منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

حل المنازعات الدولية في إطار مجلس الأمن والجمعية العامة

حل المنازعات الدولية في إطار مجلس الأمن والجمعية العامة

المحامي زيد حسين العفيف


المقدمة

أهمية الموضوع:

تعتبر المنظمات الدولية بحد ذاتها وسيلة لتحقيق غاية أساسية وهي حفظ الأمن والسلم الدوليين حيث انه ليست الغاية هي مجرد إنشاء منظمات دولية، وقد اقترن لفظ المنظمات الدولية منذ نشوء فكرتها بلفظ – حفظ الأمن والسلم الدوليين – حيث أن هذه المنظمات قد أخذت على عاتقها مهمة حفظ الأمن والسلم الدولي، واعتبرت نفسها وصية في هذا الصدد ولعل أهم وأخطر ما يهدد الأمن والسلم الدولي هو المنازعات الدولية وبالتالي لا بد من إجراء تسوية لهذه المنازعات الدولية وتفعيل دور المنظمات الدولية بهذا الشأن فكان ظهور المنظمات أساسيا وله دور في حفظ الأمن والسلم الدولي.

وتلعب المنظمات الدولية دورا أساسيا في حل المنازعات الدولية قد يجعلها اكثر نجاحا من الدول أطراف النزاع ذاتها او الدول الأخرى وذلك من عدة جوانب:
نجد أن المنظمات الدولية تشكل تنظيم خاص بكل الدول في المجتمع الدولي حيث يتم جمع هذه الدول جميعا تحت راية واحدة وتوجيهها لتحقيق الأهداف السلمية وبالتالي يجعل المنظمة الدولية اكثر فاعلية وجدية في معالجة المشكلات الدولية وحل المنازعات الدولية حيث ان هذا من أهم وظائفها التي قامت من أجله.



من جهة أخرى نجد أن الدول غالبا ما تنشغل عن منازعات الدول الأخرى بشؤونها الداخلية او الخارجية كما يجعلها لا تهتم بالمشاكل والمنازعات المتعلقة بالدول الأخرى هذا على خلاف المنظمات الدولية التي تتفرغ للقيام بهذا العمل.

ان فكرة تدخل دولة أخرى في حل نزاع بين دولتين سواء أكان ذلك بمحاولة توفيق او مساع حميدة او غيرها قد لايكون مقبول لدى الدول أطراف النزاع على اعتبار ان الدول تتحسس من تدخل الدول بشؤونها لما تعتبر هذا الأمر له صلة بسيادتها واستقلالها، ويكون هذا التحسس أقل بكثير إن لم يكن معدوما إذا تم الحل من خلال منظمة دولية على اعتبار ان هذه المنظمة تمثل الدول ككل وأنها تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة عن الدول المنظمة لها.

من جهة أخرى تملك المنظمات الدولية صلاحيات واسعة لتسوية النزاعات الدولية قد تصل في بعض الأحيان الى استعمال القوة حسب ما ورد في الفصل السابع من الميثاق ولكن هذا الأمر لا نجده متوفرا في حالة قيام دولة أو دول في التوسط لحل النزاعات مما يجعل قيام المنظمة بذلك اكثر فاعلية وإنتاجية لتسوية النزاعات.

* لذلك كله نجد أهمية ودور المنظمات الدولية في حل النزاعات الدولية باعتبارها اشد الأمور خطورة وتهديدا للأمن والسلم الدوليين وكان لا بد أن يرد في ميثاق الأمم المتحدة باعتبارها المنظمة الدولية الحالية الموكول لها مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، نصوص تبين الأطر العامة التي تقوم من خلاله منظمة الأمم المتحدة في حل االنزاعات الدولية حلا سليما من خلال اجهزتها المختلفة المتمثلة بمجلس الأمن والجمعية العامة كجهازين رئيسيين.

وسوف يكون موضوع هذا البحث أن يبين دور كل من مجلس الأمن والجمعية العامة كأجهزة في الأمم المتحدة في حل النزاعات الدولية حلا سلميا، وهذ يتطلب منا في البداية ان نحدد المقصود بالمنازعات الدولية طالما انها موضع العرض هذا ولابد ان نحدد ما هي المنازعات الدولية ومتى تعتبر هذه المنازعة دولية بحيث يكون للمنظمة الدولية أن تقوم بتسويتها تسوية سلمية لأن هذه النقطة أساسية في اخراج العديد من المنازعات من إطار المنظمات الدولية.


الفصل التمهيدي
المبحث الأول
" تعريف النزاع "

نجد أن ميثاق الأمم المتحدة لم يضع تعريفا للنزاع يمكن اللجوء إليه لحسم هذا الأمر وبالتالي لا بد ان نتعرض للآراء الفقهية في هذا الشأن للوصول الى تحديد المقصود بالنزاع فقد أورد الاستاذ الدكتور جابر الراوي في كتابة "المنازعات الدولية" تعريف للنزاع فقال: "مصطلح النزاع يشبه كثيرا من المصطلحات الأخرى التي تتميز بعدم الوضوح ويمكن ان يفسر على أساسين معينين:
معنى واسع: الذي يعني عدم الاتفاق في القانون الدولي أو في الواقع كنزاع من وجهة النظر القانونية.معنى ضيق: إن أحد أطراف النزاع يتقدم بإدعاء خاص يقوم على أساس خرق القانون في الوقت الذي يرفض الطرف الآخر هذا الادعاء"().

ولا أذهب مع الدكتور جابر فيما ذهب إليه فيما يتعلق بالمعنى الواسع الذي ينظر الى النزاع بإعتباره عدم اتفاق في القانون الدولي لأن النزاع يتطلب توافر طرفين ووجود تعارض في وجهات النظر لدى كل من الطرفين ولا يكفي مجرد خلاف حول القانون الدولي ذاته، ومن جهة أخرى إن ما ورد في المعنى الضيق من ان النزاع إدعاء على أساس خرق القانون نجد أن الكاتب قصر ذلك على أساس – خرق القانون – اي نزاع قانوني رغم أن الإدعاء قد يكون على أساس من المصالح وليس دائما على اساس من القانون.

لذلك لا أستطيع أن أقبل التعريف الوارد للنزاع من قبل الدكتور جابر الراوي وهناك من يعرض للنزاع، عن الحديث عن التفرقة بين النزاع والموقف ولكن في حقيقة الأمر لا يعرض تعريف محدد للنزاع ويقتصر الأمر عن الحديث عن مسألة التصويت كفرق بين النزاع والموقف().

مما يجعل الأمر يصعب في تحديد المقصود بالمنازعة، ولكن مع ذلك أجد أنه لا مانع من أخذ التعريف الوارد للمنازعة من القانون الداخلي حيث أن مضمون المنازعة واحدة.

فالمنازعة هي خلاف حول حق أو مصلحة أو مسألة قانونية لدولة معينة أو شخص من أشخاص القانون الدولي بحيث يتمسك بها شخص وينكرها وينازع بها شخص آخر().

ومن هنا نجد ان المنازعة قد تتعلق بحق من الحقوق التي للدول او اشخاص القانون العام.
او قد تتعلق بمصالح هذه الدول حيث ان الدولة قد لا تكون صاحبة وانما تكون صاحبة مصلحة وهنا عادة ما يتم حسم هذه المنازعات على اساس الملائمة بين المصالح المختلفة.
او قد يكون الخلاف حول مسألة قانونية معينة وتكون هذه المسألة واردة ضمن قواعد القانون الدولي العام بإعتباره القانون الذي يحكم المنازعات بين الدول.

ومن خلال تعريف محكمة العدل الدولية يمكن تعريف المنازعة : خلاف على مسألة من القانون او الواقع اي تعارض بين وجهات نظر قانونية او مصلحية بين شخصين)().
إذا نخلص من ذلك أن تحديد النزاع أمر ضروري من أجل البت في النقاط التي تستطيع المنظمات الدولية ان تقوم بحسمها وتتدخل لحلها سلميا حيث اذا لم يوجد منازعة فأنه لا يكون هناك أي مجال لتدخل المنظمة الدولية حيث يكون التصدي غير مجدي، إضافة الى ضرورة وجود المنازعة لا بد أن تكون هذه المنازعة منازعة دولية ولعل المقصود بالدولية هنا ان تكون المنازعة ما بين دول بإعتبارها من أشخاص القانون الدولي وبالتالي حيثما يقوم هذا النزاع بين الدول فهنا تستطيع المنظمة الدولية ان تتصدى لحل هذه المنازعات.

أن المنازعات التي تدخل ضمن القضاء الداخلي للدولة لا تختص الأمم المتحدة بنظرها او غيرها من المنظمات الدولية لأن هذه، مسألة تتعلق بالسيادة وبالتالي تخضع للقضاء الداخلي وهذا ما أكدته المادة (2) و (7) من الميثاق الذي جاء فيه:
"ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة ان تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الاعضاء ان يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق على ان هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع".

ونستطيع القول أنه يعود للمنظمة الدولية أن تحدد ضمن القضاء الداخلي في حال تعرضت أحد الدول لمنازعة معينة، فإذا إعتبرت أحد أجهزة الأمم المتحدة انها منازعة دولية في حين تتمسك الدولة المقابلة بأنها منازعة داخلية لا علاقة للمنظمة الدولية بها، فهنا نجد أن هذه المسألة هي مسألة تكييف تعود للجهة المعروض أمامها النزاع، فهناك العديد من المسائل التي كانت تنظر إليها كمسائل داخلية خاصة بها ولكن المنظمات الدولية اعطتها صفة الدوليةعموما. ورأت أنها تهدد أمن الدول وسلامتها كما هو الحال في مسألة الانقلابات والاستعمار حيث أن الدول كانت تنظر إليها كمنازعات داخلية متعلقة بسيادتها لكنها في حقيقة الأمر اعطيت الصفة الدولية().

وما يؤيد ذلك ان المادة الأولى من الميثاق تتحدث عن السلم والأمن الدوليين فقط بمعنى انها تعني بتحقيقهما في علاقات الدول بعضها ببعض وعليه فإن المنازعات والحروب الداخلية لا يشملها اختصاص الأمم المتحدة ولا تتناولها. بالتالي احكام الميثاق على اعتبار ان نص المادة (2/7) يحرم على الأمم المتحدة التعرض للأمور الداخلية().

ومن هنا نخلص الى القول ان أهمية تحديد ان المنازعة دولية او داخلية امر في غاية الأهمية وذلك لأن الأمر يتعلق بمسألة اختصاص وان المادة الثانية الفقرة السابعة قد سلبت من الأمم المتحدة صلاحية التدخل في الشؤون الداخلية للدول لما في ذلك من مساس في سيادتها وشؤونها.

المبحث الثاني
" دور الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين "

إن من أهم الأهداف التي قامت المنظمات الدولية عموما والأمم المتحدة خصوصا لتحقيقها هو هدف حفظ الأمن والسلم الدوليين حيث أن ما عانته الدول من جراء الحروب، جعلها تفكر جديا بمدى أهمية الحفاظ على السلم والأمن الدوليين فجاء في المادة الأولى من الميثاق" ضمن أهداف الأمم المتحدة مهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين".

ولقد تصدر هذا المقصد ديباجة الميثاق ومادته الأولى فالديباجة تقرر أن شعوب الأمم المتحدة قد آلت على نفسها "أن تنقذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب التي في خلال جيل واحد جلبت على الانسانية احزانا يعجز عنها الوصف".

ونجد أن الفقرة 1 من المادة الأولى تتحدث عن السلم والأمن الدوليين، ليس كهدف من أهداف الأمم المتحدة دائما يجعل من الحفاظ على الأمن الدولي مقصدا من مقاصد الأمم المتحدة المذكورة ولا بد ان يكون نشأة الأمم المتحدة مصحوبة بشعور عام بوجود سلم مستقر لكي تستطيع الشعوب ان تعيش في أمان وطمأنينة بعيدا عن الخوف من نشوب الحروب().

وإذا كانت المنازعات من أخطر الأمور التي تهدد الأمن والسلم الدوليين لما قد تؤدي إليه من أضرار فهنا لا بد ان تقوم المنظمة الدولية -وفي اطار حديثنا هنا- بحل المنازعات التي تثور بين الدول.

وبما أن المنظمة الدولية تتكون من اجهزة وهيئات تمكنها من القيام بوظائفها فهنا نجد ان ميثاق الأمم المتحدة قد حدد الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة وحدد لكل هيئة او جهاز المهام الموكول إليه القيام بها حيث أن كل هيئة حدد صلاحياتها والإجراءات المتبعة أمامها لتحقيق هذا الهدف وهو حفظ الأمن والسلم الدوليين وبالتالي سوف نعرض الى حل المنازعات الدولية في إطار أجهزة الأمم المتحدة وخصوصا مجلس الأمن والجمعية العامة وذلك من خلال التعرض للإاختصاص الوارد لمجلس الأمن أولا وطريقة حله للنزاع ثم للجمعية العامة.

وسوف نعرض كيفية تسوية المنازعات في إطار مجلس الأمن.
تسوية المنازعات في إطار الجمعية العامة.

الفصل الأول
حل المنازعات الدولية في إطار مجلس الأمن

نظم الفصل السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة الصلاحيات الممنوحة لمجلس الأمن من أجل حل المنازعات حلا سلميا حيث جاء في صدر الفصل السادس من الميثاق – في حل المنازعات حلا سلميا – وجاء الفصل السابع في الوسائل التي تتضمن قمع أعمال العدوان وما يهمنا في هذا الصدد هو دراسة الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة المتضمن صلاحيات مجلس الأمن في حل المنازعات الدولية حل سلمي.
أهمية مجلس الأمن:
يعتبر مجلس الأمن من أهم الأجهزة وأكثرها فاعلية في الأمم المتحدة حيث أسند إليه الميثاق المسؤولية الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين فقد() جاء في المادة (24/2) من الميثاق:
"رغبة في أن يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعا وفعالا يعهد اعضاء تلك الهيئة الى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدوليين ويوافقون على ان هذا المجلس يعمل نائبا عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات".

وطالما ان الميثاق في المادة (24) ألقى على عاتق مجلس الأمن التبعة الرئيسية لحفظ الأمن والسلم الدوليين واعتبره نائب عن الدول في ذلك، فكان لا بد من إعطائه صلاحيات وتنظيم الاجراءات التي يتبعها المجلس من اجل حفظ السلم والأمن الدوليين فكان الفصل السادس من الميثاق الذي نظم كيف يقوم المجلس بحل النزاعات حل سلمي وهو موضوع دراستنا في هذا المبحث وكان الفصل السابع حول قيام مجلس الأمن بقمع أعمال العدوان وهو ليس موضع الدراسة في هذا الصدد.

نجد أن النصوص الواردة في الفصل السادس والسابع ربطت بين حفظ السلم والأمن في العالم وبين حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية وذلك انطلاقا من ان مصدر معظم الحروب منازعات او مواقف يرفض اطرافها او بعضهم حلها سلميا او يعجز عن ذلك، فيلجأ كلاهما او أحدهما الى استعمال القوة، لذلك جاء في المادة (33) من الميثاق على الدول ان يلتمسوا حل اي نزاع بادىء ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق وغيرها من الطرق السلمية وعرضها على المنظمات الدولية اذا كان استمراره يهدد الأمن والسلم الدوليين().



المبحث الأول
تحليل المادة 33 من الميثاق

نجد أن النصوص الواردة ضمن الفصل السادس من الميثاق أستهلت في المادة 33 من الميثاق التي تشكل الإطار العام في رأيي الذي يخول المنظمات الدولية ومن ضمنها الأمم المتحدة وخصوصا مجلس الأمن التصدي لحل المنازعات حل سلمي عندما يكون من شأن هذه المنازعات أن تعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر.

فقد نصت المادة (33) من الميثاق "يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر ان يلتمسوا حله بادىء ذي بدء بطرق المفاوضة والتحقق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية أو ان يلجأوا الى الوكالات والتنظيمات الإقليمية او غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارهم".

من خلال تحليل المادة 33 نصل الى مجموعة من النتائج والملاحظات.

إن نص المادة استخدم لفظ – على أطراف أي نزاع – دون أن يشترط أن يكون عضوا أو غير عضو وهذا ما يتمشى مع الفقرة (6) من المادة (2) التي تقضي بأن تسير الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة على مبادىء الميثاق بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدوليين.

وهنا نلاحظ ان هذا الأمر ذاته أكدته المادة (35) على إعطاء الدول غير الأعضاء صلاحية وحق اللجوء الى مجلس الأمن لحل نزاعاتهم ضمن شروط و سوف نأتي على ذكرها فيما بعد وبما أن المادة (33) من الميثاق تشكل الهيكل العام فكان لا بد أن يأتي النص بها عاما يشمل الدول الأعضاء وغير الأعضاء.

ماذا تعني عبارة بادىء ذي بدء المنصوص عليها في المادة (33)(). هل تعني أنه قبل اللجوء الى مجلس الأمن، أن يلجأ أطراف النزاع إلى الوسائل المنصوص عليها في المادة (33)، وسوف نتعرض للمناقشات التي دارت في مؤتمر سان فرانسيسكو حول هذه العباره: حيث طلب مندوب اثيوبيا حذف عبارة (First Of All) وفسر هذا الطلب بحيث يتمكن مجلس الأمن من التدخل بالنزاع حتى قبل اللجوء الى هذه الوسائل او اذا ظهر أن هذه الوسائل ليس من شأنها أن توجد حل سلمي للنزاع.
ولكن مندوب الولايات المتحدة الأمريكية جاء بتفسير آخر قال فيه: "أنه لمن المرغوب فيه جدا أن يحاول أطراف أي نزاع أن يحسموه بالطرق المعتادة للتسوية السلمية ومع ذلك فإن لم تكن هذه الوسائل ناجحة أو لايؤمل لها النجاح ثم حدث أي تهديد للسلم أو عمل من أعمال العدوان فليس لمجلس الأمن أن يتأخر ولكن عليه أن يتخذ التدابير اللازمة، وعلى المجلس أن يتدخل في أي نزاع يهدد السلم والأمن الدوليين ولكن ليس له أن يمتلك هذه الصلاحيات فيما يختص بكافة المنازعات ،إلا في حالة الضرورة ".

وأكد مندوب الولايات المتحدة أن لمجلس الأمن أن يتدخل إذا نشب موقف خطير حتى دون الحاجة الى انتظار إكمال الإجراءات التمهيدية.

ولكن نلاحظ في رأي مندوب الولايات المتحدة الأمريكية أنه يؤكد رأي مندوب اثيوبيا حيث لا بد من اعطاء مجلس الأمن صلاحية التدخل في المنازعات التي تهدد الأمن والسلم الدوليين للخطر دون انتظار استنفاذ الطرق السلمية المنصوص عليها في المادة (33)، وأنا أؤيد وجهة نظر مندوب اثيوبيا بحذف عبارة (First Of All) حيث أن التفسير الذي يعطى للمادة (33) بوجود هذه العبارة يؤدي حتما الى القول بوجوب استنفاذ الطرق السلمية قبل اللجوء الى مجلس الأمن او المنظمات الدولية حيث ان هذا إلتزام ملقى على عاتق أطراف النزاع.

