياسي
الشهير والتر ليبمان في عموده الأسبوعي في الواشنطن بوست:
"إن نصب الصواريخ السوفيتية في كوبا، من شأنه أن يمكن الإتحاد السوفيتي من
الوصول إلى إتفاق مع الولايات المتحدة حول قيام الأخيرة بإزالة صواريخها من تركيا
في مقابل أن يسحب – الإتحاد السوفيتي – صواريخه من كوبا".
ونشرت النيويورك تايمز مقالاً بتاريخ 12 سبتمبر تضمن"...
إن العالم كله يعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد طوقت الإتحاد السوفيتي وغيره
من الدول الاشتراكية بسلسلة من القواعد العسكرية، فماذا تراها قد وضعت في هذه
القواعد... جرارات!... بالطبع لا، وإنما أسلحة مدمرة على طول الحدود السوفيتية
سواء في تركيا أو اليونان أو إيران أو باكستان، أو غيرها من أراضي الدول الأعضاء
في منظمة حلف شمال الأطلنطي. "NATO"،
والحلف المركزي "CENTO"، وحلف جنوب شرق أسيا "SEATO".
وهي تزعم أنها تفعل ذلك في ممارسة منها لحق الدفاع عن نفسها وعن
حلفائها. فإذا ما أقدمت دولة أخرى على اتخاذ إجراء مماثل، ومن أجل تحقيق أهداف
مماثلة ملأت الدنيا ولولة وضجيجاً!! فيا له من نفاق!!"
وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض وفود الدول غير المنحازة في الأمم
المتحدة قد اتفقت في الرأي على أن هدف الإتحاد السوفيتي من نصب صواريخه في كوبا هو
المقايضة على سحبها مقابل سحب الصواريخ الأمريكية من طراز "جوبيتر" من
قاعدة حلف الأطلنطي في تركيا.
كما جاء في حديث خروشوف عند استقباله للسفير الأمريكي الجديد
في موسكو فوي كولر – وبعد اكتشاف أمر الصواريخ السوفيتية – بعض التلميحات إلى
الصواريخ الأمريكية في تركيا.
وفضلاً عن ذلك، فقد كان الوفد السوفيتي في نيويورك يحبذ بشدة
في أحاديثه مع الوفد البريطاني "وراء الكواليس" في الأمم المتحدة فكرة
" الإزالة المتزامنة" للصواريخ السوفيتية من كوبا، والصواريخ الأمريكية
من تركيا.
زد على ذلك ما تسرب من معلومات عن قيام رئيس المخابرات
السوفيتية بتأييد فكرة "الإزالة المتزامنة" للصواريخ السوفيتية
والأمريكي، من كوبا وتركيا، وذلك في أحد أحاديثه الخاصة، معرباً عن اعتقاده بأن
هذه الفكرة تمثل تسوية عادلة للمشكلة.
واستنتاجاُ من كل ما تقدم، قدر بعض أعضاء اللجنة أن الهدف
السوفيتي هو " تعزيز موقف السوفيت التفاوضي لإزالة الصواريخ الأمريكية من
تركيا".
ولكن فريقاً آخر داخل اللجنة اعترض على هذا الرأي على أساس:
عدم توازن المخاطرة الكبيرة التي أقدم عليها السوفيت، مقابل
الهدف المتواضع الذي سعوا إلى تحقيقه. إذا لا جدال في أن إقدام السوفيت على إدخال
أعداد كبيرة من صواريخهم متوسطة المدى، على الرغم من التحذيرات الأمريكية الصريحة
والقاطعة، لا تتناسب مطلقاً مع هدف متواضع مثل إزالة سرب من صواريخ جوبيتر ( 15
صاروخاً ) من قاعدة حلف شمال الأطلنطي في تركيا.
أنه لم يكن السوفيت مجبرين على اتخاذ هذا الإجراء، إذا كان هدفهم الحقيقي هو إزالة الصواريخ
الأمريكية من تركيا، وذلك لان الولايات المتحدة أعلنت صراحة ومرات عديدة، عزمها
على إزالة هذه الصواريخ وبدون مقابل.
أنه لا وجه للمقارنة بين أهمية الصواريخ الأمريكية في تركيا،
والصواريخ السوفيتية في كوبا، وذلك لأن القاعدة الأمريكية في تركيا لا تمثل سوى 3%
من إجمالي القدرة النووية اللازمة لتوجيه الضربة الأولى. ومن ناحية ثانية، فإنه
ليس من الممكن استخدامها لتوجيه هذه الضربة بسبب وقوعها تحت تهديد الخطر المباشر
بالقرب من الحدود السوفيتية، وعلى النقيض من ذلك يمكن للقواعد السوفيتية في كوبا
أن تزيد من قدرة الضربة النووية الأولى للاتحاد السوفيتي بمقدار الضعف.
أن نطاق وأسلوب نشر الصواريخ السوفيتية في كوبا لا يتناسبان
إطلاقاً مع افتراض أن الإتحاد السوفيتي كان يسعى لإجراء مقايضة بين صواريخه في
كوبا والصواريخ الأمريكية في تركيا، حيث أن هذه الأخيرة لم تتجاوز 15 صاروخاً،
بينما بلغ عدد الصواريخ السوفيتية من طراز ( IBM ) 42 صاروخاً، ومن طراز (IRBM) ما يتراوح بين 24 و 36 صاروخاً.
إذا كان هدف الإتحاد السوفيتي بالفعل هو إجراء مقايضة، فما
الذي يدعوه إلى إقامة منصات باهظة التكاليف لصواريخه من طراز ( IRBM )، وهي المنصات التي لن يمكنه في حالة سحبه لصواريخه أن يحملها
معه، أو أن يأخذ تعويضاً عنها؟.
وقد أدت الانتقادات التي وجهت للفرض السابق إلى تعديله على
النحو التالي:
" إن الإتحاد السوفيتي قد فكر في مقايضة صواريخه في كوبا،
بالصواريخ الأمريكية في تركيا عندما أثبتت تطورات الأزمة التي أثارها أنها تتجه
لغير صالحه". وفي مثل هذا الموقف السيئ فقد قدر أن خروجه بشيء بعد كل ما
بذله، حتى لو كان هذا الشيء مجرد سرب من الصواريخ الأمريكية في تركيا، أفضل بكثير
من خروجه صفر اليدين. أما الهدف الرئيسي الذي كان يخطط له قبل حدوث هذه التداعيات
غير المواتية، فقد كان مقايضة الصواريخ الكوبية بالقواعد الصاروخية الأخرى المحيطة
بالإتحاد السوفيتي في إيطاليا وإيران وبرلين.
