منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

تعريف الازمة المالية .في العالم




تعريف الازمة المالية 

تعريف الأزمة المالية ......................................... 1
نشأة الأزمة العالمية في أمريكا .............................. 2
انتقال الأزمة العالمية الي أوربا واسيا ...................... 3-4
تأثير الأزمة على الدول العربية ............................. 5-6
الخلاصة والتعليق ............................................ 7-8



تعريف الازمة المالية


الأزمة المالية هي التداعيات الناجمة عن أزمة الرهون العقارية التي ظهرت على السطح في العام 2007 بسبب فشل ملايين المقترضين لشراء مساكن وعقارات في الولايات المتحدة في تسديد ديونهم للبنوك وأدى ذلك إلى حدوث هزة قوية للاقتصاد الأميركي، ووصلت تبعاتها إلى اقتصادات أوروبا وآسيا مطيحة في طريقها بعدد كبير من كبريات البنوك والمؤسسات المالية العالمي ولم تفلح مئات مليارات الدولارات التي ضخت في أسواق المال العالمية في وضع حد لأزمة الرهون العقارية حتى تطورت إلى أزمة مالية عالمية، لم يخف الكثير من المسؤولين خشيتهم من أن تطيح بنظم اقتصادية عالمية وأن تصل تداعياتها إلى الكثير من أنحاء العالم.
فصرح الرئيس الأميركي جورج بوش ان الاقتصاد الأميركي في خطر، وقطاعات رئيسية في النظام المالي الأميركي مهددة بالإغلاق.
صرح مدير مكتب العمل الدولي خوان سومافيا ان الازمة المالية قد تتسبب في تحويل 20 مليون شخص في العالم الى عاطلين عن العمل بحلول نهاية 2009.
حذر صندوق النقد الدولي من أن العالم يواجه أسوأ وضع اقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية.
صندوق النقد يتوقع أن ينخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي الى 0.5 بالمئة، ومع تزايد عدد السكان، فإن ذلك يعني انخفاضا في معدل الدخل الفردي
. يتوقع صندوق النقد أيضاأن تنكمش الاقتصادات النامية بينما تتباطأ معدلات النمو بشدة في الاقتصادات الأخرى.
تقول المنظمة التابعة للأمم المتحدة إن هذا سيؤدي إلى زيادة نسبة البطالة عالميا إلى 7.1 في المائة بنهاية عام 2009، مقارنة بستة في المائة في 2008 و5.7 في المائة في 2007.


 نشأة الأزمة المالية العالمية فى أمريكا

      بدأت الازمة المالية العالمية في امريكا في منتصف شهر  سبتمبر/أيلول لعام2007 لدرجة أن المحللين الاقتصاديين والسياسيين اعتبروا بداية الأسبوع الثالث في هذا الشهر "أسبوعا داميا" وتاريخيا للاقتصاد الأميركي انهارت فيه مؤسسات مالية ضخمة، بعد سنوات طويلة من النجاح.
    إن الأزمة المالية بدأت نتيجة لارتفاع مغال فيه في أسعار  العقارات بما لا يتناسب مع العرض والطلب الحقيقي في أمريكا نتيجة سهولة الحصول على القروض، وعندما عجز المقترضون عن سداد الدين أعادوا المنازل إلى البنوك التي لم تجد من يشتريها، وتفاقمت المشكلة مع عجز الشركات عن تسويق وإعادة بيع هذه العقارات نتيجة لارتفاع أسعارها بشكل مبالغ, وكذلك إلى تراجع القدرة الشرائية لمشتري العقارات من ناحية أخرى ما أدى إلى انتقال العدوى إلى سائر المؤسسات المثيلة.
إنه كان من الطبيعي أن يتأثر السوق الأمريكي بشدة في هذه الحالة, ولكن نتيجة للأوراق التي باعتها البنوك إلى مؤسسات أخرى أو ما يسمى بدأ المستثمرون في جميع أنحاء العالم أكثر حذرا في استخدام هذه الأوراق المالية ولم يعد هناك مشترون لها.

وأدي ذلك الي
اعلان بنك الاستثمار الأميركي (ليمان برذارز) عن إفلاسه بعد فشل جهود المسؤولين الأميركيين في وزارة الخزانة والاحتياطي الاتحادي الأميركي لإنقاذ البنك.
انخفاض حاد في الأسواق المالية العالمية بنك واكوفيا - رابع أكبر مصرف في الولايات المتحدة- بيع لمؤسسة سيتي غروب المصرفية الأميركية ضمن موجة الاندماجات في السوق الأميركية لمواجهة تبعات الأزمة المالية تدخل الحكومة البريطانية لإنقاذ بنك "أتش بي أو أس" عن طريق قيام بنك لويدز بشرائه بمبلغ 12 مليار جنية إسترليني.
بنك واكوفيا - رابع أكبر مصرف في الولايات المتحدة- بيع لمؤسسة سيتي غروب المصرفية الأميركية ضمن موجة الاندماجات في السوق الأميركية لمواجهة تبعات الأزمة المالية

 انتقال الأزمة المالية العالمية إلى أوروبا وأسيا

          ٳن انهيار القطاع العقاري الأمريكي جعل أزمة القروض العقارية السيئة تنتشر حول العالم وتقود إلى انكماش ائتماني وصعوبة في الإقراض وركود في الاقتصاد تطلب تدخل البنوك المركزية، بضخ المليارات من السيولة النقدية في القطاع المصرفي، وذلك لشراء أصول فاسدة من البنوك، كما تضمنته خطة الإنقاذ الأمريكية على سبيل المثال ورفع مبلغ الضمان الحكومي على المدخرات، كما ورد في خطة الإنقاذ الأمريكية بحيث تضمن ودائع الأفراد من 100 ألف إلى 250 ألف دولار لمنع أي خوف على الودائع البنكية.
    امتد اثر الازمة المالية العالمية بطبيعة الحال ليشمل الدول الأخرى وعلى رأسها دول الاتحاد الأوربي،حيث تواصل المد الزلزالي الاقتصادي ليطال مؤسسات مالية كبرى في أوروبا وآسيا باعتباره نتيجة محتومة لارتباطها الاستثماري بالسوق المالية الأميركية.انتقلت الازمة الى اوروبا و آسيا لارتباط كثير من الؤسسات المالية فيهما بالسوق المالية الامريكية, ثم تطورت لأزمة كبرى تهدد الاقتصاد العالمى.
اوروبا:
هبط الانتاج الصناعى الاوروبى بمعدل 1.9 % وهو الانخفاض الاكثر حدة فى شهر واحد وارتفعت حالات البطالة فى الاقتصاد البريطانى, واصبحت ايرلندا اولى دول الاتحاد الاوروبى دخولا فى الكساد الاقتصادى.

ألمانيا :
الاقتصاد الألماني سقط في مرحلة من الركود لأول مرة منذ خمس سنوات.وعلى الصعيد الأوروبي توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انكماش اقتصاد منطقة اليورو في 2009 بنسبة 0.5%، وتسجيل نسب نمو ضعيفة هذا العام.

إيطاليا:
انكمش الاقتصاد بنسبة 0.5% في الربع الثالث من 2008، وهو أعمق تراجع ربع سنوي منذ عشر سنوات.ويتوقع المحللون أن يستمر الركود لمدة ثلاثة أرباع أخرى على الأقل .

ايسلاندا:
واجهت أزمة اقتصادية حادة تكللت بالاعلان عن أن بنوكها راكمت ديونا تبلغ قيمتها ستة أضعاف الناتج الاقتصادي للبلد.
انهارالنظام المالي في ايسلاند في شهر أكتوبر/تشرين أول الماضي تحت كاهل الديون مما أدى الى أزمة عصفت بالعملة وزيادة نسبة البطالة وقيام مظاهرات احتجاجية.

إسبانيا:
أعلنت انكماش الاقتصاد في الربع الثالث للمرة الأولى منذ 15 عاما، ما يجعل البلاد على شفا السقوط في فترة ركود.
صرح مكتب الإحصاء الوطني الإسباني إن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة 0.2% في الربع الثالث مقارنة بالربع السابق عليه في أول انكماش فصلي منذ العام 1993

آسيا:
تأثرت آسيا تأثرا بالغ الخطورة بما حدث مثل تراجع مؤشرات البورصة اليابانية لاقل معدلاتها وايضا امتدت الازمة الى كل من شنغاهاى و هونج كونج وغيرها.
الأزمة العالمية تدفع بـ140 مليون في آسيا إلي دائرة الفقر:
مع استمرار الأزمة المالية العالمية وتزايد تأثيراتها يوما بعد يوم حذرت منظمة العمل الدولية من أن ارتفاع معدل البطالة سوف يدفع بنحو 140 مليون شخص في آسيا إلى دائرة الفقر المدقع عام 2009.

الصين:
أدت الاضطرابات الاقتصادية العالمية إلى خفض كبار المستوردين للمنتجات الصينية لمشترياتهم، وهو ما أدى إلى إغلاق العديد من المصانع.
أعلن رئيس الحكومة الصينية وين جياباو أن الازمة المالية العالمية كان لها "اثر كبير نسبيا" على الاقتصاد الصيني.




 تأثير الأزمة المالية العالمية على الدول العربية

في هذا الإطار يمكننا تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات من حيث مدى تأثرها بالأزمة، وهي:

• المجموعة الأولى: هي الدول العربية ذات درجة الانفتاح الاقتصادي والمالي المرتفعة وتشمل دول مجلس التعاون الخليجي العربية.
• المجموعة الثانية: وهي الدول العربية ذات درجة الانفتاح المتوسطة أو وفق المتوسطة ومنها مصر والأردن وتونس.
• المجموعة الثالثة: وهي الدول العربية ذات درجة الانفتاح المنخفضة ومنها السودان وليبيا.

بالنسبة للمجموعة الأولى فإن صادراتها تمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي، ويعتبر النفط هو المصدر الرئيسي للدخل الوطني. وقد لوحظ جراء تداعيات الأزمة انخفاض أسعار النفط من حوالي 150 دولارا للبرميل في شهر يوليو/تموز الماضي إلى حوالي 77 دولارا للبرميل حاليا، أي بانخفاض بنسبة 50%. ومما لا شك فيه أن هذا الانخفاض الحاد سيؤثر على وضع الموازنات العامة القادمة وعلى معدلات النمو الاقتصادي، إذ إن معدلات النمو في النصف الثاني من العام 2008 والعام 2009 ستنخفض مقارنة بمعدلات عام 2007 والنصف الأول من العام 2008.
من ناحية أخرى، يلاحظ أن النشاط المالي لدول الخليج في العالم الخارجي كبير، حيث تم استثمار جزء لا يستهان به من عوائد النفط، وحيث يلاحظ أن دول الخليج أصبحت تمتلك صناديق ثروات سيادية تستثمر في الخارج خصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا.
ومما لا شك فيه أن هناك بعض الصناديق التي يمكن أن تكون لها استثمارات في بعض المؤسسات المالية المتعثرة.
وتشير بعض التقديرات إلى أن خسائر صناديق الثروات السيادية في الدول الناشئة بما فيها دول الخليج تقدر بحوالي 4 مليارات دولار.
وتقدر الاستثمارات العربية بالخارج بحوالي 2.4 تريليون دولار، وكما هو معلوم فإن هذه الاستثمارات مملوكة للحكومات والأفراد ولكن معظمها يعود لدول الخليج وسوف تتأثر تلك الاستثمارات بحسب الجهة التي يتم الاستثمار فيها.
وكلما كانت تلك الجهة تتميز بدرجة عالية من المخاطر، فإن درجة التعرض إلى خسائر تكون أكبر، ومما لا شك فإن هناك بعض الخسائر ولكن غير معلن عنها.