ونجد أنه في كثير من الأحيان ان ظروف النزاع لا تسمح لأطرافه بإستنفاذ الطرق السلمية بحيث لا بد من الإسراع لحل هذا النزاع ولعل ما يؤيد ذلك المادة (34) التي اعطت لمجلس الأمن من تلقاء نفسه ان يفحص اي نزاع او موقف ويضع يده على النزاع و سنأتي الى تفصيلها فيما بعد.

ومن تحليل هذا الشق نجد أن بتفسير المادة (33) على ما هي عليه دون ربطها بالنصوص الأخرى للميثاق أن على أطراف النزاع اللجوء الى الوسائل السلمية أولا المنصوص عليها في المادة فإن فشلت يعرض الأمر على مجلس الأمن وهذا ما أبدته المادة (37) ف(1) التي سوف نأتي على ذكرها لاحقا.

ولكن إذا نظرنا الى النصوص الواردة في الفصل السادس ككل فلا نجد فيها ما يحرم مجلس الأمن من التصدي للنزاع حتى ولو قبل اللجوء الى الوسائل السلمية مما يجعل عبارة بادىء ذي بدء الواردة في المادة (33) معطلة عندما لا يكون هناك إمكان لعرض النزاع وحله بالوسائل السلمية.

- هل هناك إلتزام بإستنفاذ كل الطرق المنصوص عليها في المادة المذكورة() ؟ عددت المادة (33) من الميثاق الوسائل التي تلجأ إليها الدول لحل النزاع سلميا فهل تلتزم الدول قبل عرض النزاع على مجلس الأمن أن تستنفذ هذه الطرق جميعا؟

مما لاشك فيه أن المنطق لا يقبل إستنفاذ الطرق جميعا حيث يكفي أن يلجأ أطراف النزاع الى وسيلة من الوسائل بحيث اذا فشلت هذه الوسائل فإنها تعرض الأمر على مجلس الأمن، وقد أورد الدكتور العبادي عدة نقاط تؤيد ذلك:
ان الوسيلة التي تعالج المنازعات هي محض اختيار الأطراف ولا يجمع بين الاختيار والاجبار على استنفاذ هذه الطرق.
ان هناك طرق متشابهة كالتوفيق والتحقيق مثلا فلا يتصورعقلا الجمع فيها حول ذات النزاع.
ان هناك منازعات قد يكون استمرارها فيه تهديد للأمن والسلم الدوليين حيث لو طلبنا استنفاذ هذه الطرق لتعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر.

وما أورده أنا يؤيد هذا الأمر وذلك للنقاط التالية:
ان الوسائل التي ورد ذكرها في المادة (33) هي ذكر على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر وبالتالي نجد أن هذه الوسائل لا حصر لها بدليل نص المادة (33) التي جاء فيها:
" ...او غيرها من الوسائل السلمية التي وقع عليها اختيارهم ..." وطالما ان هذه الوسائل لا حصر لها فكيف نطلب استنفاذ الدول اطراف النزاع لها قبل اللجوء الى مجلس الأمن.

من ناحية أخرى أن هناك العديد من المنازعات التي تأبى طبيعتها ان تحل حسب نوع الوسائل السلمية المذكورة في المادة (33) مثل المنازعات السياسية التي تأبى طبيعتها ان تحل بواسطة القضاء والتحكيم مثلا. أو بعض الطرق تتطلب موافقة أطراف النزاع للجوء إليها كالقضاء مثلا وقد لا يتوافر ذلك.

ومن هنا نخلص الى انه يكفي ان تلجأ أطراف النزاع الى طريقة من الطرق الواردة في المادة (33) حتى يستطيعوا عرض الأمر على مجلس الأمن.







المبحث الثاني
" النزاعات "

المطلب الأول: وصف النزاع

هل يكفي في النزاع ان يكون دوليا حتى يتصدى له مجلس الأمن؟ مما لا خلاف فيه ان المنازعات التي تنظرها المنظمات الدولية عموما والأمم المتحدة خصوصا لا بد أن يكون نزاع دولي كما ذكرنا سابقا في التمهيد ولكن السؤال الذي يثور – هل يكفي ان يكون النزاع دوليا حتى ينظر فيه مجلس الأمن...؟

نجد أن المادة (33) أوردت ".... اي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر ....".

ومن هنا نجد ان النزاع لا بد ان يكون من شأنه تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر بجانب كونه نزاعا دوليا لأن هناك منازعات قد تثور وتعرض الأمن والسلم الدولي للخطر ومع ذلك لا يستطيع مجلس الأمن أن يتصدى لها وذلك في الحالات التي تتعلق بصميم الاختصاص الداخلي لأحد أطراف النزاع وهذا ما اكدته الفقرة (7) مادة (2) التي ذكرناها سابقا.

ولكن السؤال الذي يثور هنا هو من الذي يقرر أن النزاع من شأن إستمراره أن يعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر؟

فهناك من يرى أن الأمر يعود للأطراف أنفسهم أي عن طريق الاتفاق وإذا تعذر الاتفاق فإنه يتعذر تطبيق المادة (33)().

ولا أذهب مع هذا الرأي لأنه في كثير من الأحيان لا يصل الأطراف الى اتفاق حول طبيعة المنازعة وطالما ان المنازعات الدولية على درجة كبيرة من الشهرة عادة فإني أرى ان يترك لمجلس الأمن ذاته تحديد هذا الأمر وما يؤيد وجهة نظري ان المادة (35) ذاتها اعطته صلاحية فحص اي نزاع او موقف قد يؤدي الى تهديد الأمن والسلم الدوليين.

وفي الحالة التي يدعي فيها أحد الأطراف أن النزاع يهدد الأمن والسلم الدوليين ولكن ينكر الطرف الآخر ذلك فيرى البعض ان ذلك يكفي حتى يتصدى مجلس الأمن لذلك النزاع ومع ذلك فأنا لا أذهب مع هذا الإتجاه حيث ان ادعاء احد الأطراف لا يكفي لإسباغ هذه الصفة ، بل لا بد ان نترك لمجلس الأمن ذاته ان يتحقق من هذه المسألة ويقرر اذا ما كان من شأن النزاع أن يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر ثم يقرر النظر فيه واقتراح الحلول له.

ومن هنا نخلص ان مجلس الأمن يتصدى للمنازعات الدولية التي يكون من شأن استمرارها تعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر وقد حددنا المقصود بالنزاع سابقا وصفته الدولية وعرضنا في هذا الصدد أيضا المقصود بتهديد الأمن والسلم الدوليين للخطر حتى يتمكن مجلس الأمن من النظر في النزاع.

المطلب الثاني المواقف:

إضافة الى المنازعات يتولى مجلس الأمن النظر في المواقف الدولية ونجد أن النزاع يختلف عن الموقف ونجد أن الميثاق أورد لفظ الموقف دون وضع تعريف محدد له ولكن نستطيع القول أنه في المواقف تستطيع الدول الأطراف فيه ان تشترك في التصويت بينما في النزاعات لا تستطيع أطراف النزاع الاشتراك في التصويت().
وعادة ما يكون الموقف متعدد الأوجه والأصعدة إضافة إلى أنه قد يؤدي استمراره الى استعمال القوة من جهة أخرى وأطرافه أكثر من النزاع مما يتطلب حله عن طريق مؤتمر عام().

وفي التفريق بين النزاع والموقف:
من المقرر ان ادعاء دولة ما لأمر على دولة انكرته يجعلها طرف في النزاع، فالنزاع يحمل معنى الخصومة، في حين ان الموقف هو عبارة عن حالة عامة تنطوي على مشكلات سياسية تتصل بعموم المجتمع الدولي أكثر من اتصالها بأطراف معينة بالذات، وقد حاولت الجمعية الصغرى ان تسهم في حل المشكلة وتقدمت للجمعية العامة لإعتبار النزاع متوافرا في هذه الحالات:
الاتفاق بين أطراف معينة على وجود نزاع.
ادعاء دولة بأن دولة او دولا اخرى خرقت التزاماتها الدولية او اتت عملا يهدد السلم او الأمن الدولي.
انكار الدولة او الدول المشكو في حقها هذا الادعاء وادعاء دولة بأن دولة اخرى اخلت بحقوق دولة ثالثة واقرت الدولة الأخيرة ذلك().

وبالتالي يستطيع مجلس الأمن ان يضع يده مباشرة على المواقف لأن استمرارها من شأنه ان يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، ونلاحظ من نصوص الميثاق وخاصة المادة (33) التي وردت بشأن النزاع المهدد للسلم والأمن الدوليين وتطلبت بادىء ذي بدء حله بالوسائل السلمية لم تذكر بشأن المواقف، وبالتالي نستطيع القول أننا إذا كنا بصدد موقف فهنا مجلس الأمن يتولى مباشرة النظر فيه دون أن يثور الجدل الذي عالجته في المادة (33) بشأن النزاع، وذلك لأن الموقف بحد ذاته يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر.

ومن ذلك نخلص الى ان مجلس الأمن يتولى النظر في المنازعات التي تعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر ويتولى النظر ايضا في المواقف ويعود للمجلس ذاته ان يقرر متى يعتبر الأمر نزاع ومتى يعتبره موقف وبعد ذلك تثور مسألة كيف يضع مجلس الأمن يده على النزاع او الموقف وهو ما سنعالجه فيما بعد.

المبحث الثالث
كيف يضع مجلس الأمن يده على النزاع أو الموقف

نظمت المادتين (34)، (35) من الميثاق الطرق التي يتمكن من خلالها مجلس الأمن وضع يده على النزاع او الموقف الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين:
فنصت المادة (34) من الميثاق على "لمجلس الأمن ان يفحص أي نزاع أو موقف يؤدي إلى إحتكاك دولي أو قد يثير نزاعا لكي يقرر ما إذا كان إستمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر السلم والأمن الدوليين".

أما المادة (35):
لكل عضو من الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن والجمعية العامة إلى أي نزاع أو موقف من النوع المشار إليه في المادة الرابعة.
لكل دولة ليست عضوا في الأمم المتحدة أن تنبه مجلس الأمن أو الجمعية العامة الى نزاع تكون طرفا فيه إذا كانت تقبل مقدما في خصوص هذا النزاع التزامات الحل السلمي المنصوص عليها في هذا الميثاق.

من خلال قراءة نصي المادتين الواردتين في الميثاق نجد أن الميثاق أعطى لأكثر من جهة الحق في أن تعرض الأمر على مجلس الأمن وذلك تأكيد من الميثاق على الواجب الملقى على عاتق الدول جميعا بحفظ الأمن والسلم الدوليين:

أولا: الدول أطراف النزاع أنفسهم:
ورغم أن المادة (35) لم تنص على ذلك صراحة حيث أن ما ورد في المادة (35) ورد بشأن الدول الأعضاء وغير الأعضاء دون ذكر اطراف النزاع ولكن نستطيع ان نستخلص ذلك من خلال نص المادة (37) من الميثاق الذي أوجبت على أطراف النزاع عند فشلهم في حله حسب المادة (33) ان يعرضوه على مجلس الأمن وهذا أمر غير مجادل فيه لأن أولى الأشخاص في عرض النزاع هم أطراف النزاع أنفسهم لأنهم أعلم الأشخاص بتفاصيله من جهة ومدى حاجة مصالحهم لهذا الحل الجذري للنزاع.

وهنا نستطيع القول أن أطراف النزاع لهم عرض الأمر على مجلس الأمن سواء أكانوا أعضاء في الأمم المتحدة أم لا وهذا واضح من نصوص الميثاق حيث أن المادة (35) أعطت صراحة الدول الأعضاء وإن لم تكن طرف في النزاع أن تنبه مجلس الأمن له فمن باب أولى أن تنبه إذا كانت طرف فيه.

ومن جهة أخرى إذا لم تكن فإن المادة ذاتها في الفقرة (2) أعطت للدولة غير العضو والتي هي طرف في النزاع أن تعرض الأمر على مجلس الأمن وبذلك نجد أن الدول أطراف النزاع أعطيت الحق في ذلك سواء أكانت أعضاء أم لا.

وأرى في هذا الصدد أنه حبذا لو أن الميثاق عندما أورد المادة (35) ذكر صراحة أطراف النزاع ضمن بند خاص بذلك على إعتبارهم من أهم الجهات التي يحق لها عرض النزاع عليه وعدم ترك هذا الأمر الخطير للاستنتاج من نص المادة (37) من الميثاق.

ثانيا: الدول الأعضاء في الأمم المتحدة():

وبمقتضى المادة (35) أعطي الحق لكل عضو في الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن الى نزاع أو موقف حتى ولو لم تكن الدولة العضو طرف في النزاع أو الموقف.

ونلاحظ هنا أن تنبيه الدولة العضو في الأمم المتحدة لمجلس الأمن الى نزاع معين هو مجرد رخصة منحها الميثاق للدول الأعضاء لها أن تستعملها أو أن تهملها حسب الأحوال حيث أن النص جاء بلفظ
–لكل- وليس بلفظ يجب ولكن في الحالة التي يكون فيها الدولة العضو طرف في النزاع وتفشل في حله سلميا أوجب عليهما في المادة (37) أن تعرض الأمر على مجلس الأمن فهنا الأمر إلزامي().

ونجد أن الدولة العضو هي وحدها التي تقدر هل تنبه مجلس الأمن أم لا لأن الدولة لا سلطان عليها.
وهناك من يرى انه لا يشترط أن تكون للدولة الاستقلال حتى ترفع النزاع الى الأمم المتحدة(). ولا أذهب مع الكاتب فيما ذهب إليه لأن الأعضاء في الأمم المتحدة هم دول كاملة السيادة والاستقلال.

وتستطيع الدول عندما تنبه مجلس الأمن الى النزاع ان تتقدم بإقتراح معين لحله كذلك، وذلك من أجل مساعدة مجلس الأمن في ايجاد حل للنزاع الدولي، فهنا الدول الأعضاء هي صاحبة مصلحة لأن هذا النزاع من شأنه أن يهدد الأمن والسلم الدوليين ككل.

ثالثا: الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة:
أعطت الفقرة الثانية من المادة (35) للدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة الحق أن تنبه مجلس الأمن للنزاع الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين ولكن نجد ان الميثاق بالنسبة للدول غير الأعضاء وضع شروط حتى يقبل أن تنبه مجلس الأمن من قبلها():
لا بد أن تكون الدولة غير العضو طرف في النزاع وهذا أمر منطقي من الميثاق عندما فرق ما بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء حيث أن الدولة غير العضو لا يقبل منها أن تنبه مجلس الأمن لنزاع ليست طرف فيه لأنها لم ترضي أصلا ان تمثلها تلك المنظمة في حفظ السلم فليس لها أن يوكل لها ذلك.

لا بد أن تقبل الدولة مقدما الحل السلمي الذي يصدره مجلس الأمن وذلك حسب اعتقادي من أجل ضمان جدية الأمر المعروض على مجلس الأمن وتوسيع صلاحياته بحيث ينظر ويحسم نزاعات لدول ليست أعضاء في الأمم المتحدة.

رابعا: الجمعية العامة:
نصت المادة (11)الفقرة الثالثة "للجمعية العامة ان تسترعي نظر المجلس الى الأحوال التي يحتمل ان تعرض السلم والأمن الدولي للخطر".

فحسب هذه الفقرة يكون للجمعية العامة ان تلفت نظر المجلس الى الحالات التي تعرض السلم والأمن الدولي للخطر وهو ما يقابل لفظ التنبيه، والأفضل لو أن الميثاق استخدم ذات الألفاظ للدلالة على ذات المعنى حيث أنه استخدم في الفصل السادس لفظ التنبيه، حيث أنه بموجب الفقرة الثالثة من المادة (11) أن الجمعية العامة في هذه الحالة لا يشترط أن يعرض عليها نزاع لأن ذلك يدخل في الفقرة (2) من ذات المادة(). حيث أن هذه الحالة تفترض ملاحظة الجمعية العامة لمنازعة ما أو موقف حسب رأيي تعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر فتنبه مجلس الأمن لها شأنها في ذلك شأن الدول الأعضاء أو الدول غير الأعضاء أطراف النزاع.

خامساالأمين العام():
نصت المادة (99) "للأمين العام أن ينبه مجلس الأمن الى أية مسألة يرى أنها قد تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين".
ونجد أن قيام الأمين العام بهذا الأمر يعتبر من قبيل المبادرة الشخصية من قبله وليس بطلب من أجهزة الأمم المتحدة حيث ينبه الأمين العام مجلس الأمن إلى المسائل التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، ونجد أن نص المادة استخدم لفظ مسألة وبالتالي هذا يعطي الأمين العام الحق في تنبيه حتى ولو لم تتضمن المسألة منازعة أو موقف.

وأنا أجد أن لفظ المسألة هي المنازعة والموقف لأن هذين الأمرين هما اللذين من شأنها تهديد الأمن والسلم الدوليين والذي نحن بصدده الآن فمجرد المسائل التي لا تتضمن منازعات أو مواقف وهي محل الفصل السادس من الميثاق فأجد أن الأمين العام لا يملك أن ينبه مجلس الأمن بشأنها، وطالما أن هذا الأمر من ضمن الأمور الشخصية العائدة للأمين العام فنجد أنه قد يتدخل الأمين العام في تنبيه مجلس الأمن لمثل هذه المسائل لأنه عادة ما تكون الدول أو أطراف النزاع ذاتها أسبق الى هذا الأمر.
ونجد أن هذه المادة لم تطبق في العمل إلا مرتين:
عام 1950 عندما نبه تريجفي لي مجلس الأمن الى نشوب الحرب في كوريا.
عام 1960 عندما نبه ودعا همرشولد مجلس الأمن الى بحث الأزمة الكونجولية.
والسبب في ذلك لعله أنه يعود الى أنه عادة ما تقوم الدول أطراف النزاع وصاحبة العلاقة تنبيه مجلس الأمن للأمر().
سادسا: التدخل من قبل مجلس الأمن ذاته:
في كثير من الحالات يصعب أو يدق عرض النزاع من قبل أطراف النزاع أو من قبل عضو من الأعضاء اما لأمور تتعلق بمصالح الدول مثلا أو عدم الوصول الى اتفاق فيما بينها من اجل إحالة الأمر لمجلس الأمن من جهة أخرى، أو تمسك الدول بسيادتها وحصانتها من جهة أخرى.

