منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

انعكاسات حرب روسيا على جغرافيا الطاقة الخليجية




  اعداد وحدة الرصد و التحليل بمركز الفكر (لمدونة دكتور هشام عوكل )

مع إعلان الحرب الروسية على أوكرانيا تجاوزت أسعار النفط مستويات قياسية، وهو ما وجه أنظار دول العالم نحو دول الخليج بوصفها أكبر مصدري الطاقة الأحفورية، لما يمكن أن تقوم به في حال توسع الاضطرابات في خطوط إمدادات الطاقة نتيجة استمرار العملية العسكرية الروسية.

يُشار إلى أن آخر مرة تجاوز فيها سعر برميل النفط الخام عتبة 100 دولار كانت في أكتوبر/تشرين الأول 2014، نتيجة العقوبات الدولية على إيران بسبب برنامجها النووي والتوترات الجيوسياسية في المنطقة العربية بعد ثورات الربيع العربي.

يحاول تقدير الموقف البحث في مواقف الدول الخليجية من الحرب الروسية على أوكرانيا، وأبعاد هذه الحرب على الطاقة الخليجية وخطوط إمداداتها حول العالم.

موقف دول الخليج من الحرب الروسية الأوكرانية
جاءت مواقف الدول الخليجية من الحرب الروسية متقاربة نوعاً ما في التأكيد على اتخاذ الطرق الدبلوماسية لحل الخلاف، وتفعيل الدبلوماسية الدولية لإزالة التوتر القائم بين روسيا وأوكرانيا.

من الملاحظ أن الدول الخليجية لم تتخذ مواقف قوية ضد روسيا كما كان الغرب يتوقع منها، بل اتجهت إلى تغليب التوازن في موقفها، والحيادية نوعاً ما في تصريحاتها تجاه الأزمة، وقد وصفت الصحافة الغربية هذه المواقف بالتحول الصادم لدول الخليج في علاقاتها مع الغرب، ولكن المتعقب للتحولات الخليجية في الفترة الأخيرة يُلاحظ أن دول الخليج بدأت تتحرك بخطوات متتابعة نحو الانفراد بسياساتها الخارجية، والتخفيف من درجة الاستجابة للتوجهات الغربية في تشكيل القرار الخليجي الخارجي، لا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت الابتعاد عن مصالحها في المنطقة العربية والتوجه شرقاً لمواجهة الصين، وهو ما أوجد وضعاً مغايراً بالنسبة إلى دول الخليج، وفرض عليها إيجاد قنوات جديدة لحماية وجودها واستقرارها، فظهرت الاتفاقيات الثنائية والجماعية للعواصم الخليجية مع عواصم دولية أخرى، ومنها- بلا شك- بكين وموسكو.






وقد أشارت تقارير صحفية إلى رفض الرياض طلباً أمريكياً بزيادة إنتاج النفط للحيلولة دون زيادة في ارتفاع أسعار النفط الخام، وبررت الرياض موقفها بالتزامها باتفاقية “أوبك – روسيا” المبرمة عام 2020.

موقف أبو ظبي لم يكن بعيداً عما صرحت به الرياض، فقد امتنعت الإمارات مرتين عن التصويت لصالح قرار أممي قدمته الولايات المتحدة يطالب روسيا بوقف عملياتها العسكرية في أوكرانيا، ولكن أبو ظبي غيرت موقفها وصوتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، يطالب روسيا بوقف حربها في أوكرانيا في 2 مارس/آذار 2022.

قطر التي احتضنت “القمة السادسة للدول المصدرة للغاز” في 22 فبراير/شباط، جاءت تصريحاتها الرسمية مؤكدة تغليب لغة السلام، ومصرحة باستحالة تعويض قطر لإمدادات الغاز الطبيعي المسال الروسي الموجّه إلى أوروبا خلال مدة قصيرة، نتيجة العقود طويلة الأجل المبرمة مع المستوردين. كذلك لم تقدم القمة أي وعود قطعية لقارة أوروبا بشأن زيادة كميات إنتاج الغاز، وهو ما يوحي بأن الموقف القطري يأخذ منحى المناورة السياسية مع الدول الغربية، خاصة أن قطر قررت زيادة خطط إنتاج الغاز بنسبة 40%؛ من 77 مليون طن سنوياً حالياً إلى 126 مليون طن بحلول 2027، وهو ما يعني قدرة قطر على تعويض القارة الأوروبية جزءاً لا بأس به من الغاز الروسي في حال الاستغناء عنه أوروبياً، لكن قطر فضلت استثمار الفترة الراهنة لتحقيق مكاسب سيادية في ظل التواصل الغربي المكثف معها بشأن إمدادات الغاز.

وقد جاءت مواقف الدول الخليجية الأخرى داعية إلى تفعيل الحوار والدبلوماسية لحل الأزمة في أقرب وقت، ومعربة أيضاً عن قلقها من تصاعد أعمال العنف وآثار الحرب الروسية على المدنيين العزل.

ويمكن إجمال المواقف الخليجية بأنها التزمت الحيادية، وانتهجت سياسة خارجية أكثر استقلالية عن مراهنات الولايات المتحدة والغرب، بهدف التأكيد على حرصها على استقرار مصالحها، ومن ثم لم تتخذ أي موقف صريح إلى حين معرفة من هو الطرف الدولي الذي سيمنح مصالح الخليج نقاطاً تمييزية عليا.

وربما تشير المواقف الخليجية أيضاً إلى إظهار دول الخليج لقدرتها ووسائلها في التأثير العالمي، وضرورة عدم تجاوز الغرب هذه الحقيقة، خاصة أن الدول الغربية لم تقم بما يلزم في الفترة الماضية بما يضمن لدول الخليج مصالحها الأمنية والجيوسياسية.

معادلة الربح والخسارة لطاقة دول الخليج نتيجة الحرب الروسية
مع بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا استقر سعر برميل النفط الخام على حوالي 100 دولار، وذلك قبل ارتفاع وصل إلى حوالي 130 دولاراً تقريباً، وهو ما يعود إيجابياً على ميزانيات دول الخليج المصدرة للنفط، “إذ تشير تقديرات بنك (HSBC) أن كل زيادة في سعر النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل تضيف 65 مليار دولار إلى عائدات تصدير النفط لدول مجلس التعاون الخليجي”.