أما بالنسبة للبورصات فإن حالة الخوف والفزع هي التي أصابت المستثمرين في العالم كله ابتداء من أميركا، حيث انهارت بورصة وول ستريت إلى بورصة إندونيسيا التي أغلقت أبوابها مرورا بالبورصات في معظم دول العالم ومنها إلى البورصات العربية وخصوصا الخليجية والمصرية.
أما بالنسبة لدول المجموعة الثانية فإن تأثرها بالأزمة سيكون أقل من دول المجموعة الأولى باستثناء تأثر البورصات فسيكون في مستوى تأثر بورصات المجموعة الأولى.
أما بالنسبة لدول المجموعة الثالثة، وهي ذات درجة الانفتاح الاقتصادي والمالي المحدودة، فسيكون التأثير عليها محدودا أيضا.

دبي:
 تتحرك إمارة دبي في كل الاتجاهات لإنقاذ قطاعها العقاري الذي فقد نحو 35 في المئة من قيمته منذ اشتداد تداعيات أزمة المال العالمية التي أطاحت بالكثير من كبرى المؤسسات المالية والمصرفية حول العالم .
انكماش محدود لنسبة النمو،ونزولأسعار النفط خلال هذه السنة إلى مستوى يهدد هذه الموازنات.
انخفاض أسعار المواد المدعومة، أي أسعار الغذاء والبنزين، بدعوى انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية، إذ ما زالت هذه الأسعار في معظم الحالات دون مستوياتها العالمية.
معظم الشركات المملوكة لحكومة دبي عليها مديونية كبيرة جدا تقدر ب 70 مليار دولار للبنوك العالمية التي تعاني اليوم من ازمة الرهن العقاري ,اضافة لدين الحكومة الذي يقدر ب 10 مليار دولار بمعنى اجمالي الدين المعلن هو 80 مليار انها مبالغ كبيرة.

مصر:
صعوبة حصول المواطن العادي على الدولار من أجل الأغراض الضرورية كالسفرأوللدراسة في الخارج. ولن يحصل على كل ما يريد بسبب تشدد البنوك وشركات الصرافة في بيع الدولار للجمهور إلا في حدود 1000 دولار، وقد يحتاج الفرد إلى إذن أو واسطة من أجل ذلك.
 فقد تعرضت البورصة المصرية إلي ضربة قاسمة عندما سارع المستثمرون الأجانب والمصريون بالخروج عن طريق بيع الأسهم بأسعار اقل من قيمتها .
 تعرضت مصر لإنخفضات بالبورصة وصلت الى 44% وتتوالى الإنخفضات
تزايدت نسبة الديون المتعثرة في الجهاز  المصرفي المصري بنسبة 26.3 % من إجمالي حجم القروض.
ظهور مشكلة تهاوى أسعار الأسهم عن قيمتها الأصلية بنسبة تتراوح ما بين 40%إلى 60.
تأثرت الأسواق المصرية بشدة متمثلة في أسواق الغازو أسواق الذهب وأسواق السياحة وكذلك دخول قناة السويس وعائدات المصريين في الخارج.

سوف يقل التصدير حيث تأثر الدول التى يتم التصدير لهابالازمة المالية وبالتالى ستحجم عن الإستيراد منا وذلك حيث أن معظم صادراتنا لأوربا وأمريكا.
تمثل نسبة سياح أوربا 60% من نسبة السياحةلدينا وبالتالىسوف تتأثر السياحة .                      


الخلاصة والتعليق

 وفي سبيل معالجة الازمة:
اعتبر صندوق النقد الدولي ان السياسات المالية القادمة يجب ان :
تتمحور حول الاعتراف بحجم الخسائر التي منيت بها المؤسسات المالية من جهة
تقديم الدعم للمؤسسات القادرة على الاستمرار من جهة اخرى.

تقوم البنوك المركزية، بضخ المليارات من السيولة النقدية في القطاع المصرفي، وذلك لشراء أصول فاسدة من البنوك، كما تضمنته خطة الإنقاذ الأمريكية على سبيل المثال ورفع مبلغ الضمان الحكومي على المدخرات، كما ورد في خطة الإنقاذ الأمريكية بحيث تضمن ودائع الأفراد من 100 ألف إلى 250 ألف دولار لمنع أي خوف على الودائع البنكية.
التيسيرات الإجرائية للتعجيل بالموافقة علي المشروعات الصناعية لجذب المستثمرين.
توجه صيني قوي لتعزيز التعاون مع دول القارة الأفريقية وذلك في إطار الإجراءات التي تتخذها حاليا الحكومة الصينية لاحتواء تأثيرات الأزمة المالية العالمية.
البنوك المركزية في مجموعة الاقتصاديات الرئيسية في العالم، ومنها البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، تتفق على ضخ 180 مليار دولار في الأسواق عن طريق زيادة مشترياتها من سندات الخزانة الأميركية.

قررت الإدارة الأميركية تخصيص نحو 150 مليار دولار من خلال خطة حوافز مالية تتضمن إعفاءات ضريبية مدتها سنتين منها 100 مليار للأفراد و 50 مليار للشركات. يهدف هذا الإجراء إلى زيادة الاستهلاك لتنشيط الاقتصاد.
  موافقة عشرة مصارف دولية على إنشاء صندوق للسيولة برأسمال 70 مليار دولار لمواجهة أكثر حاجاتها إلحاحا، كما تعلن المصارف المركزية موافقتها على فتح مجالات التسليف.



العالم يواجه أسوأ نمو اقتصادي منذ الحرب الثانية. فتقول المنظمة التابعة للأمم المتحدة إن الازمة المالية العالمية ستؤدي إلى زيادة نسبة البطالة عالميا إلى 7.1 في المائة بنهاية عام 2009، مقارنة بستة في المائة في 2008 و5.7 في المائة في 2007. تقول منظمة العمل الدولية إنه "لو زادت حدة الكساد في 2009 فإن العديد من المحللين يتوقعون أن تتعمق أزمة البطالة العالمية.وعمليا فإن 30 مليون شخص سيفقدون وظائفهم ما يرفع نسبة البطالة عالميا إلى 6.5 في المائة.
*أضاف التقرير الذي أوردته وكالة الأنباء القطرية أن زيادة عمليات تسريح العمال وعدم وجود نظم ضمان اجتماعي مناسبة يمكن أن تدفع بأعداد متزايدة من الناس إلى العمل في مهن خطيرة لمجرد الوفاء باحتياجات عائلاتهم.
وذكر التقرير أن هناك زيادة كبيرة متوقعة في الفقر لأكثر من 140 مليون شخص عام 2009 في ظل هذا السيناريو السئ وهو الأمر الذي يعيد منطقة آسيا والمحيط الهادي إلى معدلات نقص فرص العمل التي شهدتها عام 2004...      




منشور

الآثــار المتوقعة للأزمة الماليــة علي قطاع النفط..مدونة د هشام عوكل


الآثــار المتوقعة للأزمة الماليــة علي قطاع النفط



المشهد العالمي الراهن

علي الرغم من أن الأزمة المالية العالمية بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن آثارها انتقلت إلي الاقتصاد العالمي وتأثر بها بشكل كبير الدول الأكثر تقدما ممثلة في دول الإتحاد الأوربي واليابان وكوريا الشمالية، وذلك لارتباط هذه الكيانات بشكل مباشر بالولايات المتحدة الأمريكية.

بدأت الأزمة كنتيجة للتوسع في تسويق العقارات لمحدودي الدخل في الولايات المتحدة في الولايات المتحدة الأمريكية دون مراعاة للحدود الإئتمانية السليمة، وبشروط تبدو سهلة للوهلة الأولي ولكن بعقود تضمنت نصوصا تجعل القسط يرتفع مع طول مدة الإقراض، وعند عدم السداد لمرة واحدة تؤخذ فوائد القسط ثلاثة أضعاف عن الشهر الذي لم يتم سداده، وخلال عامي 2006 و 2007 بدأت أسعار الفائدة في الإرتفاع علي غير المتوقع مما أدي إلي تزايد التزامات محدودي الدخل حيث ارتفعت أعباء قروض العقارات التي التزموا بها بالإضافة إلي القروض التي تشكل قيمة العقارات ضمانا لها فامتنع الكثيرون عن السداد بعد أن أرهقتهم الأقساط المتزايدة لتبدأ أسعار العقارات في الإنخفاض [[1]].

ومع استمرار هذا الوضع علي مدي سنوات عديدة شجع ذلك البنوك وشركات التمويل العقاري في أمريكا علي توريق هذه المديونية العقارية في شكل أسهم وسندات حملت درجة مرتفعة من التقويم المالي بحيث دخلت في المحافظ الاستثمارية لبنوك أوروبا وبنوك شرق آسيا في الدول ذات الفوائض المالية الضخمة‏,‏ استنادا إلي أن هذه الأسهم والسندات تعكس ملكية عقارية قوية ضامنة للسداد‏، وفي ظل تزايد مخاطر عدم السداد قامت البنوك وشركات العقارات ببيع ديون المواطنين في شكل سندات لمستثمرين عالميين بضمان العقارات، الذين لجأوا بدورهم –بعد أن تفاقمت المشكلة- لشركات التأمين التي وجدت في الأزمة فرصة للربح بضمان العقارات فيما لو امتنع محدودي الدخل عن السداد.

ومع تعاظم عجز الموازنة العامة للحكومة الأمريكية نتيجة الانفاق الحربي والذي صاحبه عجز أكبر في الميزان التجاري للدولة‏,‏ بدأ تحول ملحوظ من الدولار إلي العملات الرئيسية الأخري في التسويات الدولية‏,‏ وبالتالي انخفاض ملحوظ في سعر صرف الدولار وحجم التدفقات المالية إلي الولايات المتحدة الأمريكية انعكس علي السيولة التي تمتعت بها سوق المال الأمريكية والتي كانت تضمن الاستمرارية في الحلقة المفرغة السابقة‏،‏ ونجم عن ذلك سلسلة من العجز في سداد المديونية العقارية نتيجة لبوادر الكساد المقبل مع ارتفاع عبء المديونية علي المقترضين بما يفوق قدراتهم المالية خاصة مع انقضاء فترة السماح الأولي المصاحبة للعديد من القروض العقارية مما أدي إلي توقفهم عن السداد وانعكاس ذلك علي قدرة شركات التمويل العقاري علي سداد ديونها إلي البنوك‏,‏ مما اضطر العديد منها إلي إعلان توقفه أيضا عن سداد الودائع‏,‏ الأمر الذي انعكس علي درجة ثقة العالم في الملاءة المالية لهذه المؤسسات‏,‏ وبالتالي انتشرت موجة من التوقف لدي العديد من البنوك العالمية والمؤسسات المالية‏,‏ مع امتداد موجة فقدان الثقة إلي أسواق المال العالمية التي واجهت موجات متتالية من الانخفاضات زادت من حدة أثر الأزمة المالية مما اضطر العديد من الحكومات الغربية ودول شرق آسيا إلي رفع ضمانها للودائع لدي بنوكها إلي أضعاف ماكانت عليه لوقف نزيف السحب المفاجئ علي هذه البنوك‏ [[2]].‏

كذلك قام العديد من الحكومات بضخ أموال عامة في أسواقها لشراء الأصول المتعثرة إما مباشرة أو من خلال الجهاز المصرفي‏,‏ كما قامت البنوك المركزية بتخفيض اسعار الفائدة واتباع سياسات نقدية ميسرة لزيادة حجم النقود في مجتمعاتها‏,‏ وعقدت اجتماعات دولية لمناقشة مدي ملاءمة استمرار النظام المالي العالمي الحالي مع بحث مدي الحاجة إلي تعديل النظم الأساسية لمؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما يسمح لها بالتدخل في عملية الإنقاذ‏.‏
وعندما تفاقمت الأزمة وتوقف محدودي الدخل عن السداد اضطرت الشركات والبنوك لمحاولة بيع العقارات محل النزاع والتي رفض ساكنوها الخروج منها فعجزت قيمة العقارات عن تغطية التزامات البنوك أو شركات العقار أو التأمين، مما أثر علي السندات فطالب المستثمرون بحقوقهم عند شركات التأمين فأعلنت أكبر شركة تأمين في العالم "AIG" عدم قدرتها علي الوفاء بالتزاماتها تجاه 64 مليون عميل تقريبا مما دفع بالحكومة الأمريكية إلي منحها مساعدة بقيمة 85 مليار دولار مقابل امتلاك 79.9% من رأسمالها، ولحق بها كثير من المؤسسات المالية الأمريكية مثل مورجان ستانلي، وجولدنمان ساكس، وليمان برزرز.