نعني هذه الحالات وغيرها، ليس من المنطق ان يترك الميثاق استمرار النزاع او الموقف الذي يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر فهنا أعطي لمجلس الأمن الحق في أن يتصدى للموقف أو النزاع من تلقاء نفسه حتى ولو لم يطلب منه أحد ذلك.

فنصت المادة (34) من الميثاق "لمجلس الأمن أن يفحص أي نزاع أو موقف يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعا لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدوليين".

وقد عرضنا أهمية التمييز والفرق بين النزاع والموقف سابقا فلا مجال لإعادتها منعا للتكرار ولكن الذي يهمنا في هذا الصدد أن مجلس الأمن يهدف بصورة أساسية من فحص النزاع أو الموقف هو التأكد من مدى تعريضه للسلم والأمن الدوليين للخطر حيث أنه هو الشرط الأساسي في النزاع حتى ينظره مجلس الأمن(). ونجد أن الأمر يعود إلى تقدير مجلس الأمن نفسه في ضوء المعطيات التي يحصل عليها حيث انه يستطيع ان يقوم بكافة الإجراءات التي يراها مناسبة من أجل فحص النزاع او الموقف واذا انتهى بعد ذلك ان هذا النزاع او الموقف يهدد الأمن والسلم الدوليين فهنا يستطيع ان يضع يده عليه ويعمد الى حله حسب ما اعطي له في المواد الأخرى من الفصل السادس التي سنأتي على ذكرها.

المبحث الرابع
الطرق التي يتبعها المجلس بعد وضع يده على النزاع في حله

عالجت المادة (36) وما بعدها الطرق التي يستطيع من خلالها مجلس الأمن ان يحل النزاع المهدد للأمن والسلم الدوليين:
* المطلب الأول: المادة (36) من الميثاق:
الفرع الأول: الطريقة المنصوص عليها في المادة (36):
نصت المادة (36) من ميثاق الأمم المتحدة:
"لمجلس الأمن في أية مرحلة من مراحل النزاع من النوع المشار إليه في المادة (33) أو موقف شبيه به أن يوصي بما يراه ملائما من الإجراءات وطرق التسوية.
على مجلس الأمن أن يراعي ما إتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم.
على مجلس الأمن وهو يقدم توصياته وفقا لهذه المادة أن يراعي أيضا أن المنازعات القانونية يجب على أطراف النزاع – بصفة عامة – أن يعرضوها على محكمة العدل الدولية وفقا للنظام الأساسي لهذه المحكمة".
وأن التصدي الى تحليل هذه المادة نجد العديد من النقاط التي يمكن اثارتها، حيث أن الفقرة الأولى من المادة أعطت لمجلس الأمن إذا وجد نزاع يهدد الأمن والسلم الدوليين إصدار توصيات أيا كانت المرحلة التي وصل إليها النزاع وهذا حذا للبعض بالقول أن لمجلس الأمن ذلك حتى ولو كانت الدول بصدد وسيلة من الوسائل المنصوص عليها في المادة (33)().

ولكن أستطيع القول في هذا الصدد أنه في حالة النزاع الذي تقوم فيه أطراف النزاع بإتباع طرق التسوية التي أوردها الميثاق وكان يظهر ذلك لسوف يؤدي الى حسم الأمر فإن إحترام إرادة وسيادة الدول يقضي أن لا يصدر مجلس الأمن توصياته في هذه الحالة وإنما عليه أن ينتظر نتيجة هذه الطرق أو إذا لاحظ أن هذه الطرق التي تتبعها الدول لن تؤدي الى حسم النزاع وان استمراره يهدد الأمن والسلم الدوليين فله التدخل في هذه الحالة.

من جهة أخرى نجد أن المادة (36) لم تحدد ما هي الإجراءات التي يستطيع مجلس الأمن اتخاذها وبالتالي نستطيع القول أن الأمر متروك له فإنه يستطيع أن يوصي بإتباع هذه الوسائل المنصوص عليها في المادة (33) مثلا أو من جهة أخرى أي وسيلة أخرى يراها مناسبة لأن ما ورد في المادة (33) من الميثاق إنما ورد على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر.

ومن الأمثلة على ذلك ما فعله في الحرب بين الباكستان والهند عندما كلف الأمين العام للأمم المتحدة بإرسال مندوبه لدى كل من مصر وإسرائيل للمساعدة على حل مشكلة الشرق الأوسط().

ومن الأمثلة على ذلك أنه في قضية ميناء كورنو بين بريطانيا والبانيا وبعد عرض الأمر على مجلس الأمن ، أوصى مجلس الأمن بعرضه على محكمة العدل الدولية وكان ذلك في 9 إبريل عام 1947م(). ومن هنا نجد أن مجلس الأمن رأى أن الوسيلة المناسبة هي إحالة الأمر الى محكمة العدل الدولية من أجل هذا النزاع.

* القيد المفروض على المجلس:
نجد أن المادة (36) عندما أعطت لمجلس الأمن صلاحية ان يصدر التوصيات التي يراها مناسبة في أي مرحلة من مراحل النزاع فإنها لم تطلق له العنان دائما وإنما وضعت عليه قيود بشأن النزاع لم ترد بشأن الموقف وبالتالي اذا تعرض الأمر بموقف وليس بنزاع لمجلس الأمن كامل الصلاحية أن يصدر التوصيات التي يراها ملائمة دون قيد او شرط نظراً لمدى خطورة الموقف أما هذه القيود فهي:
لا بد أن يراعي مجلس الأمن الإجراءات السابقة التي اتخذتها الدول حيث أنه ليس من المقبول ان يصدر توصية للدول بإتباع طرق المفاوضة عندما تكون الدول لجأت إليه ولم تنجح أو يقترح عليهم اللجوء الى القضاء في الوقت الذي يتعلق فيه الأمر بمنازعة سياسية، وذلك لأن المجلس هنا هو الذي يقترح الوسيلة هذا على خلاف ما ورد في المادة (33) حيث أنه يترك لإرادة الأطراف أنفسهم اختيار الوسيلة المناسبة حسب رغباتهم.

ان المنازعات القانونية دائما تدخل ضمن اختصاص محكمة العدل الدولية ولا يكون لمجلس الأمن أن يتصدى لها بأي حال من الأحوال إنما يوصي بإحالتها الى المحكمة وهذا من قبيل احترام الاختصاص بين أجهزة الأمم المتحدة.

من هنا نخلص إلى أنه في هذه الحالة يقرر مجلس الأمن الوسيلة الملائمة ويوصي بإتخاذها فهنا نجد أن صفة ما يصدر عن المجلس هو عبارة عن توصية وهذا يقودنا الى معرفة المقصود بالتوصية وتمييزها عن القرار.

الفرع الثاني التوصية السلطة التي يملكها المجلس
ان العبارة الواردة في المادة (36) تشير الى صلاحية مجلس الأمن بإصدار توصيات، والتوصية عبارة عن اقتراح صادر عن منظمة دولية بغرض القيام بعمل او الامتناع عنه().

وبالتالي ما يملكه مجلس الأمن اذا استخدم المادة (36) هو اصدار توصيات وهنا الدول حرة في قبولها او رفضها ولكن عادةً عندما ترفض الدول التوصيات فإنما تورد مبررات وأسانيد قانونية لرفضها لأن الرفض المجرد يسبب لها إحراج سياسي.

ولكن السؤال الذي يثور هنا؛ هل يستطيع مجلس الأمن أن يصدر قرارات في هذا الصدد وليس مجرد توصية؟
وهناك من يرى ان صلاحيات مجلس الأمن في الفصل السادس يقتصر الأمر على إصدار توصيات دوناً عن القرارات حيث أن القرارات قاصرة على ما ورد في الفصل السابع من الميثاق().

وقبل الإجابة على هذا السؤال تجدر الإشارة أنه في القرارات هي عبارة عن عمل صادر ضمن منظمة دولية ويرتب آثارا قانونية ملزمة.

وهنا نجد أمام هذا الخلاف الفقهي حول صلاحية أو عدم صلاحية مجلس الأمن إصدار قرارات في إطار الفصل السادس أجابت محكمة العدل الدولية في قضية بناميبيا عام 1971. قررت فيه أن مجلس الأمن قادر على أن يخلع الصفة الملزمة على اية تصرف صادر منه يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين بقطع النظر عن التسمية التي أطلقها على الميثاق().

وسندا لذلك نستطيع القول أن لمجلس الأمن إصدار قرارات بشأن حالة المادة (36) في أي مرحلة من مراحل النزاع طالما أن مجلس الأمن ذاته هو الذي يقرر مدى الحاجة الى اصدار قرار او توصية، بالتالي لا بد من اصدار قرارات عندما تكون هناك حاجة لذلك وإن لم يكن فيصدر توصية. ومع ذلك لا يوجد أية سابقة في هذا الصدد.

* المطلب الثاني: الطريقة المنصوص عليها في المادة (37):
نصت المادة (37) من ميثاق الأمم المتحدة:
اذا أخفقت الدول التي يقوم بينها نزاع من النوع المشار إليه في المادة الثالثة والثلاثين في حله بالوسائل المبينة في تلك المادة وجب عليها أن تعرضه على مجلس الأمن.
اذا رأى مجلس الأمن أن استمرار هذا النزاع من شأنه في الواقع أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدولي قرر ما اذا كان يقوم بعمل وفقا للمادة السادسة والثلاثين أو يوصي بما يراه ملائما من شروط حل النزاع".

من خلال الرجوع الى نص المادة اعلاه نجد انها تلقي واجب على عاتق الدول أطراف النزاع بلزوم عرضه على مجلس الأمن، واذا لاحظنا في المواد السابقة ان للدول وحدها الحرية ان تقرر عرض النزاع من عدمه على مجلس الأمن عدا الحالات التي يضع فيها مجلس الأمن يده من تلقاء نفسه على النزاع، فهذه الحالة تتضمن إلتزام على الدول أطراف النزاع بوجوب عرضه على مجلس الأمن.

ومن خلال تحليل النص السابق أستطيع القول:
ان الإلتزام الوارد في المادة ملقى على أطراف النزاع فقط بينما نجد أن المادة (35) السابقة أعطت لأطراف مختلفة غير أطراف النزاع عرض الأمر على مجلس الأمن وطالما أن هذا الأمر، أمر وجوبي نجد ان الميثاق قصره على أطراف النزاع فقط.

لا بد أن يتأكد المجلس ان الطرفين استنفذا جميع الطرق السلمية المبينة في المادة (33) او تبين له ان احدهما رفض الدخول في مفاوضات او يتهرب من استئنافها()، وأجد في هذا الصدد أنه لا يشترط أن الأطراف إستخدموا كل الطرق المنصوص عليها في المادة (33) كما ذكرنا عند معالجة المادة (32) حيث يكفي حسب اعتقادي – ولتحقيق الانسجام بين نصوص الميثاق – ان تستنفذ الدولة أو الدول أطراف النزاع احدى الطرق المنصوص عليها في المادة حيث كما ذكرنا في مكانه انه في كثير من الأحيان يصعب استنفاذ جميع الطرق، فيكفي ان تفشل الطريقة التي لجأت إليها الدول أطراف النزاع حتى تلزم بعرضه على مجلس الأمن، حيث يستطيع مجلس الأمن أن يرفض التصرف وفق المادة (37) الفقرة(2) في حالة اذا ما عرض عليه النزاع بموجب المادة 37/1 قبل ان يحاول الأطراف أنفسهم حل النزاع بالطرق المبينة في المادة (33) هذا إلا إذا استخدم مجلس الأمن صلاحياته سندا لنص المادة (34) وليس (37) الفقرة (2)().

وبعد أن يتم رفع الأمر لمجلس الأمن من قبل أطراف النزاع ويصبح الأمر تحت يده ففي هذه الحالة نجد أن الالتزام الأول الملقى على عاتق مجلس الأمن هو أن يفحص النزاع ليرى اذا كان استمراره يهدد الأمن والسلم الدولي فإذا انتهى الى ذلك فماذا بإمكانه ان يتخذ:

أن يعمد الى استخدام المادة (36) وبموجبها يوصي الدول كما ذكرنا بلزوم اتخاذ احدى الطرق السلمية لحل النزاع والاجراءات التي يراها ملائمة بحسب الأحوال بحيث يقدر مدى خطورة النزاع ويتخذ بشأنه ما يراه مناسبا. ونجد هنا أن صلاحية مجلس الأمن تقتصر على اصدار توصية كما ورد في المادة (36) وكما عالجناها، ولكن استطيع القول ان احتمال اصدار مجلس الأمن لقرار في مثل هذه الحالة يكون أكثر ورودا، والسبب في ذلك ان هذه المادة تفترض ان الدول فشلت في حل النزاع سلميا ولزم عليها عرض الأمر على مجلس الأمن وطالما ان النزاع يهدد السلم والأمن الدولي بالتالي يستطيع مجلس الأمن ان يصدر قرار وليس توصية لأن الأمر اشد خطورة مما هو وارد في المادة (36) حسب ما تم تفسيره في قرار محكمة العدل الدولية.

الأمر الثاني أن المجلس يتخذ ما يراه ملائما من شروط لحل النزاع وهذا ايضا من خلال توصية ونجد ان الميثاق لم يحدد ما هي هذه الشروط وهذه الطريقة وبالتالي يترك لمجلس الأمن ذاته ان يتخذ ما يراه ملائما.

المطلب الثالث نص المادة (38) من الميثاق:
نصت المادة (38) من الميثاق:
"لمجلس الأمن اذا طلب إليه جميع المتنازعين ذلك ان يقدم توصياته بقصد حل النزاع حلاً سلميا وذلك بدون اخلال بأحكام المواد من (33) الى (37)".
ونجد أن المادة (38) يمكن اللجوء إليها إذا لم تتوفر حالات المادة (36) و (38) وذلك حسب التوضيح التالي:

أن المادة (36) تفترض أن يقوم مجلس الأمن بذاته في أي مرحلة من مراحل النزاع بالتصدي له والايصاء بما يراه مناسبا من الحلول حسب الأحوال وضمن القيود التي أشرنا إليها بينما في المادة (38) نجد أن مجلس الأمن لا يقوم بذلك من تلقاء نفسه وانما يقوم به بناء على طلب من الدول أطراف النزاع بذلك ونجد أن المادة (38) تحدثت عن النزاع فقط دوناً عن الموقف وهذا أمر منطقي حيث انه في الموقف والذي تضمنته المادة (36) يتدخل مجلس الأمن من نفسه.

ومن جهة اخرى ان المادة (37) تفترض ان الدول فشلت في الحلول السلمية وان النزاع يهدد السلم والأمن الدوليين فيما نجد ان المادة (38) لم تشترط ان تكون الدول مسبقا قد لجأت الى الحلول السلمية حسب المادة (33) وانما قد لا تكون لجأت لذلك ومع هذا تعرض الأمر على مجلس الأمن طالبة حل النزاع على ابعد من ذلك لم يرد في المادة (38) ان الأمر او النزاع يكون مهدد للأمن والسلم الدوليين حيث أرى انه للدول أطراف النزاع ذلك حتى ولو لم يكن الأمر مهدد للأمن والسلم الدوليين لأنه لو كان كذلك لوجب عليه التدخل من تلقاء نفسه.

السلطة التي يملكها مجلس الأمن
مما لا شك فيه أن ما يملكه مجلس الأمن هو اصدار توصيات غير ملزمة للدول أطراف النزاع لأن صلاحياته تقتصر على اصدار في هذا الصدد بصريح نص المادة.

وأرى أنه في هذه الحالة قد لا يكون بإمكان مجلس الأمن اصدار قرار اذا لم تتوافر حالات المادتين (36) و (37) لأن الأمر بإرادة الدول ذاتها ويكون الأمر أقل خطورة مما هو عليه في المادتين السابقتين.
وهناك من يرى بأن مجلس الأمن يقوم بالحل بغض النظر عن إحقاق الحق او تأمين العدالة طالما ان الهدف الأساسي استتباب الأمن والسلم الدوليين().

ونجد أن ما يصدره مجلس الأمن هو عبارة عن توصية غير ملزمة ولكن كما قلنا بصدد المادة (36) يست

المصدر : منتديات ستار الجيريا: http://www.staralgeria.net/t4497-topic#ixzz3ESq1u69K
منشور

إدارة الأزمات (الإدارة الأميركية والإسرائيلية للأزمات نموذجًا)




إدارة الأزمات (الإدارة الأميركية والإسرائيلية للأزمات نموذجًا)


كمال حماد
أستاذ القانون الدولي العام في كلّية الحقوق – الجامعة اللبنانية
الفهرس
1- تعريف الأزمة.
2- مفهوم إدارة الأزمات والإدارة بالأزمات.
3- مناهج تشخيص الأزمات.
4- دستور التعامل مع الأزمات.
5- خطوات التعامل مع الأزمات – أسلوب بيرت "من بحوث العمليات".
6- مبادئ إدارة الأزمات.
7- مراكز إدارة الأزمات ومواضيع بحوثها.
8- الإدارة الإسرائيلية للأزمات الإستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي.
9- النظريات الأميركية الجديدة في إدارة الأزمات في نظام القطب الأوحد.
10- أزمة دارفور.


-1 –إدارة الأزمات
1- تعريفات الأزمة:
 الأزمة هي نقطة تحول مصيرية في مجرى حدث ما، تتميَّز بتحسّن ملحوظ أو بتأخر حاد، وترتبط بتجاذبات قديمة لا بد أن تزول لتحلّ محلها ارتباطات جديدة، وتورث تغيرات كمّية ونوعية في هذا الحدث. الأزمة كمصطلح قديم ترجع أصوله التاريخية إلى الطب الإغريقي – "نقطة تحول" بمعنى أنها لحظة قرار حاسمة في حياة المريض – وهي تُطلق للدلالة على حدوث تغيير جوهري ومفاجئ في جسم الإنسان. في القرن السادس عشر شاع استخدام هذا المصطلح في المعاجم الطبية. وتم اقتباسه في القرن السابع عشر للدلالة على ارتفاع درجة التوتر في العلاقات بين الدولة والكنيسة. وبحلول القرن التاسع عشر تواتر استخدامها للدلالة على ظهور مشكلات خطيرة أو لحظات تحوّل فاصلة في تطور العلاقات السياسية والإقتصادية والإجتماعية. والعام 1937 عرّفت دائرة معارف العلوم الإجتماعية الأزمة بأنها "حدوث خلل خطير ومفاجئ في العلاقة بين العرض والطلب في السلع والخدمات ورؤوس الأموال".

 ولقد استعمل المصطلح بعد ذلك في مختلف فروع العلوم الإنسانية وبات يعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعة الأشياء، وهي النقطة الحرجة، واللحظة الحاسمة التي يتحدَّد عندها مصير تطور ما، إما إلى الأفضل، أو إلى الأسوأ (مثل الحياة أو الموت، الحرب أو السلم) لإيجاد حل لمشكلة ما أو انفجارها. كما عرّف (ألستار بوخان – Alastair Buchan) الأزمة في كتابه "إدارة الأزمات" بأنها تحدٍّ ظاهر أو ردّ فعل بين طرفين أو عدة أطراف، حاول كل منهم تحويل مجرى الأحداث لصالحه.