ومع أن هذا التفسير يبرر جسامة المخاطرة التي أقدم عليها
الإتحاد السوفيتي بنشر صواريخه في كوبا إلا أنه يؤخذ عليه عدم توضيحه لسبب إقامة
منصات الصواريخ (IRBM)
الباهظة التكاليف.وكذلك فإنه ليس من المقبول الافتراض بأن الإتحاد السوفيتي كان
يسعى لمقايضة صواريخه في كوبا بالصواريخ الأمريكية في برلين بعد أن أيقن من صرامة
الموقف الأمريكي في برلين، مما يحمله على عدم التفكير في المجازفة "بالإدارة
بالأزمات" في برلين قد تضطر الولايات المتحدة إلى الدخول في اختبار للقوة
معه. ولذلك أستبعد هذا الاستنتاج.
2- ثم قام فريق من أعضاء اللجنة بتقديم قراءتهم للوقائع
التالية:
أن الإتحاد السوفيتي أقدم على نشر صواريخه في كوبا على الرغم
من وضوح وصرامة التحذيرات الأمريكية. وليس هناك من تفسير آخر لذلك غير أنه أراد أن
ينفذ الرئيس الأمريكي تهديداته بالفعل. ويؤكد هذا التفسير أن الإتحاد السوفيتي لم
يحرص على إخفاء صواريخه، أي أنه يرغب في أن يكتشفها الأمريكيون. ومنطق هذا التفسير
هو أن تنفيذ الولايات المتحدة لتهديداتها سوف يثير عليها ثائرة العالم بأسره، بما
في ذلك حلفائها في حلف شمال الأطلنطي، ودول أمريكا اللاتينية كلها، بل والرأي
العام الأمريكي ذاته. كما أنه سوف يؤكد للرأي العام داخل الإتحاد السوفيتي،
وللصينيين أيضاً، مدى عدوانية السلوك الأمريكي. وعندما تواجه الولايات المتحدة كل
هذه التعقيدات، وفي الوقت الذي تغرق فيه في سويس أخرى في كوبا " تشبيهاً
بالتورط البريطاني في حرب السويس عام 1956" يتقدم الإتحاد السوفيتي نحو
بودابست أخرى في برلين " تشبيهاً بنجاح السوفيت في ثورة المجر عام 1956 أيضاً".
ومن ثم افتراض أصحاب هذا التحليل أن هدف السوفيت هو:" توريط الولايات المتحدة
في كوبا للتقدم نحو برلين".
غير أن هذا الاستنتاج لم يسلم بدوره من النقد على أساس:
أن ضرب مواقع الصواريخ السوفيتية في كوبا لا بد وأن يؤدي إلى
إصابة عدد كبير من الخبراء السوفيت، والذين وصل عددهم في كوبا إلى نحو عشرة آلاف
خبير سوفيتي، وهو الأمر الذي يدرك السوفيت تماماً انه يشكل رادعاً للأمريكيين عن
الإقدام على هذه الخطوة.
أن التضحية بأرواح آلاف من الجنود الأمريكيين في برلين في
مقابل الآلاف من الجنود السوفيت في كوبا دونما هدف واضح، يعد فكرةً مجنونةً بكل
المقاييس.
أنه لا محل للقياس بين برلين والمجر، إذ في الوقت الذي تقع فيه
المجر في نطاق النفوذ الحيوي للإتحاد السوفيتي. مما يشكل قيداً على أي تحرك أمريكي
مضاد للتدخل السوفيتي فيها عام 1956، فإن برلين ليست كذلك، وإنما تمثل الخط الأحمر
الذي يؤدي تجاوزه من قبل الدولتين العظميين إلى حدوث مواجهة بينهما.
ومن ثم تمت تنحية هذا
الاستنتاج جانباً.
3- وعرض فريق ثالث من أعضاء اللجنة
للحقائق التالية:
أنه على الرغم من فشل عملية خليج الخنازير فقد كان لدى الإتحاد
السوفيتي ما يحمله على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قد تحاول إعادة الكرة – كما
أنه وبغض النظر عن فشل هذه العملية – إلا أنها أثبتت قدرة الولايات المتحدة على
تفجير الموقف في كوبا متى أرادت ذلك.
كما أن الإتحاد السوفيتي لابد وأن يكون على علمٍ مستمر
بالتصريحات الملتهبة التي أدلت بها بعض الشخصيات الهامة في البيت الأبيض والكونجرس
ضد نظام كاسترو، ومطالبتها للإدارة الأمريكية بوضع نهاية لنظام حكمه. ويضاف إلى
ذلك ما تم رصده من مبالغات في تقارير السفارة السوفيتية في هافانا حول نشاط وكالة
المخابرات المركزية الأمريكية في كوبا.
وبالإضافة إلى هذا كله، ما نشر من معلومات حول اعتزام الولايات
المتحدة الأمريكية القيام بمناورات بحرية في البحر الكاريبي تحت اسم ORTSAC حشدت لها 7500 رجل من مشاة البحرية وأربع حاملات طائرات، و20
مدمرة، و15 ناقلة جنود. وكان الهدف المعلن لهذه المناورة هو القيام باجتياح جزيرة
وهمية في الكاريبي لتخليصها من حكم دكتاتور اسمه ORTSAC. يلاحظ أن قراءة هذا الاسم من اليمين إلى اليسار يجعله "
كاسترو".
" وإزاء هذه المؤشرات، فإنه من المرجح أن يكون السوفيت قد
أقدموا على خطوتهم الجريئة هذه دفاعاً عن كوبا".
ويستمد هذا الفرض منطقه القوى من حقيقة أن مسألة الدفاع عن
كوبا لم تكن قضية ثانوية بالنسبة للاتحاد السوفيتي، وذلك باعتبارها المركز الأمامي
الوحيد للشيوعية في نصف العالم الغربي، ولذلك فإنه مع بداية صيف عام 1962 تدفقت
المعونات العسكرية السوفيتية على كوبا بكميات كبيرة، سواءً من الطائرات المقاتلة
أو من الزوارق الحربية، ونحو مائة ألف طن من الأسلحة والمعدات البرية مما جعل
الجيش الكوبي أقوى جيوش أمريكا اللاتينية قاطبة.
ولقد تصدت مجموعة من داخل اللجنة لنقد هذا الاستنتاج أيضاً،
وكان أهم ما وجهته له انتقادات:
لو كان هدف الاتحاد السوفيتي هو الدفاع عن كوبا، لما كان بحاجة
إلى إرسال صواريخه إلى هناك، وإنما كان يكفي وجود القوات السوفيتية التي بلغ عددها
في ذروة احتدام الأزمة 22 ألف فرد للقيام بهذه المهمة.
