منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

"حين يرقص الكبار... تسقط أوروبا!"

المقال الاسبوعي "زاوية حادة "
"حين يرقص الكبار... تسقط أوروبا!"
بقلم: د. هشام عوكل  أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
في عالم السياسة، لا مكان للمجاملة حين تدور رقصة الكبار.
ها هي الولايات المتحدة تتفاوض مع إيران وروسيا، تغلق الأبواب خلفها، وتترك أوروبا على العتبات، تنتظر  المجهول 
وكما قال ديغول يومًا:
 "أمريكا لا تملك أصدقاء، بل أدوات."
تغييب أوروبا عن المفاوضات الكبرى لم يعد تفصيلًا دبلوماسيًا، بل سياسة أمريكية مقصودة.
واشنطن ترى القارة العجوز عبئًا أكثر منها حليفًا، بينما تتعامل مع الملفات الساخنة مباشرةً حيث يكون الحسم أسرع والربح أوضح.
أما حلف الناتو، ذاك الجسد العتيق، فلا يعيش إلا على أنفاس الرئة الأمريكية.
مطالبة واشنطن برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5٪ من الناتج القومي ليست نداء شراكة، بل تحذير انسحاب وشيك.ولو انسحبت أمريكا، لن يبقى من الحلف إلا الذكرى.
وكما لخصها ونستون تشرشل بمرارة:



دكتور هشام عوكل 



 "لا أصدقاء دائمون، لا أعداء دائمون... بل مصالح دائمة."
وفي مواجهة هذا الخواء، يتكرر الحلم الأوروبي الخجول ببناء جيش موحد.
لكن الواقع أكثر قسوة: فرنسا تفكر، ألمانيا تحسب، بولندا ترتجف، ودول البلطيق تصلي ألا تضطر إلى حمل السلاح وحدها.
في هذا السياق، يطل بوتين بهدوء اللاعب المخضرم، عارضًا "التفاوض مع أوكرانيا بلا شروط."
ليس حبًا في السلام، بل براغماتية المنتصر.
يتقاطع عرضه مع رغبة أمريكية خفية في إنهاء حرب تستنزف الخزانة والهيبة.
وأوكرانيا، كالعادة، آخر من يُستشار، وأول من يُضحى به.
يبدو وكأن واشنطن وموسكو، رغم العداء المعلن، توصّلتا إلى فهمٍ غير مكتوب:
أغلقوا هذا الملف... لنلتفت جميعًا إلى التحدي الحقيقي.
ذلك التحدي الذي لم يعد يحمل اسم موسكو... بل اسم بكين.
فالشرق الأوسط، بكل أزماته المزمنة، لم يعد أولوية أمريكية. لا فلسطين ولا اي قضية ساخنة بالشرق الاوسط " تفاوض كبار "
الضربات الخاطفة للحوثيين، والمواقف الباردة من النزاعات الإقليمية، ليست إلا رسائل واضحة:
"انتهت مهمة الإطفائي... وبدأ سباق السيطرة."
المارد الصيني لا يحتاج إلى قاذفات؛ يكفيه أن يغزو بالمصانع، بالموانئ، وبشبكات التكنولوجيا التي تسري كالسم في شرايين العالم.
الصين لا تهتف، لا تهدد... بل تبني وتصبر وتنتظر
الخاتمة 
"هل أوروبا اليوم أمام فرصة أخيرة لصناعة مصيرها، أم أن قطار التاريخ قد غادر المحطة ولم يترك لها حتى مقعداً شاغراً؟"
"وهل يمكن لقارة فقدت زمام المبادرة أن تستعيد دورها... أم أن العالم الجديد لا ينتظر من يتلكأ خلفه؟
منشور