 أما (كورال بل – Coral Bill) فإنها تعرّفها في كتابها "إتفاقيات الأزمة – A study in Diplomatic Management, the Conventions of Crisis" بأنها ارتفاع الصراعات إلى مستوى يهدد بتغيير طبيعة العلاقات الدولية بين الدول.
 ويشير (روبرب نورث Robert North) إلى أن الأزمة الدولية هي عبارة عن تصعيد حاد للفعل ورد الفعل، أي هي عملية انشقاق تحدث تغييرات في مستوى الفعالية بين الدول، وتؤدي إلى إذكاء درجة التهديد والإكراه. ويشير نورث إلى أن الأزمات غالبًا ما تسبق الحروب، ولكن لا تؤدي كلها إلى الحروب إذ تسوّى سلميًا أو تجمّد أو تهدأ، على أنه يمكن دراستها على اعتبارها إشتراك دولتين أو أكثر في المواجهة نفسها.

 كما يعرّفها (جون سبانير John Spanir) بأنها "موقف تطالب فيه دولة ما بتغيير الوضع القائم، وهو الأمر الذي تقاومه دول أخرى، ما يخلق درجة عالية من إحتمال اندلاع الحرب.

 وفقاً لذلك فإن الأزمة هي "موقف مفاجئ تتجه فيه العلاقات بين طرفين أو أكثر نحو المواجهة بشكل تصعيدي نتيجة لتعارض قائم بينها في المصالح والأهداف، أو نتيجة لإقدام أحد الأطراف على القيام بتحدي عمل يعدّه الطرف الآخر المدافع، يمثل تهديدًا لمصالحه وقيمه الحيوية، ما يستلزم تحركًا مضادًا وسريعًا للحفاظ على تلك المصالح، مستخدمًا في ذلك مختلف وسائل الضغط وبمستوياتها المختلفة، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو حتى عسكرية.
2- مفهوم إدارة الأزمة:
 إدارة الأزمات مسألة قائمة بحد ذاتها منذ القدم. وكانت مظهرًا من مظاهر التعامل الإنساني مع المواقف الطارئة أو الحرجة التي واجهها الإنسان بعد أن جوبه بتحدي الطبيعة أو غيره من البشر. ولم تكن تعرف آنئذٍ بإسم إدارة الأزمات وإنما عرفت تسميات أخرى مثل براعة القيادة، أو حسن الإدارة. وكانت هذه الممارسة هي المحك الحقيقي لقدرة الإنسان على مواجهة الأزمات والتعامل مع المواقف الحرجة بما تفجره من طاقات إبداعية، وتستفزّ قدراته على الإبتكار.
 فالمفهوم البسيط لإدارة الشيء، هو التعامل معه للوصول إلى افضل النتائج الممكنة، بما يحقق مصالح القائم بالإدارة. ومن هنا فإن إدارة الأزمة تعني "التعامل مع عناصر موقف الأزمة باستخدام مزيج من أدوات المساومة – الضاغطة والتوفيقية – بما يحقق أهداف الدولة ويحافظ على مصالحها الوطنية. وهي أيضًا عبارة عن "محاولة لتطبيق مجموعة من الإجراءات والقواعد والأسس المبتكرة، تتجاوز الأشكال التنظيمية المألوفة وأساليب الإدارة الروتينية المتعارف عليها، وذلك بهدف السيطرة على الأزمة والتحكّم فيها وتوجيهها وفقًا لمصلحة الدولة .

وقد أصبح موضوع إدارة الأزمات على رأس الموضوعات الحيوية في العالم منذ العام 1962 والأزمة الكوبية، وتكمن أهمية هذا الحدث في تصريح وزير الدفاع الأميركي روبرت مكنمارا بقوله لن يدور الحديث بعد الآن عن الإدارة الإستراتيجية وإنما ينبغي أن نتحدث عن (إدارة الأزمات).
إذًا إدارة الأزمات تعني: "العمل على تجنب تحوّل النزاع إلى صراع شامل، بتكلفة مقبولة، لا تتضمن التضحية بمصلحة أو قيمة جوهرية" .
3- تحليل الأزمة:
 بعد تقدير الأزمة وتحديدها تحديدًا دقيقًا، يقوم مدير "إدارة الأزمة" بمساعدة معاونيه بتحليل حالة الأزمة وعناصرها المختلفة ومكوناتها، بهدف اكتشاف المصالح الكامنة وراء صنع الأزمة، والأهداف الحقيقية غير المعلنة التي يسعون لتحقيقها.

 ومن هنا يتم تحليل الموقف (أو حالة الأزمة) المركب إلى أجزائه البسيطة ثم إعادة تركيبه بشكل منتظم، بحيث يتم التوصل إلى معلومات جديدة، عن صنع حالة الأزمة وكيفية معالجتها.
 وفي هذه المرحلة، يتم استخدام النماذج الرياضية لقياس حالة الأزمة وتحليلها. ويعتمد هذا بالطبع على الإختيار الدقيق والصحيح لأدوات القياس والتحليل والتي من أهمها:
أ‌- تحليل علاقات الإرتباط والإنحدار للمتغيرات والثوابت الخاصة بعوامل حالة الأزمة وعناصرها والعوامل المساعدة على إيجاد الأزمة، ومدى تأثر كل منها وتأثيرها على صنع الأزمة وعلى تشكيل حالة الأزمة.
ب‌-  تحليل أسباب التوتر على أساس المعلومات التي تم الحصول عليها والوصول إلى العوامل التي دعمته، وأيضًا تحديد مستويات التوتر التي بلغتها الأزمة، ومراحل الإستقرار والتعادل التي استطاعت قوى كبح الأزمة الوصول إليها.
ج- تحليل مواطن القوة لدى كل من الأطراف الصانعة للأزمة وكذلك الطرف الكابح لها، ومواطن الضعف لدى الطرفين.
د- تحليل طبيعة الخطر الذي تشكله الأزمة، وتكاليف استمرارها وأعباؤه، ومدى تأثير كل ذلك على الكيان الذي نشأت به الأزمة.
 وبعد هذا كله، يتم تحويل ما توصلنا إليه من تحليلات إلى عناصر كمية ورمزية، واستخراج المؤشرات والنتائج والحلول الكلّية والجزئية والبدائل المختلفة التي يتعيَّن الإختيار من بينها، الأمر الذي يقلل من إحتمالات الخطأ والتحيّز غير الموضوعي عند القيام بعملية التخطيط لمواجهة الأزمة .

4- المستويات الثلاثة لإدارة الأزمة:
 تسيطر حالة الأزمة متى وصل النزاع الدولي إلى مستوى عالٍ من العدائية يبدو معه لصنّاع القرار أن الحرب هي على وشك الوقوع أو أن احتمال حصولها أصبح حتميًا.
 فالنزاعات غالبًا ما تمرّ بمرحلة الأزمة قبل أن تندلع الحرب، وعلى أية حال فإن إدارة الأزمات هي ليست وسيلة جديدة في العلاقات الدولية ، بل كانت في صميم آلية التوازن في أوروبا حيث نجحت الدبلوماسية المتعددة الجانب في الحفاظ على السلام قبل حروب نابليون وبعدها ولغاية اندلاع الحرب العالمية الأولى.
أما الذي تغيّر بعد الحرب العالمية الثانية فهو:
أ‌- نظام التسلح وأخطره الأسلحة النووية.
ب‌-  الأنظمة الإقتصادية: نظام إقتصادي ليبرالي، نظام اقتصادي اشتراكي، والعولمة الإقتصادية.
ج- الأنظمة السياسية، النظام الرأسمالي والنظام الإشتراكي، والعولمة السياسية.
 وكان في الماضي، ولغاية العام 1945، أي في القانون الدولي التقليدي، مقبولاً استعمال أقوى الأسلحة فتكًا وتدميرًا، كوسيلة أخيرة ممكن اللجوء إليها للدفاع عن حق دولة ما أو تعزيزًا لمصالحها.
 أما في العصر النووي، وهو عصرنا هذا، فإن اللجوء إلى إستعمال الأسلحة النووية وخصوصًا بين الدول الكبرى التي تملك تلك الأسلحة، أصبح ضربًا من الجنون لأن الدولة البادئة بالضربة والدولة المستهدفة والمستعدة للردّ كلتاهما معرضتان للفناء.

 ومع أن الولايات المتحدة قد هددت العام 2003، أكثر من مرة، وعلى لسان مسؤوليها الأمنيين ونائب الرئيس بوش (ديك شيني) بإحتمال استعمال الأسلحة النووية التكتيكية المحصورة ضد كوريا الشمالية وايران، فإن هذا الإحتمال يبقى ضمن الإحتمالات الأميركية المطروحة لمحاربة الإرهاب.
 وكانت اسرائيل في تشرين الأول من العام 1973، وببداية الأيام الأولى للهجوم السوري والمصري لإسترداد الجولان وسيناء المحتلتين من إسرائيل منذ العام 1967، والتي كانت فيه دفة الحرب مائلة لصالح العرب، قد هدَّدت باستخدام الأسلحة النووية ضد كل من سوريا ومصر.
 أما الواضح من هذا فهو أن إمكان استخدام أسلحة نووية من دول تملكه (دولة نووية) ضد دول لا تملكه (دولة غير نووية) هي أكبر من حالة استعمال دولة نووية ضد دولة نووية أخرى، لأنه في الحالة الأولى سيُسجَّل البقاء، وبكل الإعتبارات، للدولة النووية مع إمكان تأثرها من قريب أو بعيد بتلك الضربة وخصوصًا إذا كانت الدولة المستهدفة قريبة من حدودها، بينما في الحالة الثانية، الدولتان معرضتان للفناء.
أما المستويات الثلاثة لإدارة الأزمات فهي:
1- الأساس الإستراتيجي
2- التخطيط للطوارئ
3- نطاق العمليات.
1- الأساس الإستراتيجي:
 إن نجاح إدارة الأزمات يعني بوضوح تطبيق سياسة متوسطة أو طويلة الأمد تمنع بموجبه نشؤ الأزمات أو امتدادها أو تلافي تلك الأزمات قبل تفاقمها.

 وتتطلب إدارة الأزمات المعاصرة ملاحظة دقيقة ودائمة للسياسة الدولية وللتسلح وللسياسات الإقتصادية والإجتماعية.
 كما أن تحليل أهداف السياسات الداخلية للدول يجب أن تُقيّم في ضوء التغيرات الحاصلة ضمنها. وإن الوصول إلى المعلومات ليس وحسب هو عمل مخابرات وتجسس، بل ممكن الوصول إليها عبر التحليل الصحيح للمواد المنشورة، والمتيسرة للجميع في الصحف والمجلات والإنترنت أو المرئية والمسموعة عبر الإذاعات والمقابلات التلفزيونية وغيرها.

 من هنا فإن التعرّف المسبق بواقع الأزمات ممكن أن يسمح بمنع حصول تلك الأزمات، أو على الأقل يساعد بأن تكون آثارها أقل كارثية. وهذا الشكل هو ما يطلق عليه الأساس الإستراتيجي وهو مهم جدًا لإدارة الأزمات.
 إن الخيار الإستراتيجي يجب أن يكون طويل الأمد بحيث تحدّد التقنيات المطلوبة وتتقارب القطاعات المفروض عملها مع بعض، في أثناء إدارة الأزمة. وإن وضع الخطط المسبقة والشاملة، والمساهمة القصوى من جميع القطاعات تضمن تحقيق الأهداف المرجوة وهي بالتالي أهداف سياسية، لأن الأولويات السياسية سوف تحدد وتحكم أي عمل عسكري يتخذ في أثناء الأزمة. ومع أن هذا المفهوم ممكن ألاَّ يكون مقبولاً لدى العسكريين الذين يشعرون بأن الإعتبارات العسكرية يجب أن تسود في حالة الأزمة.
2- التخطيط للطوارئ:
 هي مرحلة رسم السيناريوهات ووضع الخطط وحشد القوى لمواجهة الأزمة والتصدي لها.
 في البداية، يتم وضع مختلف الأطراف والقوى التي تم حشدها من قبل صانعي الأزمة، وتحديد بؤر التوتر وأماكن الصراع، ومناطق الغليان بصفتها جميعًا "مناطق ساخنة". ومن خلال هذه الرؤية العلمية الشاملة المحيطة بعملية الأزمة وبالأطراف المتعددة المرتبطة بالأزمة يتم رسم خريطة التحرك على النحو التالي:
أ‌- تحديد الأماكن الأكثر أمنًا والمحصنة تمامًا لإتخاذها كمناطق ارتكاز وقواعد للإنطلاق.
ب‌-  تحديد الأماكن الآمنة لتكون سياج أمن للقواعد الخاصة بالإنطلاق، فضلاً عن حاجز امتصاص للصدمات إذا ما تدهور الموقف فضلاً عن مناطق إنذار ومناطق تهدئة للضغوط.

ج- تحديد أسباب الأزمة المتصلة بالنظام، أي رموز النظام أو رموز القيادة في الكيان الإداري الذي يمكن التضحية به وإعداده لهذه التضحية، والتمهيد لدخول رمز جديد له شعبية، ترتاح إليه، قوى صنع الأزمة.
د- تحديد خطة امتصاص الأزمة الحالية عن طريق الإستجابة لبعض المطالب والتوافق مرحليًا مع قوى صنع الأزمة من خلال المراحل التالية:
1- مرحلة الإعتراف بالأزمة.
2- مرحلة التوافق والإستجابة المرحلية لمطالب الأزمة.
3- مرحلة التحقيق والتثبت من أسباب الأزمة.
4- مرحلة تشكيل لجان للمناقشة والإشتراك في حل الأزمة.
5- مرحلة المشاركة في الحل المقترح ونقل عبء حل الأزمة للقوى الصانعة لها.
6- مرحلة ركوب الأزمة والإنحراف بها وحماية الكيان الإداري من تأثير الأزمة والإحتفاظ بحيويته وأدائه.
ه- توزيع الأدوار على قوى مقاومة الأزمة وبصفة خاصة على أعضاء فريق المهام الذي تم تكليفه بمهمة التدخل المباشر لمعالجة الأزمة.
و- التأكد من استيعاب كل فرد للخطة العامة الموضوعة، وكذلك من التتابع الزمني للمهام وفقاً للسيناريو الموضوع لمعالجة كل من إفرازات الأزمة والقوى الصانعة لها، من أجل السيطرة على مسرح الأزمة بشكل فعال.
ز- حشد كل ما تحتاجه عملية التعامل مع الأزمة وتزويد فريق المهام احتياجاته من الأدوات والمعدات التي يتطلبها ويحتاجها الموقف.
ح- تحديد "ساعة الصفر" أو التوقيت المحدد لبدء العملية وتنفيذ المهمة المحددة بشكل فعّال وحاسم، على أن تتم متابعة ما يحدث أولاً بأول، والوقوف على رد فعل الأطراف الأخرى .
3- نطاق العمليات:
 إن نجاح إدارة الأزمة تعتمد على الوقت - لذلك يقول (تشارلز هيرمان) أن الأزمات تتألف من ثلاثة مكونات هي: المفاجأة، التهديد الخطير للقيم المهمة، والوقت القصير المتاح لإتخاذ القرار - وعلى الآلية الإدارية، وعلى العمليات. فإن الإنخراط السريع أو ما يطلق عليه بالتدخل لمعالجة الأزمة، واتخاذ القرارات السريعة لصنّاع القرار، وهو فريق عمل متجانس يعرف بعضه البعض الآخر، ويعمل بسرعة قصوى وبفاعلية أكبر من الحالات العادية والروتينية. وكان فريق المهمات الأميركي لإدارة الأزمة الكوبية يتألف من 17 شخصًا. أين الفعل؟
 ومن خلال المعرفة والإحاطة الشاملة والكاملة "بالسيناريوهات البديلة"، والسيناريو المعتمد والمجاز للتدخل في الأزمة، وإسناد المهام وتوزيع الأدوار على فريق المهام ويكون مدير إدارة الأزمات قد حدّد كل شيء ووضع لكل عنصر الإحتمالات وفقًا لإتجاهات محددة.

وتتم معالجة الأزمة على أنها مجموعة مهام: أساسية وثانوية وتكميلية. أين الفعل
أ‌- فالمهام الأساسية تقوم على الصدام والدحر والمواجهة السريعة والعنيفة والإمتصاص والإستيعاب والإستنزاف.
ب‌-  في حين أن المهام الثانوية تقوم على عمليات تهيئة المسارات، وإعداد مسرح الأزمة، وتقديم الدعم والتأييد لفريق المهام الخاصة لمعالجة الأزمة بشكل علني مؤثر أو بشكل سري وفقًا لما تقتضيه وتحتاجه الحالة.
ج- أما المهام التجميلية فهي تقوم على إزالة الآثار والإنطباعات السيئة التي تركها فريق المهام "الخاص بمعالجة الأزمة" في مسرح الأزمة، وتحسين هذه الإنطباعات وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأزمة .

- 2 –إدارة الأزمات والإدارة بالأزمات
الإدارة بالأزمات هي فعل يهدف إلى توقف نشاط من الأنشطة أو انقطاعه، أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع بحيث يؤدي إلى إحداث تغير في هذا النشاط أو (الوضع لصالح مدبّره) .
ومن الأمثلة على ذلك، تفتعل (بدلا من تخلق) دولة أحيانًا مشكلة ما على الحدود مع إحدى جاراتها لإحداث أزمة تهدف من ورائها إلى ترسيم الحدود أو الحصول على مكاسب معينة على المستوى السياسي.
والواقع أن الإدارة بالأزمات يقابله أسلوب آخر من قبل الطرف المقابل وهو إدارة الأزمات. إذ أن هذا الموقف المتأزم الذي أوجده (خلقه) الطرف الأول يستدعي قيام الخصم بتكثيف جميع إمكاناته، وتسخير كامل قواه للخروج من هذه الأزمة بمكاسب أو بأقل الخسائر.