وبالنسبة للإستثمارات في قطاع الطاقة فمن المنطقي أن تتأثر لأن الدول الأوربية والآسيوية عندما ضخت أموالا في بنوكها إنما كان بهدف أساسي وهو خدمة المجتمع الداخلي في هذه الدول وليس تصدير هذه الاستثمارات للخارج لإنتاج البترول، وبالتالي فمن الصعب تحريك هذه الأموال للاستثمار خارجيا، وهو ما سوف يؤدي إلي فتور همة المستثمرين إلا أن الأمل يرتبط بأن الأمور المتعلقة بالطاقة ينظر لها كناحية استراتيجية في تأمين الإمدادات وهو ما يمكن أن يعيد للاستثمارات العالمية القوة والنشاط بعد فترة قصيرة [[3]]. وقد أثرت الأزمة المالية العالمية علي قطاع الطاقة –علي الرغم من إنهيار أسعار البترول- في شكل إنخفاض الطلب علي موارد الطاقة وتحديدا البترول والغاز الطبيعي، ومن المتوقع أن تنخفض معدلات الطلب من جانب الدول علي هذين البديلين.

وعلي الرغم من أن حسابات تأمين الطاقة –ليس فقط في الدول العربية ولكن في كل دولة- هي حسابات استراتيجية ينبغي ألا تتأثر بالظروف والمتغيرات من ناحية أهدافها الاستراتيجية، إلا أن المؤشرات تشير إلي بعض التغيرات في الطلب علي موارد الطاقة، وعليه فمن المنتظر أن تواجه الدول العربية المصدرة للبترول والغاز الطبيعي خفض في الإيرادات لن يقل عن 60% (مقارنة بما كانت عليه الأسعار في يوليو 2008) إذا استمرت أسعار البترول علي نفس الوتيرة، وهو ما يعني أن الدول العربية فقدت إيراد كبير من هذه الصادرات، ومن الممكن تعويض هذا الخفض في الإيرادات بزيادة الإنتاج إلا أن هذا الأسلوب يعني إهدار للموارد إلي جانب أن هذا النهج يمكن أن يؤدي إلي إنهيارات للأسعار حيث تؤدي الزيادة في العرض إلي خفض الأسعار وهو ما يعني مزيد من الخسائر، وبناء علي هذا يجب تقييم الوضع في كل دولة علي فترات متقاربة ووضع خطط تتميز بالديناميكية بمعني سهولة تغييرها لتلبي المتطلبات والمستجدات سواء علي الساحة المالية أو في مجال البترول.

أيضا، طرحت بعض الأصوات ضرورة وجود نظام عالمي للرقابة المالية وذلك لعدم الثقة في النظم المحلية لكل دولة علي حدة، وذلك بهدف المحافظة علي استقرار الأسواق وخاصة أسواق دول رأس المال، أي أن الدعوة إلي عولمة النظام المالي العالمي يجب أن ترتبط بعولمة الرقابة، إلا أن دور النظام المقترح للرقابة غير واضح المعالم، وهو ما يدعو إلي طرح أسئلة من قبيل هل يقوم النظام المقترح بتحديد قنوات للتعامل مع الوفورات المالية؟ وما هي أبعاد تدخله في السياسات المحلية لكل بلد؟ وهل يسمح لهذا النظام بالمتابعة والتوجيه أم المتابعة والإلزام؟ وأخيرا هل سيتدخل في مجالات استثمار الدول كل علي حده؟، كل هذه الأسئلة تستدعي إجابات يختلف صداها من دولة لأخري.

الآثار المحتملة علي قطاع النفط

يعد النفط -حتى الآن- اللاعب الرئيسي في سوق الطاقة، والذي تبلغ حساسيته إلي التأثر الشديد بالمتغيرات سواء سياسية
أو طبيعية أو اقتصادية، ويمكن إيجاز هذه المتغيرات في ست عوامل هي أولا: نوع الخام، حيث يقل حاليا المتاح من الخام الخفيف، ثانيا: حجم الاستكشافات، فعلي الرغم من زيادة حجم استكشافات النفط عالميا إلا أن إنتاج هذه الحقول لا يعد ضمن الحقول العملاقة الكفيلة بتغيير موازين السوق، ثالثا: القوة الشرائية للدولار، فخلال الشهور الماضية شهدت أسواق المال تغير قيمة الدولار مقارنة باليورو وهو ما يؤثر علي سعر النفط، رابعا: نمو الطلب، تمثل الاقتصادات الناهضة في آسيا (الصين والهند) نقاط ماصة للإنتاج العالمي من النفط حيث يتزايد طلب هذه الأسواق عليه لتلبية الحاجة إلي النمو المتصاعد والذي يتراوح سنويا بين 4% و5%، خامسا: التوترات السياسية بين الغرب وإيران وأيضا الحرب في العراق كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في سعر النفط، سادسا: الكوارث الطبيعية، مثل الأعاصير والزلازل والبراكين وما ينتج عنها من تعطل البنية التحتية لإنتاج النفط وتكريره [[4]]

ويمكن توصيف التداعيات المحتملة للأزمة المالية العالمية علي قطاع النفط العالمي من خلال دراسة المتغيرات في الطلب علي النفط التعرف علي آثار إنخفاض أسعاره.
الطلب علي النفط
ارتفع متوسط الطلب علي النفط في عام 2008 بمقدار 0.5% مقارنة بعام 2007 أي بزيادة في متوسط الإنتاج اليومي بلغت 432 ألف برميل يوميا ليسجل الطلب اليومي 86.5 مليون برميل، وهو ما يعني أن التغير في حجم الطلب علي مستوي مناطق العالم كان طفيفا، يأتي هذا علي الرغم من التوسع في عمليات التصنيع والاعتماد علي الطاقة في كافة أنحاء العالم، وهو ما يستدعي اسئلة من قبيل هل يرجع سبب تباطوء النمو في الطلب علي النفط إلي ركود الأسواق العالمية متأثرة بالأزمة المالية العالمية؟ وبالتالي تخفيض المصانع لقدراتها الإنتاجية، أم أن هذا التباطوء يرجع إلي تطبيق سياسات ترشيد وتحسين كفاءة الطاقة بما يسمح بالحصول علي نفس الخدمات مع استهلاك طاقة أقل؟، أيضا يأتي الاعتماد علي بعض البدائل في إنتاج الطاقة عامل ذو تأثير في تقدير النمو علي الطلب؟ فمثلا استخدام وسائل المواصلات للوقود الحيوي بنسبة 2% خلال عام 2008 كبديل للبنزين أدي إلي خفض الاعتماد علي النفط، وارتفاع مشاركة الطاقة الكهربائية المولدة من الرياح في المنظومة العالمية أدي إلي تقليل الاعتماد علي الوقود الأحفوري في إنتاج الطاقة الكهربائية، هذ مع الإقرار بأن مساهمة هذه البدائل يعد صغيرا بالمقارنة بالنفط إلا أنها علي الأقل تعمل علي تخفيف معدل الزيادة السنوي وامتصاص جانب من الزيادة في الطلب علي النفط.

تشير التوقعات المستقبلية إلي توقع زيادة في الطلب علي النفط خلال عام 2009 بنحو 0.8% وذلك مقارنة بمعدل الطلب خلال عام 2008، أي أن المتوسط اليومي المتوقع للإنتاج خلال عام 2009 سوف يبلغ 87.2 مليون برميل وهو ما يترجم إلي زيادة في الإنتاج اليومي بنحو 700 ألف برميل نفط.

إلا أن الأمر الجدير بالاهتمام أن هذه الزيادة سوف تتركز في بعض مناطق العالم مثل منطقة الشرق الأوسط والتي يتوقع أن يصل حد الطلب فيها إلي 7.3 مليون برميل يوميا بزيادة 400 ألف برميل عن عام 2008، أما أوربا فيتوقع أن ينخفض الطلب فيها إلي حدود 15.9 مليون برميل يوميا وانخفاض الطلب الأمريكي بنحو 200 ألف برميل يوميا ليسجل 30.3 مليون برميل يوميا.

واعتمادا علي فرضية دخول العديد من مناطق ودول العالم في مرحلة ركود يمكن تبرير إنخفاض الطلب علي النفط في أوربا وأمريكا اللتان يتوقع إنخفاض الناتج المحلي، من ناحية أخري خفضت منظمة أوبك إنتاجها من النفط علي مرحلتين الأولي 0.3 مليون برميل يوميا في أكتوبر 2008 ثم 1.5 مليون برميل في نزفمبر من نفس العام في محاولة منها لتدارك الأسعار والتي إنهارت إلي حدود الأربعين دولار للبرميل بعد أن كانت 147 دولار في يوليو 2008.
انخفاض أسعار البترول
من المتوقع أن تراجع الشركات العالمية العاملة في البحث والتنقيب في قطاع البترول خططها في أنحاء العالم سواء علي برامج البحث والاستكشاف وتنمية الحقول  أو برامج الاستثمار والإنتاج، أيضا من المتوقع ألا تخصص الأموال التي ضختها بعض الدول الأجنبية بهدف تلافي تأثيرات الأزمة العالمية للاستثمارات الخارجية (خارج الدول نفسها)، وهو ما يعني أن استثمار هذه الأموال سوف يكون في مشروعات وطنية، ومن هذه الدول أمريكا التي منحت مؤسسة AIG مبلغ 85 مليار دولار مقابل امتلاكها 79.9% من رأسمالها، كذلك تدخلت الحكومة الأمريكية بمنع البيع علي المكشوف لنحو 799 سهم مدرجة في سوق الأسهم الأمريكية، وفي ألمانيا تم تخصيص خطة إنقاذ تضمنت تخصيص مبلغ 80 مليار يورو كسيولة مالية و400 مليار يورو كضمانات قروض، وفي بريطانيا أعلنت الحكومة أنها ستضخ 37 مليار جنيه استرليني لدعم ثلاثة بنوك بريطانية.

وبحسب تقرير لجنة الطاقة بمجلس الشعب، فقد أثر إنخفاض اسعار البترول في أسعار المنتجات البتروكيماوية في السوق العالمي بنسن تفاوتت من 40 إلي 67%، فعلي سبيل المثال إنخفضت أسعار البنزين بنسبة 67% وذلك من 1150دولار للطن في أغسطس 2008 إلي 379 دولار في نوفمبر من نفس العام، وهو ما قد يؤثر علي هذه الصناعات مستقبليا، وبالأخذ في الإعتبار أن هناك دول تنتج البترول بتكلفة 50 دولار للطن أصبحت هذه الدول في موقف حرج فهي إما تخرج من منظومة الإنتاج أو تنتج وتخسر.