وبالفعل، ارتفع سهم شركة (أرمكو) في أول يوم من حرب روسيا على أوكرانيا بحوالي 4.2%ليصل إلى مستوى قياسي يقارب 11.26 دولاراً، وهو ما يعزز التقديرات الاقتصادية بإمكانية استفادة دول الخليج من الزيادة “الاستثنائية” في حال قررت زيادة الإنتاج بناءً على الطلب العالمي للطاقة، وإنعاش موازناتها بالدخل الأجنبي وتعويض خسائرها الفائتة خلال العامين الماضيين بسبب أزمة كورونا.

إلا أن الحسابات الخليجية لا تتم بصورة الاستفادة اللحظية من الأحداث الدولية، فالتردد الخليجي واضح في مسألة زيادة الإنتاج المرتبط باتفاقيات “أوبك +” المتحكمة في كميات الإنتاج لتحقيق الاستقرار في السوق النفطية، لذلك، لم تبدِ عواصم الدول الخليجية أي نية لزيادة الإنتاج، خاصة أن العقوبات الغربية لم تشمل قطاع الغاز الروسي، على الرغم من فرضها على جزء كبير من القطاعات المالية الروسية، وهو ما معناه عدم رغبة الغرب في المراهنة على مصادر الطاقة الخاصة بها، ومن ثم لا تريد الدول الخليجية أن تدخل مغامرات اقتصادية تنعكس عليها سلباً، وربما تهدد استقرار كميات الإنتاج الخاصة بها.

تبدو دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، أكثر صرامة في مسألة استقرار السوق النفطية، فاتفاق “أوبك +” جاء بعد معاناة شديدة وصدام طويل بين الرياض وموسكو أثر سلباً في توازن أسعار النفط في السوق العالمية، وذلك نتيجة عدم توافق أطراف أوبك على نسب خفض كميات النفط في السوق العالمية بعد أزمة جائحة كورونا وهبوط أسعاره إلى ما دون 25 دولاراً للبرميل الواحد.

على رأس مستوردي النفط الخليجي كانت الولايات المتحدة، التي حذرت السعودية قبل اتفاق أوبك + (المبرم في أبريل/نيسان 2020)، من أن مجال التعاون العسكري والاقتصادي سيكون معرضاً للخطر إذا لم تتوصل مع روسيا إلى قرار خفض كميات النفط. ثم عاودت التحذير مجدداً، أواخر عام 2021، للدول المنتجة للنفط من إعاقة الانتعاش الاقتصادي العالمي، لعدم تفاعلها مع الطلب الأمريكي بشأن زيادة كميات النفط اللازمة للسوق.

فعلى الرغم من أنه من الطبيعي تفاعل مصدري الطاقة مع مطالب مستهلكيها، فإن التفاعل المستمر دون الخطط المدروسة ربما يضر بالمصالح القومية الاقتصادية للمصدرين، نتيجة اضطراب سوق النفط المتفاعلة مع مطالب زيادة الكميات أو خفضها. لذلك، ربما فضلت دول الخليج الحفاظ على مصالحها القومية، وجعل اتفاق “أوبك +” في طليعة اهتماماتها حتى لا ينهار الاتفاق في حال ما اتُّخذت مواقف مناهضة لروسيا من تحركها العسكري الأخير ضد أوكرانيا.

من جهة أخرى، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط الجنوني، في حال ما تقرر الحظر الغربي على النفط الروسي، أو انسحبت روسيا من اتفاق “أوبك +”، إلى التسويق للطاقة البديلة، وهو ما قد يضر بأمن الطاقة الخليجية، لكونه يمس مصلحة الدول الخليجية في بقاء مصادر الطاقة الأحفورية في الواجهة العالمية.

إضافة إلى التعامل الخليجي مع مصالحها أولاً، الذي أصبحت معالمه واضحة من خلال موقفها من الحرب الروسية على أوكرانيا، ظهرت الحصافة السياسية لدول الخليج الممثلة في استغلال أوراقها الاقتصادية لتحقيق مآرب سياسية وأخرى أمنية. فالامتناع الإماراتي عن التصويت لقرار مجلس الأمن ومن ثم لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة روسيا لم يأت إلا لإظهار أن الموقف الإماراتي منفتح على الجميع، ومصالح الإمارات تأتي متقدمة على الانخراط في موضوعات لا تستوعب طموحاتها وأمنها العام.

وبالمثل يمكن تحليل الموقف السعودي الإماراتي من زيارة جونسون، رئيس وزراء بريطانيا، إلى السعودية والإمارات في أولى جولاته الدبلوماسية خارج القارة الأوروبية منتصف الشهر الجاري، عن كونه مراهنات سياسية لتحقيق أغراض سيادية وجوهرية لتلك الدول.

جاءت هذه الزيارة ربما ليؤكد الغرب أهمية الإبقاء على قنوات العلاقات مع دول الخليج محافظة على نسقها ومجالها العام. وعلى الرغم من أن الجولة لم تحقق أهدافها الرئيسية المتمثلة في حث الدول المنتجة للنفط على المساعدة في خفض الأسعار والضغط على روسيا دبلوماسياً، فإنها ربما تشكل نقطة لإعادة تموضع التقارب الخليجي الغربي بما يؤكد الاعتراف الغربي بأهمية العمل المشترك مع دول الخليج وتقديم الغرب للضمانات اللازمة لأمن الخليج ومصالح دوله الاستراتيجية.

يمكن القول إجمالاً، إن ملف الطاقة الخليجية يأتي ضمن عدة ملفات استراتيجية تراهن عليها دول الخليج في علاقاتها الخارجية، ومن ثم فمن المرجح أن التحرك الخليجي لن يأتي إلا منسجماً مع بقية مصالحها الاستراتيجية، لا سيما مع وجود عدد من النكسات في العلاقات الخليجية الغربية، خاصة الأمريكية منها، مثل قضية التقارب مع إيران وحظر بيع الأسلحة وغيرها من القضايا.

انعكاسات الحرب الروسية على الطاقة الخليجية
كان لقرار الحرب الذي اتخذته روسيا ضد أوكرانيا أبعاد متسارعة على النظام العالمي بمختلف مستوياته؛ السياسية والاقتصادية والأمنية. فقد أظهر الهجوم مدى هشاشة النظام الدولي، وغياب الموقف الموحد ضد الأعمال العسكرية التي تقوم بها روسيا، فضلاً عن تذبذب الدول في فرض العقوبات الاقتصادية من حيث الحجم والنطاق.