والواقع أن النتائج ليست دائمًا مرضية لمن خلق الأزمة. فقد يصاب بخيبة أمل وعض أصابع الندم ويتمنى لو لم يخلق مثل هذه الأزمة التي جلبت عليه الخسارة.
إذًا، الإدارة بالأزمات يقابلها إدارة الأزمات، وقد تنجح الأولى وتخفق الثانية، وقد يحدث العكس بل وقد يخسر الطرفان وأحيانًا قد يكسب الجميع.
وتعتبر الأزمة في المرتبة الرابعة من الأطوار المتتالية لتطور النزاع. فالطور الأول يكون بشكل (حالة، موقف) يعبّر عنه بشكل تنازعي. أما الطور الثاني فقد يطرح ردّ فعل الأطراف على ادعاءات معلنة وتظهر في شكل نزاع سياسي أو قانوني. أما الطور الثالث فهو انجرار الأطراف إلى تعقيد للعلاقات المباشرة وغير المباشرة بحيث ينشأ شكل من النزاع طابعه سياسي إعلامي دعائي، ولكن يصبح الكلام يدور عن قابلية هذا النزاع لتهديد حفظ السلم والأمن الدوليين. أما الطور الرابع فهو أزمة سياسية دولية من شأن استمرارها أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدوليين، وتستخدم الأطراف المتنازعة كل ما تملك من وسائل ايديولوجية وإقتصادية وسياسية. أما الطور الخامس فهو انتقال أحد الأطراف إلى الإستعمال الفعلي للقوة العسكرية بأهداف تظاهرية أو بنطاق محدود، منها حشد للقوات المسلحة أو تهديد باستعمال القوة. أما الطور السادس فهو النزاع المسلح، وهو لجوء أحد الأطرف إلى استخدام القوة . وهناك عوامل تؤثر في عملية صنع القرار والتي تؤدي إلى الأزمات وهي تشمل:

1- التفكير الجماعي "بعيدًا" عن مصالح الآخرين وآرائهم:
التفكير الجماعي يعبر عنه بإدارة بوش الحالية والتي أجمعت على غزو العراق من دون الأخذ بالاعتبار آراء الدول (وخاصة روسيا، فرنسا، ألمانيا، والصين التي كانت معارضة للحرب) والأمم المتحدة وحتى الرأي العام الأميركي.
2- سوء الإدراك:
أما سوء الإدراك فيعبّر عنه في الأزمة الكوبية العام 1962، من جهة الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي على السواء. فالولايات المتحدة قللت من إحتمال تحرك القوات السوفياتية، أو حتى أثارت رد فعل عسكرية سوفياتية بعد أن استخدمت القوة العسكرية ضد كوبا في نيسان/ ابريل 1961 (عملية خليج الخنازير لإسقاط نظام كاسترو)، أو عند نصبها صواريخ نووية في تركيا. واعتقد السوفيات من جهتهم أنهم يستطيعون نصب صواريخ نووية في كوبا سراً، وأن الولايات المتحدة سوف تتقبل الأمر عندما يتم اكتشافها وتصبح كأمر واقع.
3- الميل إلى المجازفة:
أما الميل إلى المجازفة فيتمثل بغزو صدام حسين للكويت العام 1990 من أجل مضاعفة احتياطي العراق من النفط من 10 إلى 20 % من الإحتياطي العالمي، ولتحسين وضع العراق الجيوستراتيجي في رأس الخليج العربي ، بالإضافة إلى مجازفات هتلر والتي أدت إلى الحرب العالمية الثانية.

- 3 –مناهج تشخيص الأزمات

يُعدّ التشخيص السليم للأزمات هو مفتاح التعامل معها، وبدون هذا التشخيص السليم يصبح التعامل مع الأزمات ارتجالاً، وأساس التشخيص السليم هو وفرة المعلومات، المعرفة، الخبرة والممارسة. ومن هنا فإن مهمة التشخيص الدقيق لا تنصرف فقط إلى معرفة أسباب وبواعث نشوء الأزمة، والعوامل التي ساعدت عليها، ولكن بالضرورة إلى تحديد كيفية معالجتها، ومتى وأين تتم معالجة الأزمة، ومن يتولى أمر التعامل معها، وما تحتاجه عملية إدارة الأزمة من معلومات واتصالات وأدوات مساندة، وسيناريوهات اساسية وبديلة للتعامل مع الأحداث الأزموية ووقف تصاعدها، واحتوائها وامتصاص الضغط الأزموي المتولد عنها ... إلخ.
فالأزمة تعد بمثابة مرض فجائي أصاب إنساناً معيناً ويهدد حياته ويحتاج إلى:
- معالجة سريعة.
- معالجة حاسمة.
- شفاء المريض.
ولن نستطيع تحقيق أي من هذه الأهداف دون تشخيص حالة المريض، ليس فقط لمعرفة ما هو المرض الذي أصابه، ولكن أيضاً لمعرفة مدى قدرة المريض على تحمل العلاج المقترح، والبدائل المناسبة للتعامل مع الحالة المرضية على أقصى درجة من السرعة، والدقة، والكفاءة وهي أمور كلها تمارس تحت ضغط الأزمة الرهيب.
ويستخدم في تشخيص الأزمات عدة مناهج أساسية وفيما يلي عرض لكل منها بإيجاز:
1- المنهج الوصفي التحليلي:
يقوم هذا المنهج على تحديد مظاهر الأزمة وملامحها العامة والنتائج التي أفرزتها وتأثيرها على الوضع العام في الدولة. وينتهي هذا المنهج بتوصيف الأزمة وعرض أبعادها وجوانبها والمرحلة التي وصلت إليها والتداعيات التي قد تصل إليها.
2- المنهج التاريخي لتشخيص الأزمات:
يعمل هذا المنهج وفقاً لنظرية أن أي أزمة من الأزمات لا تنشأ فجأة وليست وليدة اللحظة، ولكنها نتاج تفاعل أسباب وعوامل نشأت قبل ظهور الأزمة تاريخياً، ومن هنا فإن أي تعامل مع هذه الأزمة يجب أن يبنى اساساً على معرفة كاملة بالماضي التاريخي وكيفية تطورها، فالتعمق في تشخيص الأزمة، وردها إلى أصولها التاريخية الحقيقية هو المقدمة الضرورية لطرح المعالجة وأدوية العلاج.
على سبيل المثال أن "حرب الأيام الستة" عام 1967، وما أحدثته من نتائج وإفرازات لا يمكن أن يتم دراستها بشكل علمي دقيق دون البدء بالتتبع التاريخي لمولدها منذ قيام ثورة 23 تموز 1952 وأزمة الأحلاف العسكرية، وأزمة كسر احتكار السلاح، وأزمة سحب العرض الغربي لتمويل السد العالي والمساهمة في بنائه – وأزمة تأميم قناة السويس – وأزمة الوحدة المصرية السورية – وأزمة حرب اليمن – وأزمة التنمية الإقتصادية والإستقلال الإقتصادي – وأزمة الحصار الإقتصادي الذي فرض على الجمهورية المتحدة "مصر". وهي جميعاً محطات واضحة في تاريخ الصراع الأزموي بين إدارة الأزمة وصناع الأزمة، حتى بلغت ذروتها في أزمة "حرب 1967".
3- منهج الدراسات المقارنة لتشخيص الأزمات:
ويقوم هذا المنهج على دراسة الأزمات التي تمت في الماضي ومقارنتها موضوعياً بالأزمات التي نواجهها في الحاضر، ومن خلال الدراسة المقارنة يتبين أوجه الإتفاق، وأوجه الإختلاف، ومن ثم يتم تجربة استخدام العلاج فيما اتفق ونجح في الماضي، واستحداث علاج فيما اختلف في الحاضر.
وأساس المقارنة وفقاً لهذا المنهج قد يكون أحد الأسس التالية:
- مقارنة زمانية تاريخية
- مقارنة مكانية جغرافية.
- مقارنة نشاطية يتصل بالنشاط الذي حدثت به الأزمة.
- مقارنة من حيث الحجم الذي بلغته الأزمة أو الشدة التي وصلت إليها .

- 4 –دستور التعامل مع الأزمات
 وهي تمثل دستور مبادئ يتعين على كل متخذ قرار أن يعيه جيداً عند التعامل مع أي أزمة تواجهه، وأن لا يتناسى أو يتجاهل إحدى هذه المبادئ التي هي شديدة الأهمية والخطورة، وهي:
1- توخي الهدف.
2- الإحتفاظ بحرية الحركة وعنصر المبادأة.
3- المباغته.
4- الحشد.
5- التعاون.
6- الإقتصاد في إستخدام القوة.
7- التفوق في السيطرة على الأحداث.
8- الأمن والتأمين للأرواح والممتلكات والمعلومات
9- المواجهة السريعة والتعرض السريع للأحداث.
10- استخدام الأساليب غير المباشرة كلما كان ممكناً.
ويعتمد تطبيق هذه المبادئ على توافر روح معنوية مرتفعة ورباطة جأش، وهدوء أعصاب، وتماسك تام خلال أحرج المواقف، وقدرة عالية على امتصاص الصدمات ذات الطابع العنيف المتولدة عن الأزمات الكاسحة.
فضلاً عن ضرورة توفر جهاز استخبارات كفؤ لتوفير المعلومات الكافية واللازمة والتفصيلية والدقيقة والحديثة والكاملة عن الأزمة وتطوراتها وعواملها، ومن ثم التعامل معها في إطار معرفة شبه كاملة .

- 5 –خطوات التعامل مع الأزمة
يتم التعامل مع الأزمات، وإدارتها إدارة علمية رشيدة بسلسة متكاملة ومترابطة من الخطوات المتتابعة وفيما يلي عرض موجز لكل خطوة منها:
أولاً – تقدير الموقف الأزموي
يقصد بتقدير الموقف الأزموي تحديد جملة التصرفات التي قامت بها قوى صنع الأزمة، وقوى كبحها، شاملة تقدير مكونات هذه التصرفات وما وصلت إليه الأزمة من نتائج، وردود أفعال، وآراء ومواقف محيطة مؤثرة أو متأثرة بها.
ويشمل تقدير الموقف تحليلات لمضمون العلاقات، ومكونات القوة للطرفين، ومصادر الوصول إلى النتائج الحالية، وأسباب نشوء الموقف الراهن، وروافد تطوره، وعلاقات المصالح، والصراع، والتنافس والتكامل، التي ارتبطت به أو بعدت عنه .
تقدير الموقف الأزموي
ثانياً – تحليل الموقف الأزموي:
 بعد تقدير الموقف الأزموي وتحديده تحدياً دقيقاً، يقوم مدير الأزمة بمساعدة معاونيه بتحليل الموقف الأزموي، ويتم التحليل بهدف الإستدلال وصولاً إلى اليقين: عن طريق التمييز الواضح بين عناصر الموقف الأزموي، لتوضيح عناصر الأزمة، ومم تتركب، وتقسيمها إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء ليتسنى لنا إدراكها بأقصى وضوح ممكن، ومن هنا يتم تحليل الموقف الأزموي المركب إلى أجزائه البسيطة، ثم إعادة تركيبه بشكل منتظم، بحيث يتم التوصل إلى معلومات جديدة عن صنع الموقف الأزموي، وكيفية معالجته، ومن هنا يتم تحليل الموقف الأزموي إلى ما يتركب منه من عناصر مبسطة بهدف الإحاطة بها على وجه سليم.
ثالثاً – التخطيط العلمي للتدخل في الأزمة:
 وهي مرحلة رسم السيناريوهات ووضع الخطط والبرامج، وحشد القوى لمواجهة الأزمة والتصدي لها، وقبل أن يتم هذا بكامله يتم رسم الخريطة العامة لمسرح عمليات الأزمات بوضعه الحالي، مع إجراء كافة التغيرات التي تتم عليه أولا بأول.
 وعلى هذا المسح يتم وضع كافة الأطراف والقوى التي تم حشدها من قبل صانعي الأزمة ومن جانب مقاومي الأزمة، وتحديد بؤر التوتر وأماكن الصراع، ومناطق الغليان، باعتبارها جميعاً "مناطق ساخنة" ومن خلال هذه الرؤية العلمية الشاملة المحيطة بأبعاد "المسرح" الأزموي، وزوايا الرؤية المتعددة للأطراف المتعلقة المرتبطة بالأزمة، يتم رسم خريطة التحرك على النحو التالي:
أ‌- تحديد الأماكن الأكثر أمناً والمحصنة تماماً لإتخاذها كمناطق ارتكاز وقواعد للإنطلاق.
ب‌-  تحديد الأماكن الآمنة لتكون بمثابة سياج آمن للقواعد الخاصة بالإنطلاق، فضلاً عن حاجز امتصاص للصدمات إذا ما تدهور الموقف، فضلاً عن مناطق إنذار وتصفية وتحطيم الأمواج، أو مناطق تفريغ وتهدئة للضغوط الأزموية.
ج- تحديد أسباب الأزمة المتصلة بالنظام، وأي من رموز النظام أو رموز القيادة في كيان الدولة يمكن التضحية به، وإعداده لهذه التضحية، وتوجيه السخط له، والتمهيد لدخول رمز جديد له شعبية ترتاح إليه قوى الصنع.
د- تحديد خطة امتصاص الضغوط الأزموية الحالية عن طريق الإستجابة لبعض المطالب والتوافق مرحلياً مع قوى صنع الأزمة من خلال المراحل العلمية الآتية:
1- مرحلة الإعتراف بالأزمة.
2- مرحلة التوافق والإستجابة المرحلية لمطالب الأزمة.
3- مرحلة التحقيق والتثبت من أسباب الأزمة.
4- مرحلة تشكيل لجان المناقشة والإشتراك في حل الأزمة.
5- مرحلة المشاركة في الحل المقترح ونقل عبء حل الأزمة للقوى الصانعة لها.
6- مرحلة ركوب الأزمة والإنحراف بها، وحماية الكيان الإداري من تأثيرها والإحتفاظ بحيويته وأدائه.
ه- توزيع الأدوار على قوى الأزمة وبصفة خاصة على أعضاء فريق المهام الذي تم تكليفه بمهمة التدخل المباشر لمعالجة الأزمة.
و- التأكد من استيعاب كل فرد للخطة العامة الموضوعة، وكذا من التتابع الزمني للمهام وفقاً للسيناريو الموضوع لمعالجة كل من إفرازات الأزمة، والقوى الصانعة لها، وكذا للتضامن مع بعض عناصرها، وكذا للسيطرة على المسرح الأزموي بشكل فعال.
ز- حشد كل ما تحتاجه عملية التعامل الأزموي، وتزويد فريق المهام باحتياجاته من الأدوات والمعدات التي يتطلبها ويحتاجها الموقف الأزموي.
ح- تحديد "ساعة الصفر" أو التوقيت المحدد لبدء العملية وتنفيذ المهمة المحددة بشكل فعال وحاسم، على أن يتم متابعة ما يحدث أولا بأول، والوقوف على رد فعل الأطراف الأخرى.
وأياً ما كانت العملية التخطيطية، فإنه نتيجة للضغط الأزموي وما تتسم به العملية الأزموية من عدم وفرة الوقت الكافي للتخطيط، يلجأ متخذ القرار إلى مجموعة "السيناريوهات الجاهزة" READY MADE التي أعدت من قبل لمواجهة المواقف الأزموية الصعبة واستخدامها، أو إجراء تعديل طفيف عليها لتكون صالحة للإستخدام الفعلي.
رابعاً – التدخل لمعالجة الأزمة:
 من خلال المعرفة والإحاطة الشاملة والكاملة والدارية "بالسيناريوهات البديلة"، والسيناريو المعتمد والمجاز للتدخل في الأزمة، وإسناد المهام، وتوزيع الأدوار على فريق المهام الأزموية يكون متخذ القرار في إدارة الأزمات قد حدد كل شيء، ووضع لكل عنصر احتمالاته، وحسب اتجاهاته، ثم اتخذ القرار.
 وتتم المعالجة الأزموية مجموعة مهام أساسية ومهام ثانوية ومهام تكميلية تجميلية. فالمهام الأساسية تقوم على الصدام والدحر، والمواجهة السريعة العنيفة، والإمتصاص، والإستيعاب، والإستنزاف، وتحويل المسار الخاص بقوى صنع الأزمة.
 في حين أن المهمات الثانوية تنصرف إلى عمليات تهيئة المسارات وتأمين الإمدادات وحماية قوى مواجهة الأزمات وتوفير المساندة والمؤازرة لها، أما المهام التكميلية التجميلية فتنصرف أساساً إلى معالجة الآثار الجانبية السلبية المترتبة عن الصدام مع قوى صنع الأزمة، وإمتصاص أي ما من شأنه أن يوجد غضباً أو خوفاً أو رعباً في المجتمع الذي حدثت فيه المواجهة الأزموية.

- 6 –مبادئ إدارة الأزمات
تتألف مبادئ إدارة الأزمات من:
1- تحديد الأهداف.
2- التطبيق التدريجي وحصر استعمال القوة العسكرية بمنطقة جغرافية محدودة.
3- بقاء الجانبين أو ما يقال (منعاً للكسوف على الجانبين).
4- الحفاظ على الإتصالات مع الخصم،
5- التفتيش عن دعم وذلك عبر خطة سياسية واسعة النطاق،
6- الإعتبار من السوابق ودروس الأزمات.
1- تحديد الأهداف:
 إن إدارة الأزمة بنجاح يعني أن كل جانب متورط بها عليه أن يعِ وبكل الأحوال، بأنه ليس بمستطاعه الوصول إلى أقصى أهدافه السياسية.
 ففي الأزمة الكوبية عام 1962، بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي. استجابت الولايات المتحدة لعدم الإصرار على انسحاب كامل للوجود السوفياتي من كوبا، ولا على إبعاد نظام كاسترو من الحكم بل حددّت الولايات المتحدة مطاليبها بتفكيك منصات الصواريخ السوفياتية وبإزالتها من الجزيرة.
 ومن جهة أخرى وافق الإتحاد السوفياتي بالتخلي عن فوائد ومزايا وجود تلك الصواريخ من كوبا القريبة جداً من الشواطئ الأميركية لسد النقص والفجوة المتمثلة بضعف القدرات النووية السوفياتية الباليستية طويلة المدى، مقابلاً لإزالة الحصار الأميركي (الحجر الدفاعي) عن شواطئ كوبا وتعهّد أميركي بعدم الهجوم مستقبلاً على جزيرة كوبا.
2- التطبيق التدريجي وحصر إستعمال القوة العسكرية بمنطقة جغرافية محدودة:
 إذا سلّمنا بمقولة "الدفاع عن مصلحة الدولة" موضوع غير قابل للنقاش أو التفاوض حوله، يصبح إنطلاقاً من تلك المقولة من حق الطرف المتورط في الأزمة اللجوء وربما حتمياً إلى إستعمال القوة ولو تدريجياً وتصاعدياً.
 ولكن على العكس من ذلك، يجب عدم إغلاق الباب كاملاً، ويجب الإمساك بكل فرصة وبارقة أمل من أجل شراء الوقت.
 كما يتوجب تأخير إمكانية إستعمال الخيار النووي ولو بحدوده التكتيكية. كما يتوجب أن يبقى النزاع العسكري محصوراً جغرافياً.
 وهذا كله يتطلب مؤسسة أو فريق عمل بقيادة سياسية لتراقب وتشرف على عمل الآلة العسكرية. وهذا ما حصل فعلاً في الولايات المتحدة أثناء الأزمة الكوبية حيث تشكل فريق مهمات من 17 عضواً لمساعدة الرئيس جون كيندي بإتخاذ القرار والرد المناسب على التحدي السوفياتي.
 وقد صوّتت الأغلبية من فريق المهمات لصالح حصار الشواطئ الكوبية مع إرسال إشارات وتحذيرات واضحة للسوفيات بأن الولايات المتحدة تحاول كسب الوقت. وتجنب هذا الإجراء الأولي التعرّض للخبراء الكوبيين عن طريق القصف الجوي مما سيعرّضهم للقتل أو للجرح وهذا ما سيعقّد الأزمة فيما لو حصل.
وإذا لم يؤتِ الحصار بثماره المطلوبة، فإن الهجوم أو الضربة الجوية ستبقى مُلحة وممكنة.
ولقد نجحت الولايات المتحدة بكسب الوقت بقبولها لنصيحة السفير البريطاني في واشنطن السير (دايفيد أورمسبي غور David Ormsby Gore)، الذي اقترح بأن يرسم خط الحصار قريباً جداً من الشواطئ الكوبية وأيضاً قريباً جداً من سفن الشحن السوفياتية ولكي يبعث بذلك رسالة عاجلة إلى موسكو لتغير اتجاهها.
وكان من مصلحة الولايات المتحدة حصر الأزمة الكوبية في المنطقة الكاريبية. بينما بالمقابل كان السوفيات عندهم الرغبة بالذهاب أبعد من ذلك وخاصة إلى مناطق ضعيفة استراتيجاً وسياسياً في أوروبا وخاصة برلين.
وبالنهاية تخلت موسكو عن رغبتها تلك وعادت ووافقت على التسوية والمتضمنة تفكيك منصات الصواريخ السوفياتية وإزالتها من الجزيرة مقابل فك الحصار الأميركي عن كوبا وتعهّد أميركي بعدم مهاجمتها وأيضاً ما اعتبر نصراً لموسكو سحب صواريخ جوبيتر الأميركية من تركيا.
وفي موقف مماثل للولايات المتحدة المتمثل بحصر المعارك العسكرية ضمن منطقة جغرافية محدودة وعدم إعطاء الفرصة لإمتدادها إلى مناطق أخرى. رفضت الولايات المتحدة – أثناء النزاع في كوريا – مطلب الجنرال الأميركي (ماكارثر Macarthur) بالإغارة الجوية على المراكز العسكرية والصناعية الصينية في شمال نهر يالو (Yalu) وذلك لعدم إعطاء السوفيات مبررات إضافية للتدخل وتعميق العداوة معهم. وبدلاً من ذلك فإن الحكومة الأميركية عزلت الجنرال ماكارثر من موقعه كقائد لقوات الأمم المتحدة في كوريا.

