منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

نظرية إدارة الأزمة الدولية




بقلم : عرض شميران مروكل




صدرت حديثا عن مكتبة السنهوري في القاهرة الطبعة الأولى من كتاب الدكتور وائل محمد إسماعيل الموسوم (نظرية إدارة الأزمة الدولية) الذي جاء بثماني فصول في 316 صفحة من القطع المتوسط ، ويعتبر واحدة من الدراسات المهمة في مجال العلاقات الدولية. حيث يتناول الأزمة الدولية والمحاولات والجهود لبناء نموذج لنظرية إدارة الأزمة الدولية والعوامل المؤثرة عليها في ظل النظام الدولي الراهن.
والكتاب بمحتواه ومنهجيته يسعى ان يكون الأول في وضع نموذج عربي لنظرية إدارة الأزمات الدولية.

في الفصل الأول يتناول المؤلف الإطار النظري للأزمة الدولية، ويعرف مفهوم الأزمة على مستويات مختلفة وصولا لمعرفة الأزمة الدولية وادارتها.
ويقدم الكاتب عددا من التعاريف لبيان ماهية الأزمة، فهناك المفهوم البسيط والمفهوم الاصطلاحي و اللغوي والمفهوم التاريخي ويشير الى ان كارل ماركس تحدث في كتاباته عن (الحتمية التاريخية) وعن أزمات الإفراط في الإنتاج وتفاقم كل من هذه الأزمات مقارنة  بسابقاتها. اما المفهوم العلمي فقد تطرق اليها كأزمة كوارث طبيعية او من صنع البشر.
تمر الأزمة بمرحلة الإنذار المبكر والذي هو عبارة عن اشارات، ومرحلة الانفجار وتعد مرحلة اللاعودة، ومرحلة الازمة المزمنة التي تعد مرحلة الادمان وقد تستمر فترة طويلة ويتم فيها تحليل نقاط الضعف والقوة اما المرحلة الاخيرة فتعرف بمرحلة حل الازمة. ويستنتج الكاتب ان الازمة كحدث ضاربة في  القدم، اما كإدارة فهي فن ومهارة اولا ثم أضحت علماً يستند الى قواعد واصول علمية وصولا لايجاد نظرية متكاملة لإدارة الأزمة الدولية.
في الفصل الثاني تناول المؤلف الإطار العلمي للأزمة الدولية،حيث التعامل مع الأزمات كعلم فرضته مستلزمات الواقع المعاصر  من خلال مجالين محددين، هما مجال علم الادارة ومجال علم العلاقات الدولية حتى اصبح اليوم يعرّف بانه علم ادارة توازنات القوى ورصد تحركاتها واتجاهاتها، وهو ايضا علم المستقبل والتكيف مع المتغيرات وتحريك الثوابت.
و لتشخيص الأزمات عدة مناهج أهمها المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي ومنهج الدراسات المقارنة الذي يعتمد على مقارنة زمنية تاريخية او مقارنة مكانية جغرافية او مقارنة نشاطية ومن حيث الحجم الذي بلغته الأزمة.
في الفصل الثالث يتناول الكاتب آليات نظرية ادارة الأزمة الدولية في ثلاثة محاور (مبادئ ادارة الأزمات) والتي تعتمد على مجموعة مبادئ للتعامل مع الازمات وتعد بمثابة دستور يجب على كل متخذ قرار ان يعيه جيدا عند التعامل مع أي ازمة تواجهه ومن اهم المبادئ  تحديد الهدف بدقة والذي يعد نصف المعالجة الحقيقية للازمة وعنصر المباغتة يعد من اهم المبادئ للتعامل مع الازمات لا بل من اهمها اذ تساعد ولفترة مناسبة من الزمن على السيطرة شبه الكاملة على الازمة لانها تحقق نوعا من الذهول لدى القوى الصانعة للازمة وتجعلها لا تستطيع التفكير او التصرف بشكل عقلاني وبذلك يمكن القضاء عليها كما ان التحشيد والذي يقصد به جمع القوى المناط بها معالجة الازمة في الزمان الذي يهيئ الوفرة الفنية للقوة والمكان المناسب لتأمين عملية مواجهة الازمة والتعاون يساعد على اتساع الرؤية وشمولية التشخيص وتكامل المعالجة  كما ينبغي عدم الإسراف في استخدام كامل القوة ويتعين ان يخضع لحساب دقيق.
نجاح عملية ادارة الأزمة يعتمد على اسس تبسيط الإجراءات والتنسيق بين فريق ادارة الازمة والادارات والقيادات الاخرى ذات العلاقة بالازمة والتخطيط أي المنهجية العلمية التي تبعد الازمة عن الارتجالية والعشوائية والفوضى في اتخاذ القرارات والحضور المستمر لاعضاء الفريق في مكان ادارة الازمة والذين احيانا يحتاجون الى تفويض السلطات لاتخاذ قرارات حاسمة ومناسبة وبشكل سريع.
وتعد (نظم ادارة الأزمات) المحور الثاني في اليات نظرية ادارة الازمة الدولية والذي اتفق عدد من الباحثين على انه يشمل اكتشاف اشارات الانذار والاستعداد والوقاية واحتواء الاضرار والحد من الازمة وانتشارها.
اما (استراتيجيات ادارة الازمات) والذي تعد المحور الثالث فانها تتطلب توافر فريق قادر على التخطيط في عملية ادارة الازمات وتحتاج الى اتباع وسائل علمية للتعامل مثل المحاكاة والسيناريو وتوافر نظام اتصالات داخلي وخارجي فعال يساعد على توافر المعلومات والانذارات في وقت مبكر ودراسة وتحليل العوامل المكونة للازمة والقوى المؤثرة فيها وتحويلها الى ازمات صغيرة يسهل التعامل معها.
الفصل الرابع يتحدث عن فريق ادارة الأزمات والإدارة بالأزمات، ففريق ادارة الازمة يعد احد متطلبات ادارة الازمات والادارة بالازمات فالإنسان هو محور كل الازمات فهو صانعها وهو المنفذ لها والمتضرر منها ويجب ان يوليها التخطيط اهمية استثنائية في عمله لان التخطيط متطلب اساس لادارة الازمات والادارة بالازمات فالحياة هي فعل ورد فعل والعلاقات الدولية كذلك وشتان بين فعل عشوائي وفعل مخطط له لأنه مدروس.