الدول الخليجية لم تكن بمنأى عن تلك الضبابية الدولية، وهو ما فرض عليها حالة الترقب وعدم اليقين مما ستؤول إليه الأوضاع، لا سيما تلك المرتبطة بمصادر الطاقة الدولية وخطوط إمدادها. ويمكن ذكر أهم الأبعاد المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا في مسألة الطاقة الخليجية فيما يأتي:

الانعكاسات على أمن الطاقة الخليجية
تتشارك دول الخليج مع روسيا وعدد من الدول الأخرى مسألة إدارة سوق النفط العالمية، دون أن يعني ذلك عدم وجود تنافس بين تلك الدول في مسألة تحقيق الربح من تجارتها النفطية. فلا يخفى عن المشاهد خلافات أوبك المستمرة بشأن كمية الإنتاج المقررة، وكم يحق لكل دولة أن تنتج لأجل تحقيق غايتها الاقتصادية في الاستثمار النفطي.

ولما كان أمن الطاقة في الخليج يستند إلى مفهوم أمن الطلب؛ وهو استمرار التصدير إلى السوق الدولية وبأسعار مناسبة، فمن المرجح أن تستمر السياسة الخليجية المعلنة في تحييد موقفها عن أطراف الصراع، لما سيمنحها ذلك من حرية توسيع علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية.

كذلك، قد تسهم الحرب الروسية على أوكرانيا بطريقة ما في زيادة الإخلال بأمن الطاقة الخاص بدول الخليج، فالمنافسة الروسية لن تكون مثلما كانت في السابق، وربما ترتفع العروض الروسية بزيادة كميات الإنتاج مع حال العقوبات المفروضة على قطاعات ضخمة من اقتصادها، ورغبة موسكو في تعويض تلك الخسارة بزيادة كميات الإنتاج.

الانعكاسات على تدعيم خطط التحول إلى ما بعد النفط
أظهرت الحرب الروسية حجم الحاجة العالمية إلى الموارد النفطية، والتي ربما أظهرت عجز الطموحات الغربية المتمثلة في الطاقة الخضراء والاعتماد العالمي عليها في الفترة الحالية. فبمجرد وقوع الحرب ارتفعت الدعوات الدولية إلى تحييد موضوع الطاقة عن الصراع.

هذا التوجه العالمي ربما يفرض على دول الخليج إعادة دراسة جدوى خطط التحول إلى مرحلة ما بعد النفط، أو على الأقل التخفيف من سرعة تلك الخطط، وذلك لما أظهره النظام العالمي، لا سيما دوله الصناعية، من اعتماد لامتناهٍ على مصادر الطاقة الأحفورية.

الانعكاسات على خطوط الإمداد الخليجية ومنافذ تصدير النفط
تعد خطوط الإمداد أحد أوجه التنافس بين الدول الخليجية وروسيا وذلك لما لها من دور أساسي في نقل كميات كبيرة من الطاقة بتدفق مباشر من المصدر إلى المستهلك مباشرة. وعلى الرغم من كون روسيا الدولة الرائدة في خطوط الإمداد العالمية للطاقة، فإن حربها على أوكرانيا أضرت بمشاريع خطوط إمدادها كثيراً، ولعل إيقاف التصديق على مشروع “نورث ستريم 2” بين روسيا وألمانيا خير دليل على ذلك.

وقد تؤدي الحرب على المدى الطويل إلى زيادة المطالب على السياسيين الغربيين بتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، والاتجاه إلى مصدري طاقة بديلين عنها، وهذا يمكن أن يُترجم إلى فرص مستقبلية للدول الخليجية بالاستثمار في خطوط الإمداد النفطية عوضاً عن روسيا، لا سيما إذا توصلت دول الخليج مع الدول الغربية إلى تفاهمات جدية بشأن ضمان مصالح الخليج الأمنية والسياسية.

إلا أن هذه الفرص الاستثمارية تتوقف على مدة الحرب وآثارها على الاقتصاد العالمي، فطول المدة قد يؤدي إلى انهيار عالمي، ومن ثم يضعف الطلب على النفط، أو على الأقل تجعل الخطط الخليجية بشأن مستقبل صادرات النفط وتطوير مجاله في حالة ضبابية مؤقتة.

الخاتمة
على الرغم من المؤشرات الإيجابية نسبياً لسوق الطاقة الخليجية نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، فإن ذلك لا يعني أن الأنباء الجيدة سوف تستمر وقتاً أطول مما هي عليه الآن، فلا أحد يعلم إلى متى بقاء الأسعار مرتفعة، فضلاً عن آثار الحرب الروسية الوخيمة على الاقتصاد العالمي، لا سيما مع رزمة العقوبات الأوروبية وحملات المقاطعة الاقتصادية هنا وهناك، وهو ما يعني احتمالية انخفاض نمو الاقتصاد العالمي، وربما يتبعه انخفاض في حجم الطلب على النفط على المدى المتوسط.

الدول الخليجية تعيش مرحلة مغايرة نوعاً ما من حيث مكتسباتها الاستراتيجية، فعلاقاتها الخارجية امتدت إلى معسكرات جديدة، واستثمرت بكثافة تحالفاتها مع الصين وروسيا لتوسيع مصادر الأمن والطاقة والاستثمار الاقتصادي، فضلاً عن استشعار الجانب الغربي لأهمية الدول الخليجية في المجال الدولي واستقرار أسواقه العالمية.

فهل يؤدي استمرار الصراع بين الغرب وروسيا إلى تدعيم الموقف الخليجي بالتوجه شرقاً، لا سيما مع عدم تقديم الغرب أي مقابل للمصالح الخليجية، أو اتجاهه إلى خفض العقوبات على إيران واستيراد النفط والغاز منها وتفعيل العلاقات الدبلوماسية معها؟ أم أن الحرب الحالية ستفرض على الدول الخليجية أن تعيد النظر في حساباتها الخارجية مع معسكر الشرق، خاصة إذا ما توجه الموقف الغربي إلى قطع الصلة تماماً بروسيا وحلفائها، وإمكانية استغلال دول الخليج ذلك في سد الفجوة الروسية مقابل منافع متبادلة مع العالم الغربي؟
منشور

يمكن التمييز من بين الدراسات المؤسسة لحقل العلاقات المدنية العسكرية، بين موقفين مختلفين:



طيبي غماري

طيبي غماري

عميد سابق لكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة معسكر استاذ بجامعة عين تموشنت - الجزائر