3- بقاء الجانبين أو منعاً للكسوف على الجانبين:
 يصبح أثناء الأزمة الخصم وفجأة هو الشريك بتسوية الأزمة، ولبقاء الجانبين. فالطرفان جالسان في قارب واحد، كل واحد يصدّ الأمواج العاتية مدافعاً عن وجوده وبالمقابل يُلقّن الخصم دروساً في المقاومة.
 وإن عدم الإصرار على المطالب التعجيزية ممكن أن تستعمل إعطاء الخصم/الشريك طريق مقبول للخروج من الورطة – الأزمة. وبالتالي الظهور بمظهر كسب نصر جزئي على الصعيدين المحلي والدولي.
 فالحل العقلاني ممكن أن يمهّد الطريق لعلاقة ايجابية وبناءة بين الطرفين، بينما العكس سيؤدي إلى تدهور مميت للطرفين.
 وفي حالة الأزمة الكوبية فإن موافقة كل من الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي على التسوية لم تكن إهانة لأحد أو انتصار فريق على آخر بل نصراً للبشرية جمعاء، لأن هذه الأزمة اعتبرت أكثر الأزمات خطراً في التاريخ البشري بسبب الخطر الحقيقي للحرب النووية بين القوتين العظمتين.
 فإن تفكيك منصات الصواريخ السوفياتية وسحبها من الجزيرة الكوبية أزال تهديداً للأمن وللمصالح الأميركية وهو ما اعتبر نصراً من وجهة النظر الأميركية، كما أن تعهد أميركا بعدم مهاجمة كوبا وبفك الحصار عنها مكّن خروشوف من الزعم بأن أهدافه الأساسية قد تحققت وهي حماية نظام فيديل كاسترو.
 زيادة على ذلك فإن نهاية الأزمة الكوبية اعتبرت حسب رأي المراقبين نهاية الحرب الباردة بين الجبارين وتحول جذري في العلاقات الأميركية – السوفياتية.
 وفي رسالته إلى خروشيف في 28 تشرين الأول 1962 والتي طورت آخر مشهد من المسرحية اقترح الرئيس جون كيندي، بتحديد ومراقبة التسلح وهو ما عرف لاحقاً باتفاقيات عدم زيادة الأسلحة النووية، وحظّر إجراء تجارب نووية وقد وقعت هذه الإتفاقيات لاحقاً بين الدولتين، كما وأن التعاون بين البلدين شمل قضايا ومناطق أخرى.
4- الحفاظ والإبقاء على الإتصالات مع الخصم
 في الفترات الماضية – قبل العصر النووي – كان الدبلوماسيون يصمتون أثناء النزاعات ويبقى الكلام فقط للسلاح وبالتالي كانت الإتصالات صامتة وفي حالة سكون، تستأنف فقط في نهاية المواجهات العسكرية بغية المفاوضة على هدنة أو اتفاقية استسلام أو سلام بين الطرفين.
 أما أثناء الأزمات المعاصرة فالسلوك التفاوضي الحالي متناقض مع الماضي بحيث أن صنّاع القرار هم على اتصال خلال الأزمة، وإذا ما حصل توقف فهو يستثمر لتحسين المواقع العسكرية أو للتقدم التدريجي للقوات المسلحة بغية استثمارها في المفاوضات.
 فالإشارات المتبادلة أثناء الأزمة ليست محصورة فقط بالوسائل الشفوية، فالتفسير غير الصحيح ممكن أن يُسبب المشاكل، كما أن استنتاجات متعددة ممكن أن تفهم على غير حقيقتها كتهديد أو عرض ما.
 كما أن الإتصالات الرسمية يجب أن نتخيلها بين أطراف الأزمة ومثال على ذلك الإتفاق الذي حصل أثناء الأزمة الكوبية عام 1962 والذي أشرنا إليه بالتفصيل وكان هذا الإتفاق قد ظُهر قبلاً وقدم بواسطة المراسل الصحافي الأميركي (جون سكالي) الذي عمل في محطة التلفزيون الأميركية (ABC) ومن ثم عيّن سفيراً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، إلى القنصل (ألكسندر فومن) في السفارة السوفياتية اثناء الغذاء في مطعم أوكيدنيل بشارع بنسلفانيا في واشنطن.
 ومن جهته عرف الرئيس خروشيف كيف يكون على اتصال مع رجل الأعمال الأميركي وليام كنوكس William Knox، من شركة وستنغ هاوس والذي كان بزيارة موسكو، ومع المغني الأميركي جيروم هينز بعد أن قدم حفلته في العاصمة السوفياتية.
 ومع أن الأزمة الكوبية قد انتهت بسلام، إلا أن الجبارين قد استفادوا من عبرها ودروسها لتحسين سبل الإتصالات المباشرة أثناء الأزمات والحالات الطارئة والتي عرفت بعد ذلك بالخط الساخن بين العاصمتين.
5- البحث عن الدعم العريض:
 وخاصة إذا ما لجأ الطرف المتورط في أزمة ما إلى القوة العسكرية، فعليه البحث عن الدعم العريض والتفويض لخططه من الدول الأخرى كل ما كان ذلك ممكناً.
 كما أن الحاجة تفرض أيضاً الحصول على الدعم المعنوي والأخلاقي وليس فقط التفتيش عن الأحلاف للإشتراك بالأعمال العسكرية.
 وتطبيق هذا المبدأ غالباً ما يأتي متأخراً، وضرورة أخذ قرارات حاسمة وسريعة أثناء الأزمة، ومن المستحيل إستشارة أقرب الحلفاء إذا كانت الضرورة وردة الفعل على عمل ما تتطلب السرعة لمواجهة تحدي غير متوقع وخاصة إذا كان التنبؤ في هذا المجال مستبعداً وبالتالي التخطيط لمواجهته.
 وقد تعاملت الولايات المتحدة مع الأزمة الكوبية بعيداً عن الأمم المتحدة واختارت فقط الدعم القانوني والسياسي من منظمة الدول الأميركية بالإضافة إلى حلفائها الأوروبيين الأساسين.
 وبينما عملت الولايات المتحدة وحيدة عسكرياً في الأزمة الكوبية، فهي فضّلت عام 1950 أثناء الأزمة الكورية بالعمل تحت لواء الأمم المتحدة ومع 14 دولة ساهمت عسكرياً معها.
 وهذا ما فعلته الولايات المتحدة أيضاً عام 1991، ضمن حرب الخليج الثانية ضد العراق، بينما عملت مع اسبانيا وبريطانيا عام 2003 ضد العراق وخارج إطار الأمم المتحدة.
 وبالنسبة للإتحاد السوفياتي فقد عمل وحيداً في هنغاريا عام 1956 وبعدها في افغانستان عام 1978 بينما عمل مع أربع دول من حلف وارسو عام 1968 في تشيكوسلفاكيا.
 والسؤال الذي يطرح في وقت الأزمات حول الدور الذي لعبه الطرف الثالث، من خلال الوساطة أو التوفيق والتي هي ليست مجدية بالتأكيد في كل أزمة.
 والوساطة – وهي عموماً تدخل طرف ثالث بين طرفي النزاع بموافقتهما لإقتراح حل لفضّ النزاع بينهما ويمكن أن تكون الحلول غير ملزمة للطرفين.
 ومن الأمثلة على وساطة الأشخاص وساطة الأوسترالي ديكسون ومن ثم الأميركي جراهام في النزاع بين الهند والباكستان حول منطقة كشمير.
 وواسطة السفير السويدي غونار يارنج عام 1968 لإقتراح أساليب لتطبيق القرار 242 وقد فشلت وساطته بسبب تعنّت السلطات الإسرائيلية ومراوغتها، ومن الوساطات الناجحة للمؤسسات والحكومات وساطة البابا ليون الثالث عشر في النزاع بين اسبانيا وألمانيا حول جزر كارولين عام 1885 ووساطة الولايات المتحدة لإيقاف الحرب الروسية – اليابانية عام 1904.
 أما لجان التوفيق فهي ما نصّت عليها معاهدة لوكارنو عام 1925 ووضعت لها قواعد منها: تأليفها من 3 – 5 أعضاء لا علاقة لها بالنزاع، وأن ينحصر اختصاصها في الخلاف على المصالح أي في الخلافات السياسية، وليس الحقوق (القانونية)، ومن الأمثلة على ذلك، لجنة التوفيق الدولية للبت في مصير بعض الأراضي المختلف عليها بين فرنسا وسيام (تايلاند) في 27 حزيران 1947. كما أن المادة 284 من اتفاقية الأمم المتحدة للبحار لعام 1982 قد اخضعت كل نزاع إلى التوفيق  .
 والمهم في هذا المجال، ليس فقط الدعم الدولي بل ايضاً الحاجة تبقى ماسة وخاصة في الأنظمة الديمقراطية حيث الصحافة حرة، إلى الدعم الداخلي حيث للرأي العام كلمته المسموعة.
 وغالباً ما يتخذ فريق المهمات القرار المناسب ومن بعده يطلع الأمة والرأي العام الداخلي على ذلك وخاصة في الأوقات الحرجة التي يكون فيها مصير الأمة في خطر.
6- الإعتبار من السوابق ودروس الأزمات:
 على الرغم من الصلة بين الأزمات والحرب والقرارات التي تتخذ أثناء الأزمات التي تؤثر في إحتمال نشوب الحرب، فإن ليس كل أزمة تُسبب الحرب ، وغالباً ما تسبق الأزمات الحروب كما حدث في الحرب العالمية الأولى، وفي حالة أزمة الصواريخ الكوبية، فإن الأزمة قد انتهت على خير.
 وتعد دراسة الأزمات السابقة وسيلة نافعة لمعالجة الأزمات المستقبلية. وينبغي علينا دراسة الأزمات السابقة لنتعلم الكيفية التي ندير بها مثل هذه المواقف بفاعلية ولنتفادى الحرب .
7- سيكولوجية التفاوض – كوجه من أوجه إدارة الأزمات:
 من سمات الأزمة الدولية عدم قدرة أطرافها على التحكم في مسارها، وغموض أهداف أطرافها. فضلاً عن جو التوتر الذي يسود وسط التهديدات المتبادلة، والميل إلى إستعمال القوة المسلحة. ومتى تعقدت الأزمة الدولية يجد الأطراف المعنيون أنفسهم مدعوين إلى إتخاذ قرارات حاسمة في فترة زمنية محدودة وان أي خطأ يرتكبه أحد الأطراف في إتخاذ القرار قد يعطل الموقف التفاوضي.
 امام هذه الحالة يغدو مطلب الإتصال بين أطراف الأزمة ملحاً حتى لا يخرج مسار الأزمة عن إرادة هؤلاء الأطراف المعنيين.
 فسيكولوجية التفاوض – وهنا نذكر بأن التكوين السيكولوجي لأطراف التفاوض من المواضيع التي اهتم بها علماء السلوك، لما لهذا التكوين من أهمية كبرى في سير عمليات التفاوض بمختلف أنواعه وأساليبه، كما أن الفهم الحقيقي لطبيعة التكوين السيكولوجي للمفاوضين تتيح للمفاوض موقفاً أفضل برسم الهدف والخطط والتوازن بين الإستراتيجية والتكتيك.
 فالخطة أو الإستراتيجية في حد ذاتها لا تعدو أن تكون مجموعة من الأسس والنوايا الطيبة، ولكنها بدون العمل الإنساني الكفوء والجاد لا تساوي شيئاً. من هنا أصبح الجانب الإنساني في التخطيط عنصراً أساسياً في عملية التفاوض، وأصبحت قدرة المفاوض على تفهم إمكانيات من يفاوضهم ودوافعهم شرطاً أساسياً لنجاح عمليات التفاوض.
 وقد بينت الدراسات السيكولوجية أن مواصفات المفاوض الكفوء الناجح تنقسم إلى مجموعتين:
أ‌- مجموعة المهارات والخبرات والمعارف وهي تتضمن المزايا والمعارف والمهارات الفنية المختلفة المتعلقة بعمليات التفاوض.
ب‌-  مجموعة الصفات والخصائص والقدرات الشخصية التي تعكس التكوين السيكولوجي للمفاوض ومنها:
1- القدرة على تصور المشاكل في مجملها وعدم الضياع في التفاصيل.
2- القدرة على تحليل المواقف ومعرفة جوانبها المختلفة ليصل إلى المعلومات اللازمة التي تكون زاداً له أثناء التفاوض .
3- القدرة على الحكم على الأمور والإستناد إلى التقدير الشخصي، حين تكون المعلومات المتاحة قاصرة أو مجتزئة أو غير صحيحة.
4- القدرة على إتخاذ القرارات وحسن التصرف في الأزمات.
5- القدرة على تنظيم الوقت وحسن استغلاله.
6- الإتزان النفسي والنضج العاطفي وإستقرار المشاعر.
7- المرونة في تقبل آراء الغير والإستعداد لملائمة النفس مع الظروف المتغيرة.
ويميل علماء السلوك إلى إجمالي مزايا وخصائص ومواصفات المفاوض الناجح في ثلاث قدرات:
أ‌- القدرة الفكرية وتشير إلى القدرة على التدبير والتفكير السليم والتحليل المتزن للأمور.
ب‌-  القدرة الإنسانية وتشير إلى حسن التعامل والتصرف مع المفاوضين الآخرين وإنشاء علاقات إنسانية سليمة وفعّالة معهم.
ج- القدرة الفنية وتشير إلى فهم وإدراك، هدف التفاوض وإستراتيجيته وتكتيكيته .
 ولا بد من الإشارة إلى أن علم النفس أسهم في تطوير أساليب الإختيار عن طريق تقديم أسلوب الإختبارات النفسية (السيكولوجية) التي تهدف أساساً إلى الكشف عن مدى توافر خصائص نفسية محددة، وتختلف الإختبارات النفسية المستخدمة في إختبار المفاوضين، فنجد أنواع الإختبارات المتعددة من اختبارات الذكاء إلى اختبار القدرات والمهارات، وإختبار الميول والإستعدادات، فهناك أيضاً اختبارات للقيم والمفاهيم وإختبارات للتكوين العام للشخصية.
 وبعد الإختيار يأتي التدريب الذي يعطي المفاوض المتدرب معلومات جديدة في مجالات التفاوض وأساليب أو تدعيم وتأكيد ما لديه من معلومات ومفاهيم والإفادة منها. وقد قسم الباحثون في فن التفاوض، التدريب إلى نوعين:
1- تدريب المهارات أي زيادة قدرة المفاوض على أداء تفاوض معين ورفع كفاءته في الأداء.
2- التدريب السلوكي ويهدف إلى تغيير وتعديل أنماط السلوك التي يتبعها المفاوض ويطلق عليها المهارات السلوكية .