ولو كان السوفييت قد قصروا هدفهم على الدفاع عن كوبا فقط
وبالأسلحة النووية لما كانوا بحاجة إلى نصب صواريخ متوسطة المدى فيها، بل كانت
الأسلحة النووية التكتيكية تكفي لتحقيق هذا الغرض، وذلك اقتصاداً للنفقات،
واختصاراً للوقت اللازم لنشرها، ولسهولة إخفائها أيضا، والأهم من هذا كله لاتفاقها
مع مفهوم الحرب المحدودة.
كما أن هذا الاستنتاج لا يقدم تفسيرا لإقامة منصات للصواريخ من
طراز (IRBM) ذات التكلفة العالية، والتي يسهل اكتشافها.
ثم إن الدفاع عن كوبا لا يتناسب وحجم المخاطرة الكبيرة التي
أقدم عليها السوفيت بإرسال صواريخهم إلى كوبا.
ولم يحظ هذا الاستنتاج بتأييد كاف داخل اللجنة.
4- وقام بعض أعضاء اللجنة بالنظر إلى
الموضوع على ضوء الحقائق التالية:
ما ذكره خروشوف لصديقه الشاعر روبرت فروست قبل حدوث هذه الأزمة
بعدة شهور، من أن " الشعب الأمريكي متحرر إلى الدرجة التي لا تمكنه من
الحرب". ومن هذا المنطلق فإنه من الجائز أن خروشوف كان قادراً على أن يفرض
على الأمريكيين أمراً واقعاً إذا ما فوجئوا بأنه قد أكمل نشر صواريخه متوسطة المدى
في كوبا. وأنه إذا ما احتجت الولايات المتحدة على ذلك بالطرق الدبلوماسية، فإن مثل
هذا الاحتجاج سوف يحقق للاتحاد السوفيتي أكثر من هدف. ذلك أنه سوف يثبت إفلاس
"مبدأ مونرو"، ويقوض ثقة حلفاء الولايات المتحدة فيها، من منطلق أنه إذا
كانت غير قادرة على حماية أمنها ذاته، فكيف تستطيع أن تحمي حلفاؤها. وأخيراً فإن
وضع الولايات المتحدة في هذا المأزق سوف يدفع بالصين الشعبية إلى مراجعة موقفها من
الإتحاد السوفيتي، والتسليم له بزعامة المعسكر الشيوعي.
ومن ثم انتهى هذا الفريق من قراءتهم السابقة إلى أن هدف
الإتحاد السوفيتي هو "المناورة في إطار الحرب الباردة"، وكان من بين
الذين تبنوا هذا الرأي السفير تشارلز بولين الذي استشهد بمأثورة لينين القائلة:
"إذا صادفت سكينك صلبا فلتتراجع، أما إذا أصابت عصيدة فلتتقدم".
وقد
انحاز إلى هذا الرأي الرئيس كنيدي.
5- وكانت هناك قراءة
سابقة على الاستنتاج السابق، انتهت إلى أن هدف الإتحاد السوفيتي هو "
تحييد التفوق الأمريكي في مجال الصواريخ" وقد استند هذا الاستنتاج إلى: حقيقة
وجود فجوة واسعة آنذاك في مجال الصواريخ بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي.
وهي الفجوة التي لم يكن بوسع الإتحاد السوفيتي عبورها إلا بأعباء مادية تثقل
كاهله، لإنتاج جيل جديد من الصواريخ عابرة القارات، والصواريخ المحمولة على
الغواصات، ولذلك فقد كانت كوبا هي البديل الأمثل للوصول إلى التوازن الإستراتيجي
على المدى القصير، ولتوفير نفقات باهظة على المدى الطويل، وذلك لأن نشر الصواريخ
السوفيتية في كوبا يمثل إضافة سريعة وهامة ومعقولة التكلفة إلى القدرة السوفيتية
على توجيه ضربة مؤثرة إلى الولايات المتحدة، ويعزز الوجود السوفيتي بالقرب من
شواطئ الأمريكية بحاملة صواريخ منيعة ومحصنة ضد الغرق Unsinkable
Carrier على المدى
الطويل، ويدعم من مركز خروشوف داخل الإتحاد السوفيتي في مواجهة خصومه.
كما أيد أصحاب هذا الاستنتاج ما انتهوا إليه بتصريح كاسترو
للصحفي كلود جوليان، والذي جاء فيه أن السوفيت أخبروه بان موافقة كوبا على نشر
صواريخهم في أراضيها سوف يدعم موقف السوفيت في العالم بأسره، ومن ثم لم يجد أمامه
بداً من القبول, وأشاروا – أي أصحاب هذا الاستنتاج – بأنه لم يكن هناك ما يقطع بأن
الإتحاد السوفيتي سوف يقنع بما نقله من صواريخ إلى كوبا، كما انه ليس هناك ما يقطع
بأنه لم يفكر في تحويل كوبا إلى ترسانة ضخمة للأسلحة النووية السوفيتية.
وأضافوا بأن كوبا تعتبر مكاناً مثالياً لنشر الصواريخ
السوفيتية لوقوعها خارج مجال تغطية أجهزة الإنذار المبكر ضد الصواريخ المقامة في
الولايات المتحدة، كما أن هذا الاستنتاج يقدم إجابة مقنعة لإقدام الإتحاد السوفيتي
على نشر صواريخ ( IRBM
) باهظة التكاليف.
وبعد هذه الاستنتاجات المتعددة التي
استعرضها صانع القرار الأمريكي محاولاً أن يستشف من خلالها نوايا الإتحاد السوفيتي
من وراء إقدامه على نشر صواريخه في كوبا، فقد صاغ بدائله على النحو التالي:
ثانياً: البدائل المقترحة
1- تجاهل التهديد السوفيتي
في مواجهة الاستنتاج القائل بان الإتحاد السوفيتي قد استهدف من
وراء نشر صواريخه في كوبا استفزاز الولايات المتحدة وتوريطها في كوبا للتقدم نحو
برلين، كان البديل هو قطع الطريق على خروشوف بمواجهة استفزازه بأسلوب هادئ، ومن ثم
تجاهل المسألة برمتها على أساس أن الولايات المتحدة عرضة للصواريخ السوفيتية، سواء
من كوبا أو من غيرها.
وقد تم استبعاد هذا البديل بسبب تجاهله لخطورة الخطوة العسكرية
السوفيتية، التي لا تقتصر على مضاعفة القدرة النووية الهجومية للإتحاد السوفيتي
فحسب، ولا على تعطيل فاعلية جهاز الإنذار المبكر ضد الصواريخ فقط، ولكن الأخطر من
ذلك كله هو تعزيز السوفيت لقواعدهم الصاروخية في كوبا، مما ينجم عنه إخلال خطيراً
بالتفوق الإستراتيجي الأمريكي.