أولاً : موقف النظرية السياسية
لصاحبها صاموئيل هنتنغتون، الذي نلخصه في تصوره لهيمنة العسكري على المدني، وتورط العسكري في النشاط السياسي للدولة، بوصف ذلك انحرافاً في تسيير العلاقات بين المدنيين والعسكريين، انحرافاً يعزوه إلى ضعف احترافية العسكر، أي إنه- حسب هنتنغتون- عندما تضعف احترافية العسكر فإنهم يميلون إلى تجاوز صلاحياتهم الأمنية والدفاعية، ليتقمصوا دور رجل السياسة المسلح، ومن ثم يمكن- حسب رأيه- معالجة هذا الانحراف عن طريق تدريب الجيش على الاحترافية.
تمثل هذه الرؤية رؤية وظيفية ميكانيكية، تحدد مكمن الخلل وتقترح سبل تجاوزه، لكن الفعل الإنساني والاجتماعي، ومن ذلك العلاقات المدنية العسكرية، قد يخضع لضغوط وظروف مستجدة، تفقد الاحترافية قيمتها، وهذا يفرض البحث عن رؤية أكثر تناسباً مع تطور العلاقات المدنية العسكرية بوصفها ظاهرة إنسانية واجتماعية معقدة.
من جهة أخرى يبدو موقف هنتنغتون اختزالياً، إذ إنه يرى في غياب الاحترافية سبباً وحيداً لهذا التدخل، نافياً بذلك التاريخ المعقد الذي تشكلت فيه الدولة والمؤسسات السياسية، حيث ينظر هنتنغتون إلى الدولة على أنها بناء جاهز، في حين أنه في حالة كثير من الدول لا تزال الدولة قيد التشكل والبناء، ولذا فلا مجال للحديث عن الاحترافية في وضع مؤقت كالذي تعيشه الدول التي تكون في طور البناء.

ثانياً: موقف النظرية السوسيولوجية
ورائدها موريس جانويتز، التي لا تنظر إلى تسييس العسكر على أنه انحراف، بل تعده حالة طبيعية، فالجندي غير المسيس بالنسبة لها هو مرتزق وليس جندياً، ومن ثم تنطلق هذه النظرية من استحالة الفصل بين العسكري والسياسي عملياً، وعليه يصبح مطلب النظرية السياسية مطلباً خيالياً وطوباوياً، غير قابل للتحقق المثالي في أرض الواقع، ومن ثم يصبح التساؤل- حسب جانويتز- ليس كيف نبعد العسكري عن السياسة؟ وإنما كيف نجعل العسكري متشبعاً بالروح السياسية الوطنية وفي نفس الوقت يحترم حدود وظيفته المتمثلة في الدفاع عن هذه الوطنية، ولا يتدخل في العمل السياسي إلا بما يزيد من حماية الوطن والوطنية؟ وهنا يقترح جانويتز تكويناً بيداغوجياً شاملاً، لا يكتفي بتدريب العسكر في الثكنات على الاحترافية، كما يعتقد هنتنغتون، وإنما يشمل كل المجتمع وفي كل المراحل، حتى يتشبع المواطن، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، بروح الانضباط والالتزام بالحدود التي تفرضها السلطة المدنية على مهام ووظائف العسكر.

ثالثاً: وهذا هو موقفي الخاص من هذه المسألة
والذي أعده أكثر تلاؤماً مع الخصوصية العربية على وجه التحديد، فإلى حد ما أنا أميل إلى طرح النظرية السوسيولوجية، ولكنني أرى أنها ظلت على المستوى العملي تقريباً في نفس مستوى الضعف الذي ميز النظرية السياسية، ومن ثم وجب التفكير في تعديل سريع، وفي نفس الوقت عميق، لتتمكن هذه النظرية من الاستجابة لإشكالية العلاقات العسكرية المدنية بشكل أكثر توازناً وإقناعاً، خاصة بالنسبة للحالة العربية.
أنا أتفق مع جانويتز في كون مشاركة الجيش في الفعل السياسي مسألة طبيعية، ولا يمكن الوصول إلى حالة العزل المطلق للجيش عن السياسة، وأختلف معه في مسألة مهمة، وربما هذه هي الإضافة التي أريد أن أقدمها في معالجة هذه الإشكالية، وهي أن النظر إلى إشكالية العلاقات المدنية العسكرية يجب ألا يكون على أساس الوصول إلى حالة الفصل المثالي بين المدني والعسكري، وإنما يجب أن يكون على أساس وعي وإدراك وجود كل من المدني والعسكري كمتغيرين أساسيين في علاقة واحدة مشتركة غير قابلة للفصل، وهو ما يحوِّل هذه العلاقة إلى معادلة، سنسميها هنا بمعادلة توازن القوة. إذن العلاقات العسكرية المدنية في نظري هي في النهاية “معادلة توازن قوة” بين العسكري والمدني، فعندما يكون المدني قوياً بما يكفي يهمين على العسكري، مهما كانت القوة المادية التي بحوزته، وعندما يكون المدني ضعيفاً فإنه يخضع للهيمنة العسكرية حتى وإن لم تكن القوة المادية للعسكر كبيرة. وعليه تجسد هذه المعادلة العلاقة العسكرية المدنية، وتضبط بدقة ووضوح علاقة العسكر بالسياسة، وتفسر لنا كيف أنه في كل دول العالم، حتى في تلك التي تقدس الديمقراطية، هناك دائماً صراع خفي ومستمر بين منطقين؛ منطق عسكرة المدني، ومنطق تمدين العسكر، علماً أن هذين المنطقين يمكن أن يتجسدا في واقع الدول من خلال واحدة من العلاقات الأربع التالية:

1ـ علاقة المدني الذي يرغب في أن يكون له مجموعة من الجنرالات الذين يحمون القانون والدستور والشعب؛ (فينشأ نظام مدني).
2- في مقابل علاقة المدني الذي يرغب في أن يكون له مجموعة من الجنرالات الذين يحمون شخصه وسلطته؛ (فينشأ نظام شمولي).
3- وعلاقة الجنرالات الذين يريدون أن يكون لهم رئيس يحمي القانون والدستور والشعب؛ (فينشأ نظام مدني تحت وصاية عسكرية).
4- في مقابل علاقة الجنرالات الذين يريدون أن يكون لهم رئيس يحمي مصالحهم وامتيازاتهم؛ (فينشأ نظام عسكري).
ولهذا لا يمكننا الحديث عن فصل مطلق بين العسكري والسياسة، ومن ثم تعد العلاقات العسكرية المدنية، كحالة مناورة دائمة، نوعاً من الحرب المزمنة، يجري التنافس فيها على غزو “قوة إضافية” تمنح سلطة جديدة، فيحاول كل طرف إخضاع الطرف الآخر، وتبقى حالات تفوق هذا الطرف أو ذاك مرتبطة بمقدار القوة التي يحوزها في نهاية كل معركة.
وهذا ما يقودنا إلى نتيجة مهمة، وهي أنه ليس هناك حل نهائي أو سحري لإشكالية العلاقات العسكرية والمدنية في أي نظام، سواء كان ديمقراطياً ديمقراطية حقيقية أو شكلية، وهذا ما يفسر إقرارنا بأن تدخل العسكر في السياسة موجود في كل الحالات، وفي كل الأنظمة، ولكن بطرق وأشكال مختلفة، تتغير بحسب تغير موازين القوة بين الطرفين، فتختلف نسب التدخل، واختلاف هذه النسبة لا يتحدد باحترافية الجيش كما يرى هنتنغتون، ولا بالتكوين البيداغوجي الشامل للمجتمع كما يرى جانويتز، وإنما بمدى امتلاك المدني لعوامل القوة التي تمكنه من مواجهة قوة العسكر وسطوتهم.
إذن تتلخص الإضافة التي أقدمها في هذا الحقل في أنني أعتبر أن الصراع بين المدني والعسكري هو صراع مزمن ولا سبيل للتفكير في كيفية وقفه، وإنما يجب التفكير في كيفيات حسمه (الصراع) لمصلحة المدني، ومن هنا فإن موقفي يختلف عن موقف هنتنغتون وجانويتز في أنهما كانا يعتبران أن معالجة إشكالية تدخل العسكر في السياسة يجب أن تنطلق من العسكر، في حين أني أرى أنه يجب أن تنطلق وفي نفس الوقت من العسكر، باعتماد التدريب على الاحترافية، والتكوين البيداغوجي على المواطنة، ومن المدنيين بمساعدتهم على الوصول إلى مصادر القوة الكافية، التي تسمح لهم بمواجهة احتمالات التسلط العسكري عليهم.

إذن كيف يمكن لمن يملك القوة أن يَخْضَعَ لمن لا يملكها؟
وفق التصور الذي أسسته على ما أسميته بمعادلة توازن القوة بين المدني والعسكري، فالمسألة ليست مسألة السماح للجيش بممارسة السياسة من عدمها، وإنما المسألة مسألة قوة، وكيف نجعل هذه القوة قادرة على ضبط الفعل السياسي لدى العسكري، وجعله في خدمة الوطن، فعندما يكون المدنيون أقوياء يمكنهم فرض سلطتهم على الجميع، ومن ضمنهم الجيش، وعندما يكون العسكريون أقوياء فإنهم سيستمرون في نشر قواتهم ليحتلوا السلطة المدنية، وفي كل الحالات، ومهما كان وضع المدني والعسكري في هذه المعادلة فإنه سيستمر في المناورة من أجل ضبط وتعديل ميزان القوة لمصلحته. ومن هنا يصبح الحسم النهائي غير ممكن في العلاقات العسكرية المدنية، فالتناسب بين القوة المدنية والقوة العسكرية، لا يعرف شكلاً خطياً ثابتاً، بل إنه يتغير باستمرار، وقد ينقلب من الضد إلى الضد، بحسب تغير موازين القوة بين الطرفين.
من هنا، تبقى إشكالية العلاقات العسكرية المدنية في الدول النامية، وفي الحالة العربية على وجه الخصوص، مسألة ميل ميزان القوة لمصلحة العسكر، في مقابل ضعف أو إضعاف مستمر للمدنيين، ومن ثم فالسؤال المطروح ليس: كيف نجعل الدولة مدنية؟ ولا: كيف نعزل الجيش عن السياسة؟ بل السؤال المطروح هو: كيف يصبح المدنيون أقوياء بالشكل الذي يعطيهم السلطة للتحكم في العسكر؟
بهذا تتغير صيغة السؤال من: كيف نجعل العسكري طائعاً خاضعاً للمدني، إلى: كيف نجعل المدني قوياً بما يسمح له بالتحكم في العسكري؟ وهنا لن تكون الإجابة بالسهولة التي قدمتها النظرية السياسية، أو النظرية السوسيولوجية، لأن التاريخ يبين لنا أن الدول التي تمكنت من ضمان توازن معادلة القوة لمصلحة المدنيين، هي الدول المتطورة، بمعنى أن مسألة قوة المدنيين في مقابل العسكريين، ليست مسألة وصفة جاهزة نقدمها للمعارضة السياسية المدنية، في أي مكان وفي أي مجتمع، فتنفذها وتُخضع العسكريين لسلطتها، بل هي مسألة تطور شامل للمجتمع، علماً أن هذا التطور يبدأ بالمجال الاقتصادي، ليشمل فيما بعد كل المجالات الاجتماعية الأخرى.
فعندما نتابع التطور الحاصل في الغرب سنلاحظ أن وصول هذه الدول إلى هذا المستوى من توازن القوة بين العسكري والمدني، ووصول المدنيين إلى هذا المستوى من القوة، مر عبر كثير من التحولات الاجتماعية التي تمت عبر ثورات اقتصادية وسياسية وثقافية شاملة غيرت المجتمعات الغربية رأساً على عقب، طوال القرون الثلاثة الماضية.
يجب التأكيد هنا أن قوة العسكر هي قوة مادية، يمكن أن تحسن باقتناء وتجديد العتاد وانتقاء الموارد البشرية وتقوية التدريب، أما القوة المدنية فهي قوة رمزية، تتأسس على مشروعية الوصول إلى السلطة، علماً أن هذا الهدف هو النتيجة النهائية لمسار تطوري وتنموي هائل للمجتمع ككل، مسار ينطلق من الاقتصاد وينتهي بالسياسة مروراً بالثقافة. يمنح تطور الاقتصاد الحر الاستقلالية للمجتمع بحيث لا يبقى تحت رحمة أية جهة كانت، فعندما يتحرر المجتمع اقتصادياً، يمكن أن يتحرر سياسياً، ومن ثم يمكن أن يحقق قيم الشرعية في تقاسم السلطة، وهو ما يمنحه القوة التي تسمح له بالتحكم في القوة المادية للعسكر ولغيرهم. يسمح لنا هذا الطرح بفهم جنوح العديد من الجيوش في العالم اليوم نحو الانخراط في المجال الاقتصادي، فالجيوش التي تتبع هذا النهج يمكن أن تُعد جيوشاً مدركة لصلب المشكلة، لأنه باقتحامها عالم الاقتصاد والنجاح فيه تغلق اللعبة نهائياً، وتمنع المدنيين من الوصول إلى أهم مصادر القوة، أو على الأقل تنافسهم عليها، بحيث لا يحقق المدنيون استقلاليتهم، فيثبتون في وضع الزبونية، الذي يتكرم به العسكر عليهم.
تقودنا هذه الملاحظة التي نُصرُّ من خلالها على ربط قوة المدنيين بقوة المجتمع ككل، إلى تقرير مهم، وهو أن المجتمعات المتخلفة عموماً، والدول الريعية خصوصاً، لا يمكنها أن تحقق أي توازن للقوة لمصلحة المدنيين على المديين القريب والمتوسط على الأقل؛ وهذا لأن الدول المتخلفة والريعية تعاني تخلفاً اقتصادياً رهيباً يرهن كل المستويات الأخرى، السياسية والاجتماعية والثقافية، ومن ثم يبقى المدنيون دائماً في مستوى أدنى من حيث القوة، بالمقارنة مع العسكر، ولذا سيبقون عقوداً أخرى تحت هيمنتهم.
منشور