[1]) تقرير لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب المصري (نوفمبر 2008)، "الصناعة والطاقة في مصر بين تداعيات الأزمة المالية العالمية وطموحات التنمية".
[2] ) فؤاد سلطان (2008)، "الأزمـة الماليـة العالميـة وآثارها المحتمـلة علي مصـر"، جريدة الأهرام.
[3]) تقرير لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب المصري (نوفمبر 2008).
[4]) محمد مصطفي الخياط (أكتوبر 2007)، "العوامل المؤثرة في أسعار البترول"، مجلة التكنولوجيا والصناعة، العدد 33.
منشور

سيادة الدول في ظل تحولات موازين القوة..مدونة د هشام عوكل


سيادة الدول في ظل تحولات موازين القوة
في النظام الدولي



د. حسن نافعة
أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة
1ـ عن المفهوم وإشكالياته:
"السيادة" مفهوم قانوني ـ سياسي ارتبط بوجود الدولة القومية الحديثة واصبح أحد أهم خصائصها وسماتها الرئيسية. وحين توصف الدولة بأنها كيان يتمتّع بالسيادة فالمقصود ان الدولة هي التنظيم السياسي والاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره أن يحتكر أدوات القوة التي يحتاجها، بما في ذلك أدوات القمع والإكراه، لفرض سلطته على مجمل الإقليم الذي يشكل حدوده السياسية، وعلى الأفراد الذين يقطنون هذا الإقليم. معنى ذلك أن تمتع الدولة بخاصية السيادة هو الذي يبرر احتكارها لأدوات القوة اللازمة لتمكينها من القيام بوظائفها وأدوارها المختلفة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهي وظائف وأدوار حيوية للغاية وغير قابلة للاختزال على الرغم من أن مضمونها وأساليب القيام بها تقبل التغير والتحول لمواكبة التطور المستمر في طبيعة العلاقات الدولية. فالدولة هي وحدها المسؤولة عن سن القوانين وفرض الالتزام بها وتحقيق الأمن والنظام والاستقرار في الداخل، وهي وحدها المسؤولة، في الوقت نفسه، عن الدفاع عن الوطن وحماية أمنه وسلامته وتكامله الإقليمي في مواجهة القوى والأطماع الخارجية.
ويرتبط مفهوم السيادة بمفهوم استقلال وحرية الإرادة، ولذلك يعد الاستقلال السياسي شرطا لازما لتمكين الدولة من ممارسة مظاهر سيادتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. بعبارة أخرى يفترض في السلطة السياسية التي تجسد إرادة الدولة وتمارس مظاهر السيادة باسمها أن تكون مستقلة وموحدة وفي وضع يمكّنها من فرض إرادتها وسيطرتها في الداخل وهيبتها واحترامها في الخارج، وأن تكون قادرة على التعامل بندية وتكافؤ مع الدول الأخرى. ولذلك تفقد الدولة من سيادتها بقدر ما تفقد من استقلالها. فالدول التي تخضع للاحتلال الأجنبي والاستعمار المباشر تفقد استقلالها، وبالتالي سيادتها، كلية. وقد شهدت العلاقات الدولية، عبر مراحل تطورها التاريخي، نماذج مختلفة لدول "فاقدة السيادة"، بسبب خضوعها للاحتلال المباشر، ولدول "ناقصة السيادة"، بسبب خضوعها لنظم دولية خاصة كالحماية أو الانتداب أو الوصاية أو التبعية السياسية.
وكانت حركة المد الاستعماري، والتي بدأت مع الكشوف الجغرافية الكبرى ووصلت ذروتها خلال القرن التاسع عشر، قد أدت الى تقلص عدد الدول المستقلة على المسرح الدولي، بعد أن تمكنت حفنة صغيرة من الدول الاستعمارية الأوروبية من أحكام سيطرتها على العالم. غير أن حركة مناهضة لها هي التحرر الوطني، والتي وصلت ذروتها خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين، عادت وتمكنت من تصحيح هذا الوضع المختل وأدت بالتالي إلى زيادة هائلة في عدد الدول المستقلة بعد أن استعادت جميع الدول "فاقدة" أو "ناقصة" السيادة لوضعها الطبيعي كدول مستقلة ذات سيادة. وهكذا لم يعد هناك سوى حالات نادرة لدول يمكن وصفها، قانونيا، بالدول المستعمَرة أو المحمية أو التابعة، كما لم تعد هناك دول خاضعة لنظام الانتداب أو الوصاية. وأصبحت جميع شعوب العالم تقريبا تعيش الآن داخل وحدات سياسية مستقلة تسمى الدول وتتمتع، من الناحية الشكلية على الأقل، بالسيادة الكاملة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وقد ظل مفهوم السيادة موضوعا لجدل فقهي لم يتوقف في الواقع منذ نشأة ظاهرة الدولة القومية في أوروبا في منتصف القرن السابع عشر وحتى الآن. ففي أعقاب ظهور الدولة القومية، بدت الحاجة ملحة لحماية هذا الشكل الوليد من أشكال التجمع الإنساني، ولذا مال معظم الفقهاء نحو التشدد والتوسع في مفهوم السيادة، فاعتبروا أن السيادة إما أن تكون مطلقة أو لا تكون. والسيادة بمعناها المطلق تعني عدم خضوع الدولة لأي سلطة سياسية أعلى، وأن يصبح بمقدورها أن تقرر بنفسها ما تراه صالحا لها، وأن لا تسمح لأحد كائنا من كان بالتدخل في شؤونها الخاصة، وأن تكون مطلقة الحرية في اختيار نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الداخل، وفي اختيار ما تراه مناسبا من وسائل لتحقيق مصالحها، في الخارج، بما في ذلك حقها في استخدام القوة.
وربما كان الفيلسوف البريطاني هوبز من أبرز من جسد هذه الرؤية، والتي بررها بوجود اختلاف نوعي بين طبيعة الدولة، كمجتمع، وبين مجتمع الدول. فالدولة، في رأيه، مجتمع منظم يسوده القانون والنظام العام ويخضع أفراده لسلطة سياسية موحدة يعترفون لها بصلاحية تحديد وفرض هذا القانون وذلك النظام، أما "جماعة الدول" فتتكون من وحدات ما تزال تعيش "حالة الطبيعة"، اي حالة الفوضى، ويحكمها قانون الغاب الذي يقوم على مفهوم القوة وحدها وليس على مفهوم القانون، وبالتالي فهي وحدات لا تخضع، وربما لا تقبل الخضوع بطبيعتها، لأي سلطة سياسية أعلى منها.
غير أن المآسي الإنسانية الكبرى التي نجمت عن الحروب واستخدام القوة كوسيلة لحل المنازعات، من ناحية، وتطور علاقات الاعتماد المتبادل بين الدول، من ناحية أخرى، رسخت الاقتناع بنسبية مفهوم السيادة وباستحالة، بل وبخطورة، الادعاء بوجود سيادة مطلقة على ارض الواقع. فالسيادة هي، في جوهرها، أداة لتنظيم العلاقات بين الدول، وليست حقا مكتسبا لفرض الإرادة المنفردة على الآخرين. وبهذا المعنى يصبح من الممكن إزالة أي تناقض بين مفهوم السيادة ومتطلبات الالتزام بقواعد القانون الدولي العام وإدارة العلاقات الدولية من خلال أطر وإجراءات مؤسسية اصبح لا غنى عنها لتنظيم العلاقات بين الدول.
وإذا كان مفهوم السيادة يرتبط، بالضرورة، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون، بتسليم الدول، كبيرها وصغيرها، بعدد من المبادئ أو القواعد العامة الحاكمة للعلاقات في ما بينها، وفي مقدمتها مبدأ المساواة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، فإن هذه المبادئ نفسها تثير العديد من الإشكاليات في ما يتعلق بوضع مفهوم السيادة موضع التطبيق. فالإقرار بمبدإ سيادة الدول، وبالتالي بأهليتها للتصرف كشخص من أشخاص القانون الدولي العام، يرتب تلقائيا، ضرورة التسليم بمبدإ المساواة القانونية بينها، وبالتالي ضرورة التزام الجميع بالكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للغير. ونظرا لأن هذه المساواة القانونية لا تقابلها مساواة فعلية على ارض الواقع، حيث تختلف كثيرا أحجام وأوزان وقوة الدول، وبالتالي قدرتها على التأثير الفعلي على مجمل التفاعلات الدولية، فإن هذه المفارقة تثير إشكالية كبرى في تنظيم العلاقات بين الدول وفي وضع خطوط فاصلة بين الشأن الداخلي، والذي هو مسؤولية الدولة المعنية وحدها، والشأن الخارجي، والذي يفترض، أو يتعيّن، أن يكون مسؤولية المجتمع الدولي ككل.
ولأنه يوجد ميل طبيعي من جانب الدول الأكبر والأقوى في المجتمع الدولي للتدخل في شؤون الدول الأصغر والأضعف، كما يوجد نفور طبيعي من جانب الدول الأكبر والأقوى في المجتمع الدولي للتعامل مع الدول الأصغر والأضعف على أساس من الندية والمساواة، فقد كان من الطبيعي أيضا أن تواجه المحاولات الرامية لتنظيم العلاقات الدولية وفق قاعدة المساواة في السيادة صعوبات بالغة. ويمكن القول ان تطور فكرة السيادة، كمفهوم أو كأداة قابلة للتطبيق عمليا داخل نسيج العلاقات الدولية، تأثر بعاملين رئيسيين:
الأول: ثقل وموقع الدولة كفاعل في العلاقات الدولية، مقارنة بالفاعلين الدوليين الآخرين الذين بدءوا يزاحمون الدول مثل: المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، والشركات متعدية الجنسية.. الخ.
الثاني: موازين القوى السائدة وطبيعة وهيكل النظام الدولي الذي تفرزه هذه الموازين في المراحل التاريخية المختلفة لتطور العلاقات الدولية.
2 ـ موقف القانون الدولي:
يعتبر ميثاق الأمم المتحدة هو الوثيقة الرئيسية التي تحدد وتعكس موقف القانون الدولي من المفاهيم والقضايا الدولية الرئيسية، ومنها مفهوم وقضية سيادة الدول. ويمكن القول، دون مبالغة أو تجاوز، أن البنية الفلسفية والقانونية لهذه الوثيقة لا ترتكز على مجرد الاعتراف بمفهوم السيادة ولكنها تحاول في الوقت نفسه تكريسه وتدعيمه كمبدإ وكأساس للتنظيم الدولي وكمعيار لتحديد حقوق الدول وواجباتها. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق على "قيام الأمم المتحدة على مبدإ المساواة في السيادة بين جميع الأعضاء. والمقصود هنا المساواة القانونية في الحقوق والواجبات. ويعكس الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة، كما تعكس معظم القواعد والإجراءات الأساسية المحددة لحقوق الدول وواجباتها مدى حرص الأمم المتحدة على وضع هذا المبدإ الأساسي موضع التطبيق. فجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة متساوون في الحقوق والواجبات، وفي مقدمتها حقوق المشاركة والتصويت في أعمال المنظمة وفقا لقاعدة أن لكل دولة صوت واحد.
ومع ذلك فقد تعين أن يوائم الميثاق، في الوقت نفسه، بين ما تفرضه حقوق السيادة، من ضرورة المساواة القانونية بين الدول الأعضاء كبيرها وصغيرها، وبين ما تفرضه مقتضيات الفاعلية، من ضرورة تحمل الدول الكبرى اعباء ومسؤوليات خاصة في ما يتعلق بدورها في المحافظة على السلم والأمن الدولي، ومطالبتها هذه الدول بأن تتمتع في مقابل ذلك بحقوق ومزايا موازية. فقد اقتضت الاعتبارات الخاصة بتفعيل دور الأمم المتحدة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، مقارنة بدور عصبة الأمم، منح خمس دول كبرى تم تحديدها بالاسم مقاعد دائمة في مجلس الأمن ومزايا تصويتية لا تتمتع بها بقية الدول الأعضاء في المجلس (حق الفيتو).