2- إجراء اتصالات سرية مع كاسترو
وفي مواجهة الاستنتاج القائل بأن الإتحاد السوفيتي قام بنشر
صواريخه في كوبا للدفاع عنها، فقد تم التفكير في إجراء اتصالات سرية مع كاسترو
ينذر فيها إما أن يتم سحب الصواريخ السوفيتية، أو يتحمل مغبة رفضه الذي قد يكلفه
كثيراً. ولكن أخذ على هذا البديل أن الصواريخ المقامة في كوبا هي صواريخ سوفيتية
خاضعة لإشراف السوفيت أنفسهم، ومن ثم فإن القرار الخاص بسحبها يجب أن يكون قراراً
سوفيتياً.
3- الضغوط الدبلوماسية
وعلى ضوء الانتقادات التي وجهت إلى البديل الثاني، فقد تم
التفكير في حمل السوفيت على سحب صواريخهم عن طريق ممارسة الضغوط الدبلوماسية عليهم
من خلال الأمم المتحدة، أو منظمة الدول الأمريكية (OAS).
واقتراح تشكيل لجنة تقوم بمعاينة مواقع الصواريخ السوفيتية، وإجراء اتصالات علنية
أو سرية مع خروشوف، أو عقد مؤتمر قمة تطالب فيه الولايات المتحدة بسحب الصواريخ
السوفيتية من كوبا، إلا أن هذا البديل قد أستبعد أيضاً على ضوء:
عدم جدوى التقدم بشكوى أمام مجلس الأمن، حيث يمكن للسوفيت وقف
اتخاذ أي قرار باستخدام " الفيتو"، خاصة مع مصادفة أن السفير السوفيتي
"روزين" كان رئيساً لمجلس الأمن في شهر أكتوبر عام 1962. وهذا فضلاً عما
يتيحه طول الإجراءات في مجلس الأمن للاتحاد السوفيتي من وقت يمكنه من إتمام نشر
صواريخه في كوبا.
أن اللجوء إلى إجراء مفاوضات سرية مع "خروشوف" قد
يتضمن اعترافا ضمنياً من قبل الولايات المتحدة بحق الإتحاد السوفيتي في الدفاع عن
كوبا.
أما عقد مؤتمر قمة، فإن ذلك يعني أن التنازلات لن تكون من طرف
واحد بل من الجانبين، مثل أن يوافق الإتحاد السوفيتي على سحب صواريخه من كوبا،
مقابل موافقة الولايات المتحدة على سحب صواريخها من تركيا، أو الانسحاب من قاعدة
"جوانتانامو" الكوبية.
4- غزو كوبا
وإزاء الاستنتاج الذاهب إلى أن نوايا السوفيت هي القيام
بمناورات سياسية في إطار سياسة الحرب الباردة، وإبراز قدرتهم على حماية معقل متقدم
للشيوعية في نصف العالم الغربي، فقد تم التفكير في إحباط هذه النوايا بالتخلص من
مشكلة كوبا برمتها، وذلك بغزو كوبا، خاصة وأن الظروف قد أتاحت للولايات المتحدة
هذه الفرصة الذهبية، والمبررات المشروعة للغزو، والتخلص من نظام كاسترو.
ولكن " اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي(Executive
Committee Of NSC) قررت جعل هذا
البديل كخيارٍ أخير لتكلفته الفادحة، إذ سوف يترتب عليه حدوث صدام مباشر مع أكثر
من عشرين ألف جندي سوفيتي، ليكون بذلك أول صدام من نوعه بين القوتين العظميين بعد
الحرب العالمية الثانية، مما قد يؤدي إلى حدوث مواجهة نووية، أو تقدم السوفيت نحو
برلين.
5- توجيه ضربة جوية
وعلى ضوء المحاذير المترتبة على البديل السابق، فقد تم التفكير
في استبدل الغزو بضربة جوية باترة Surgical Air Strike لمواقع الصواريخ
السوفيتية. وكان أنصار هذا البديل يرون فيه الرد الأمثل على أسلوب الخداع الذي لجأ
إليه الإتحاد السوفيتي بإدخال صواريخه إلى كوبا، كما قدروا أن مثل هذه الضربة
يمكنها أن تدمر قواعد الصواريخ، ومن ثم تزيل مصدر الخطر قبل أن يكشف السوفيت أن
الأمريكيين قد علموا بأمر صواريخهم. وقدروا أيضاً ملائمة أن يسبق هذه الضربة
مباشرة بيان يلقيه الرئيس الأمريكي، ويعلن فيه اكتشاف أمر الصواريخ السوفيتية في
كوبا، وأخيراً يدعو إلى مؤتمر قمة لتسوية المشكلة.
وقد أثار ناقدو هذا البديل القضايا
التالية:
·
هل يمكن أن تكون هذه
الغارة الجوية باترة فعلاً؟ إذ أنه بفرض نجاحها في تدمير مواقع كافة الصواريخ
السوفيتية في كوبا، فإن طائرات الميج والأليوشن – 28 السوفيتية، يمكنها أن ترد على
ذلك بمهاجمة قاعدة جوانتانامو الأمريكية في كوبا وجنوب الولايات المتحدة.
·
ما الذي يضمن أن تنجح
مثل هذه الغارة في إزالة مواقع الصواريخ؟وما الذي يضمن ألا تقوم الصواريخ التي لم
تكتشف مواقعها بعد، بالرد على هذه الغارة بتدمير المدن الجنوبية في الولايات
المتحدة ؟ الأمر إذن لا تكفيه غارة جوية باترة، وإنما هجوم جوي شامل لا تقل عدد
طلعاته عن 500 طلعة لتدمير كافة مواقع الصواريخ، وهو الأمر الذي قد يترتب عليه
حدوث فوضى أو انهيار سياسي في كوبا، مما يضطر الولايات المتحدة إلى غزوها،
وبالتالي تتحقق المحاذير الناجمة عن غزوها على النحو الذي سلفت الإشارة إليه.
·
أن الهجوم المفاجئ
على قواعد الصواريخ السوفيتية، سوف يؤدي بالضرورة إلى مصرع بضعة آلاف من السوفيت،
وهو الأمر الذي لا يمكن قبوله ببساطة في علاقات القوى العظمى اليوم. ومن ثم فإنه
حتى مع إدراك الإتحاد السوفيتي للمضمون الانتحاري للدخول في مواجهة نووية مباشرة،
فقد يجد نفسه معرضا لضغوط لا قبل له بمواجهتها تطالبه بالثأر سواء من جانب الشعب
السوفيتي نفسه، أم من جانب حلفائه، أو حفاظا على هيبته كقوة عظمى مما يدفعه إلى
الاندفاع في اتخاذ قرار متسرع ومشكوك في عقلانيته.