من اهم القواعد التي ينبغي الاسترشاد بها في كيفية عمل فريق ادارة الازمات هو احترام الاعضاء (كيان الفريق المنضوين تحته) والوفاء بالالتزامات بكل صرامة وانضباط عال مع مراعاة مصلحة الفريق على كل اعتبار شخصي.كما يحرص فريق ادارة الأزمة دائما على التأني في اتخاذ القرارات الجوهرية وعلى اثراء القرار بروح المهنية والجماعة.
يشير الكاتب في الفصل الخامس الى العصب او الشريان الرئيس لعمل الادارة والتي هي المعلومات التي تؤدي دورا مفصليا في ادارة الازمات ويطرحها في اربعة محاور، (ماهية المعلومات، المعلومات كإطار قابل للتحليل، دور المعلومات في القرار الاستراتيجي ودور المعلومات في ادارة الازمات). وتعد مصادر المعلومات كافة الاخبار والمواد والوثائق التي يتم الحصول عليها من المصادر المختلفة.
ان المعلومات هي حجر الاساس في نجاح او اخفاق ادارة الازمة  لذا لابد من قيام اجهزة المعلومات على تحديث وتحليل المعلومات وان تضمن استمرار تدفقها خلال مراحل ادارة الازمة بما يزيد من القدرة على الحكم في ضبط ايقاع تصاعد الاحداث في الأزمة.
مركز نظرية إدارة الأزمة الدولية هو  محور الفصل السادس وتناوله في ثلاثة محاور، محور القيادة والأزمات ومحور اتخاذ القرار وصنعه في الازمات. فمن ابرز مسؤوليات القائد الرئيسة هو ان يوجد رؤيا استراتيجية واضحة وقت الازمات. ويشير الكاتب الى مراحل صنع القرار التي تتحدد بمرحلة تحديد الأزمة وتشخيصها وتحليل متغيراتها وتحديد الحلول البديلة وتقويمها واختيار البديل المناسب واتخاذ القرار والتنفيذ ومن ثم مرحلة اختيار صلاحية القرار. ويؤكد ان للقيادة دورا لا ينازعه احد في ادارة الازمات من خلال دورها في التعامل مع المعلومات والحدث او الموقف الناشئ للازمة وفق مدركاتها السليمة لها لاتخاذ القرار المناسب بشأنها.
في الفصل السابع يتحدث الكاتب عن فواعل نظرية ادارة الازمة الدولية فحقل العلاقات الدولية حافل بالعديد من النظريات، القوة، الصراع، الواقعية، المثالية، وغيرها، الا ان ما يهم هو مدى استخدامها او توظيفها في ادارة الازمات والتي تعني بالاساس التغلب عليها من خلال الادوات المناسبة لتجنب سلبياتها والاستفادة من ايجابياتها، ان ادارة الازمات ببساطة هي الاستعداد لما قد لا يحدث والتعامل مع ما حدث.
والفصل الثامن والأخير كتب الدكتور وائل محمد اسماعيل عن ادارة الازمة الدولية في ظل النظام الدولي الراهن والتي كما يراها، ما هي الا لعبة تديرها الاطراف الفاعلة فيه او بعبارة اخرى اقرب الى من يجيد التلاعب بخيوط اللعبة الدولية الذكية وفق مباراة محسوبة نتائجها مسبقا.
بحث الكاتب إدارة الأزمات الدولية في هذا المناخ الدولي في أربعة محاور،أولاها  فرضية أولوية الحتمية الجيوبوليتيكية والتي تبنى من خلال الحقائق التي تنص على ان العالم او النظام الدولي مقبل على ندرة دولية في الموارد وخاصة الإستراتيجية وكذلك على جفاف في المياه في المناطق الإستراتيجية الساخنة والحيوية مما يحتم التدبر في صنع وبلورة ازمات او تحاشيها في تلك المناطق عند الضرورة.
الفرضية الثانية هي فرضية أولوية القوة الذكية حيث بهر العالم وانجذب الى سفسطة العقل الغربي ولا سيما الأمريكي في تجسيد القوة الذكية كأداة لحل وإدارة الأزمات الدولية وتعلمنا دائما في التحليل السياسي الأمريكي ان ما هو ظاهر من السلوك الامريكي وما يعلن منه الرؤساء او أعضاء الإدارة الأمريكية لا يعني توجهاتهم الحقيقية فدائما يبقى المخفي لا يعلن عنه كأجندة يراد تحقيقها بسرية تامة.
اما فرضية الحلم الأمريكي التي اجمع عليها كافة الرؤساء منذ عهد جورج واشنطن عام 1789 بعد المصادقة على الاتحاد الفيدرالي وولادة النظام الفيدرالي الأمريكي او حتمية الزعامة الأمريكية للعالم.. أرادوا بكل الطرق فرض الهيمنة والزعامة بذرائع كي يقبل بها العقل السامع لها ويسلم بها وكأنها حتمية لا خلاص منها. ويشهد العالم العربي فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية وتجريف شامل للقدرة العربية الشاملة في ظل وباء الاحتراب الديني الطائفي والقومي الاثني وشهد استنزاف القوة والقضم الجيوبولتيكي في ظل عولمة الامبريالية وتعاظم دور الشركات الخاصة في الهيمنة على القرار الدولي وقد مزقت الجسد العربي المثخن أصلا بخلافات منحوتة بعناية في أروقة المخابرات الأجنبية والإقليمية وفق سياسة (فرق تسد)  الاستعمارية لذلك كانت إدارة الأزمات الدولية في المرحلة لما بعد الحرب الباردة قد وظفت وأدت دورها من خلال الإيمان بهذه الأفكار.
ان فرضية حقائق القوة الجديدة تؤكد ان نجاح ادارة الازمات يعني بوضوح تطبيق سياسة متوسطة او طويلة الأمد تمنع بموجبه نشوء الأزمات او امتدادها او تلافي تلك الأزمات قبل تفاقمها.
منشور