الاتفاق النووي ايراني بلا تفكيك: من يضمن ألا تنفجر المنطقة

لمقال الاسبوعي ٫ زواية حادة 
بقلم: د. هشام عوكل 
أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
الاتفاق النووي ايراني بلا تفكيك: من يضمن ألا تنفجر المنطقة        
في تطور لافت، أكد كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عرقجي بعد جولة المفاوضات الأخيرة في روما، أن بلاده توصلت إلى "تفاهمات مع الجانب الأمريكي تُمهّد لمرحلة جيدة قادمة"، على حد تعبيره. ورغم هذه الأجواء الإيجابية المعلنة، شدد الوفد الإيراني على أن ملفي الصواريخ الباليستية وبرنامج التسلح النووي السيادي ليسا موضع تفاوض، معتبرًا أن من حق إيران الاحتفاظ بتقنياتها الدفاعية وفق القانون الدولي.
في المقابل، لم يصدر نفي أمريكي صريح لهذه التصريحات، ما يعكس قبولًا ضمنيًا ببقاء هذه الملفات خارج نطاق التفاهمات الحالية، والتركيز بدلًا من ذلك على ضبط نسبة التخصيب النووي، وآليات الرقابة، ومدى شفافية البرنامج الإيراني.
هذا التحول لا يعبّر فقط عن مراجعة سياسية، بل يعكس توجهاً استراتيجياً أعمق، إذ أصبح التفاوض مع إيران يتم وفق منطق "الاحتواء"، لا المواجهة. ما يفتح الباب أمام قراءة جديدة لمستقبل هذه المفاوضات، ليس فقط في بعدها النووي، بل في إطار إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط.
أولًا: هل نحن أمام مفاوضات لوقف التسلح أم تفكيكه؟
المعطيات الحالية تشير إلى أن واشنطن لم تعد تسعى إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، بل إلى تجميده عند مستوى يُبقيه تحت السيطرة، عبر:
دكتور هشام عوكل 