غير ان الميثاق لم يكتف بمجرد الاعتراف بمبدإ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء ولكنه حاول، في الوقت نفسه، تدعيم هذا المبدإ بتحريم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، حتى من جانب الأمم المتحدة نفسها. إذ نصت الفقرة السابعة من المادة الثانية على أنه: "ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة التدخل في الشؤون التي تعتبر من صميم الاختصاص الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يسمح للدول الأعضاء بأن تطرح هذه الشؤون على أجهزة الأمم المتحدة لمعالجتها بمقتضى الميثاق". غير ان نص الفقرة نفسها وضع قيدا على هذا التحريم المطلق حين اضاف على الفور: "أن التسليم بهذا المبدإ (عدم التدخل في الشؤون الداخلية) لا يحول دون تطبيق تدابير الردع الواردة في الفصل السابع من الميثاق. معنى ذلك أنه لا يجوز الدفع بمبدإ حظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء لتقييد حرية مجلس الأمن في اتخاذ ما يراه من تدابير لازمة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، خصوصا تلك المتعلقة بأعمال الردع أو المنع أو القمع المخولة له بموجب الفصل السابع من الميثاق. غير أن ميثاق الأمم المتحدة لم يتضمن تعريفا أو حصرا للمسائل التي تدخل في إطار الاختصاص الداخلي للدول.
تجدر الإشارة الى ان عهد عصبة الأمم كان قد تضمن نصا مشابها اختلف الفقهاء حول تفسيره، ولم تتمكن المحكمة الدائمة للعدل الدولي من حسم الجدل المثار حوله عندما تعرضت له في رأيها الاستشاري الصادر يوم 7 فبراير عام 1933 والخاص بموضوع إجراءات منح الجنسية بين فرنسا والمغرب. فقد ورد في هذا الرأي ما يفيد أن الأمور التي تعد من قبيل الاختصاص الداخلي للدول لا تنظمها قواعد القانون الدولي العام وتفسر تفسيرا نسبيا يتوقف على درجة تطور العلاقات الدولية.
ومن المعروف أن موقف الفقهاء من قضية حدود الشأن الداخلي للدول يختلف اختلافا بيّنا. فهناك من يعتبر أن لكل دولة الحق في تحديد ما تعتبره شأنا داخليا يخصها (نظرية اختصاص الاختصاص)، وهناك من يحاول تضييق نطاق الصلاحيات الممنوحة للسلطة المنفردة للدول في هذا الشأن لحساب الصلاحيات الموكولة للمؤسسات التي تتحدث باسم المجتمع الدولي، وخصوصا المؤسسات المعنية بالمحافظة على السلم، مثل مجلس الأمن. كما تجدر الإشارة إلى أن الميثاق لم يقصر اختصاصات وصلاحيات الأمم المتحدة على المجالات السياسية والأمنية فقط وإنما مد نطاق هذه الصلاحيات والاختصاصات لتشمل كافة المجالات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك المجالات التي كانت تعتبر، تقليديا، من صميم الاختصاص الداخلي للدول، مثل قضايا حقوق الإنسان.
ولكي يوفر الميثاق بيئة دولية ملائمة، تحافظ على استقلال الدول وسيادتها وتحترم مبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية، تضمن مبادئ وقواعد أخرى معاونة تلزم كافة الدول الأعضاء باللجوء إلى الوسائل السلمية وتحريم استخدام القوة أو التهديد بها كوسيلة لحل المنازعات الدولية وتنفيذ التزاماتها بحسن نية.. الخ.
نخلص من هذا الاستعراض الموجز لموقف القانون الدولي من هذه القضية إلى أن الأصل هو الاعتراف بالسيادة كمفهوم وكأداة ضرورية لتنظيم العلاقات الدولية. ويرتب هذا الموقف، تلقائيا، اعترافا صريحا بصلاحيات الدول في الإدارة المنفردة لشؤونها الداخلية ووجوب امتناع الآخرين، أيا كانوا، عن التدخل في هذه الشؤون. لكن هذا الاعتراف لا يعني إطلاق يد الدول في الشؤون الداخلية وإنما هو محكوم ومقيد بضوابط وشروط تضمن التزام الدول بإدارة هذه الشؤون بطريقة لا تتعارض مع التزاماتها ومسؤولياتها الدولية، ولا تمس بحقوق ومسؤولية والتزامات المؤسسات الدولية، وخاصة مجلس الأمن حين يتصرف وفقا للفصل السابع من الميثاق. بعبارة أخرى يمكن القول إنه إذا ترتب على الاعتراف بالاختصاص الداخلي وبمبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية احتمال الإخلال بقدرة المؤسسات الدولية على القيام بواجباتها لصالح المجتمع الدولي فإنه يجب ترجيح كفة الصلاحيات المخولة للمؤسسات الدولية على كفة الصلاحيات المخولة للدول في هذه الحالة.
وقد ساعدت عوامل عديدة في الواقع على ترجيح كفة الاتجاه المطالب بتقييد الاختصاص الداخلي للدول لصالح التوسع في اختصاصات المؤسسات الدولية وتمكين هذه الأخيرة من إدارة أكثر فاعلية لشؤون ومصالح المجتمع الدولي ككل. من هذه العوامل :
1ـ عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين ما هو شأن داخلي وما هو شأن دولي وضوحا كاملا وقاطعا في القانون الدولي، مما أتاح مجالا واسعا للتفسيرات المختلفة وربما المتعارضة.
2ـ تداخل وتشابك المصالح بين الدول والمجتمعات الإنسانية وتعاظم درجة الاعتماد المتبادل بينها نتيجة تطور العلاقات بينها في جميع المجالات تحت تأثير الثورات العلمية والتكنولوجية المتعاقبة، مما ضاعف من صعوبة الفصل القاطع بين "شؤون الداخل" و"شؤون الخارج".
3ـ تآكل الدور التقليدي للدول في العلاقات الدولية بسبب بروز ومزاحمة فاعلين دوليين آخرين مثل المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية، والشركات متعدية الجنسية وغيرها، مما ساعد على ظهور شبكات وخرائط جديدة للتفاعلات والمصالح الدولية لا تتطابق بالضرورة مع خريطة التقسيم السياسي للعالم على أساس الدول القومية.
ولهذا لم يعد مقبولا أن تتعلل الدول بسيادتها وبمبدإ تحريم التدخل في شؤونها الداخلية، مثلما كان يحدث عادة في الماضي، للحيلولة دون تمكين المؤسسات الدولية من الاضطلاع بمسؤولياتها.
غير أن ترجيح كفة المؤسسات الدولية ومنحها صلاحيات جديدة للتدخل في بعض ما كان يعتبر تقليديا شأنا داخليا، تطلب بدوره، وكما سنشير لاحقا، وضع ضوابط دقيقة تقضي أن يكون هذا التدخل في أضيق الحدود الممكنة، من ناحية، وأن يكون مدفوعا بالرغبة الصادقة في تحقيق مصالح عليا مؤكدة تتعلق بالمجتمع الدولي ككل، وليس مجرد غطاء لمصالح دولية خاصة أو ضيقة.
3ـ سيادة الدول في ظل القطبية الثنائية:
لا جدال في أن إبرام ميثاق الأمم المتحدة، بما تضمنه من مبادئ وقواعد وضوابط عديدة ومتكاملة، ثم دخوله حيز التنفيذ الفعلي، بعد تصديق الدول الموقعة عليه، شكل خطوة هائلة إلى الأمام على طريق محاولة نقل العلاقات الدولية من "حالة الطبيعة" إلى "حالة المجتمع"، وفقا للتعبير الأثير لدى هوبز. غير أن هذه الخطوة لم تكن كافية بذاتها لضمان وكفالة احترام المبادئ والقواعد المنصوص عليها في الميثاق، وخاصة ما يتعلق منها باستقلال وسيادة الدول ومنع التدخل في شؤونها الداخلية. فقد توقف ذلك على توافر عاملين إضافيين متكاملين ومترابطين، الأول: أن تعمل الدول من تلقاء نفسها وفق النهج الذي حدده الميثاق، والثاني: أن تصبح المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، في وضع يسمح لها بإلزام الدول بالسير وفق هذا النهج، وبإنزال العقاب الملائم بكل من يجرؤ على الخروج عليه. وللأسف فإن التعويل على الالتزام الذاتي والإرادي للدول بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى هو أمر يبدو مغرقا في مثاليته ولا يستقيم مع خبرة وتجارب الماضي، ولذلك تركزت الآمال في الأمم المتحدة، وبالذات في مجلس الأمن، لتوفير تلك الضمانات. غير انه تبين أن المناخ الدولي الذي ساد في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة لم يساعد على تهيئة أفضل الظروف لقيام مؤسسات دولية فاعلة.
فالوضع الدولي الاستثنائي الذي أفرز منظومة الأمم المتحدة كان قد اتسم بصراع حاد بين تحالفين دوليين تمكن أحدهما من الانتصار على الآخر وسحقه. وهكذا اصبح التحالف المنتصر هو نفسه "الأمم المتحدة" وتم استبعاد التحالف المهزوم من المنظمة الدولية الوليدة حتى إشعار آخر. ولم يكن التحالف المنتصر نفسه يشكل بدوره كتلة واحدة متجانسة عند إنشاء "الأمم المتحدة"، ولكنه كان ينقسم بدوره إلى مجموعتين مختلفتي المصالح والأهداف: مجموعة الدول الكبرى التي تحملت العبء الأكبر في تحقيق النصر وهي: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (السابق) والمملكة المتحدة، ومعهما فرنسا والصين أيضا، وهي المجموعة التي تم الاعتراف لها بوضع متميز في النظام الدولي مكنها من الحصول على عضوية دائمة وعلى حق الاعتراض "الفيتو" في مجلس الأمن، ومجموعة الدول الأخرى التي لم يكن أمامها من خيار آخر سوى أن تسلم بالمزايا الممنوحة للدول الكبرى المنتصرة وان تقبل بالأوضاع الجديدة على مضض. أما الدول والشعوب التي كانت تقف خارج أسوار المنظمة الدولية الوليدة عند نشأتها فلم تكن قاصرة على الدول "المهزومة" وحدها وإنما شملت أيضا كافة البلدان التي كانت ما تزال خاضعة للاستعمار الغربي وخاصة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
غير أن الأحلام والتطلعات التي صنعت الأمم المتحدة في لحظة كان النظام الدولي يمر فيها بحالة من السيولة سرعان ما اصطدمت بموازين القوى الفعلية التي افرزها النظام الدولي الجديد الذي استقر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستمر بعد ذلك لما يقرب من خمسين عاما، وهو نظام القطبية الثنائية. فقد تصدع تحالف الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، وانقسم بدوره إلى معسكرين إيديولوجيين متصارعين يسعى كل منهما للهيمنة على العالم. وآثار هذا الانقسام سلسلة من التفاعلات وردود الأفعال غيرت من قواعد اللعبة التي كان قد تم الاتفاق عليها في الميثاق. وفي ظل النظام الدولي ثنائي القطبية تغير مفهوم "العدو" كما تغيرت النظرة إلى مفهوم الاستعمار لتصبح المستعمرات نفسها محلا للصراع على النفوذ بين القطبين العظميين.