النزاعات وطرق الحل المبسطة




، يشهد  العالم هدوءا وعدم  استقرارا دائما، فحيثما وجد بشر، وفي أي بقعة من بقاع الأرض، كان هناك نزاعات وصراعات واختلافات. 
وليس من المعيب أن نختلف في تصوراتنا، أو أن نتنازع في تحقيق إرادتنا، فنحن -جميعا- لا نتفق في رؤيتنا للأشياء، وفي فهمنا لما يحيط بنا، فما هو بديهي عند الآخرين قد لا يكون بديهيا عندي، وما أعتقده أنه تصرف صحيح، قد تعتبره تصرفا خطأ، ولكن من المعيب حقا، أن لا نفهم طبيعة اختلافاتنا، ولا نسعى إلى تقريب مسافات تصوراتنا المتباعدة.

خلل في المجتمعات الإنسانية أن تطلق عنان النزاعات والاختلافات والصراعات بين أفرادها، دون ضوابط إنسانية واجتماعية وثقافية تشكل مصدرا ومرجعا في استتاب الأمن والاستقرار في البلاد، وهناك مشكلة حقيقية في أن لا نمتلك الأدوات والوسائل التي تساعدنا في إطفاء حرائق النزاعات التي يمكن أن تندلع في أي وقت أو ظرف تتوفر فيه مصادرها.
وبالتالي، فكما هو مطلوب أن يكون في بيت كل واحد منا، صيدلية طوارئ، فان المطلوب أيضا أن يكون لدينا- أفرادا ومؤسسات ودولا- وسائل وأدوات لفض النزاعات وحلها بعد تشخيصها، لأن النزاعات - في حقيقتها- مرض اجتماعي يمكن أن يصيب فردا أو مجموعة أفراد، وقد يقتصر على الأطراف المباشرة لها، وقد تتعداها إلى غيرهم، فيكون أشبه بالمرض المعدي الذي يمكن أن يصيب آخرين ليسوا طرفا فيها، وذلك عندما تتحول النزاعات إلى حروب تأكل اليابس والأخضر.
من الضروري أن يكون لدى المتطوعين في فض النزاعات والاختلافات معرفة جيدة بأصول ومصادر النزاعات والاختلافات، ومن الضروري أن يكون العاملون في النزاعات مختصين وعارفين في طبيعة تلك النزاعات، لان ذلك يجعلهم اقدر إلى طرح الحلول المناسبة التي تتلاءم مع أسباب وطبيعة مصادر النزاعات.
ويمكن أن نقسم أهم أسباب النزاعات إلى الآتي:
-النزاعات الدينية: وهي النزاعات التي تحدث بين أتباع الديانات المختلفة، سواء كانت الأديان سماوية أو وضعية: كالدين الإسلامي، والمسيحي، واليهودي، والهندوسي، مثل النزاعات بين أتباع الدين الإسلامي والدين المسيحي في فلسطين، وحالة النزاع الديني في إندونيسيا بين المسلمين والمسيحيين، أو هي تلك النزاعات التي تنشب بين أتباع المذاهب التي تتبع دينا واحدا، كالصراعات بين الكاثوليك والبروتستانت في الدين المسيحي، وبين السنة والشيعة في الدين الإسلامي، أو كالنزاعات التي تحدث بين أتباع المذهب الديني الواحد، كالنزاعات بين المعتدلين والمتطرفين في المذهب السني. 
-
النزاعات السياسية:

 وهي الصراعات التي تنشب بين الأطراف السياسية المختلفة، فتارة تكون بين حزبين أو أكثر في إطار الدولة الواحدة مثل النزاعات التي تحدث في كل الدول التي تؤمن بوجود الأحزاب في بلادها. وقد تتوسع لتكون بين دولتين أو أكثر على مسائل تجارية أو مسائل حدودية، وقد تحل بالوسائل السلمية المعتادة أو تتوسع إلى صراعات عنيفة وقتال يذهب فيه العشرات القتلى من الطرفين، كالصراع بين العراق وإيران الذي استمر حوالي ثمان سنوات من القتال العنيف، وبين الكويت والعراق والذي تطور إلى غزو واحتلال.

- النزاعات القومية:

 وهي الصراعات التي تنشأ بسبب الانتماء إلى الأعراق المختلفة، ورؤية كل قومية أن لها أحقية في الوجود والعيش الأفضل، ولها الحقوق والامتيازات دون القوميات الأخرى، كالنزاعات العرقية بين الأكراد والعرب في العراق، وبين الأكراد والأتراك في تركيا. 

- النزاعات الفكرية:

 وهي النزاعات التي تندلع بين أتباع الأفكار والتوجهات المختلفة، حيث يرى كل منهم أحقية وصحة الأفكار التي يحملها، ويريد أن يطبقها في الأوساط الاجتماعية التي يعيش فيها، ويرفض بشدة وجود اتباع الأفكار الأخرى، كالنزاعات الدائرة في البلاد الغربية وأمريكا بين العلمانيين والإسلاميين، أو بين القوميين والإسلاميين في البلاد العربية. 
- النزاعات الاقتصادية: وهي النزاعات التي تنشأ بين طرفين وطنيين أو دوليين بسبب عامل اقتصادي، أو تجاري، أو مالي. 
أما وسائل فض النزاعات، فيمكن تقسيمها إلى وسائل وقائية، ووسائل علاجية على النحو الآتي
:
-الوسائل الوقائية

: وهي الوسائل الهامة والضرورية التي تمنع وترد حدوث أي نزاعات وصراعات قبل حدوثها، وهي تتعلق بطرح الأفكار والرؤى الإيجابية والاستيعابية والشمولية والمبادئ العامة التي لا يختلف فيها اثنان، كالتأكيد على الاخوة الإنسانية أو الدينية أو الوطنية والحرية السياسية، ونشر ثقافة السلام وتغليب أفكار اللاعنف، واللجوء دائما الى التفاوض والالتزام بالعهود والمواثيق والمعاهدات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقنين الاختلاف والتنوع في شكل وثيقة مدنية تتضمن احترام الأطراف كافة. 
والتأكيد على أن التعايش السلمي يبنى على أساس الاعتراف والاحترام المتبادل وحفظ الحقوق الإنسانية والوطنية، ونبذ المشاحنات والمهاترات المذهبية والطائفية... وإعداد المناهج التعليمية الداعية إلى السلام والمحبة، والعمل على توحيدها في إطار البلد الواحد بحيث يتلقى الطلاب، سواء في المدارس الحكومية أو الأهلية مواد تدريسية تكاد تتفق على مبادئ عامة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا كله بقوله "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" . 

- الوسائل العلاجية:

 وهي الوسائل التي يمكن اللجوء إليها في حالة نشوب النزاعات والصراعات وتوسعها، كتفعيل مبادئ الدعوة إلى التفاوض والصلح، واللجوء إلى المحاكم والقضاء، والتدخل الدولي والإنساني السريع في مناطق النزاعات المختلفة لحماية السكان المدنيين حماية عامة ضد آثار العمليات العسكرية وتجاوزات الأطراف المعادية، وذلك من أجل تجنب انتهاكات القانون أو وقفها من جانب، وحماية أرواح الأشخاص وصحتهم وكرامتهم مع العمل على ألا تؤدي آثار النزاع إلى تعريض مستقبلهم للخطر من جانب آخر. وربما استخدم القوة بمختلف أنواعها لمن لا يرجع عن ظلمه بما فيها القوة المسلحة، وهي حالات استثنائية لا يجب اللجوء إليها إلا في الضرورات

جميل عودة
منشور

إدارة الأزمات السياسية




عرض/ أحمد التلاوي
في ظل عالم متشعب الأركان، وشديد التعقيد في صيرورات حركته السياسية، والتي باتت ترتبط بكل مفاصل حياة المجتمعات، من أمن واقتصاد وغير ذلك، فإن هناك أهمية متزايدة ظهرت لعدد من فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتي تمثل مفاتيح مهمة للتعامل مع هذا التعقيد والتشعب.
ومن بين أبرز هذه العلوم، علوم المستقبليات، وعلوم إدارة الأزمات، في المجالات المختلفة، في الإدارة، وفي السياسة والاقتصاد، وفي مختلف المجالات الأخرى التي تتعلق بحياة المجتمعات الإنسانية ومسارات تقدمها وتخلفها.
الكتاب