ضبط التخصيب بنسبة 3.67% كما كان في اتفاق 2015،
قبول وجود بنية نووية مدنية قابلة للمراقبة،
وربما ضمانات سياسية بعدم التحوّل إلى إنتاج سلاح فعلي.
هذا يعني أن واشنطن تخلّت عن سياسة "الضغط الأقصى"، وانتقلت إلى مرحلة "الاحتواء الذكي" لإيران، أي: قبول الخطر، ما دام يمكن التحكم به.
ثانيًا: من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي
لا تنفصل المفاوضات النووية عن النفوذ الإيراني في الإقليم. بل على العكس، يبدو أن طهران تستخدم أوراقها الإقليمية كورقة مساومة في التفاوض: التهدئة في اليمن، التخفيف في العراق، وضبط الخطاب في غزة ولبنان.
واشنطن بدورها لا تُمانع إعادة تعريف دور إيران في الإقليم، بشرط أن يبقى ذلك في إطار "نفوذ منضبط" لا يهدد المصالح المباشرة لحلفائها الخليجيين والإسرائيليين.
ثالثًا: الهامش الأوروبي – شريك سابق... متفرج حالي
في هذه المفاوضات، تبدو أوروبا غائبة فعلياً، بعدما كانت جزءًا أصيلًا من اتفاق 2015. انشغال القارة بالحرب في أوكرانيا وأزماتها الاقتصادية جعلها شاهدًا على تفاهمات تُصاغ خارج عواصمها، بينما تسلّم بنتائج لا تُشارك في صناعتها.
رابعًا: القلق الإسرائيلي من الاتفاق النووي
تُراقب إسرائيل بقلق شديد نية واشنطن العودة إلى اتفاق نووي لا يتضمن تفكيكًا للبرنامج الإيراني، بل يكتفي بضبط التخصيب.
تل أبيب تعتبر أن هذا الاتفاق يُمنح طهران شرعية تقنية تمهّد مستقبلاً لقدرة عسكرية، وهو ما يدفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لدراسة خيار الضربة الوقائية المنفردة، ولو بدون تنسيق أمريكي مباشر.
فالعلاقة بين إسرائيل وواشنطن لم تتراجع، لكنها تمر بلحظة تباين خطير في تقدير التهديد.
وفي حال قررت إسرائيل التحرك، فإنها قد تقلب المشهد الإقليمي، لا في مواجهة إيران فحسب، بل في خلط أوراق التفاهمات الكبرى التي يجري العمل عليها بهدوء في روما أو عبر قنوات سلطنة عمان. كما لو أن تل أبيب تقول بصوت غير مسموع: "اتركوا لنا القلق... وسنقوم بالباقي."، لا في مواجهة إيران فحسب، بل في خلط أوراق التفاهمات الكبرى التي يجري العمل عليها بهدوء في روما أو عبر قنوات سلطنة عمان. كما لو أن تل أبيب تقول بصوت غير مسموع: "اتركوا لنا القلق... وسنقوم بالباقي."، لا في مواجهة إيران فحسب، بل في خلط أوراق التفاهمات الكبرى التي يجري العمل عليها بهدوء في روما أو عبر قنوات سلطنة عمان.
"إسرائيل لا تخشى إيران بقدر ما تخشى أن تُترك وحدها أمامها... وباتت مستعدة لتبدأ الحرب، ولو كانت بلا شريك."
خامسًا: حزب الله وغزة... أوراق تفاوض أم عبء إقليمي؟
مع تقدم المفاوضات، تلوح في الأفق أسئلة حول موقع حزب الله في المعادلة الجديدة:
هل ستقبل واشنطن ببقاء سلاحه ضمن صفقة تهدئة غير معلنة؟
وهل يُطلب من طهران كبحه ضمن التزامات إقليمية أوسع؟
السيناريو المرجح أن الحزب سيتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط إيرانية مؤجلة، يُلوّح بها دون استخدام، بما يحفظ توازن الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أما في غزة، فإن الحصار الممتد، والموقف الإيراني المتذبذب – بين الخطاب والواقع – يكشف أن طهران تُقنّن دعمها بما يخدم إيقاع التفاوض، لا منطق "الممانعة" المعلَن.
والسؤال هنا: هل تُضحّي إيران ببعض أدواتها في الميدان مقابل شرعية نووية؟ أم أن هذه الأدوات ستبقى تحت الطاولة، إلى أن يأتي وقت استخدامها؟
خاتمة: مفاوضات على حافة الانفجار
ما يجري اليوم هو أكثر من نقاش تقني حول تخصيب اليورانيوم، إنه إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط على وقع التفاهم الأمريكي – الإيراني.
لكن هذا الاتفاق، إن تم، لن يمنح الاستقرار... بل سيؤسس لنموذج من الهدوء المشروط، القابل للاشتعال في أي لحظة.
فهل تسير المنطقة نحو تفاهم نووي... يُخفي تحته قنبلة سياسية موقوتة؟
منشور