·
أن القيام بمثل هذا
الهجوم المفاجئ سوف يحدث رد فعل عنيف من جانب الجماهير الأمريكية نفسها، والتي لم
تكن قد أفاقت بعد من صدمة الهجوم المفاجئ على بيرل هاربر في ديسمبر عام 1941،
ونظرت إلى فجائية الهجوم كمرادف للغدر الشديد والخديعة.
6-
فرض حصار بحري
ولتجنب كافة المثالب والمآخذ التي شابت البدائل السابقة، فقد
تم التفكير في بديل وسط بين السكوت على
الإجراء السوفيتي بانعكاساته السلبية الشديدة، وبين الرد العنيف على هذا الإجراء
بعواقبه الخطيرة المروعة، وتفتقت قريحة البعض من المشاركين عن طرح بديل " فرض
حصار بحري على كوبا لمنع وصول شحنات عسكرية سوفيتية إليها". بيد أن هذا
البديل لم يسلم لدوره من النقد، وكانت الانتقادات التي وجهت إليه هي:
·
احتمال وقوع صدام بين
الأسطولين الأمريكي والسوفيتي.
·
مخالفة الحصار البحري
لمبدأ حرية الملاحة في أعالي البحار، وهو المبدأ الذي يحظى باحترام خاص من قبل
حلفاء الولايات المتحدة.
·
أن الحصار البحري
يشكل خرقاً لميثاق الأمم المتحدة، ولقواعد القانون الدولي.
·
أن فرض الحصار البحري
يتطلب ضرورة حصول الولايات المتحدة على موافقة ثلثي أعضاء منظمة (OAS ) مسبقاً قبل اتخاذ هذا الإجراء.
·
إمكانية أن يدفع هذا
الإجراء الإتحاد السوفيتي إلى الرد بإجراء مماثل، وفرض حصار جديد على برلين، وتكون
النتيجة المنطقية لذلك هي توصيل الدولتين إلى اتفاق يقضي بقيام الولايات المتحدة
بفك حصارها عن كوبا، في مقابل قيام الإتحاد السوفيتي بفك حصاره عن برلين. ومن ثم
تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل هذا الحصار المزدوج، بل وتطلق يد الإتحاد
السوفيتي في تغذية ترسانته في كوبا بالمزيد من الأسلحة والصواريخ، مما يرتب
للإتحاد السوفيتي حقاً مشروعاً بموجب هذا الاتفاق، أو بعبارة أخرى أن يستفيد
الإتحاد السوفيتي بدلاً من أن يعاقب لتآمره على أمن الولايات المتحدة.
·
أنه قد يترتب على
الحصار البحري نفس الآثار السلبية التي قد تترتب على الغارة الجوية التي سلفت
الإشارة إليها في البديل السابق، وذلك في حالة ما إذا رفضت السفن السوفيتية
التوقف، مما قد يضطر الولايات المتحدة إلى تحمل مسئولية إطلاق الطلقة الأولى في
أول مواجهة مباشرة بين القوتين العظميين.
·
أنه ليس ثمة علاقة
بين الحصار البحري وبين الأهداف المتوخاة من ورائه، وهي إزالة الصواريخ. إذ سوف
تظل مشكلة الصواريخ قائمة لم تحل، بل وقد تتفاقم هذه المشكلة إلى الأسوأ، إذا ما
استغل السوفيت انهماك الولايات المتحدة في إحكام حصارها حول الشواطئ الكوبية،
وتفرغوا هم لإتمام نصب صواريخهم، والوصول بها إلى مرحلة التشغيل.
الخيار: عزل بحري وقائي Quarantine
وعلى ضوء الانتقادات التي وجهت إلى هذا البديل اقترح ليندون
جونسون – نائب الرئيس حينئذ – تعديل تسمية الإجراء من حصارBlockade إلى حزام وقائيQuarantine تجنباً للمحاذير القانونية المترتبة على استخدام الكلمة الأولى،
وبعد تخطي هذه العقبة القانونية اتفقت أغلبية آراء أعضاء اللجنة – وفي مقدمتها رأي
الرئيس – على اعتماد هذا البديل ليكون بمثابة الخيار الأمريكي للأسباب التالية:
·
أن الحصار يمثل خيارا
وسطاً بين السلبية المطلقة ورد الفعل العنيف الذي يتسم بالمجازفة. فمن ناحية نجد
فيه تأكيدا لإصرار الولايات المتحدة على عدم الوقوف مكتوفة الأيدي في مواجهة
التحدي السوفيتي، ومن ناحية أخرى لا يتضمن قدراً كبيراً من المجازفة مثل تلك التي
ينطوي عليها القيام بغارة باترة.
·
أنه يرمي الكرة في
ملعب خروشوف، إذ يترك له الحرية في تفادي الحصار بإصداره أوامره لسفنه بعدم محاولة
اختراق هذا الحصار، وبين تحمل مسئولية قرار بدء المواجهة المباشرة.
·
أن الكاريبي –حيث يقع
الحصار– يعتبر أصلح الميادين وأكثرها ملائمة للولايات المتحدة في حالة دخولها في
اختبار للقوة مع الإتحاد السوفيتي.
·
أن الحصار البحري
يتيح للولايات المتحدة الفرصة لاستعراض قدراتها في الأسلحة التقليدية، والتصعيد
المحسوب على مختلف مستويات المواجهة النووية بالأسلحة التي تتمتع فيها بتفوق ملحوظ
عليه.
وهكذا استقر عزم الولايات المتحدة على فرض حزام وقائي Quarantine (حصار بحري) حول كوبا، وهو ما أقرتها عليه منظمة الدول الأمريكية
وحلفاؤها في منظمة حلف شمال الأطلنطي ((NATO.
وفي نفس الوقت طلبت الولايات المتحدة عقد جلسة طارئة لمجلس
الأمن طالبت فيها بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا تحت رقابة دولية، بينما طلب
الإتحاد السوفيتي في نفس الجلسة رفع الحصار البحري المضروب على كوبا ووصفه
بالقرصنة، إلا أن مجلس الأمن أثبت عجزه عن التوصل إلى قرار حاسم حول أيٍ من هذين
الطلبين. وفي 24 أكتوبر اقترح (يو ثانت) – الأمين العام للأمم المتحدة – على كل من
الدولتين ضبط النفس لمدة أسبوعين لإمكانية مناقشة المسائل الخلافية بينهما.
وقد وافق خروشوف على هذا الاقتراح، بينما رفضه كنيدي على
اعتبار أن مسألة سحب الصواريخ السوفيتية من كوبا هي قضية غير قابلة للتفاوض.