- 7 –مراكز إدارة الأزمات ومواضيع بحوثها
 أصبح موضوع إدارة الأزمات على رأس الموضوعات الحيوية في العالم منذ عام 1962 (الأزمة الكوبية) وتكمن أهمية هذا الحدث في تصريح وزير الدفاع الأميركي آنذاك (روبرت مكنمارا) بقوله "لن يدور الحديث بعد الآن عن الإدارة الإستراتيجية وإنما ينبغي أن نتحدث عن إدارة الأزمات".
 ويلاحظ أنه على مستوى الجامعات العربية كلها لا توجد للأسف جامعة عربية تُدرّس إدارة الأزمات، ما عدا جامعة عين شمس – كلّية التجارة، وبإستثناء بعض الكليات العسكرية وإن كانت تتعرض للمسائل من منظور أمني ضيق .
أما أهم مراكز إدارة الأزمات فهي:
1- معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI .
2- مركز بحوث الأزمات (جامعة عين شمس، كلية التجارة في القاهرة).
ومن المواضيع التي تم بحثها في هذا المركز:
أ‌- إدارة الأزمات في قطاع الغزل والنسيج.
ب‌-  كوارث التسرب الكيميائي.
ج- كوارث التسرب الإشعاعي.
د- الفاعلية التنظيمية لنظام الدفاع المدني في مصر في مواجهة الكوارث.
ه- دور المستشفيات في مواجهة الكوارث عند تفاجأ المستشفيات بازدياد الطلب غير المتوقع على الخدمات الصحية.
وعادة ما يتم رصد أزمة ما في مركز بحوث الأزمات في جامعة عين شمس، ثم يتم جمع البيانات وتحليلها، ثم تعقد ندوة يشارك فيها المختصون .
3- مركز إدارة الأزمات (بالقوات المسلحة المصرية)
أنشئ هذا المركز رسمياً عام 1995 وقد استطاع العاملون في هذا المركز أن يخرجوا بنتائج جيدة، ظهرت بجلاء في كارثة السيول في مصر عام 1997 وقبله كارثة الزلزال عام 1992، كما قام المركز بإعداد بحوث خاصة بمسألة ماذا لو اكتشفنا مواد مشعة في نهر النيل، ماذا نفعل؟
ما الذي نفعله قبل وقوع الأزمة حتى نكون مستعدين لها؟ وماذا نفعل أثناء الأزمة إذا وقعت رغم كل الإحتياطات؟
وأخيراً، ماذا نفعل بعد وقوع الأزمة؟  وكذلك في حال تم التعرض بالقصف أو الأعمال الجوية للسد العالي في مصر.
4- مركز جيمي كارتر للسلام (في اتلنتا): وقد ساهم في التوسط بأزمات متعددة أهمها كوريا الشمالية، والصحراء الغربية.
5- مركز حل النزاعات في جامعة ميتشغن.
6- معهد أبحاث السلام في النروج.
7- مركز دراسات النزاعات الدولية في جامعة ستانفود.
8- مركز الأبحاث في جامعة كولومبيا.
9- مركز الدراسات في جامعة شيكاغو
10- أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية في الرياض – المملكة العربية السعودية، والتي نظمت عدة مؤتمرات حول إدارة الأزمات الأمنية.
11- كلّية الأركان في مصر.
إدارة الأزمات – أمثلة ونماذج دولية – أثناء وبعد الحرب الباردة:
1- الأزمة الكوبية (1962) انتهت بسلام وخارج نطاق الحرب.
2- أزمة الخليج الثانية 1990 – 1991 فشلت مساعي السلام وانتهت بحرب.
3- الأزمة الأفغانية (بعد 11 ايلول) كانت نتيجة مخطط قبل 11 أيلول 2001 وبررت بأحداث 11 ايلول وجرت الحرب.
4- الأزمة العراقية (2003) افشلت مساعي التسوية من قبل الولايات المتحدة لأهداف استيراتيجية تطال المصالح الكبرى للولايات المتحدة.
 أما الدروس التي تعلمنا إياها هذه الأزمات فيما يتصل بالظروف التي تكون فيها الحرب أمراً يصعب تفاديه تقريباً، عندما يتجاهل صناع القرار أخطار الحرب أو يقللون منها تصبح إدارة الأزمة شيئاً بالغ الصعوبة، ويمكن أيضاً أن تحول الخطط الحربية المتصلبة أو المبادرات العسكرية الأحادية دون تفادي نشوب الحرب، وتمثل التحالفات عاملاً ثالثاً يمكن أن يعوق عملية إدارة الأزمة في حين أن السياسة الداخلية تعتبر عاملاً رابعاً يمكن أن يحبط جهود السيطرة على الأزمة.
 وتمثل الأزمة الكوبية عام 1962 الحالة التي يمكن فيها تفادي نشوب الحرب.

- 8 –الإدارة الإسرائيلية للأزمات الإستراتيجية
في الصراع العربي الإسرائيلي
أزمة حزيران 1967، أزمة تشرين الأول 1973 وأزمة لبنان 1982
 وبعد أن تطرقنا إلى مفهوم الأزمة سابقاً ، فإن مفهوم الأزمة الإستراتيجية تجمع بين مفهوم الأزمة ومفهوم الحرب المحدودة وتعني "موقفاً ينتج عن صراع استراتيجي – أي طويل وممتد – بين دولتين أو أكثر في نفس الإقليم يشمل تهديداً للقيم والمصالح الجوهرية في الإقليم خاصة قيم الأمن، وتزيد فيه إحتمالات المفاجأة ويتم استخدام القوة العسكرية بما يرتب أثاراً على التوازن الإستراتيجي في الإقليم".
1- فخلال أزمة (نيسان – حزيران 1967) والتي تعد نموذجاً للإدارة الإسرائيلية "الناجحة" للأزمات الإستراتيجية إذ أن إسرائيل قد حققت أكثر مما سعت إليه من أهداف بإدارتها للازمة وما نتج عن ذلك من تأثير على التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط لحد بعيد، فقد استكملت إسرائيل بموجب حرب حزيران 1967، إحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة أي مجمل اراضي فلسطين التاريخية، فضلاًٍ عن إحتلال شبه جزيرة سيناء المصرية والمرتفعات السورية (هضبة الجولان) ومساحات من الأراضي التابعة لكل من الأردن ولبنان.
2- أزمة 1973– يمكن القول أن الإدارة الإسرائيلية لهذه الأزمة كانت فاشلة نسبياً ولم يتم تدارك هذا الفشل إلا بجهود أميركية بالإضافة إلى الآثار الإستراتيجية التي ترتبت عليها في توازن القوى في الإقليم. افتقدت إسرائيل في أزمة 1973 القدرة على تحليل ما لديها من معلومات صحيحة وكافية بدرجة مؤثرة في هذه المرحلة، الأمر الذي أسفر عن مفاجأتها بالهجوم السوري – المصري، فارتبكت وتراجعت في الميدان، فمن جهة كان لدى الإدارة الإسرائيلية معلومات استخبارية اسرائيلية وأميركية صحيحة عن تحركات عسكرية مصرية على طول الجهة تثير الشكوك والقلق، ومن جهة أخرى كانت مصر قد حاكت خططاً تمويهية مضللة أطلقت عبر الصحف والإعلام وأكدتها الدول والسفارات الأجنبية، منها على سبيل المثال لا الحصر، إقامة مناورات عسكرية مصرية، سفر الرئيس السادات إلى ليبيا، إنهيار للوضع الإقتصادي والمعيشي الداخلي في مصر وذلك عبر التظاهرات التي قامت ضد بيع الطحين المغشوش وكان ذلك من "فبركة" المخابرات العامة المصرية، وقد نجحت في ذلك بدليل أنها أقنعت قائد الموساد الإسرائيلي الذي بدوره قلل من خطر التحركات العسكرية المصرية قرب القناة عشية حرب تشرين 1973 بمعرض رده على تساؤلات رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير.
3- أزمة 1982 نشأت رداً على محاولة إغتيال سفير إسرائيل في لندن في الظاهر، وفي العلن كان هناك إستعداداً كبيراً للجيش الإسرائيلي على طول الحدود، وكان شعار إسرائيل الوصول إلى مسافة 40 كلم داخل الأراضي اللبنانية لإبعاد المدافع الفلسطينية عن شمال إسرائيل، إلا أن شارون وصل إلى بيروت كاشفاً عن نوايا الإحتلال الحقيقية وهو ضرب الإقتصاد والبنية التحتية اللبنانية، وتزكية الحرب الأهلية والقضاء على الفلسطينين وتصفية قضيتهم – ولم تهتم إسرائيل بالقدرة على المقاومة والدفاع عن بيروت في تخطيطها للأزمة، وأوقعها هذا الأمر في خطأ واضح عندما تمسكت بحصار بيروت لفترة طويلة تزيد عن شهرين. وتسبب هذا في الضغوط عليها الداخلية والدولية وأفقدها ما حققته من مكاسب في الأيام الأولى من دخولها لبنان وساعد على ذلك ما ارتكبته إسرائيل من مذابح صبرا وشاتيلا واعتداءات على المدنيين، وهو ما قلّل من التأييد الدولي لها وبالتالي قد تقوضت أهداف الإدارة الإسرائيلية من الأزمة التي خططت لها ليتحول الموقف من مكاسب إسرائيلية إلى أعباء اضطرتها وبسبب المقاومة أن تنسحب من بيروت في عام 1983 وتنسحب من الجنوب اللبناني تدريجياً في عام 1985 حتى تنسحب من معظم الأراضي اللبنانية في أيار 2000، إن محددات الإدارة الإسرائيلية للأزمات الإستراتيجية الثلاث من خلال تحليل البيئة المحيطة كان لها أثر واضح على هذه الإدارة بدءاً من المحددات الداخلية التي تهتم بإبراز الأوضاع الداخلية للدولة التي تدير الأزمة وهي في حالتنا الإدارة الإسرائيلية والتي تعتمد على محددين يعدان الأكثر تأثيراً وهما: نظام الحكم القائم أثناء الأزمة وسمات الوضع الإقتصادي لكل من الأزمات الثلاث مروراً بالمحددات الإقليمية الخاصة بدراسة الأوضاع داخل الدول العربية ذات الصلة بالأزمة المعنية وكذلك دراسة طبيعة العلاقات العربية – العربية اثناء الأزمة التي تخطط لها إسرائيل وتلك التي تفاجأ بها بالإعتماد على تحديد الإستراتيجيات التي استخدمتها إسرائيل في إدارتها لكل أزمة وعرضاً لأهم الأدوات المستخدمة في إدارة الأزمات وبالأخص الإداة الدبلوماسية والأداة الدعائية والأداة العسكرية. وإن تحليل عملية صنع القرار في الإدارة الإسرائيلية مع التركيز على الإدراك الإسرائيلي للفئات الأساسية ذات التأثير على هذه الإدارة والتي من أهم خصائصها سيطرة مجموعة صغيرة داخل النظام الحاكم في عملية صنع القرار في موقف الأزمة وهو الدور الواضح للمؤسسة العسكرية والإتساق والتفاهم بين أعضاء المجموعة القرارية في الأزمات الإستراتيجية. ويمكننا تحديد نمط الإدارة الإسرائيلية لإدارة الأزمات الإستراتيجية مع الدول العربية على الشكل التالي:
1- الحصول على أراضٍ عربية لتوفير الشعور بالأمن وتوفير مصادر للمياه مع استمرار ميل ميزان القوة الإقليمي لصالحها، ويساعد على ذلك وجود بيئة إقليمية ضعيفة في مواجهة بيئة دولية يتوافر فيها الحليف القوي والبدء بحملة دعائية قبل القيام بمجموعة من الإستفزازات لخصمها العربي من خلال الإعتماد على الأداة العسكرية بشكل أساسي في تنفيذها للأزمة. وبالتالي يتم استخدام بقية الأدوات بشكل أساسي في تنفيذها للأزمة. وبالتالي يتم استخدام بقية الأدوات بشكل مدعّم ومكمّل لها.
2- إكتساب عنصر الإدراك تأثيراً واضحاً في عملية صنع القرار الإسرائيلي في الأزمة ويكون لهذا الإدراك تأثيره في مختلف أبعاد إدارة الأزمة سواء في تحديد الأهداف وإختيار الأدوات وإختيار الإستراتيجية المناسبة ثم إختيار البديل المناسب لتحقيق الأهداف الإسرائيلية في الأزمة.
3- عند إدارة إسرائيل لأزماتها الإستراتيجية مع الدول العربية فإنها تسعى بأقصى طاقتها للتنسيق بين أجهزة الدولة وفي هذا الأمر تستوي الأزمات المخططة إسرائيلياً والمخططة عربياً. فهذا التنسيق يحقق إتساقاً في المعلومات الواردة إلى الإدارة الإسرائيلية ويؤدي إلى زيادة التماسك الداخلي حتى بين التيارات المختلفة.
4- إعتماد إسرائيل في إدارتها للأزمات الإستراتيجية على إستخدام القوة العسكرية بشكل ضاغط ولا تلجأ إلى إستخدام أدوات إدارة الأزمة بالأسلوب التوفيقي إلا في حالتين:
أ- عندما تكون في وضع أسوأ نسبياً من خصمها (كما حصل في أزمة 1973) وتفاهم نيسان 1996.
 ب- أو في مرحلة انتهاء الأزمة بعد أن تكون قد حققت أهدافها في الأزمة.
5- التأثير الواضح للبعد الدولي في الإدارة الإسرائيلية للأزمات الإسرائيلية مع الدول العربية فهو دائماً في صالح الإدارة الإسرائيلية وذلك لوجود الحليف الدولي القوي والمساند والمدعم لإسرائيل (أميركا) على العكس من البعد الإقليمي الذي هو اساس اختلاف الإدارة الإسرائيلية من أزمة لأخرى، فضعف العلاقات العربية – العربية، يجعل سرائيل تميل إلى افتعال أزمة ويساعدها على تحقيق أهدافها منها والعكس صحيح .

- 9 –النظريات الأميركية الجديدة في
إدارة الأزمات في نظام القطب الأوحد
إن إشكالية النخبة الفكرية والسياسية الأميركية (أو ما يسمون بالمحافظين الجدد)، تكمن في مسألة ضبط النظام العالمي الجديد بعد انهيار الإتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية، وهذه النخبة انقسمت إلى فريقين:
- فريق توقّع نهاية لأهم الأزمات الدولية ولا سيما لتلك التي تجمد في إطار الحرب البادرة.
- وفريق آخر سطع نجمه منذ الثلث الثاني من التسعينات وخصوصاً إثر تفاقم الأزمات في إفريقيا ويوغوسلافيا وآسيا الوسطى. إن المقالات التي صدرت بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وبين بدايات أزمة الخليج منتصف 1990 كانت بمعظمها تنبئ العالم بحتمية إنتقال المنافسة من الحقل السياسي – العسكري إلى الحقل الإقتصادي. ونذكر من هذا الفريق فرنسيس فوكوياما – وكتابه نهاية التاريخ – والذي أقرّ بأن انتصار الليبرالية على الشيوعية يعني نهاية التاريخ – ويقصد بذلك نهاية الصراعات والتناقضات والدخول في عصر من المنافسة السليمة.
لهذا السبب توقّع أنصار هذه النظرية بداية عصر جديد تسود فيه المنافسة الإقتصادية بين الدول. إلا أن أطروحة فوكوياما تضمنت نظرة حذرة إلى بلدان الجنوب (العالم الثالث). فهذه المجتمعات لم تتمكن قط من تجاوز النزاعات التقليدية السابقة على الليبرالية (كالنزاعات القومية والدينية والإثنية) والتي تحمل معها الصراعات العدوانية والتي نبذتها الليبرالية. لهذا السبب لم يستنتج فوكوياما أن انهيار الثنائية السوفياتية – الأميركية ستؤدي حتماً إلى توحيد العالم. بل ان نهاية الحرب الباردة ستؤدي إلى تقسيم العالم شطرين شطر المجتمعات ما بعد التاريخية Post-historical world وشطر المجتمعات التاريخية Historical world.
 كان في إمكاننا أن نتوقع الفصل بينهما، نظراً إلى طغيان قوة عالم ما بعد التاريخ وقدرته على الإنكفاء في كل المجالات، ونظراً إلى غياب قوة دولية مسيطرة فيه، إن لم تطرح مسألتان هما:
1- مسألة الثروات الطبيعية المتواجدة في الجنوب وخاصة النفط.
2- مسألة الهجرة القادمة من الجنوب والتي قد تزعزع مجتمعات الشمال، مما يضطرنا إلى التفكير في إشكالية ضبط مناطق الجنوب التي تتضمن الثروات الضرورية والتي قد تكون مصدراً للهجرة.
وفي الإتجاه نفسه تبلورت أطروحة من صميم مجلس الأمن القومي الأميركي، صاحبها المستشار السابق انطوني لايك Anthony Lake، الذي شارك فوكوياما في تفاؤله لكنه تجاوزه من خلال طرحه لمبدأ التوسع الديمقراطي وأطلق هذا المبدأ على خلفية نظرية مفادها أن انهيار الثنائية – مع انهيار القطب الثاني – أدى إلى إنتقال الصراع من الحقل السياسي – العسكري إلى الحقل الإقتصادي بين الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، وكثيراً ما نشأ على أنقاض النظام الإشتراكي السابق، لكن المشكلة في هذه الأخيرة تكمن في إستقرار المؤسسات الديمقراطية الذي لن يتحقق إن لم يتوافر الإستقرار الإقتصادي اللازم، وتقضي مهمة التوسع الديمقراطي بدعم هذه الأنظمة الناشئة من خلال توفير الدعم الإقتصادي وتكثيف الإستثمارات الدولية لها.
لقد أخذ التأمل في مسألة إدارة الأزمات السياسية الجديدة أبعاده النظرية كافة اعتباراً من حرب الخليج الثانية، إذ أدى خروج طرف محلي – العراق – عن قواعد اللعبة الدولية المألوفة إلى ظهور هاجس ضبط الفاعلين والدول التي تخرج على حقل النفوذ الأميركي – أو الغربي بعامة – وظهر الهاجس من الأطراف غير المضبوطين من قبل قوة عظمى قادرة على توضيح نمط تعاملها وعلى رسم حدود مصالحها. ونوجز الطرح الجديد هذا – بأطروحة بريجنسكي – الذي قال أن الولايات المتحدة هي آخر امبراطورية في التاريخ. والإشكالية الأساسية هي إشكالية ضبط المناطق المتأزمة في العالم حتى نتفادى أمرين هما الفوضى من جهة، ونشأة عملاق سياسي – استراتيجي جديد من جهة أخرى فالسؤال هو كيف يتم ضبط عالم يخرج بعضه على القواعد المألوفة والتي تفرضها الولايات المتحدة؟
 كان في مقدمة من طرح الإشكالية بدقتها أنصار الفكر الواقعي ومنهم (Waltz Wal) والتز والت، والذي قال:
- خلال الحرب الباردة، كانت الدول الصغيرة مضبوطة من خلال انتمائها إلى إحدى الكتلتين الدوليتين – ولهذا السبب كان النظام الثنائي هو أبعد ما يكون عن النظام الفوضوي.
- أما بعد انهيار الكتلة الإشتراكية، فقد أصبحت الدول الصغيرة طليقة الأيدي وتكمن المشكلة في كيفية ضبط هذه الدول.
وللإجابة على هذا السؤال، اختلفت الأطروحات، فانطوني لايك Anthony Lake الذي كان متفائلاً حول مصير النظام الدولي. اعتقد أن الدول التي تعتبر مصدر هذه الفوضى الجديدة أصبحت معدودة ومحصورة في المكان، والتي في نظره لا تحترم قواعد اللعبة الدولية وتقع غالبية هذه الدول – ما عدا كوبا وكوريا الشمالية – في العالم الإسلامي وتشمل العراق وإيران وليبيا والسودان. أما الحل لهذه الدول فهو بالإحتواء.
 ونعلم أن لايك هو صاحب فكرة الإحتواء المزدوج للعراق وإيران، ونذكر عدداً من العوامل المشجعة لذلك وهي:
1- أن الولايات المتحدة كانت تطبق هذه الفكرة على دولة عظمى قادرة على الإكتفاء إقتصادياً، في حين أن هذه دول صغيرة الحجم وتابعة إقتصادياً.
2- إن العراق وإيران عاجزان عن التحالف بسبب حربهما الطويلة.
3- إن العراق محاطاً بدول تخضع للنفوذ الأميركي ولن تخرق خطوط الفصل الأميركية.
وهو بحصره المسألة الأساسية في إشكالية الدول العاصية، لم يولِ أهمية للأزمات الأخرى الناتجة من انهيار الدولة.
لذا أشار بعض المنظرين أمثال ابرامز Abramz، إلى المخاطر الناجمة عن المجموعات الإرهابية الخارجة عن سيطرة الدول والناتجة من ضعف أو انهيار هذه الأخيرة، وإذ أثارت القضية الصومالية جدالاً بين المحافظين الذين رفعوا شعار "لا تمزجوا بين مصالح الولايات المتحة وأمانيها Do not confuse between US interests and US hopes" وبين أنصار التدخل الإنساني في الصومال، طرح السؤال الآتي: ما هي الحدود بين الفوضى الناتجة من انفجار الدولة والتي تبقى محصورة فيها، وبين تلك التي تنتج اثاراً دوليةً فتشكل خطراً على مصالح الولايات المتحدة؟ لكن هل من الممكن أن نحصر معالجة الأزمات السياسية من دون أن نؤسس هذه المعالجة في نظرية أشمل، تترك لمفهوم الأزمة مكانه المحوري؟ هل يمكننا أن نعالج مظاهر هذه الأزمات وأطرافها بأنها بقايا أو أوجه محصورة قابلة للزوال أن استخدمت الولايات المتحدة وسائل القوة اللازمة؟
 أما السؤال حول كيفية المصالحة الأميركية لتلك الأزمات السياسية. فالإجابة تكمن في اتجاهين:
1- الإتجاه الأول: هو الإتجاه النسقي (Systemic) والذي يطرح جانباً القضايا الإيديولوجية من أجل الإهتمام بموازين القوى الجيوسياسية.
وفي إطار هذا الإتجاه دعا البعض إلى رد الإعتبار إلى الجغرافيا السياسية والتي تحدد استراتيجية الدول انطلاقاً من موقعها الجغرافي ونذكر منهم (بريجنسكي) الذي طرح السؤال الآتي: كيف نضبط العالم حتى لا تستطيع أي دولة كبرى السيطرة على أوراسيا . وبيّن بريجنسكي أن على الولايات المتحدة أن تولي اهتماماً خاصاً بآسيا الوسطى بصفة كونها جزءاً اساسياً من قلب أوراسيا، وأميركا أصبحت قادرة على التقدّم إلى قلب أوراسيا بسبب انهيار الإتحاد السوفياتي. ثم أنه يحذر من امرين هما الفوضى من جهة ونشأة كتلة مسيطرة (سياسية استراتيجية) تجمع بين روسيا والصين وإيران وإن نشأت هذه الكتلة فإن نفوذ الولايات المتحدة معرّض للخطر.
أما إدارة الأزمات وفقاً لهذا الرأي فهو يجب أن ينصب في الحؤول دون تكتل القوى الكبرى والوسطى ذات التأثير على قلب أوراسيا واستيعاب كل واحدة منها على حده.
2- الإتجاه الثاني: يرد الأزمات إلى مفهوم "صدام الحضارات" وفقاً لنظرية (هانتنغتون). الذي ينطلق من الخلفية التالية: إن النزاعات الدولية مرت عبر ثلاثة أطوار:
أ‌- الطور الأول الذى انتهى مع الحرب العالمية الثانية وساد الصراع بين القوميات وتمثل في صراع النفوذ بين أهم الدول الأوروبية والاسيوية.
ب‌-  في الطور الثاني أصبح الصراع ايديولوجياً وكان بين طرفين: الليبرالية والماركسية.
ج- أما في الطور الثالث فالصراع سيصبح صراعاً بين الحضارات.
وبالنسبة إلى  هانتنغتون فإن الأديان تشكل العنصر الأساسي لتحديد هوية الحضارات، واستطراداً يقسم العالم إلى:
- حضارة غربية كاثوليكية – بروتستانتية تقف عند حدود أوروبا الشرقية.
- حضارة سلافية أرتوذكسية محورها روسيا.
- حضارة إسلامية تمتد من أندونيسيا إلى المغرب العربي.
- حضارة صينية.
- حضارة هندية.
- حضارة افريقية
- حضارة أميركية جنوبية.
أما الصدمات بين الكتل الحضارية فقد تصورها عام 1993 على الشكل التالي: إن الصراع هو صراع بين الغرب وبقية العالم، أما الكتلتين الأشد خطورة فهما الكتلة الإسلامية والكتلة الصينية ذات الوعي الحضاري القوي. لهذا السبب تكمن إدارة الأزمات في ما يأتي:
- توحيد صفوف الغرب ومعالجته للأزمات الدولية بصوت واحد.
- حصر وسائل القوة التقنية والعلمية بيد الغرب والحؤول دون انتقالها إلى الحضارات الأخرى.
- مكافحة الهجرة القادمة من الحضارات الأخرى.
- السعي لضبط لعبة الصراع داخل الحضارات الأخرى .
إن تصنيف العالم من منظار النزعة الأميركية ونظرياتها، يصطدم بواقع وهو:
- إن الحضارة لا تستطيع أن تكون طرفاً سياسياً.
- إن تعريف الإنتمائين الحضاري والثقافي ينطلق من التعريف الذي يعطيه المجتمع لنفسه ولهويته.
لهذا السبب، ستبقى نظريات الضبط هذه إما ناقصة أو خيالية من شأنها المضاعفة من العدوان على الشعوب.