ولا جدال في أن هذا التحول في هيكل النظام الدولي كانت له جوانبه السلبية والإيجابية كما كانت له انعكاساته الهائلة على قدرة الأمم المتحدة على المحافظة على استقلال وسيادة الدول والحيلولة دون تدخل الدول الكبرى في شؤون الدول الصغرى. ولو أن هذا التحول كان قد تم قبل انعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو أو بعده مباشرة لما قامت "منظمة الأمم المتحدة" أصلا، أو لقامت على قواعد وأسس مختلفة تماما. وعلى أي حال فقد دفع هذا التحول في اتجاهين متناقضين في ما يتعلق بقدرة الأمم المتحدة على المحافظة على سيادة الدول ومنع التدخل في شؤونها الداخلية. فالحرب الباردة أدت، من ناحية، إلى شلل نظام الأمن الجماعي، ومن ناحية أخرى، إلى ضخ الرياح في شراع حركة التحرر الوطني وبالتالي فتحت طريق العالمية أمام الأمم المتحدة بعد أن كانت أقرب إلى كونها منظمة للدول المتحالفة والمنتصرة في الحرب العالمية الثانية.
أولا: شلل نظام الأمن الجماعي:
كان ميثاق الأمم لمتحدة، كما سبقت الإشارة، قد وضع نظاما دقيقا ومتكاملا للأمن الدولي يقوم على فكرة أن أمن الجزء يرتبط ارتباطا عضويا بأمن الكل، ومن ثم يتعين على هذا الكل (ممثلا في الأمم المتحدة) أن يتصدى، مجتمعا، لأي عدوان أو تهديد قد تتعرض له أي دولة عضو. وتضمن هذا النظام ثلاث عناصر وآليات محددة:
1ـ مبادئ وقواعد سلوك عامة وموحدة يتعين أن تلتزم بها كافة الدول: كبيرها وصغيرها، في العلاقات الدولية.
2ـ جهاز يملك صلاحية مراقبة سلوك الدول وسلطة فرض الجزاءات، بما فيها القيام بعمل عسكري، على الخارجين على قواعد الشرعية الدولية (مجلس الأمن).
3ـ مجموعة من الأجهزة والآليات المكملة التي تستهدف إما مساعدة الدول على تسوية خلافاتها بالطرق السلمية و/أو تهيئة الوسائل الكفيلة بتمكين مجلس الأمن من القيام بوظائفه.
غير أن استكمال مقومات هذا النظام، ناهيك عن تشغيله، تطلب توافق راء وإجماع الدول دائمة العضوية، وهو ما اصبح متعذرا تماما بسبب انقسام التحالف المنتصر في الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين. وخلقت الحرب الباردة أوضاعا أدت إلى انعكاسات خطيرة على نظام الأمن الجماعي. فقد تعذر استكمال آليات النظام نفسه، لأن لجنة أركان الحرب (المنصوص عليها في المادة 47) كجهاز معاون لمجلس الأمن في الأمور العسكرية) لم تتمكن من الاتفاق على وضع المادة 43 (والخاصة بتشكيل جيش دولي يمكن لمجلس الأمن أن يستخدمه عند الضرورة) موضع التنفيذ. وأدى ذلك بدوره إلى تجميد لجنة الأركان نفسها وحرمان مجلس الأمن من الأداة العسكرية التي صممت لتعاونه في قمع العدوان أو ردعه. من ناحية أخرى، فقد أدت الحرب الباردة بين المعسكرين المتصارعين إلى إسراف الدول دائمة العضوية في استخدام حق النقض (الفيتو) والى استخدامه في غير الأغراض التي شرعت له، مما عرقل عمل مجلس الأمن إلى درجة الشلل أحيانا. ولذلك يمكن القول أن نظام الأمن الجماعي ولد غير مكتمل النمو، فعاش طوال حياته مشوها.
وهكذا بدأت الدول الكبرى، وخاصة دول المعسكر الغربي، تبحث عن ترتيبات أخرى لحماية أمنها خارج النظام المنصوص عليه في الميثاق، ووجدت ضالتها في حلف شمال الأطلنطي (1949) ثم في حلف وارسو (1955). وبصرف النظر عما قيل وقتها عن شرعية قيام هذه الأحلاف استنادا الى نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز الدفاع الجماعي عن النفس، إلا أن قيامها اثر تأثيرا سلبيا خطيرا على الأمم المتحدة. فقد حل نظام "مناطق النفوذ" محل نظام "الأمن الجماعي" المنصوص عليه في الميثاق، وهو نظام نقيض له في الواقع. ذلك أن نظام الأمن الجماعي يتعامل مع الكون ككتلة واحدة ويرتب على الكل مسؤولية تضامنية لمواجهة ما قد يقع من عدوان على الجزء. أما نظام مناطق النفوذ فيقسم العالم إلى أجزاء يطلب كل منها الحماية المنفردة لقوة عظمى. وهذا هو ما حدث بالفعل.
فقد خضعت أوروبا الشرقية للنفوذ السوفياتي المنفرد وأصبحت مرتعا لتدخله المتكرر في شؤونها الداخلية (المجر: 56، تشيكوسلوفاكيا: 68.. الخ). كما خضعت أوروبا الغربية والأمريكتين لنفوذ وتدخل الولايات المتحدة المنفرد في شؤونهما الداخلية. وفي هذا السياق يمكن القول إن دور وفاعلية الأمم المتحدة في المحافظة على استقلال وسيادة الدول وفي منع الدول الكبرى من التدخل في شؤون الدول الصغرى قد اختلف في مرحلة الحرب الباردة باختلاف طبيعة الأزمات التي اندلعت خلال تلك المرحلة، والتي يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط منها :
1ـ الأزمات التي اندلعت داخل منطقة النفوذ المباشر لإحدى القوتين العظميين. ولم تلعب الأمم المتحدة أي دور فاعل لمعالجتها، بعد أن تحولت هذه المناطق إلى ميادين محجوزة لتدخل أطر إقليمية تهيمن عليها إحدى القوتين العظميين (حلف وأرسو بالنسبة للاتحاد السوفياتي، وحلف الأطلنطي ومنظمة الدول الأمريكية بالنسبة للولايات المتحدة).
2ـ الأزمات التي انخرطت فيها إحدى القوتين العظميين كطرف مباشر (فيتنام أو أفغانستان على سبيل المثال). وهي أزمات عجزت الأمم المتحدة ليس فقط عن معالجتها وإيجاد حلول لها وإنما حتى عن مجرد مناقشتها أحيانا (أزمة فيتنام) أو لمجرد توفير غطاء لانسحاب القوة العظمى في أحيان اخرى (أفغانستان).
3ـ الأزمات الأخرى، أي تلك التي دارت رحاها خارج مناطق النفوذ المباشر أو لم تكن إحدى القوتين العظميين طرفا مباشرا فيها. وكان هذا هو النمط الوحيد من الأزمات الذي سمح النظام الدولي ثنائي القطبية للأمم المتحدة بأن تلعب فيه دورا اختلفت أشكاله وفاعليته من أزمة لأخرى.
ورغم ضعف الدور الذي لعبته الأمم المتحدة عموما في معالجة الأزمات الدولية وعدم تمكنها من صد محاولات الدول الكبرى للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الصغرى خلال مرحلة الحرب الباردة، إلا أن التوازن الدولي النسبي الذي ساد خلال تلك الفترة حال دون أن تصبح الأمم المتحدة أداة في يد أي من المعسكرين المتصارعين. ومع ذلك فمن الواضح أن موازين القوة الفعلية في النظام الدولي كانت تميل خلال تلك الفترة لصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الواقع، وهو ما ألقى بظلاله السلبية على الأمم المتحدة، بدليل أن إسرائيل تمكنت في مرحلة الحرب الباردة من أن تشن في عام 1967 عدوانا على الدول العربية المجاورة، وأن تحتل أراض شاسعة من هذه الدول، وان تحتفظ بهذه الأراضي كورقة مساومة تفرض من خلالها شروطها للتسوية على الدول العربية. ولم يتمكن مجلس الأمن من مجرد الإشارة في قراره بوقف إطلاق النار إلى انسحاب القوات المتحاربة إلى الخطوط التي كانت عندها قبل بدء العمليات العسكرية كما اعتاد أن يفعل في مثل هذه الأزمات. وكان ذلك مؤشرا مبكرا على عجز الأمم المتحدة عن تقديم الحماية الضرورية للضعفاء في النظام الدولي.
ثانيا : تنامي دور العالم الثالث : لا جدال في أن النظام الدولي ثنائي القطبية قد أفسح المجال لصعود نجم مجموعة الدول التي لم تكن لها مصلحة في الانضمام إلى أي من المعسكرين المتصارعين وفي تمكين هذه المجموعة من أن تلعب، من خلال منظومة الأمم المتحدة، دورا سياسيا يدعم استقلال الدول وسيادتها ويحاول الحد قدر الإمكان من تدخل الدول الكبرى في شؤونها الداخلية. فقد لت قيادة النظام الدولي في مرحلة الاستقطاب الثنائي إلى قوى غير أوروبية ليس لها ماض استعماري مما أدى من ناحية، إلى إضعاف القوى الاستعمارية التقليدية الأوروبية وتراجع دورها في هذا النظام الدولي الجديد، ومن ناحية أخرى، إلى تنشيط ودعم حركات التحرر في الدول المستعمَرة التي حاولت كل من القوتين العظميين المتصارعتين استمالتها إلى ناحيتها. وقد خلق هذا الوضع زخما ساعد على أن تتمتع "مجموعة عدم الانحياز"، تدريجيا، بأغلبية عددية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي المنظمات العالمية المتخصصة الديمقراطية الطابع، حاولت استخدامها لتحقيق هدفين:
الأول: القضاء على الظاهرة الاستعمارية وتمكين الدول الواقعة تحت الاستعمار أو الدول ناقصة السيادة، بأشكالها المختلفة، من الحصول على استقلالها السياسي. وهو ما نجحت فيه بشكل شبه تام.
الثاني: تصحيح الخلل في هياكل وموازين القوة في النظام الدولي، وخاصة الاقتصادية والتكنولوجية، والحصول على دعم مالي وفني يمكّنها من تحويل استقلالها السياسي، أو القانوني والشكلي، إلى استقلال فعلي. وهو ما لم تنجح فيه إلا على نحو محدود جدا.
وعلى الرغم من أن حركة العالم الثالث لم تنجح بالكامل في تحويل استقلالها السياسي إلى استقلال حقيقي، إلا أن نظام الاستقطاب الدولي وضعها في حالة استنفار ويقظة نسبية مكنتها من استخدام الأمم المتحدة ومنظماتها الديمقراطية المتخصصة كأداة للمحافظة قدر الإمكان على استقلالها السياسي والحيلولة دون خضوعها للاستعمار أو للتبعية المباشرة والفجة من جديد. ولذلك شكلت هذه الحركة شوكة في حلق القوتين العظميين، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي حاولت صب جام غضبها على منظومة الأمم المتحدة.
وبوصول الجناح اليميني في الحزب الجمهوري بقيادة ريجان إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 زاد الضغط الأمريكي على الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة إلى حد انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو والامتناع عن تسديد جانب كبير من التزاماتها المالية إلى الأمم المتحدة.. الخ.
وكان الهدف تركيع هذه المنظمات وضمان عدم تجاوزها للخطوط الحمراء التي ترسمها الإدارة الأمريكية. وتسبب الموقف الأمريكي في اكبر أزمة مالية في تاريخ الأمم المتحدة التي أصبحت تكاد تكون عاجزة عن دفع رواتب موظفيها. غير أن مياها كثيرة جرت في نهر النظام الدولي قبل أن تبدأ بوادر انهيار الاتحاد السوفياتي في أعقاب وصول غورباتشوف إلى السلطة، ثم انهياره الفعلي عقب أزمة الخليج الثانية.
4ـ سيادة الدول في ظل العولمة والقطبية الأحادية :