ماذا يعني الدفاع عن أوروبا؟

ماذا يعني الدفاع عن أوروبا؟
إنهاء السياسات الاستعمارية والكفاح من أجل تكريس قيم الحرية والديمقراطية في كل مكان يشكلان الطريقة الوحيدة للدفاع عن أوروبا. تعليق الفيلسوف المعروف سلافوي جيجيك.
share
tweet
+1
Tooltip
بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، أعلنت الحكومة السلوفينية على الفور استعدادها لاستقبال آلاف اللاجئين الأوكرانيين. وكمواطن سلوفيني، لم أشعر بالفخر فحسب، بل بالخجل أيضًا.

فعلى أي حال، عندما سقطت أفغانستان في أيدي طالبان قبل ستة أشهر، رفضت هذه الحكومة نفسها قبول اللاجئين الأفغان، بحجة أنه ينبغي عليهم البقاء في بلدهم والقتال. وقبل شهرين، عندما حاول آلاف اللاجئين، معظمهم من الأكراد العراقيين، دخول بولندا من بيلاروسيا، عرضت الحكومة السلوفينية على بولندا مساعدة عسكرية لدعم جهودها الدنيئة لإبعادهم، مدعية أن أوروبا تتعرض للهجوم.

وفي جميع أنحاء المنطقة، ظهر نوعان من اللاجئين. وأوضحت الحكومة السلوفينية الفرق بينهما في تغريدة نشرتها في 25 شباط/فبراير 2022 وتقول فيها: "يأتي اللاجئون الأوكرانيون من بيئة تختلف تمامًا في معناها الثقافي والديني والتاريخي عن البيئة التي يأتي منها اللاجئون من أفغانستان". وبعد انتقادات واسعة، سرعان ما حُذفت التغريدة؛ لكن الحقيقة البذيئة انكشفت، وهي أن أوروبا يجب أن تدافع عن نفسها من كل ما ليس أوروبيا.

إيفان إيلين دعا إلى اعتماد نسخة روسية من الفاشية. Ivan Ilyin, Putin's lodestar and proponent of a Russian brand of facism (photo: public domain, Commons Wikimedia)
أين تكمن مشكلة الفاشية؟ من الأفضل أن يوجه هذا السؤال إلى روسيا بقيادة بوتين. إن مصدر الإلهام الفكري لبوتين الفكري هو إيفان إيلين، الذي أعيد طبع أعماله وقدمت لأعضاء الدولة والمجندين العسكريين. إذ بعد طرده من الاتحاد السوفييتي في أوائل عشرينيات القرن الماضي، دعا إيلين إلى اعتماد نسخة روسية من الفاشية: الدولة كمجتمع عضوي يقوده الملك الأب، حيث تعرف الحرية مكانة المرء. والغرض من التصويت لإيليين (وبوتين) هو التعبير عن الدعم الجماعي للقائد، وليس إضفاء الشرعية عليه أو اختياره.
وسيكون لهذا النهج تأثير كارثي على أوروبا في الصراع العالمي المستمر من أجل النفوذ الجيوسياسي.

إذ تقوم وسائل الإعلام والنخب المحلية بتأطير الصراع على أنه صراع بين المجال "الليبرالي" الغربي والمجال "الأوراسي" الروسي، متجاهلين مجموعة تضم عددا أكبر من البلدان، بما في ذلك أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، التي تراقبنا عن كثب.

اعداد مدونة ادارة الازمات والعلاقات الدولية (باشراف دكتور هشام عوكل )عن موقع قنطرة 


وحتى الصين ليست مستعدة لتقديم الدعم الكامل لروسيا، رغم أن لديها خططها الخاصة. إذ في رسالة وجهها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، بعد يوم من غزو روسيا لأوكرانيا، قال الرئيس الصيني إن بلاده مستعدة للعمل على تطوير علاقات الصداقة والتعاون بين الصين وكوريا الديمقراطية "في ظل الوضع الجديد". وهناك خوف من أن الصين سوف تستخدم "الوضع الجديد" من أجل "تحرير" تايوان.

تطرف بوتين
وما يجب أن يقلقنا الآن هو أن التطرف الذي نراه، وبصورة أوضح في سياسة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ليس مجرد خطاب بلاغي. إن عددا كبيرا من اليساريين الليبراليين، ممن كانوا مقتنعين بأن روسيا وأوكرانيا كلتيهما لا تستطيعان تحمل حرب كاملة، اعتقدوا أن بوتين كان يخادع عندما حشد القوات على حدود أوكرانيا. وحتى عندما وصف بوتين حكومة الرئيس الأوكراني، فولودومير زيلينسكي، بأنها "عصابة من مدمني المخدرات والنازيين الجدد"، توقع معظمهم أن تحتل روسيا فقط "الجمهوريتين الشعبيتين" المنشقتين اللتين يسيطر عليهما الانفصاليون الروس المدعومون من الكرملين أو، على الأكثر، تمديد الغزو ليشمل منطقة دونباس شرق أوكرانيا بأكملها.




والآن يلوم البعض ممن يطلقون على أنفسهم اليساريون (ليسوا كذلك بالنسبة لي) الغرب على كون الرئيس الأمريكين جو بايدن، محقًا بشأن نوايا بوتين. والحجة معروفة جيدًا وهي أن الناتو كان يطوق روسيا ببطء، ويثير ثورات ملونة في المناطق المجاورة لها، ويتجاهل المخاوف المعقولة لبلد تعرض لهجوم من الغرب في القرن الماضي.