- 10 –أزمة دارفور: إدارة للأزمة محلية برعاية إقليمية ودولية
المساحة والموقع والسكان:
 تبلغ مساحة دارفور 250 ألف كم2 ما يعادل 1/5 من مساحة السودان، وموقعها الجغرافي في غرب السودان يجعلها تقع على الحدود مع ثلاث دول هي: ليبيا، تشاد، وافريقيا الوسطى. ولقد كانت منطقة دارفور ولاية مستقلة عن السودان في الفترة من 1898 إلى العام 1916، حيث انضمت إلى السودان مرة أخرى.
 أما بالنسبة إلى السكان، فيبلغ تعدادهم حوالي ستة ملايين نسمة منقسمين إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: يضم القبائل الإفريقية وأهمها الفور والزغاوة والمساليت والبرتى والتاما
والبرحق والقلاتة.
القسم الثاني: يضم القبائل العربية وأهمها التعايشة وبنوهلبة والزريقات والمسيرية والمعاليا.
اسباب الأزمة:
 عرف إقليم درافور طوال تاريخه صراعات قبلية على المراعي والأراضي ومصادر المياه، وكانت تتم تسويتها عبر الأعراف وألأطر القبلية المحلية. ولكن نظام المحليات الجديد الذي أدخله نظام الرئيس السوداني جعفر النميري، وسعى لإلغاء النظام القبلي وحاول إجتذاب ولاء بعض رؤساء القبائل والمحليين، أوجد نوعاً من عدم الثقة بين بعض هذه القبائل والحكومة، حيث أصبحوا ينظرون إليها بوصفها طرفاً غير محايد في النزاعات المحلية.
 وقد ساهم الصراع بين الشمال والجنوب في السودان – والذي وصف بأنه أطول صراع في تاريخ افريقيا وتسبب بمقتل أكثر من مليوني شخص وأجبر أكثر من 4.5 مليون شخص على ترك منازلهم – في أضعاف الحكومة المركزية في الخرطوم، وبالتالي ازدياد معاناة إقليم دارفور من الإهمال والتهميش.
 بالإضافة إلى ذلك فقد كان للحرب الأهلية في تشاد ولتدخل ليبيا وتشاد الأثر السيء للأوضاع في دارفور. وأصبحت بالتالي مسرحاً خلفياً للقوى والصراعات الدائرة في تشاد. كما أصبح الحصول على الأسلحة سهلاً، حيث أغرقت المنطقة بالسلاح في محاولة لإحتواء الطموحات الليبية في تشاد مما أدى إلى إيجاد أرضية مناسبة لتفاقم النزاعات القبلية في الإقليم أدت إلى الوصول إلى الأوضاع الحالية من إقتتال وفوضى وأعمال عنف وحتى إبادة جماعية. كما عمدت الحكومات المركزية السابقة إلى تزويد بعض القبائل بالسلاح لتكوين ميليشيات محلية تهدف إلى منع الحركة الشعبية لتحرير السودان من مد نفوذها إلى غرب السودان، غير أن هذه القبائل استخدمت هذه الأسلحة فيما بعد في صراعها مع القبائل الأخرى في الإقليم. وقد أدى تفاقم النزاع إلى زيادة أهمية الهوية القبلية للأفراد. وحسب تقارير الأمم المتحدة، فقد أصبح التفريق بين العربي والإفريقي الذي كان عديم الأثر في السابق، سبباً في الوقوف على جانبين مختلفين من الصراع السياسي.
 وقد انفجرت الأزمة في دارفور منذ ظهور الحركات والتنظيمات المسلحة في عام 2003 مثل جبهة تحرير السودان وجناحها العسكري "جيش تحرير السودان" الذي يضم مجموعة كبيرة من الضباط السودانيين السابقين في الجيش السوداني. وينادي التنظيم بحكم ذاتي موسع وإعادة تقسيم السلطة والثروة وإعادة بناء السودان على أسس جديدة.
 وهناك أيضاً حركة العدالة والمساواة وهي تنظيم يتبنى رؤية ديمقراطية تعتمد على صوت واحد لشخص واحد، كما يدعو التنظيم إلى فصل الدين عن الدولة وبناء سودان جديد مدني فيدرالي وإتاحة دور أساسي للمهمشين. ولقد أعلنت الحركة عن عودة أنضمام الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية إليها في 3 تشرين الأول 2005، بعد أن انسلخت عنها سابقاً.
 ويقول الصادق المهدي رئيس وزراء السودان السابق في اسباب أزمة دارفور، أنه عندما جاء نظام البشير كان يرى أن دارفور منحازة لحزب الأمة، فأراد تغيير تركيبتها الإجتماعية وغيّرها لكي تنحاز له، فقام بإجراءات كثيرة خلقت فوضى في الإقليم، وكانت هناك مشاكل قديمة موجودة ما بين الرعاة والمزارعين مشاكل قبلية إعتيادية وطبيعية.
 وعن سؤال هل المشكلة داخلية أم خارجية؟ أجاب الصادق المهدي، نعم هي مشكلة في أصلها داخلية ولكنها صارت بعد ذلك متصلة بالمجتمع الدولي، فقد أصبحت متصلة بجهات خارجية بحيث أنه الآن لا يمكن الفصل بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية، المهم هو ضرورة عقد ملتقى جامع لمناقشة أجندة دارفور، وذلك بحضور جيراننا والأمم المتحدة والجامعة العربية والإتحاد الإفريقي كمراقبين لحسم هذه القضايا، وإلا فهي ماضية في الإفلات من السيطرة والحالة الإنسانية ماضية في التدهور، وسيؤدي هذا الموقف إذا لم يواجه بهذه الإجراءات العادلة إلى تدويل لقضية دارفور مثلما حدث في قضية كوسفو .
الأمم المتحدة وأزمة دارفور
 وصفت تقارير الأمم المتحدة التدابير التي اتخدذتها الحكومة السودانية لوقف القتال وحماية المدنيين بأنها يشوبها نقص كبير وغير فعاّلة إلى حد بعيد، وأنه بصرف النظر عن القتال الدائر بين المتمردين من جهة والحكومة والجنجويد من جهة أخرى، فإن أهم عنصر في الصراع هو الهجمات التي تعرض لها المدنيون وأدى إلى تدمير وحرق قرى بأكملها وتشريد مجموعات كبيرة من السكان المدنيين.
 ونظراً للإهتمام السياسي الدولي بأزمة دارفور فقد تزايد عدد عاملي منظمات الإغاثة الإنسانية في الإقليم من 228 في نيسان 2004 إلى 12.500 (محليين ودوليين) خلال عام واحد. وهناك 81 منظمة غير حكومية و 13 من منظمات الأمم المتحدة موجودة في الإقليم حالياً وقد نجحت هذه المنظمات في توصيل المعونات الغذائية إلى نحو 2.4 مليون شخص ولقد أدانت الأمم المتحدة الهجوم على اللاجئين في دارفور، كما استنكر الأمين العام للأمم المتحدة الهجمات على المدنيين وموظفي الإغاثة الإنسانية وبعثة الإتحاد الإفريقي والإعتداء على تشاد.
 كما سجل الإتحاد الإفريقي الذي له قوات لحفظ النظام في الإقليم، والذي يأخذ دوراً رائداً في المفاوضات السياسية، العديد من الإنتهاكات والأحداث من قبل الحركات المتمردة في منطقة الملم وشعيرية بالإضافة إلى المجازر في قريضة، وحرق القرى في دار سلام وأم قنطورة وجمالي وفركو وأم نزار وقرضاية ووحلة.
 وقد تعالت الأصوات المنادية بزيادة عدد قوات الإتحاد الإفريقي إلى أقصى حد متفق عليه وهو 7.731 جندي، علماً أن ثلثي تمويل القوات يوفرها الإتحاد الأوروبي. ولقد ساهم تراشق الإتهامات بين كل من الحكومة السودانية والحركات المتمردة في الوضع المأساوي في دارفور حيث تحاول كل جهة إلصاق التهمة والإنتهاكات والجرائم بالجهة الأخرى. كما ساهم ذلك التراشق بين الحكومة والمتمردين بالتلكؤ في الجلوس على مائدة التفاوض في وقت تصاعدت فيه الدعوة من أجل عقد مؤتمر جامع يمثل جميع أبناء دارفور.
القرار 1593 وأزمة دارفور
 جار القرار رقم 1593 الذي أصدره مجلس الأمن في 31 آذار 2006 بإحالة الملف الخاص بالوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، متوافقاً مع فلسفة وشعار المحكمة الجنائية الدولية وهو معاقبة مجرمي الحرب والمتهمين بجرائم الإبادة الجماعية وبالجريمة ضد الإنسانية. وقد نص القرار على إحالة الوضع في دارفور منذ 1 تموز 2002 إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية معتبراً في الوقت نفسه أن الحالة في السودان لا تزال تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. مشدداً على وجوب أن تتعاون حكومة السودان وجميع أطراف الصراع الأخرى في درافور تعاوناً كاملاً مع المحكمة والمدعي العام، وأن تقدم إليهما كل ما يلزم من مساعدة.
 وقد شملت القائمة التي أعدتها لجنة تقصي الحقائق التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى درافور 51 إسماً يشتبه بإرتكابهم جرائم حرب .
تسوية الأزمة:
 بعد ثلاث سنوات من النزاع في دارفور والذي اسفر عن مقتل 300 الف شخص وتهجير 2.4 مليون شخص بحسب تقديرات دولية، وافقت الحكومة السودانية والفصيل الأكبر بين ثلاثة فصائل متمردة في إقليم دارفور في 5 أيار 2006، في أبوجا (عاصمة نيجيريا) وبرعاية إقليمية (الإتحاد الإفريقي) ودولية (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي) على اتفاق السلام الذي اقترحه الإتحاد الإفريقي، غير أن الفصيلين المتمردين الآخرين رفضاه.
 ويهدف هذا الإتفاق إلى إنهاء النزاع والأزمة الإنسانية المستمرين منذ 3 سنوات، وعلى انضمام مقاتلي المتمردين إلى القوات المسلحة السودانية، وأن تنزع الحكومة سلاح ميليشيا الجنجويد العربية الموالية لها.
 وفي 8 أيار 2006 طلبت الولايات المتحدة من مجلس الأمن تسريع نشر قوات دولية في إقليم دارفور حماية للإتفاق الموقع في ابوجا ولتقديم مساعدات إنسانية للمدنيين كانت قد قدمتها الإدارة الأميركية وهي بقيمة 225 مليون دولار.
 وقد وافقت الحكومة السودانية بتاريخ 24 أيار 2006 على فكرة إرسال قوات دولية مكان قوات الإتحاد الإفريقي في دارفور وذلك بعد أن رفضتها سابقاً، بحجة أن الوضع قد اختلف الآن بعد اتفاق أبوجا وفقاً لوزير الخارجية السوداني (لام اكول) الذي قال: "يمكن الآن البحث في دور للأمم المتحدة وبالتحديد في إطار الترتيبات الأمنية". ووصف إتفاق أبوجا بالناقص بسبب إمتناع بعض الفصائل المسلحة في الإقليم عن توقيعه.
 ورغم أن أزمة دارفور منفصلة عن أزمة جنوب السودان إلا أنها مرتبطة بها بطريقة غير مباشرة كما أسلفنا سابقاً ربما من حيث إهمال الحكومة لجذود أزمة دارفور بسبب إنشغالها بحرب الجنوب وربما لعدم قدرة الحكومة على رد التدخل الخارجي التشادي أو الليبي ايام الحرب في منتصف الثمانينات. وعلى اية حال إن توقيع إتفاقية السلام بين متمردي الجنوب والحكومة السودانية في نيروبي في كانون الثاني 2005، والتي أنهت 21 عاماً من الحرب الأهلية، ساهمت بلا شك في إرساء ثقافة جديدة في السودان عنوانها المفاوضات مكان الإقتتال وأن المحاذثات كفيلة بتسوية أية مشاكل عالقة بين الأطراف ومثال على ذلك متابعة المحادثات وكان آخرها في حزيران 2006 بين رئيس السودان عمر البشير ونائبه بالفا كير الزعيم الجديد في جنوب السودان حول ثلاث مناطق (من بينها ايبي) مختلف عليها بين متمردي جنوب السودان والحكومة السودانية وهي مناطق تشكل حدوداً بين الشمال والجنوب وتعتبر منطقة ايبي غنية بالنفط وتشكل أحد العوائق الرئيسي أمام تطبيق اتفاقية السلام.  


                           ***************************************
 Dr. Kamal Hammad
Crisis Management
(Example of the American and Israeli crisis management)

This research topic defines the crisis as a critical turning point in the course of an event leading to an obvious amelioration or a serious decline, and is tied by old affinities that must be replaced by new engagements, and provokes quality and quantity changes in this event.

Conforming to the concept of crisis management, it has to be used in order to draw the best possible results in the interest of the crisis manager.
The research stresses on the different methods available to make a diagnostic of and analyze the crisis through three stages. The author believes that the exact diagnostic of crises is the key point to deal with these crises in order to avoid improvisation. He also uses different methods to carry out this kind of diagnostic.
The researcher considers that every decision maker, when dealing with a crisis, should be completely aware of the regulations when dealing with crisis.

He also suggests the stages to follow when dealing with a crisis, along with the principles and the crisis management centers and their relevant research topics, stressing finally on the Israeli crisis management example and the most recent American theories related to crisis management in a unique pole world.

 
                             ***************************************