حين نتحدث عن ظـاهرة "العولمـة" يجدر بنا أن نميــز بيـن العولمــة كعمليـة تاريخيـةProcess والتي يشير إليها مصطلح Globalisation وبين العولمة كإطار فكري أو كنظام قيمي أو إيديولوجي، والتي يشير إليها مصطلح Globalism فالتقدم العلمي والتكنولوجي، وخاصة في مجال الاتصالات والمواصلات، غيّر من أنماط ومن درجة وكثافة التفاعلات بين الدول والمجتمعات والشعوب والأفراد بطريقة جعلت من العزلة مسألة شبه مستحيلة. وبالطبع فإن درجة تأثر الدول والمجتمعات بهذه العملية "التاريخية"، والتي تدفع أجزاء العالم الجغرافية المتناثرة نحو التقارب وربما التوحد، تختلف من حالة إلى أخرى، وتتوقف على موقع الدول والمجتمعات من شبكة التفاعلات الناجمة عن هذه العملية، ومدى قربها أو بعدها من مركز هذه الشبكة. وبهذا المعنى تُعتبر "العولمة" أمرا واقعا يتعين التسليم به وبحث تأثيراته المختلفة، على الاقتصاد والسياسة والاجتماع.. الخ، بغية التقليل من أضراره والاستفادة من مزاياه إلى أقصى حد ممكن. أما العولمة Globalism كايديولوجية أو كنظام قيمي والتي جسدتها بعض النظريات مثل نظرية فوكوياما حول "نهاية التاريخ" أو نظرية هنتنغتون حول "صراع الحضارات"، فهي أطروحات قابلة للجدل والاختلاف وتدخل في نطاق الفلسفة وليس في نطاق العلم. وتركيزنا سوف يكون على العملية التاريخية لا على إيديولوجية العولمة أو نظامها القيمي.
ولا جدال في أن المعدلات المتسارعة لعملية العولمة تدخل تحولات مهمة وعميقة على هيكل وموازين القوة في النظام الدولي وبما يؤثر بشدة على موضوع استقلال وسيادة الدول الذي نناقشه. من هذه التحولات:
1ـ إعادة توزيع وتغيير الأوزان النسبية للفاعلين في النظام الدولي لصالح الشركات العابرة للقوميات والمنظمات الدولية غير الحكومية (مؤسسات المجتمع المدني الدولي) وعلى حساب الدول والمنظمات الدولية الحكومية.
2ـ إعادة تشكيل خريطة وموازين القوى في النظام الدولي بما يرجح أوزان القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية (وخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات) على حساب القوى التقليدية، وخاصة العسكرية والديموغرافية.
3ـ إعادة ترتيب الأولويات على جدول أعمال النظام الدولي وتراجع القضايا التقليدية التي كانت تحتل مرتبة الصدارة في مرحلة الحرب الباردة، مثل قضايا الصراع بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب، وتقدم قضايا جديدة إلى موقع الصدارة، مثل قضايا البيئة وحقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب.. الخ.
ولهذه التحولات انعكاسات بعيدة المدى على قضية سيادة الدول ومبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول لأنها تثير تساؤلات، وربما إشكاليات، بالغة الأهمية تتعلق بمدى صلاحية الأسس والمبادئ التقليدية التي يقوم عليها صرح التنظيم الدولي، والوظائف والأدوار التي تؤديها (أو يتعين أن تؤديها) أجهزة هذا التنظيم وآلياته المتنوعة، وطبيعة العلاقة بين المنظمات الدولية بأنواعها المختلفة (الحكومية وغير الحكومية، العالمية والإقليمية، العامة والخاصة.. الخ)، ومدى ملاءمة هياكلها وبنيتها الداخلية للاضطلاع بالوظائف المنوطة بها.. الخ.
ففي ما يتعلق بحدود العلاقة بين الشأن الداخلي والشأن الخارجي، اصبح من المسلّم به، في ظل تنامي علاقات التأثير والاعتماد المتبادل بين الدول أن فكرة السيادة المطلقة لم تعد مقبولة، وأن إطلاق يد الأنظمة الحاكمة في تحديد نطاق الشأن الداخلي لم يعد أمرا مسلّما به كما كان في الماضي، بل وأصبح تدخل المجتمع الدولي في بعض الأمور التي كانت تعتبر في ما مضى شأنا داخليا ليس فقط أمرا مقبولا وإنما يراه البعض ضروريا وواجبا. فالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو تقديم العون والمساعدة للإرهاب الدولي أو الأضرار بالانساق البيئية.. الخ أصبحت كلها أمورا تستوجب أو تبرر تدخل المجتمع الدولي.
وقد عكس السكرتير العام للأمم المتحدة طبيعة التحول الذي طرأ على مفهوم السيادة في عصر العولمة حين أشار في تقريره لعام 1999 إلى أن "مفهوم سيادة الدولة يمر في جوهره وفي معناه العميق بعملية تحول كبرى لا تعود فقط إلى وقوعه تحت ضغط وقوى العولمة والتعاون الدولي. فالدول ينظر إليها الآن باعتبارها ادوات في خدمة شعوبها وليس العكس"، واستخدم تعبير "سيادة الفرد أو الإنسان" باعتباره مفهوما يتجدد الوعي به ويحظى بدعم متزايد نتيجة انتشار الحقوق الفردية، قبل أن يطالب بإيجاد تعريف اكثر رحابة لمفهوم المصلحة الوطنية "يتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين ويساعد على حفز الدول لضم الصفوف والسعي لتحقيق درجة اكبر من الوحدة على طريق الأهداف والقيم المشتركة".
كذلك تعيد العولمة طرح قضية تعريف العدوان. إذ تتوقف فاعلية المؤسسات الدولية في تحقيق السلم والأمن الدوليين، في نهاية التحليل، على مدى وضوح مفهوم العدوان ومعناه وحجم الاتفاق المتحقق حوله. ولم يكن تعريف العدوان في مرحلة الحرب الباردة سهلا، كما سبقت الإشارة. ومع ذلك فقد كان هناك ما يشبه الإجماع على أن مفهوم العدوان ينصرف أساسا إلى أي عمل عسكري غير مبرر، أي غير مشروع تقوم به دولة أو اكثر ضد دولة أخرى أو أكثر. أما في زمن العولمة فقد اصبح تعريف العدوان أكثر تعقيدا بما لا يقاس. فقد يؤدي التلاعب في أسواق المال الدولية، أو إلقاء نفايات نووية، أو تسهيل حصول جماعات إرهابية على أحد أسلحة الدمار الشامل.. الخ، إلى أحداث أضرار قد تفوق بما لا يقاس حجم الأضرار الناجمة عن العدوان العسكري بمعناه التقليدي. ولأنه لا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة تعريف محدد للعدوان، فضلا عن أن معظم أجهزة الأمم المتحدة العاملة في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين كانت قد صممت لمواجهة العدوان العسكري بمعناه التقليدي، فإن البحث عن تعريف دقيق للعدوان في زمن العولمة لا يتطلب فقط ضرورة إعادة التفكير في مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين، وإنما يتطلب أيضا، وفي الوقت نفسه، ضرورة العمل على إعادة هيكلة وتصميم المؤسسات الدولية بما يمكنها من مواجهة كافة تلك التهديدات القديمة منها والمستحدثة.
على صعيد خر يلاحظ أن العولمة تدفع في اتجاه تعظيم دور الفاعلين الآخرين غير الدول على المسرح الدولي وهو ما يؤدي إلى انعكاسات بالغة الأهمية والخطورة على قدرة المؤسسات الدولية الحكومية على القيام بالوظائف والأدوار المنوطة بها تقليديا. فالعضوية في المؤسسات الدولية الراهنة تقتصر على الدول التي تمثل من خلال حكوماتها. وهناك من يرى انه إذا كان لهذا الوضع ما يبرره في مرحلة كانت فيها الدول هي الفاعل الرئيسي، أن لم يكن الوحيد، في العلاقات الدولية، فإن استمرار هذا الوضع في مرحلة تتآكل فيها أوزان الدول والحكومات وتتزايد فيها أوزان المنظمات الدولية غير الحكومية والشركات العابرة للقوميات، يضعف من سلطة وهيبة ومكانة المنظمات الدولية الحكومية في ظل الأوضاع الراهنة. وتطرح هذه الإشكالية تحديا خطيرا يتمثل في ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين المنظمات الدولية الحكومية، من ناحية، وبين كل من المنظمات الدولية غير الحكومية والشركات العابرة للقوميات من ناحية أخرى.
وكانت الأمم المتحدة قد حاولت إفساح المجال أمام المنظمات الدولية غير الحكومية للتعبير عن رأيها بصورة أوضح عندما وجهت الدعوة إلى أعداد ضخمة منها للمشاركة في المؤتمرات العالمية التي نظمتها حول قضايا البيئة (قمة الأرض: ريو دي جانيرو)، وحقوق الإنسان (فيينا) والسكان والتنمية (القاهرة).. الخ. لكن العلاقة بين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية ما تزال في حاجة إلى صيغة مؤسسية أكثر وضوحا واستقرارا. وكانت الشركات العابرة للقوميات محل هجوم وانتقادات عنيفة ومتواصلة من جانب دول العالم الثالث خلال مرحلة الحرب الباردة، وقد خفت حدة هذا الهجوم الآن بسبب طبيعة الأيديولوجية العالمية السائدة وتراجع دور العالم الثالث في التنظيم الدولي، لكن العلاقة ما تزال في حاجة إلى صيغة مؤسسية مستقرة.
وتثير هذه الأمور كلها قضية المواءمة بين الاعتبارات المتعلقة بديمقراطية التنظيم الدولي والاعتبارات المتعلقة بفاعليته. فالديمقراطية تتطلب تحقيق المساواة الكاملة بين الدول الأعضاء على أساس ان لكل دولة صوتا واحدا، كما تتطلب اتخاذ القرارات بالأغلبية ومشاركة الجميع في التصويت. أما الفاعلية فتتطلب سرعة اتخاذ القرارات وسرعة حشد وتعبئة الموارد المادية والبشرية اللازمة لمواجهة المواقف الطارئة وإدارة الأزمات الدولية. وكانت الأمم المتحدة قد حاولت حل هذا التناقض، كما سبقت الإشارة، عن طريق إنشاء مجلس محدود العضوية، إلى جانب الجمعية العامة التي تمثل فيها كافة الدول الأعضاء دون تمييز. وأسند إلى هذا المجلس المصغر مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وخول سلطات وصلاحيات واسعة (اشتملت أيضا على سلطة اتخاذ إجراءات عسكرية)، وانفردت فيه الدول الكبرى وحدها بالعضوية الدائمة وبحق الاعتراض على مشروعات القرارات المعروضة عليه. غير أن الفاعلية المرجوة من وراء هذا الحل توقفت على شرط مهم وهو إجماع الدول الكبرى دائمة العضوية، والذي لم يتحقق بسبب اندلاع الحرب الباردة مما ترتب عليه إصابة مجلس الأمن بالشلل طوال ما يقرب من نصف قرن، كما سبقت الإشارة. غير أن التحول الذي أصاب هيكل موازين القوة في النظام الدولي تحت تأثير العولمة وانتهاء الحرب الباردة أحال الجهاز المسؤول عن السلم والأمن الدوليين إلى مجرد أداة في يد القوة العظمى الوحيدة المهيمنة وهي الولايات المتحدة.