| مفاوضات عمان.. من يفاوض من؟


 المقال الاسبوعي  زواية حادة  


بقلم د. هشام عوكل أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
1. ترامب.. السمسار الذي يساوم لا يفاوض
اللقاء غير المباشر الذي جمع إيران والولايات المتحدة في سلطنة عمان لم يكن لقاء دبلوماسيًا تقليديًا بل انعكاس لنمط سياسي جديد يرعاه رجل لا يؤمن بالقيم بل بالصفقات ترامب الذي يجلس اليوم في البيت الأبيض لا يفاوض كقائد بل يساوم كسمسار من الصين إلى إيران يعيد نفس الأسلوب تهديد فمساومة ثم تراجع مفاجئ حديثه عن ضرائب تفوق المئة بالمئة على البضائع الصينية لم يكن سوى عرضًا استعراضيًا انتهى بهدوء بعد أن تجاهلت بكين التهديد وردت بالاقتصاد لا بالكلام والآن يمارس ذات الأسلوب مع إيران مهلة شهرين إما اتفاق أو مواجهة لكن هذه المهلة لا تستند إلى تقدير أمني أو إجماع دولي بل إلى قناعة شخصية بأن الضغط الاقتصادي كفيل بصناعة القرار السياسي ترامب لا يقرأ التاريخ ولا يحترم الجغرافيا كل ما يهمه هو من يدفع أكثر ومن يوقع أسرع لكن إيران هذه المرة ليست الخصم السهل فهي تترنح اقتصاديًا نعم لكنها تعرف متى تناور ومتى تتراجع اللقاء في سلطنة عمان جاء بطلب إيراني غير مباشر لكنه يحمل في داخله رسائل واضحة مفادها أن طهران مستعدة للحوار لكن دون أن تبدو مستسلمة بينما ترامب يحاول أن يُلبس الحوار ثوب النصر الانتخابي لا أحد في العالم اليوم يأخذ تهديدات ترامب بجدية لا أوروبا ولا الصين ولا حتى دول الخليج التي بدأت تبحث عن معادلات أمن جديدة بعيدًا عن تقلبات المزاج الأمريكي
2. إيران تفقد أذرعها.. والشرق الأوسط يقاوم العودة
الحديث عن قلق روسي من تقارب أمريكي إيراني لا يستقيم مع ما يجري فعليًا على الأرض لأن إيران لا تعود بل تنسحب لا تتمدد بل تتراجع الخريطة التي كانت تُرسم بلون طهران قبل سنوات بدأت تتلاشى عاصمة تلو الأخرى خرجت من دمشق تحت ضغط التفاهمات الدولية وتراجع دورها العسكري وتحولها إلى عبء أمني خفي وفي لبنان يعيش حزب الله أسوأ حالاته من ناحية التمويل والتأييد الشعبي وخسارة الحاضنة الإقليمية أما في غزة فإيران لم تعد قادرة على تمويل حماس ولا تغطية تبعاتها الدولية بعد ٧ أكتوبر وهنا في اليمن لم يبقَ لطهران سوى الورقة الحوثية لكنها باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى الضغط الأمريكي في البحر الأحمر لا يستهدف فقط حماية الملاحة بل يفتح الباب أمام تدخل بري محدود وهو ما تلوّح به واشنطن ضمنيًا كأداة ضغط إضافية على طهران لإجبارها على إغلاق ملف اليمن بالكامل إيران التي لطالما تفاخر إعلامها بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية تفقد الآن آخر ما تبقى من تلك الخيوط الملف الحوثي لم يعد ورقة تفاوض بل ورقة ابتزاز فاشل يتم استنزافها يومًا بعد يوم الحشد في العراق أيضًا لم يعد يد إيران كما كان بعد أن تحوّلت بعض فصائله إلى عبء أمني على الحكومة العراقية نفسها وكل هذا يجعل من إيران قوة متراجعة في الإقليم لا تبحث العواصم عن دور لها بل تدير ظهرها لمشروعها القديم لأن منطق الميليشيا لم يعد يصلح في زمن التوازنات الصلبة وفي ظل كل هذه الخسارات أدركت إيران أن المرحلة القادمة ستكون أكثر قسوة وأن الضربة القادمة لن تطال أذرعها فقط بل رأسها مباشرة لذلك بدأت بمحاولة تبريد الأجواء مع الولايات المتحدة على أمل إعادة رسم مستقبل جديد لها في المنطقة محاولة استباقية لفهم أن الضربة القاسمة  القادمة  او اعادة تدوير الزاويا الخفية 