وفي يوم 26 أكتوبر، نما إلى علم إدارة كنيدي أن عدة سفن
سوفيتية متجهة إلى كوبا قد غيرت اتجاهها، ومع ذلك فإن طائرات الاستطلاع الأمريكية
تمكنت من رصد النشاط السوفيتي المحموم في بناء قواعد الصواريخ في كوبا، مما اضطر
هذه الإدارة إلى التحرك بسرعة لمواجهة هذا الموقف قبل أن يسبق السيف العزل بإتمام
إنشاء هذه المنصات، ومن ثم تصبح الصواريخ جاهزة للعمل، فأصدر الرئيس كنيدي تصريحاً
أعلن فيه: أن بلاده لن تتردد في اتخاذ إجراءات أخرى بما في ذلك ضرب قواعد الصواريخ
لو تطلب الأمر ذلك، ولم يستبعد في تصريحه احتمال حدوث مواجهة بين الدولتين إذا لم
يقم الإتحاد السوفيتي بسحب صواريخه في موعد غايته 30 أكتوبر. وفي مساء اليوم نفسه،
وصل خطاب إلى كنيدي من خروشوف، ذو نبرة معتدلة يقترح عليه فيه أن يقوم الإتحاد
السوفيتي بسحب صواريخه من كوبا، في مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم غزوها، وكان
العرض سخياً إلى الحد الذي وصفه فيه البعض بأنه استسلام مشروط. ولكن لوحظ أن هذا
الخطاب لم يدون عليه تاريخ إرساله.
وفي اليوم التالي، وصل إلى البيت الأبيض خطاب آخر من خروشوف،
بغير تاريخ أيضاً، بصيغة عنيفة يتضمن مطالب متشددة، ويقترح فيه أن تقوم الولايات
المتحدة بسحب صواريخها من تركيا، مقابل قيام الإتحاد السوفيتي بسحب صواريخه من
كوبا.
وعندما عرض الأمر على اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومين
قررت رفض العرض الوارد بالخطاب الثاني لسببين:
اعتقاد كنيدي بأن الخطاب الأول يعكس حقيقة مشاعر خروشوف بأكثر
مما يعكسها الخطاب الثاني.
رفض المساومة بقواعد حلف الأطلنطي نتيجة للضغط السوفيتي، إذ أن
التسليم بإحداها مهما كان شانها، سوف يجعل الإتحاد السوفيتي يستمرئ هذه اللعبة
فيكررها المرة تلو الأخرى، فيسدر في ممارسة استخدام أسلوب الإدارة بالأزمات حتى
يتمكن في النهاية من تصفية قواعد هذا الحلف نهائياً. ويبعث من جديد إلى الوجود
لعبة هتلر المفضلة التي مارسها بنجاح في مفاوضات ميونخ حيث قابلها الغرب بسلسلة من
التنازلات. لذلك وجهت الولايات المتحدة إنذارها الأخير إلى الإتحاد السوفيتي بسحب
صواريخه من كوبا، وإلا كان عليه تحمل عاقبة عناده.
وفي يوم 27 أكتوبر أعاد خروشوف عرضه بسحب صواريخه من كوبا، في
مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو كوبا، فأعلن الرئيس الأمريكي على الفور قبوله لهذا
العرض، وترحيبه بمساهمة خروشوف الإيجابية في تحقيق السلام، وهكذا تبددت احتمالات
المواجهة. وزال شبح الرعب النووي الذي خيم على العالم بأسره، طوال تلك الأيام
العصيبة التي استغرقتها الأزمة.
ملاحظات
على الإدارة الأمريكية لأزمة الصواريخ الكوبية
1-
إن الدرس الأول الذي يمكن استخلاصه من أزمة الصواريخ الكوبية، يعد بمثابة تأكيد
جديد للدور الذي يلعبه حدث الأزمة في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وبالتالي تعديل
سياسات صانع القرار ، لكي تتلاءم مع المفاهيم الجديدة، ومن ثم تصبح أكثر قرباً من
الواقع. والثابت أن قرارات كل من الزعيمين الأمريكي والسوفيتي قد بنيت على تصورات
خاطئة لكل منهما عن الطبيعة الحقيقية للآخر.
فلقد اعتقد الرئيس كنيدي أن خروشوف رجل حكيم وفطن وحذر وحريص
لذلك على احترام الأوضاع الراهنة في العلاقات بين القوتين العظميين، ومدركا
للعواقب المأساوية المترتبة على تحديها أو محاولة تغييرها. وأن كل هذه الصفات سوف
تحول بينه وبين اتخاذ أية إجراءات تتسم بالرعونة أو التهور، مثل نصب صواريخ
سوفيتية في كوبا. بينما اعتقد خروشوف أن كنيدي ليس إلا غرا، قليل التجربة، ومن ثم
عاجزاً عن اتخاذ القرارات الحاسمة على نحو ما كشفت عنه عملية خليج الخنازير، ومن
ثم فإن في استطاعته أن ينصب صواريخه في كوبا دون أن يتعرض لرد حاسم من جانب
الولايات المتحدة.
فما هي الأسباب التي أدت إلى تكوين كلٍ منهما
لمفاهيم خاطئة عن الآخر؟
السبب الأول:
في
تقديرنا – هو ما قد يجوز تعريفه ب " الطرد التلقائي للمعلومات غير
المرغوب فيها"، والمتمثل في الرفض الفكري لهذه
المعلومات، وهو أخطر ما يبتلى به التقدير السليم للأمور. واستجابة لهذه النزعة تجاهل
الرئيس كنيدي ومستشاروه بعض المؤشرات التي ما كان يجب تجاهلها. من قبيل ذلك ما وصل
إليهم من معلومات عن تحرك قافلة بحرية سوفيتية متجهة إلى كوبا تم رصدها في شهر
سبتمبر 1962، وكان من المتصور في ذلك الحين أنها تحمل شحنات من الأخشاب إلى كوبا (
وغرابة هذا المنطق تتمثل في عدم وجود حاجة ملحة لكوبا الاستوائية إلى مثل هذه
الأخشاب تتطلب تخصيص قافلة كاملة لها على اتساع المسافة بين الإتحاد السوفيتي
وبينها!) ولقد ثبت فيما بعد أن شحناتها كانت من الصواريخ السوفيتية المتطورة
للغاية.
وقبل ذلك رصدت طائرات الاستطلاع الأمريكية من طراز U–2 زيادة ملحوظة في عدد السوفيت في كوبا، وعملا يجرى على قدم وساق في
إقامة قواعد صواريخ "SAM" هناك. ولكن السفير السوفيتي في واشنطن " أناتولي
دوبرينين " نجح في تبديد شكوك " روبرت كنيدي " حول نوايا السوفيت (
كيف استطاع ذلك !!! ). ولقد ساعد على نجاح مهمة السفير السوفيتي، انه لم يكن هناك
شخص واحد في النخبة المحيطة بالرئيس كنيدي، ولا حتى الرئيس نفسه يتصور أن يقدم
السوفيت على مثل هذا العمل الأرعن الذي يمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.