وكانت قد لاحت في الواقع فرصة نادرة لإحياء نظام الأمن الجماعي وتدعيمه عندما اندلعت الأزمة التي تسبب فيها الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس عام 1990، خصوصا وان حائط برلين كان قد سقط وانتهت الحرب الباردة قبل اندلاع هذه الأزمة. وطرح بوش، وغيره من زعماء العالم، شعار "النظام العالمي الجدي" الذي تلعب فيه الأمم المتحدة الدور الرئيسي في المحافظة على السلم والأمن في العالم. وبدأ مجلس الأمن يتصرف أثناء الأزمة الكويتية بطريقة مختلفة تماما وغير معهودة. فاجتمع اكثر من مرة على مستوى وزراء الخارجية، وبدأ يشير في قراراته جميعها (صراحة ولأول مرة) انه يتصرف وفقا للفصل السابع، وقام بتطبيق نظام العقوبات المنصوص عليه في الميثاق بحذافيره وبطريقة بالغة القسوة والصرامة. لكن اتضح بعد ذلك، وللأسف الشديد، أن هذا الشعار لم يقصد به سوى المحافظة على تماسك التحالف الدولي الذي برز في مواجهة العراق، وأن إحياء نظام الأمن الجماعي لم يكن مطروحا أصلا على أجندة الإدارة الأمريكية. ولذلك ما إن حصلت الولايات المتحدة على القرار 687، والذي يفوض التحالف الدولي الذي تقوده باستخدام القوة ضد العراق، حتى أحست بأنها أصبحت حرة تماما وطليقة الحركة وأن مجلس الأمن لم يعد يعنيها في قليل أو كثير. ولذلك يلاحظ أن مجلس الأمن إصيب بالسكتة القلبية تماما في الفترة الممتدة من 29 نوفمبر 1990 (تاريخ صدور قرار التفويض) وحتى نهاية الحرب في مارس 1991. واعتبر العديد من الباحثين أن مجلس الأمن تعرض خلال هذه الفترة لعملية اختطاف فعلية كي تصبح الولايات المتحدة في موقف يمكنها من إدارة الأزمة بالطريقة التي تحقق لها أهدافها الرئيسة وهي: ضمان تواجد أمريكي عسكري كبير ودائم في منطقة الخليج، والتعجيل بانهيار الاتحاد السوفياتي عن طريق إثبات عجزه وتدهور مكانته في النظام الدولي. وقد تمكنت بالفعل من تحقيق هذين الهدفين بالكامل.
وإذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أعادت لمجلس الأمن بعضا من حيويته المفقودة، بعد أن تقلصت احتمالات استخدام الفيتو في ظل النظام العالمي "الجديد"، إلا ان هذا النظام كشف، في الوقت نفسه، عن مواطن الخلل الهيكلي في الشرعية الدولية التي يمثلها مجلس الأمن. ويظهر تحليلنا للطريقة التي أدارت بها الأمم المتحدة الأزمات الدولية بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وجود ثلاثة أنماط لهذه الإدارة وهي:
1ـ الإدارة بالاستبعاد : في الأزمات التي لا يراد للأمم المتحدة أن تتدخل فيها على أي نحو. وأهم مثال على هذا النموذج إدارة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
2ـ الإدارة بالافتعال : في الأزمات التي يراد إقحام مجلس الأمن فيها إقحاما دون أي مبرر قانوني أو أخلاقي. واهم مثال على هذا النموذج إدارة الأزمة مع ليبيا بسبب حادث لوكربي.
3ـ الإدارة بالمشاركة المحسوبة: وهو النمط الغالب على أسلوب الأمم المتحدة في إدارة الأزمات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة. ووفقا لهذا النمط تلعب الأمم المتحدة دورا يختلف من حيث الحجم والفاعلية باختلاف نوع الأزمة ويتوقف على درجة حماس الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ومدى استعدادها لوضع الإمكانات المادية والبشرية اللازمة تحت تصرف الأمم المتحدة.
وقد أظهرت إدارة الأمم المتحدة للأزمات زمن العولمة عموما أن مجلس الأمن معرض لأن يتخذ قرارات غير دستورية دون أن يكون في مقدور أي جهاز دولي آخر أن يمارس في مواجهته أي نوع من أنواع الرقابة السياسية أو القضائية. وساهم سقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي في إلقاء مزيد من الضوء على حقيقة أن تشكيل مجلس الأمن لم يعد يعكس هيكل وموازين القوى في النظام الدولي "الجديد". ومعنى ذلك أن مصداقية تمثيل مجلس الأمن للمجتمع الدولي أصبحت محل شك. بعبارة أخرى يمكن القول أن مجلس الأمن، وهو الجهاز الذي يحتل موقع القلب في بنية التنظيم الدولي العالمي، تحول في زمن العولمة إلى شيء اشبه بحكومة ديكتاتورية غير مسؤولة وغير شرعية أيضا. ويطرح هذا الوضع تحديا من طبيعة مزدوجة تتعلق، من ناحية، بضرورة البحث عن صيغة جديدة لحل معضلة التوفيق بين اعتبارات الديمقراطية واعتبارات الفاعلية، ومن ناحية أخرى، تطوير معايير لفرز واختيار القوى التي يحق لها احتلال مقاعد دائمة أو شبه دائمة في مجلس الأمن بما يضمن شرعية ومصداقية تمثيل هذا الجهاز للمجتمع الدولي وموازين القوى فيه.
وعلى الرغم من اتباع الولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، لسياسة منظمة تهدف في نهاية المطاف إلى تهميش وإضعاف دور الأمم المتحدة، إلا أن الحرص على وجود غطاء من الشرعية الدولية ظل قائما في جميع الأحوال. وعلى سبيل المثال فقد ظلت الولايات المتحدة تدعي أن العمليات العسكرية التي تقوم بها منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى ضد العراق هي عمليات مشروعة قانونا، لأنها تأتي في إطار تفويض سبق صدوره من مجلس الأمن ومازال معمولا به، وأن الهدف النهائي لهذه العمليات هو تطبيق قرارات صادرة عن مجلس الأمن. لكن يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد حريصة حتى على مجرد استيفاء النواحي الشكلية اللازمة لإضفاء المشروعية على سياستها. وقد ظهر هذا جليا عندما تدخل حلف الناتو عسكريا في كوسوفا دون الحصول على تصريح بذلك من مجلس الأمن، وهو ما يمكن أن يتكرر في الأزمة العراقية الحالية حيث تهدد الولايات المتحدة علنا بعزمها على استخدام القوة ضد العراق، منفردة أو بالتعاون مع آخرين، إذا لم تتمكن من استصدار القرار الذي تريده من مجلس الأمن. وربما يعود السبب في هذا المنحى الجديد إلى رغبة الولايات المتحدة في ممارسة سياسة حرة وطليقة من كل قيد حتى ولو تم ذلك عبر جثة الأمم المتحدة. ولتبرير هذا الاستخدام غير الشرعي للقوة يطرح مبدأ التدخل لأغراض إنسانية. لكن التدخل المسلح لأغراض إنسانية له شروط ويتعين في جميع الأحوال أن يتم تحت سلطة مجلس الأمن.
على صعيد آخر فإن الآثار المتوقعة لعملية العولمة ولهيمنة القطب الواحد تفرض إعادة طرح قضية العلاقة بين التنظيم العالمي والتنظيم الإقليمي. وكان ميثاق الأمم المتحدة قد أوجد صيغة معقولة لهذه العلاقة، لكنها لم تعمل على ارض الواقع بالكفاءة المطلوبة في زمن الحرب الباردة بسبب انهيار نظام الأمن الجماعي وبروز نظام مناطق النفوذ. ولأن نهاية الحرب الباردة لم تؤد إلى إحياء نظام الأمن الجماعي فقد حاول حلف الأطلنطي، وهو أحد أهم الأطراف المنتصرة في الحرب الباردة، أن يعطي لنفسه دورا جديدا يتجاوز به ليس فقط دوره التقليدي كحلف دفاعي وإنما أيضا الدور المنصوص عليه في الميثاق للمنظمات والترتيبات الإقليمية المشكلة وفقا للفصل الثامن من الميثاق، بل يمكن القول أن حلف الأطلنطي يحاول أن يطرح نفسه الآن كبديل لمجلس الأمن نفسه، في حالة عدم تحقق الإجماع بين الدول دائمة العضوية أو كأداة عسكرية لمجلس الأمن في حالة تحقق مثل هذا الإجماع. وذلك وضع خطير جدا يفرض ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين التنظيمين العالمي والإقليمي وهو ما يحتاج إلى جهد مبتكر وخلاق.
5ـ الخلاصة :
من الضروري والمفيد أن نميز بين نمطين من أنماط التحولات التي يشهدها النظام الدولي حاليا وهما: نمط التحولات الناجم عن عملية العولمة، من ناحية، ونمط التحولات الناجم عن هيمنة القطب الواحد على النظام الدولي في مرحلة تطوره الراهن، من ناحية أخرى. فلكل من هذين النمطين تأثيرات تبدو متناقضة على مفهوم سيادة الدول ومبدإ منع التدخل في شؤونها الداخلية.
فعملية العولمة، والتي تبدو وكأنها عملية حتمية لا فكاك منها، تؤدي إلى مزيد من تداخل وتشابك المصالح بين الدول والشعوب وعلى نحو يصعب معه تحديد الخطوط الفاصلة بين حدود الاختصاص في الشأن الداخلي وحدود المسؤولية الدولية. وحل هذه الإشكالية، في تقديرنا، لا يكون بالعودة إلى المفاهيم التقليدية للسيادة وبإعادة التأكيد على أن السلطة القائمة في الدول، وبصرف النظر عن مدى شرعيتها، هي التي تقرر بنفسها ولنفسها حدود الشأن الداخلي. وإنما يكون بدعم وتقوية سلطة المؤسسات الدولية وضمان نزاهتها وشفافيتها وديمقراطيتها.
أما عملية الهيمنة، والتي قد تكون هي نفسها أحد النتائج الفرعية لعملية العولمة في مرحلة تطورها الراهن، فقد أفرزت موازين للقوة غذت طموح ونهم الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على العالم. فهناك فجوة كبيرة بين حجم ونوع ما تملكه من وسائل القوة، بمعناها الشامل، وما تملكه القوى الأخرى المتنافسة على قمة النظام الدولي كالاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين، وربما اليابان أيضا. وتحاول الولايات المتحدة استخدام هذه الفجوة لتسخير قوى وآليات عملية العولمة لصالحها وعلى النحو الذي يمكّنها من السيطرة على النظام الدولي مستفيدة من حالة الارتباك والفوضى التي تميز المؤسسات الدولية في الوقت الراهن. وفي هذا السياق ترّوج الولايات المتحدة لمبدإ "التدخل الإنساني" وتتوسع في تفسير مفهومه، لكنها تخلط عمدا بين إرادتها هي وبين إرادة المجتمع الدولي معتبرة أن إرادتها الخاصة تعبر بالضرورة عن إرادة الشرعية الدولية. ويصب هذا الوضع في اتجاه إضعاف المؤسسات الدولية وطمس شفافيتها ودعم النزعات الفاشية والإرهابية.
وهكذا تعود فكرة الحكومة العالمية لتطل برأسها من جديد في زمن العولمة، لا باعتبارها حلما بعيد المنال، كما كان الحال في الماضي، وإنما باعتبارها مسألة ضرورية وربما حتمية. ولم تعد الإشكالية المطروحة في هذا الزمن تتعلق بخيار قبول او رفض وجود مثل هذه الحكومة وإنما بنوع الحكومة المطلوبة وسبل إقامتها. وما هو مطروح، في هذا الإطار، قد لا يخرج عن ثلاثة بدائل. البديل الأول : حكومة خفية تمثلها شبكة متسعة من تحالف غير معلن بين الشركات العابرة للقارات وبعض مؤسسات المجتمع المدني بالتنسيق والتعاون مع حكومات مجموعة الدول السبع. والثاني: حكومة معلنة مفروضة بحكم الأمر الواقع، تمثلها الإدارة الإمريكية وتمارس تدخلها من خلال مجلس الأمن أو حلف شمال الإطلنطي أو منفردة، حسب ما تراه ملائما لمصلحتها. والثالث: حكومة منبثقة عن نظام عالمي ديمقراطي تمارس عملها في ظل رقابة سياسية وقانونية، أي في ظل سلطة تشريعية دولية وسلطة قضائية.
البديلان الأول والثاني قائمان ويتنافسان على ارض الواقع. أما البديل الثالث فمازال حلما بعيد المنال لأن الظروف لم تتضح بعد لوضعه موضع التنفيذ. وهذا هو ما يتعين على القوى الرافضة للهيمنة والباحثة عن ديمقراطية العلاقات الدولية أن تبذل كل جهد ممكن لتحويله إلى واقع.

http://www.afkaronline.org/arabic/archives/mar-avr2003/nafiaa.html