وبطبيعة الحال هناك عنصر من الحقيقة في هذه الحجة. لكن الاحتجاج بها لوحدها يشبه تبرير سياسة هتلر بإلقاء اللوم على معاهدة "فرساي" غير العادلة. والأسوأ من ذلك أنها تقر بأن القوى الكبرى لها الحق في مناطق نفوذ يجب على الآخرين الخضوع لها من أجل الاستقرار العالمي. وينعكس افتراض بوتين بأن العلاقات الدولية عبارة عن صراع بين القوى العظمى في ادعائه المتكرر بأنه لا خيار أمامه سوى التدخل عسكريًا في أوكرانيا.

هل هذا صحيح؟ هل تكمن المشكلة حقا في الأوكرانية الفاشية؟ من الأفضل أن يوجه هذا السؤال إلى روسيا بقيادة بوتين. إن مصدر الإلهام الفكري لبوتين الفكري هو إيفان إيلين، الذي أعيد طبع أعماله وقدمت لأعضاء الدولة والمجندين العسكريين. إذ بعد طرده من الاتحاد السوفييتي في أوائل عشرينيات القرن الماضي، دعا إيلين إلى اعتماد نسخة روسية من الفاشية: الدولة كمجتمع عضوي يقوده الملك الأب، حيث تعرف الحرية مكانة المرء. والغرض من التصويت لإيليين (وبوتين) هو التعبير عن الدعم الجماعي للقائد، وليس إضفاء الشرعية عليه أو اختياره.

ويتبع ألكسندر دوغين، فيلسوف بلاط بوتين، أسلوب إيليين إلى حد بعيد، مع إضافة "مقبلات" ما بعد الحداثة المتعلقة بالنسبية التاريخية، والتي حددها كما يلي:
منشور

الحرب الروسية الأوكرانية… هل تعيد تشكيل نظام عالمي جديد؟!


تحتل الحرب الروسية الأوكرانية أهمية كبيرة، نظراً لأهمية الدولتين وموقعهما في خريطة العالم، والعلاقات السياسية والاقتصادية المتشابكة التي تربطهما بالمجتمع الدولي، والفرص الخارجية لأطراف الصراع التي تتعدى جغرافيا أوروبا الشرقية لتتحكم في موازين القوة الخارجية؛ لهذا فإن انعكاس ما يحدث من مواجهات على الواقع الدولي أصبح أمراً مؤكداً منذ البدايات الأولى للأحداث.

ويظهر من تداعيات الحرب وانعكاساتها المختلفة أن الصراع وجودي بالنسبة للطرفين، ومن المتوقع أن يكون له دور في صياغة موازين القوى الدولية، وإعادة توزيع المصالح والثروات في العالم، بما يتناسب مع تداعيات الحرب ونتائجها.

يبحث تقدير الموقف في أهمية الموقع الجيوسياسي الأوكراني وحساسيته بالنسبة للأطراف الدولية، ومؤشرات ترهل النظام الدولي أحادي القطبية، إضافة إلى انعكاسات سيناريوهات نتائج الحرب المحتملة على الواقع الدولي.   

تأثير الموقع الجيوسياسي الأوكراني في موازين القوى الدولية 
الموقع الذي تتمتع به أوكرانيا ما بين النطاق الروسي والأوروبي جعلها ممراً للغزو الأوروبي التاريخي لروسيا، فقد تعرضت روسيا للغزو عدة مرات من هذا الممر، سواء من الجيش السويدي أو ما قام به نابليون بونابرت ثم هتلر، ولهذا تنظر روسيا إلى أوكرانيا تاريخياً على أنها نقطة ضعف كبيرة بالنسبة لها، وتعتقد أن بقاء هذه المنطقة بعيدة عنها سيجعلها في تهديد دائم، وقد حرص الاتحاد السوفييتي سابقاً على أن تظل أوكرانيا متصلة به، وأن تبقى امتداداً طبيعياً وديمغرافياً وحضارياً لجغرافيا الاتحاد السوفييتي قبل أن تصبح دولة مستقلة منذ العام 1991.

في المقابل يرى الغرب أن أوكرانيا وأوروبا الشرقية عموماً حائط صد أمام الروس لمنعهم من العودة من جديد، وأنه لا بد من عزل أوكرانيا سياسياً واقتصادياً عن روسيا، كما أن روسيا لم تقبل انفصال أوكرانيا تماماً عن نفوذها، وظلت تراقب دورها عن قرب، وترى أنها تمثل عمقاً استراتيجياً وامتداداً طبيعياً بالنسبة لها، وأن الحديث عن انضمام أوكرانيا للناتو يعد مهدداً وجودياً لروسيا، ولهذا بدأت، منذ عام 2014، تفكر في إعادة إخضاع أوكرانيا للمركزية الروسية، من أجل تحقيق الطموحات الروسية في السيطرة على أوروبا الشرقية، انطلاقاً من نظرية قلب العالم التي حاول فيها “ماكيندر” تفسير ظاهرة الصراع، وبيان أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على العالم.

لهذا يبدو أن روسيا رتبت نفسها مسبقاً لغزو أوكرانيا، وأن الشروط الروسية لوقف الحرب تقارب مسألة الانتصار العسكري وفرض واقع جديد، حيث تشترط روسيا القبول الأوكراني بالأقاليم المنفصلة دولاً مستقلة، والاعتراف بشبه جزيرة القرم جزءاً من الأراضي الروسية، وتعديل النظام السياسي الأوكراني إلى نظام فيدرالي، والتعهد بعدم الانضمام للناتو، وهي شروط تبدو تعجيزية أمام أوكرانيا.

دور الحرب الروسية الأوكرانية في كشف مؤشرات ترهل النظام الدولي 
كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن مؤشرات ترهل النظام الغربي، وحجم التباينات بين أعضاء المنظومة الدولية، إضافة إلى سقوط السمعة السياسية والأخلاقية للنظام الدولي أحادي القطبية عند كثير من شعوب العالم.

 

تباينات المصالح الأوروبية الأمريكية 
تنظر أوروبا لنفسها على أنها كيان سياسي تاريخي في المعادلة الدولية أقدم من أمريكا وأكثر تجربة وخبرة، في المقابل تعمل أمريكا بشكل حثيث على الحيلولة دون بروز أي قوة أخرى، ولهذا عملت جاهدة على احتواء الاتحاد الأوروبي والحيلولة دون بروزه قطباً منفصلاً عن الولايات المتحدة الأمريكية، وأيدت في عهد “ترامب” انفصال بريطانيا عن الاتحاد، الذي تأزمت في عهده العلاقة الأمريكية بأوروبا،  وأظهرها خصماً لأمريكا، إضافة إلى تداعيات كورونا التي أنهكت أوروبا وأمريكا في نفس الوقت، وتنامي دعوات اليمين المتطرف الذي يرغب في إغلاق الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي. 