وبين أيدينا كتاب بعنوان "إدارة الأزمات السياسية وإستراتيجيات القضاء على الأزمات السياسية الدولية"، للباحث والأكاديمي المتخصص في العلوم الإستراتيجية والإدارية، الدكتور محمد سرور الحريري، يتناول مجموعة من العناوين ذات الأهمية فيما يخص عملية إدارة الأزمات السياسية وطرق وإستراتيجيات القضاء على الأزمات السياسية على المستوى الدولي.
وينقسم المنطق العام لتناول الكتاب، لهذا الموضوع، إلى قسمَيْن؛ الأول نظري ويركز على المصطلحات المرتبطة بهذا الأمر، مثل أهداف وخصائص ووظائف إدارة الأزمات السياسية، من وجهة نظر العلوم الإدارية. والثاني تطبيقي، يتناول كيفية إيجاد الحلول المناسبة لكل الأزمات السياسية والمشكلات على المستوى الدولي التي تواجهها الدول والحكومات.
ويركز في هذا الإطار، على كيفية قيام رئيس الدولة أو الحكومة والمسؤولين السياسيين بإيجاد حلول سريعة ومناسبة وفق معايير الكفاءة والفاعلية، وتحت الضغوط المختلفة التي قد يواجهونها، وذلك لمحاصرة الأزمات التي تواجهها الدولة، ومعالجة المشكلات القائمة والحالية، والتخلص منها.
والكتاب يتكون من ثلاثة أبواب، الأول عبارة عن مدخل تعريفي بإدارة الأزمات السياسية: تناول موضوع الكتاب، إدارة الأزمات السياسية، وسبب اختياره، والمنهج العلمي المتبع في كتابته، وأهميته.
وفيه يؤكد المؤلف أن التعقيد والتشابك الحالي في المصالح الدولية، وكذلك التقدم العلمي والتقني الكبير في العالم، أدى إلى ظهور مشكلات من نوع جديد أدت إلى ضرورة أن يقوم صناع القرار والمسؤولون السياسيون بالإجابة عن عدد من الأسئلة ذات الأهمية القصوى في عالمنا المعاصر، ومن بينها: ما الدولة؟ وما الحكومة؟ وما قدراتها؟ وما الواقع الأمني والاقتصادي والسياسي القائم في هذه الدولة؟ وكذلك ماهية المشكلات المستجدة، والبدائل المختلفة للتعامل معها.
وضرب أمثلة على هذه المشكلات، مثل الديون الحكومية لدى مؤسسات التمويل الدولية، وأزمات القضاء والمحاكم، وأزمة الغلاء وارتفاع الأسعار الأساسية، وأزمة عجز الموازنة العامة للدول، وأزمة التضخم، والأزمات التي تضرب قطاعات العمل الإستراتيجي الأخرى، مثل الصحافة والإعلام.
قواعد إدارة الأزمات السياسية
الباب الثاني، كان بعنوان "قواعد إدارة الأزمات السياسية"، وجاء في سبعة فصول، تناولت خصائص إدارة الأزمات السياسية، وأهدافها ووظائفها، ومجالات تطبيق إدارة الأزمات السياسية، ومشكلاتها، والنتائج الإيجابية لها، بالإضافة إلى بعض المصطلحات العلمية الخاصة بإدارة الأزمات السياسية؛ حيث أدرج مسردًا بمائة وعشرة مصطلحات ذات صلة، ومعانيها باللغة الإنجليزية، مثل: أزمة، ومحنة، وضرورة، وكارثة، وعجز.
وتُعرَّف الأزمة على أنها تعني "تهديدًا خطرًا متوقعًا أو غير متوقع لأهداف وقيم ومعتقدات وممتلكات الأفراد والمنظمات والدول والتي تحد من عملية اتخاذ القرار". أما إدارة الأزمات فهي المحافظة على الأصول والممتلكات، الخاصة بالكيان الذي يتعرض للأزمة، سواء أكان دولة أو شركة، أو ما شابه، وكذلك المحافظة على الأفراد والعاملين بها ضد المخاطر المختلفة.
وتتطلب عملية إدارة الأزمة، عددًا من الأمور، من بينها أن يكون هناك إدراك بأن هناك أزمة، ومهمة فريق الأزمة بالأساس تتمحور حول عدد من المهام، من بينها:
- التنبؤ بالأزمات والمشكلات المختلفة، ووضع بدائل لها.
- وضع خطط مستقبلية متكاملة للتعامل مع الأزمات السياسية والسيادية.
- توجيه النصح والإرشاد للمسؤولين المختلفين، كل في مجاله.
وتتوقف كفاءة فريق العمل القائم على إدارة الأزمات، على عدد من الأمور، من بينها إدراك حقيقة الأزمة وتوصيفها بشكل دقيق، ومعرفة أسبابها، والإمكانات المطلوبة لمعالجتها، والمتاح منها، والوقت المطلوب لمعالجتها.
وهناك عدد من المجالات التي يجب من خلالها تطبيق إدارة الأزمات السياسية، ومن بينها المؤسسات الأمنية، والوزارات السيادية والجهات الدبلوماسية والشركات والبنوك الحكومية.
ومن بين المشكلات التي تواجه صناع القرار ومتخذيه، وفرق إدارة الأزمات، ندرة المعلومات والمصادر المكتوبة في مجالات العلوم الإدارية والإستراتيجية المختلفة التي تُعنى بهذه المسألة، وقلة الأقسام العلمية ذات الصلة في الجامعات والأكاديميات المختلفة، وقلة وجود متخصصين في علوم السياسة والإدارة.
وينعكس نجاح عملية إدارة الأزمة داخل الدولة في العديد من المظاهر، من بينها تحسين فرص تطبيق القانون، ووقف هدر الجهود المبذولة في اتجاه خاطئ، وتوفير الموارد البشرية والمادية، وكذلك الوقت، وتوجيهها في اتجاه آخر، أكثر استفادة.