3. الصين وموازين الطاقة.. الحذر قبل العاصفة
الصين تراقب مفاوضات واشنطن وطهران من زاوية مختلفة كليًا فهي لا تهتم كثيرًا بجوهر التفاهم النووي بقدر ما يقلقها تأثير أي اتفاق على موازين الطاقة والعبور التجاري في المنطقة أي رفع للعقوبات عن إيران سيعني تحرير ملايين البراميل من النفط الخام الذي كان محتجزًا في الداخل الإيراني وهذا سيُحدث ارتباكًا في السوق التي كانت بكين تهيمن عليها عبر عقود٫ طاقة مريحة مع دول معزولة وضعيفة مثل إيران الصين كانت ترى في طهران حليفًا مضطرًا يعتمد عليها في كل شيء لكن الانفتاح الأمريكي يعني أن إيران قد لا تعود بحاجة ماسة لبكين وقد تفضل عقودًا مع أوروبا أو حتى شركات أمريكية إذا فُتحت لها الأبواب وهذا يربك استراتيجية الصين التي قامت على بناء نفوذ اقتصادي صامت عبر السيطرة على خطوط الإمداد وتأمين احتياجاتها بأسعار تفضيلية كما أن دخول إيران مجددًا إلى السوق العالمي يعيد تشكيل مشهد الموانئ وممرات العبور من الخليج إلى آسيا الوسطى وهذا ما لا يناسب بكين التي تريد استقرارًا في الظل لا تغيرات في العلن الصين إذًا لا تخشى الاتفاق ذاته بل تخشى أن تفقد إيران كحليف مرن ومضطر وتتحول إلى لاعب مستقل يناور شرقًا وغربًا وهذه الخسارة قد تكون الأثقل في حسابات بكين الجيوسياسية
4. ويتكوف وبوتين.. ما هو أبعد من أوكرانيا
اللقاء الأخير بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن لقاءً عابرًا هدفه إنهاء الحرب في أوكرانيا كما أراد البعض أن يصوّره بل كان أوسع من ذلك بكثير الملف الأوكراني كان الحاضنة لكنه لم يكن المحور المحادثات شملت بوضوح مستقبل الحضور الروسي في فلكها التقليدي موسكو في دمشق موسكو في طهران موسكو في بكين موسكو في شرق أوروبا موسكو وهي تتعامل مع تصدّع دوائرها الاستراتيجية تحاول أن تضمن بقاء موطئ قدم في عواصم بدأت تنفلت من قبضتها سوريا اليوم لم تعد كما كانت قبل خمس سنوات هناك تنسيق خليجي تركي روسي لا يسمح بعودة الفوضى الإيرانية وإيران نفسها التي كانت تلعب دور الوكيل أصبحت عبئًا على موسكو سياسيًا واقتصاديًا وفي الصين تبحث روسيا عن تنسيق أمني اقتصادي مشترك لا عن تحالف متين وهي في ذلك تحاول تحييد بكين عن التمدد الأمريكي عبر ملفات الطاقة أما في أوروبا الشرقية فإن روسيا تشعر أن طوق الحصار يضيق حولها وأن أي تفاهم أمريكي إيراني سيجعلها  أكثر  حزم بالملف اواكرانيا  فلذلك فإن اللقاء بين ويتكوف وبوتين قد يكون الخطوة الأولى نحو ترسيم نظام دولي جديد يتوزع فيه النفوذ لا بالانتصار ولا بالهزيمة بل عبر المقايضة٫ روسيا قد تتخلى عن بعض الأوراق بشرط أن تبقى لاعبًا في طاولة القرار وهو ما تحاول أمريكا رسمه عبر تهدئة مع إيران من جهة وضغط استراتيجي على موسكو من جهة ثانية٫
في عالم السياسة لا شيء ثابت خصوصًا حين يكون السمسار هو من يزعم قيادة دولة عظمى حين تصبح المبادئ سلعة والعلاقات الدولية مزادًا مفتوحًا من يدفع أكثر ومن يتنازل أكثر تضيع البوصلة وتتيه الدول بين الخرائط القديمة والواقع الجديد
في زاوية حادة لا نصدق ما يُقال بل نراقب ما يُخفى وما يُساوم عليه
منشور