( منطق مرفوض في تصور الطبيعة العقلانية
للسلوك السياسي ).
ولو كانت إدارة كنيدي لم تبالغ في تقديرها لحكمة السلوك
السوفيتي وعقلانيته، لكرست المزيد من اهتماماتها لتمحيص الدلالات المنطقية وراء
رحلة القافلة البحرية السوفيتية إلى كوبا، وزيادة عدد السوفيت المضطردة في هذه
الدولة، ومغزى إقامة قواعد صواريخ (SAM)على أراضيها، ولأمكنها اكتشاف الصواريخ السوفيتية في كوبا في وقت
مبكر عن ذلك الذي اكتشفتها فيه.
إن سلوك الإدارة الأمريكية هذا، المتمثل في الطرد التلقائي
للمعلومات غير المرغوب فيها، يمكن تعريفه أيضاً ب
"
منطق الحالة النفسية" "Psycho-Logic" والذي يميل إلى محاولة رؤية الحقائق
بمنظار الميول النفسية وحده، فيتقبل منها ما يتفق مع هذه الميول، ويتجاهل ما
يتعارض معها.
وبالنسبة لتطبيق هذه الظاهرة على حالة الرئيس كنيدي نجد أنه
كان يرغب – آنذاك – في الوصول إلى مصالحة مع الإتحاد السوفيتي، وتحقيق الانفراج في
علاقاته السياسية معه.
أما بالنسبة لخروشوف فقد أدت ثلاثة
أحداث هامة إلى إقناعه بافتقار الرئيس كنيدي إلى الإدارة والحزم اللازمين:
أولهما
:
عملية خليج الخنازير، فقد كان تقدير خروشوف أن تصرف كنيدي حيال فشل هذه
العملية هو الفيصل في تقدير قوته الحقيقية، ولما تردد كنيدي في التدخل لإنقاذها من
المصير المؤسف الذي انتهت إليه، آمن خروشوف بأن كنيدي رجل تعوزه الخبرة والحزم
اللازمين، ومن ثم فإنه من السهل ابتزازه وإرهابه.
أما الواقعة الثانية:
فقد كانت خلال مؤتمر " فينا " الذي عقد في يونيو عام 1961، حيث
رد كنيدي على تهديدات خروشوف العاصفة بعقد معاهدة سلام سوفيتية منفردة مع ألمانيا
الشرقية، بالحديث عن مخاطر الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى حدوث المواجهة بين
القوتين العظميين، مما زاد خروشوف اقتناعاً بعزوف خصمه عن مواجهة التحديات. وأخيراً
أدى إحجام كنيدي عن هدم الجدار الذي أقامه خروشوف بين برلين الشرقية وبرلين
الغربية في أغسطس 1961 إلى ترسيخ اعتقاده بعدم استعداد كنيدي لاتخاذ قرارات هامة
تنطوي على مواجهة المخاطر.
وباختصار تميزت مرحلة ما قبل الأزمة بتحكم تصورات الزعيمين
الأمريكي والسوفيتي، وما كونه كل منهما من انطباعات خاطئة عن الآخر، بأكثر مما
فعلت الحقائق.
2- أما مرحلة الأزمة
ذاتها، فيمكن تقسيمها إلى مرحلتين فرعيتين متميزتين:
تبدأ المرحلة الأولى
من 14 أكتوبر – 22 أكتوبر، أي بعد اكتشاف الصواريخ الكوبية، وحتى خطاب الرئيس
كنيدي الذي ينذر فيه بفرض العزل البحري ( الحصار البحري ) على كوبا. وقد تميزت هذه
المرحلة بمحاولة إدارة الرئيس كنيدي معالجة هذه الأزمة في نطاق السرية التامة.
وفي خلال هذه المرحلة اتخذ الرئيس كنيدي ثلاثة قرارات هامة
نتيجة لتغيير مفاهيمه عن خروشوف تحت تأثير الأزمة، حيث أكدت له هذه خطأ تصوراته عن
عقلانية خروشوف وحكمته، وأثبتت له أن
خروشوف لا يتورع عن المجازفة.
ومع ذلك فإنه يمكن وضع حد للميل إلى المجازفة عند خروشوف،
عندما يتأكد من أن الولايات المتحدة لن تتورع عن الدخول في مواجهة مع الإتحاد
السوفيتي إذا لم يقم بسحب صواريخه من كوبا.
وإزاء هذا المفهوم الجديد الذي تكشف لكنيدي عن شخصية خروشوف
قرر مواجهته برد وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط. وذلك حتى لا يستفز الإفراط روح
المجازفة عند خروشوف، ولا يغريه التفريط بالتمادي في هذه المجازفة. وكان القرار
الأول الذي اتخذه كنيدي هو استشارة أكبر عدد ممكن من مساعديه من ذوي التخصصات
المختلفة، وتوسيع نطاق عضوية مجلس الأمن القومي (NSC) بتشكيل اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي، بعد أن تعلم من فشل
عملية "خليج الخنازير" والذي اعتمدت قراراته فيها على تقارير وكالة
المخابرات المركزية وحدها، ألا يركن إلى تقدير جهة معلومات واحدة في اتخاذ
قراراته، كما اتخذ كنيدي في هذه المرحلة أخطر قراراته، وهو فرض الحزام الوقائي
(الحصار البحري) على كوبا. وقد جاء هذا القرار بعد تقويم كافة البدائل الأخرى على
النحو الذي سلفت الإشارة إليه، وكان كنيدي قد رفض البديل الأول وهو: "عدم
القيام بأي عمل على الإطلاق"، وذلك على الرغم من قناعته بأن وجود الصواريخ
السوفيتية في كوبا لن يخل – من الناحية الواقعية- بالتوازن الإستراتيجي القائم بين
القوتين العظميين، وإن كان من الممكن أن يخل به من الناحية الشكلية، وخاصة فيما
يتعلق بهيبة الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي أشار إليه كنيدي بقوله:" وحتى
لو اقتصر الأمر على مجرد الشكل، فإن المظاهر كثيراً ما ترتبط في أذهان الناس
بالحقيقة". وأعاد تأكيد ذلك بقوله " لو اكتفينا بالوقوف مكتوفي الأيدي
في مواجهة هذا التحدي، فلسوف نحكم على أنفسنا بالموت أمام العالم".
وقد رفض بديل القيام بضربة باترة لأنه لا يرغب – على حد تعبير
شقيقه روبرت كنيدي – أن يبدو أمام العالم، وبخاصة الرأي العام الأمريكي، بمظهر (توجو)
الستينات.