ينعكس نجاح عملية إدارة الأزمة داخل الدولة في العديد من المظاهر، من بينها تحسين فرص تطبيق القانون، ووقف هدر الجهود المبذولة في اتجاه خاطئ، وتوفير الموارد
وهناك عدد من الضرورات التي تفرض إدراك أهمية إدارة الأزمات من جانب صناع القرارات داخل الدول والحكومات، ومن بينها أن الأزمات تؤدي إلى العديد من العواقب الوخيمة على الدولة والمجتمع، بما في ذلك إحداث أجواء سلبية وحالة من الخوف والهلع في أوساط المواطنين، وقد تهدد المصالح الحيوية للدولة، وهو ما يؤدي إلى تعطيل تقدم المجتمع والدولة ككل.
ويميز الكاتب في هذا الإطار بين المشكلة والأزمة، فالمشكلة أخف وطأة في مجالها الزمني وفي تأثيراتها، فإذا ما زادت عن مستوًى زمني معين، وكذلك درجة من درجات التأثير السلبي؛ فإنها تتحول إلى أزمة أكثر عمقًا وتأثيرًا، وغالبًا ما تكون المشكلة قابلة للحل بشكل أسهل من الأزمات، خصوصًا الأزمات المزمنة التي تصعب معالجتها.
فصل إستراتيجي لإدارة الأزمات السياسية
الباب الثالث "مدخل إستراتيجي لإدارة الأزمات السياسية"، جاء في عشرة فصول، تناولت تعريفات إدارة الأزمات السياسية، ومرتكزاتها وكيفية التعامل معها، والمناهج المختلفة في هذا الإطار.
كما تناولت أنواع الإدارات المختلفة وعلاقتها بإدارة الأزمات السياسية، مثل: إدارة العمليات، وإدارة الدولة، والإدارة بالأهداف، وما يعرف بالإدارة الموقفية، أي إدارة المواقف الطارئة، والإدارة الإستراتيجية، وكيفية إدارة الهيئات السياسية.
ومن بين ما ركز عليه المؤلف في هذا الباب المناهج المختلفة للتعامل مع الأزمات، وقسمها إلى اتجاهَيْن: الأول سلبي، يعتمد إما على إنكار وجود الأزمة، وتجاهل التعامل معها أصلاً، أو على الضغط عليها، ومحاصرة كافة المنافذ التي تؤدي إليها، وعزلها عن العوامل التي أدت إليها، أو تشكيل لجنة خاصة للتعامل معها، بشكل يؤدي إلى تضييع وقت طويل في التعامل معها، بما قد يؤدي إلى تفاقمها.
المنهج الإيجابي في التعامل مع الأزمات
المنهج الثاني هو المنهج الإيجابي في التعامل مع الأزمة، ومن بين الطرق المستخدمة فيه، الاهتمام بالجوانب السياسية والاجتماعية في الدولة ومعالجتها، وتشجيع المشاركة السياسية والمجتمعية، وتفتيت الجوانب السلبية للأزمة، وتشكيل فرق عمل مخلصة تعمل على إيجاد حلول ناجحة للأزمات التي تواجه الدولة، بشكل فني ومخلص.
كذلك من طرق المنهج الإيجابي في التعامل مع الأزمة، محاولة امتصاصها، وتغليب مصالح المواطنين، والاهتمام بالجوانب الاقتصادية والثقافية للمجتمع وتطويرها، بحيث يكون المجتمع عاملاً مساعدًا على معالجة الأزمات.
ويحدد الكاتب سبعين نوعًا من أنواع الإدارات التي يجب على الدول والحكومات الإلمام بها وتنميتها، من أجل تحسين قدرتها على التعامل مع مشكلاتها، ومن بينها: إدارة الأعمال الدولية، وإدارة نظم المعلومات الإدارية، وإدارة المعرفة، وإدارة الأفراد، وإدارة الإنتاج، وإدارة العملية التعليمية، والإدارة العامة، أو إدارة المؤسسات الحكومية، وصولاً إلى إدارة الدولة نفسها.
الدولة مؤسسة سياسية وقانونية تحكم مجموعة كبيرة من السكان، بصفة دائمة داخل إقليم معين، وقد تكون دولة بسيطة أو مركبة
ما الدولة؟
ويعرج الكاتب في هذا الباب إلى تعريف الدولة، لتوضيح المفاهيم التي يتناولها، فهناك عدد من المقومات الأساسية التي يجب توافرها في أي كيان سياسي لكي يحمل اسم "دولة"، وهي: السكان والأرض التي يعيشون عليها بمواردها، وسيادة واستقلال الدولة، والحكومة والنظام.
أي أن الدولة مؤسسة سياسية وقانونية تحكم مجموعة كبيرة من السكان، بصفة دائمة داخل إقليم معين، وقد تكون دولة بسيطة تخضع لحكومة مركزية، أو مركبة؛ حيث يكون لكل إقليم منها الحق في إدارة شؤونه الخاصة، باستثناء وظائف الدفاع والأمن والخارجية.
وفي نهاية هذا الباب والكتاب كله، أفرد فصلاً كاملاً، هو الفصل العاشر من الباب الثالث، تناول فيه أشكال وأنواع الاتفاقيات والمعاهدات الإقليمية والدولية، التي تتضمن تعاونًا بين عدد من دول العالم المختلفة، سواء بشكل عام على مستوى العالم، مثل منظمة التجارة العالمية، أو على مستوى إقليم بعينه، مثل اتفاقية منظمة التكامل لدول أميركا اللاتينية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون لدول جنوب شرق آسيا، وغيرها.
منشور