ما نحتاجه ليس فائض قوة، بل فائض وعي.

المقال الأسبوعي زاوية حادة
ما نحتاجه ليس فائض قوة، بل فائض وعي.
بقلم: د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
في سباقها التاريخي نحو تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، سعت تل أبيب إلى تثبيت مشروع توسّعي من "النيل إلى الفرات"، لكن الواقع الميداني اليوم لا يشي إلا بانكماش استراتيجي، وانكشاف أخلاقي، وهشاشة داخلية غير مسبوقة.
فمنذ السابع من أكتوبر، تواجه إسرائيل أزمة مركّبة لم تفلح ترسانتها العسكرية، ولا دعمها الدولي، في تحويلها إلى نصر سياسي أو ميداني.
لكن المفارقة ليست فقط في تراجع المشروع الإسرائيلي، بل في حالة الغرق التدريجي في قطاع غزة، حيث القوة لم تنتج إلا الدمار، والردع تحوّل إلى مأزق طويل الأمد.
إسرائيل التي أرادت فرض سيطرتها المطلقة، تجد نفسها اليوم أمام مشهد يُشبه المستنقع: كلما تقدمت خطوة، غرقت أكثر في وحول الخسارة المعنوية والسياسية.







في المقابل، يقف الفلسطينيون اليوم في لحظة حرجة لا تقل تعقيداً. فالدمار الشامل في غزة، والانقسام السياسي، والجمود في القيادة، جعل القضية الفلسطينية رهينة فصائلية وغياب المشروع الوطني الجامع. وهنا، لا بد من الاعتراف بأن حماس، رغم مشروعها المقاوم، أصبحت عبئاً سياسياً على الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة.
إن ما جرى في 7 أكتوبر، بصرف النظر عن دوافعه، فرض على الشعب الفلسطيني أثماناً غير مسبوقة. ولذلك، فإن السؤال لم يعد إن كانت حماس قد "انتصرت" أو "هُزمت"، بل الأهم:
هل كان ذلك قراراً فلسطينياً خالصاً؟
أم أنه تسرّب من صراعات إقليمية؟
أم أنها لحظة عبثية انفجرت في توقيت خاطئ ومكان أكثر خطورة؟
وقد يكون من الضروري الإشارة هنا إلى أن هذا الحدث أيضاً يعكس انزلاق الصراع الفلسطيني نحو محاور إقليمية متشابكة، تفقد معه المبادرة الفلسطينية استقلالها وقدرتها على ضبط التوقيت والسياق.
بعيداً عن هذه الأسئلة التي يجب أن يُترك جوابها للتاريخ والتحقيق، آن الأوان أن نتحرك في الاتجاه المعاكس للفوضى والانفراد.
المطلوب اليوم إعادة الاعتبار للممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني: منظمة التحرير الفلسطينية، عبر إعادة تفعيل مؤسساتها، وتوسيعها، واستعادة دورها في توحيد الصف الفلسطيني.
وفي المرحلة الراهنة، فإن تشكيل حكومة تسيير أعمال فلسطينية من التكنوقراط أصبح ضرورة ملحّة، لوقف النزيف السياسي والاجتماعي، والتفرغ لإدارة مرحلة إعادة الإعمار، وضمان وحدة القرار تحت مظلة وطنية جامعة لا فصائلية.
ولا يعني ذلك نزع شرعية المقاومة أو إقصاء أحد، بل إعادة ضبط المسار السياسي ضمن مؤسسة وطنية تستند إلى الشرعية الجماعية لا الأحادية.
ولا يمكن لهذا المشروع أن يكتمل دون دور عربي محوري تقوده مصر، الأردن، والسعودية، لدعم صيغة سياسية واضحة تشمل إعادة إعمار غزة، وإنهاء حالة العزل، وتوفير ضمانات إقليمية ودولية بعدم تكرار سيناريوهات الانفجار.
من "غزة إلى الغرق"، هذه هي المعادلة التي يجب أن نواجهها بواقعية. لم تعد القضية تحتمل المزيد من الإنهاك الفصائلي، ولا صراعات "الشرعيات المتوازية"، ولا مقامرة جديدة بمصير شعب كامل.
الوطن ليس منصّة تجريب، والمقاومة لا تعني الاستفراد بالقرار، والتمثيل لا يمكن أن يُمنح بقوة السلاح فقط.
ما نحتاجه ليس فائض قوة، بل فائض وعي.
ليس احتكار البطولة، بل توسيع دوائر القرار.
ليس تصفية طرف، بل إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني.
اللحظة التاريخية التي نعيشها تتطلب شجاعة كبرى للخروج من سرديات الخسارة والنصر، والانتقال نحو مشروع سياسي شامل يعيد للشعب الفلسطيني صوته، ولمشروعه التحرري مكانته، في زمن تتآكل فيه الجغرافيا، ويتفكك فيه المعنى.
ربما لم نكن نملك خيار 7 أكتوبر، لكننا اليوم نملك خيار ما بعده