وتوجو هذا كان رئيس وزراء اليابان الذي اتخذ قرار ضرب بيرل
هاربر في عام 1941، وأصبح اسمه منذ ذلك الحين فصاعداً صنواً للغدر والطعن في
الظهر.
وكان القرار الثالث الذي اتخذه كنيدي – في هذه المرحلة –
نابعاً أيضاً من مفهومه الجديد لنوايا خصومه، حيث اعتقد أن خروشوف يريد أن يضع
الولايات المتحدة أمام الأمر الواقع، فإذا لم يتخذ إجراءات حاسمة في مواجهة وجود
الصواريخ السوفيتية في كوبا، فسوف تبدو أمام العالم عاجزة عن الرد. وإذا اتخذت مثل
هذا الإجراء فقد تواجه برد سوفيتي قوي عليه سواءً في برلين، أو تركيا، أو على
الأقل بإدانة الرأي العام العالمي للإجراء الأمريكي في الأمم المتحدة. ولذلك قرر
كنيدي أن يقلب المائدة على خروشوف، بأن يسبقه بإعلان فرض الحصار البحري على كوبا
علانية في خطابه الذي ألقاه يوم 22 أكتوبر.
أما المرحلة الفرعية الثانية للازمة،
والتي تقع ما بعد يوم 22 أكتوبر حتى نهاية الأزمة، فقد اتخذ فيها كنيدي ثلاثة
قرارات علانية هي:
·
رفض طلب يوثانت بوقف
العزل البحري ( الحصار البحري ) على كوبا، وإرسال شحنات أسلحة سوفيتية إليها، وقد
وافق الإتحاد السوفيتي على هذا الطلب، بينما أصر كنيدي على رفضه حتى لا يؤدي قبوله
لمثل هذا الطلب إلى تخفيف شدة الضغط الدبلوماسي والعسكري على خروشوف، ولإقناع
الأخير بإصرار الولايات المتحدة على موقفها.
·
ولتنفيذ قرار العزل
البحري اقترحت هيئة الأركان المشتركة أن ترابط وحدات الأسطول الأمريكي المكلفة
بتنفيذ قرار العزل على مسافة تبعد 500 ميلاً من الشواطئ الكوبية، وذلك حتى تكون
خارج مرمى قاذفات الميج السوفيتية المرابطة في كوبا. إلا أنه عندما وردت
المعلومات باقتراب الأسطول السوفيتي من
المواقع التي اقترحتها هيئة الأركان المشتركة، بحيث أصبح لقاء الأسطولين وشيكاً،
اقترح السفير البريطاني، الذي شارك في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن
القومي، التغاضي عن اعتبارات سلامة الأسطول، ونصح بتراجعه إلى ما وراء هذه المواقع
لتطول المسافة الفاصلة بين الأسطولين، مما يتيح لصانع القرار السوفيتي المزيد من
الوقت لمراجعة موقفه، ومحاولة تجنب الصدام، بدلاً من أن يؤدي اللقاء الوشيك
للأسطولين إلى دفعه مرغماً إلى قبول المواجهة، حيث لا يمكنه التراجع في هذه الحالة
بدون أن يفقد ماء وجهه.
وقد أخذ كنيدي برأي
السفير البريطاني، وتغاضى عن رأي هيئة الأركان المشتركة، ويشير بول نيتز مساعد
وزير الدفاع الأمريكي – آنذاك – إلى هذه الواقعة بقوله:" لقد كان تفكيرنا في
ذلك الحين أن أخطر احتمالات المواجهة تكمن في اعتراضنا لسفينة سوفيتية تحاول
اختراق الحصار، حيث كان من المشكوك فيه ألا يرد خروشوف على ذلك".وفي يوم 25
أكتوبر اقتربت القافلة السوفيتية من خط الحصار الأمريكي تتقدمها ناقلة البترول
بوخارست، ومع ذلك سمح الرئيس كنيدي لهذه
الناقلة وحدها أن تمر من بين سفن الحصار، وذلك على الرغم من أن البترول كان على
قائمة الممنوعات المحظور مرورها. وقد سمح كنيدي بذلك على الرغم من اقتراح البعض من
فريق إدارة الأزمة بأن يتم تفتيشها، وكان هدفه من ذلك ألا يضع خروشوف في مأزق لا
يجد أمامه مخرجاً منه إلا باستخدام القوة.
·
أما أهم القرارات
التي اتخذها كنيدي أبان هذه المرحلة، فهو قبوله لخطاب خروشوف المعتدل، وتجاهله
لخطابه المتشدد لتسوية الأزمة. والحقيقة أن خروشوف كان يرغب في الوصول إلى تسوية
وتجنب المواجهة، ولكنه كان يجهل رد الفعل الأمريكي على اقتراحه هذا، فإذا كان الرد
إيجابياًَ، فإن بوسعه أن يزعم أن خطابه المعتدل يعبر عن موقفه اللاحق، أما إذا جاء
هذا الرد سلبياً، وحاول الأمريكيون التشهير به، والادعاء بأنه أجفل وتراجع أمام
تهديداتهم مستخدمين خطابه ذا اللهجة المعتدلة، فإنه يستطيع حينئذ أن يؤكد أن ميوله
السلمية كانت قبل تطور الأمور التي أدت إلى قيام الولايات المتحدة بفرض العزل
البحري على كوبا، وأنه بعد حدوث هذه التطورات اتخذ موقفاً متشدداً على نحو ما يتضح
من خطابه الآخر، زاعماً بأنه قد وجه خطابه المعتدل قبل الحصار لا بعده، وهكذا فإن
الحيلة التي لجأ إليها خروشوف للحفاظ على ماء وجهه لم تغب عن إدراك كنيدي، ومن ثم
قام هذا الأخير بالرد على الخطاب المعتدل متجاهلاً الخطاب المتشدد ليفسح مجالاً بذلك
الطريق لخروشوف للتراجع بدون أن يفقد ماء وجهه.
ولقد أكدت أزمة الصواريخ الكوبية من جديد الأهمية الفائقة لدور
الاتصالات في إدارة الأزمات، والضرورة الملحة لفتح قنوات اتصال مباشرة وفورية
بين موسكو وواشنطن، ومن ثم فتح الخط الساخن بين العاصمتين، وهو الخط الذي أثبت
فاعليته في تمكين الدولتين من وقف تصعيد الموقف بينهما أثناء أزمتي الشرق الأوسط
في عامي 1967، 1973.
كما أكدت واقعة ملاحظة عدم تدوين تاريخ خطابي خروشوف إلى
كنيدي، سالف الإشارة إليهما، الأهمية الخاصة التي يجب أن تولى لأدق التفصيلات
التي قد تطرأ على أسلوب الخصم في التعامل أثناء الأزمة، وتجنب إغفالها مهما
بدت هذه التغيرات عابرة، أو محدودة الأهمية.