ازمة علاقات روسيا والاتحاد الأوروبي

ادت الأزمة الأوكرانية الى تشنج شبه كامل في علاقات روسيا والاتحاد الأوروبي مما أوصل قادته الى رفع أصواتهم، أعلي فأعلي، للإفصاح عن رغبتهم في الحد من استهلاك القارة من الغاز الطبيعي الروسي. وهنا تصبح قطر أكبر موّرد للغاز الطبيعي المسال في العالم في وضع جيد لكي تلعب دورا أكثر تأثيرا علي ساحة الطاقة في أوروبا. فهل تستطيع؟ 
من غير المرجح أن تحل قطر محل روسيا كأكبر مزود للغاز الطبيعي في أوروبا، ومع ذلك فيمكنها أن تساعد بشكل كبير في خفض اعتماد الاتحاد الأوروبي على موارد الطاقة الروسية، والحصول في الوقت نفسه على نفوذ أكبر بين الأوساط الدبلوماسية الأوروبية. هذا ان كانت تفقه شيء من شطرنج السياسة الدولية.
ueruqaلحسن حظ الاتحاد الأوروبي، لم تندلع الأزمة في أوكرانيا قبل عدة سنوات. ففي عام 2006، عبرت 80 في المئة من مبيعات الغاز الطبيعي الروسي إلى الاتحاد الأوروبي عن طريق أوكرانيا. ثم تم تخفيض هذه النسبة الى 50 %  في عام 2013 أي بعد عامين من تشغيل خط أنابيب نوردستريم الذي يربط "فيبورغ" روسيا مع "ساسنيتز" ألمانيا عبر بحر البلطيق.
كذلك فقد بدأ الاتحاد الأوروبي وروسيا، في عام 2013، في بناء مشروع ساوث ستريم، أي خط أنابيب غاز أخر يربط روسيا ببلغاريا عبر البحر الأسود، والذي من شأنه أن يزيد تجارة الطاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا مع تجاوز أوكرانيا. لكن العلاقات البالغة التوتر بين الاتحاد الأوروبي وروسيا قد تعرض للخطر مستقبل مشروع "ساوث ستريم" حيث تفاوتت ردود فعل الشركات الأوروبية المشاركة في المشروع. ففي حين وصف الرئيس التنفيذي لشركة "ايني" الايطالية مستقبل المشروع بأنه "قاتم"، ظلت بعض الشركات البلغارية والألمانية متفائلة، شأنها في ذلك شأن الشركاء الروس.
بطبيعة الحال، يواجه كل عضو من أعضاء الاتحاد الأوروبي تحديات جيوسياسية فريدة من نوعها، وبدرجات متفاوتة حسب القرب الجغرافي لبدائل موردي الغاز الطبيعي وممرات توريده. ولذلك تملي المصلحة الوطنية علي كل دولة أوروبية مشاركة في المشروع تفاعلات مختلفة في المستقبل.وفي غضون ذلك، تقبع الفرص الواعدة على المدى القريب المتاحة لقطر في الاتحاد الأوروبي، وفي أوروبا الوسطى والشرقية حيث الاعتماد على الغاز الروسي مرتفع نسبيا والمشاعر المعادية للكرملين منتشرة على نطاق واسع. فعلى الرغم من أن بولندا تعتمد على روسيا في 60 في المئة من واردات الغاز الطبيعي، تواصل وارسو إتخاذ تدابير جريئة لشراء الغاز من جهات أخرى بما في ذلك قطر منذ إندلاع حرب أسعار بين روسيا وأوكرانيا عام 2009، وهي الحرب التي سلطت الضوء على المخاطر الجيوسياسية لإستمرار الاعتماد على الغاز الروسي. ومن المتوقع أن تبدأ محطة الغاز الطبيعي المسال في "سوينوجسي" في بولندا، في استيراد الغاز القطري في عام 2015.
 كذلك، ففي حين تستثمر بلدان أوروبا الشرقية، بما فيها استونيا وليتوانيا، وبكثافة، في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، أصبح من المرجح كسب قطر فرصا جديدة هناك . وعلاوة علي هذا وذاك، فعلى الرغم من أن قطر ليست سوى جزء صغيرا يمثل مجرد واحد في المئة من حجم روسيا، إلا أن احتياطيات هذه الإمارة الخليجية تبلغ أكثر من نصف إحتياطات روسيا، مما يضعها في المرتبة الثانية للدول المصدرة للغاز في العالم، بعد روسيا نفسها.
ومع ذلك، تدرك قطر أنه لا يمكنها تجاوز روسيا كأكبر بائع للغاز الطبيعي المسال في أوروبا، كما ليس من الواضح ما إذا كان لدي الدوحة مصلحة في الصبو إلي مثل هذا الطموح.
فنظرا لحصتها الضخمة في السوق الإوروبية، تتمكن روسيا من بيع الغاز الطبيعي للأوروبيين بسعر 40-50 في المئة أقل ما يقدمه القطريون، علما بأن ما يقرب من 70 في المئة من صادرات قطر تقصد الصين، والهند، واليابان، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، مما يجعل الاقتصاد القطري الآن أقل اعتمادا على الصادرات المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي.
وبالتالي، من المحتمل أن توقع روسيا علي صفقات غاز مع أوروبا بأسعار أقل من أي سعر يعتبره القطريون مقبولا نظرا لفرصهم في الأسواق الآسيوية. كذلك، ففي حين يبدو المسؤولون البولنديون على استعداد لدفع ثمن باهظ لفطم بلادهم من الغاز الروسي، لا تملك حكومات أوروبية الأخرى القدرة أو الحافز للقيام بذلك.
الواقع هو أنه لا يمكن تهديد دور روسيا البارز في سوق الغاز في الاتحاد الأوروبي في المدى القريب وحتى بولندا العضو بالاتحاد الأوروبي الذي يمكن القول أنه الأكثر تصميما للحد من الإعتماد على الغاز الروسي فلا يزال لديها عقدا مع "غازبروم" حتى عام 2022.
وفي غضون ذلك، فإن إمكانية عودة ألمانيا لتشغيل محطات الطاقة النووية، والتقدم في التكنولوجيا الخضراء، وزيادة إستهلاك الفحم، لن يقلل من استهلاك الاتحاد للغاز الطبيعي. نهيك عن أن الاستثمارات المكلفة في البنية التحتية لغاز المسال، والتي ستضطر الحكومات الأوروبية التي تعاني من ضائقة مالية إلي تخصيصها لتأمين واردات الغاز الطبيعي المسال من قطر، سوف تحد من قدرة الدوحة على حشر نفسها بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.
الواقع أنه إذا فطمت قطر تدريجيا الاتحاد الأوروبي بعيدا عن الغاز الطبيعي الروسي، فسيعاني الاقتصاد الروسي عندئذ. وعلى المدى الأطول، إذا إستطاعت قطر تمكين الاتحاد الأوروبي من تنويع مصادره تدريجيا من الغاز الطبيعي، فسوف يفقد الكرملين قدرا من النفوذ على بروكسل في طاولة المفاوضات.
وهنا قد تعود الدوحة لتذّكر روسيا أن حجم قطر الصغير لا يمكن أن يمنعه من تقويض مصالح روسيا الاستراتيجية. لقد برهنت قطر من خلال استضافة القيادة المركزية للولايات المتحدة ورعاية الثورات ضد الأنظمة الموالية لموسكو في ليبيا وسوريا وغيرها علي قدرتها في تغير مواعيد الأجندة الجيوسياسية الروسية في العالم العربي ليس إلا.
وهنا يفرض السؤال نفسه عما إذا كانت أوروبا سوف تفضل الغاز الطبيعي القطري على بدائل أخرى للغاز الروسي، وعما إذا الدوحة ستستثمر في شراكة أقوى في مجال الطاقة مع الاتحاد الأوروبي.
والخلاصة القول بأن الحوافز المختلفة لدي كل من روسيا وقطر فيما يتعلق ببيع الغاز الطبيعي إلى أوروبا، والفرق من حيث البنية التحتية للطاقة التي تربط بين البلدين والاتحاد الأوروبي، من غير المرجح أن تحدث من خلاله قطر تأثيرا كبيرا، في الأجل القريب، في اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي.
{rokbox title=|الباخرة القطري :: البيدق القطري في لعبة روسيا والاتحاد الأوروبي