وعلى الرغم من محاولات الرئيس الأمريكي الحالي تسوية ملفات الخلاف بين أمريكا وأوروبا وكسب التأييد الأوروبي، وخصوصاً ما يتعلق بشركتي إيرباص وبوينغ لصناعة الطائرات، بعد نزاع استمر 17 عاماً، فثمة ملفات أخرى لا تزال عالقة، وقد كشفت الحرب الأخيرة حجم التباين بين الحليفين، فأوروبا لا تريد قطيعة كاملة مع روسيا؛ لأنها تبدو غير قادرة على توفير بدائل سريعة عن الغاز الروسي، كما أن ألمانيا لا تريد أن تستمر ملحقة بأمريكا، في المقابل فإن أمريكا تريد إعادة أوروبا إلى بيت الطاعة بعد أن شعرت بدورها المنافس لأمريكا، وعلى الرغم من خطورة الحرب على الطرفين وقدرتها على توحيد جهودهما، فإنها في نفس الوقت كشفت تباينات المصالح الأوروبية والأمريكية.

 


الانكشاف الأمريكي  

استطاعت الحرب الروسية الأوكرانية كشف القيم التي ادعت أمريكا كثيراً أنها جاءت لحمايتها، والمتمثلة في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأثبتت أنها معايير عنصرية قائمة على الازدواجية والانتقاء، وتُطبق حيث يريد النظام الغربي، ومن قبلها أثبتت الحروب التي شنتها أمريكا في منطقة الشرق الأوسط عدم التوازن في النظام الدولي أحادي القطبية، كما أظهرت الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة اهتزاز الديمقراطية الأمريكية، وانقسام الشعب والمؤسسات الأمريكية التي كانت محط أنظار العالم.

هذا الانكشاف في القيم المعنوية التي حرصت أمريكا على تصديرها للعالم، لا يقل خطراً عن الانكشاف السياسي والعسكري، وقد أدى ذلك لبروز دعوات أمريكية لوضع حد لارتباطات أمريكا الخارجية، وهذه الدعوات تتلاقى مع رغبة عدد من الدول الكبرى في الحد من الهيمنة الغربية على العالم.

مآلات الحرب وانعكاسها على النظام العالمي
يبدو من الصعوبة بمكان الحكم على نتائج الحرب الروسية الأوكرانية؛ لكن في إطار سيناريوهات الحرب المتوقعة يمكن القول إن ما بعدها ربما لن يكون كما قبلها، وإن شكل النظام العالمي الجديد ستحدده هوية المنتصر سياسياً وعسكرياً، في ضوء سيناريوهات الحرب المتوقعة.

 

انعكاسات سيناريو السيطرة الروسية على النظام العالمي

على الرغم من أن هذا السيناريو يواجهه صمود الأوكرانيين في الميدان، والدعم العسكري الذي تلقوه، والعقوبات التي ستؤثر في روسيا؛ لكن يبدو أن بوتين بعد إعلان الحرب لن يترك أوكرانيا بلداً مستقلاً؛ لأن هذا معناه صناعة عدو حقيقي على الحدود، وفي حال استطاعت روسيا حسم المعركة لمصلحتها، فإن ذلك سيؤدي إلى تمكنها من الغرب الأوكراني الاستراتيجي.

والتمكن من أوكرانيا سيمكن روسيا من عدد من المكاسب تتمثل في تجميع قواتها على حدود بولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا، وقد يدعوها هذا إلى ضم مولدوفا وإخضاعها لسيطرتها، وهذا الأمر سيهدد دول البلطيق؛ إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وسيساهم في فصلها عن حلف الناتو، ما سيؤدي إلى الهيمنة الكبيرة لروسيا على أوروبا الشرقية.

 ولأن نظام القطبين في حقبة الحرب الباردة قد تميز بالتنافس على أوروبا الشرقية وشرق آسيا، وقد توقف هذا التنافس عندما زال الخطر الروسي، فإن تشكل أي نظام عالمي جديد قد يبدأ بالانهيار الغربي في أوروبا الشرقية، الذي سيعقبه التوسع الروسي في عمق أوروبا، ما يعني نهاية النظام العالمي الحالي، حيث سيهيئ هذا السيناريو ربما الفرصة للقوى المنتصرة لإعادة تقاسم العالم، كما سيشجع الصين على ضم تايوان إليها، لتهيمن بذلك على جزء كبير من شرق آسيا، ومعه ستكون بداية نهاية الهيمنة الأحادية على النظام العالمي.



 

انعكاسات سيناريو الانكسار الروسي على النظام العالمي 
هذا السيناريو يفترض انكسار روسيا نتيجة الدعم العسكري الذي تلقته أوكرانيا، وانضمام مقاتلين أجانب للجيش الأوكراني، ومع توازن القوى قد تنكسر روسيا أو تفضل الانسحاب خشية الاستنزاف أكثر، خصوصاً أن موسكو كانت تتوقع سقوطاً سريعاً لأوكرانيا. لكن يبدو أن خيار الانسحاب الروسي من دون مبررات كافية مستحيل.

هذا السيناريو في حال تحققه يظهر أنه سينعكس إيجابياً على حلف الناتو، حيث سيؤدي إلى إعادة التماسك بين أعضائه، واستمرار رصد الميزانيات لتطوير المجال العسكري، وانضمام دول أخرى للحلف، خصوصاً بعد طلب النرويج والسويد الانضمام، وسيعزز نجاح هذا السيناريو استمرار الهيمنة الغربية على النظام العالمي.

 

انعكاسات سيناريو الاستنزاف وتأثيره في النظام العالمي 
يفترض هذا السيناريو استمرار الهجوم الروسي، ومعه سيستمر الدعم الغربي لأوكرانيا، ما يعني استنزاف روسيا في أوكرانيا أكثر، حتى في حال توصل روسيا إلى السيطرة على المدن الكبرى وتطويقها، فقد لا يكون الواقع مهيّأً للاستقرار أكثر، خصوصاً بعد امتلاك الشعب للسلاح، وإمكانية تحول المعركة إلى حرب عصابات مفتوحة، مقابل الخسائر الروسية العسكرية الكبيرة، والتكاليف السياسية والاقتصادية المهولة، والعقوبات الاقتصادية العالية، وفي ظل هذه الخسائر ربما لن تستطيع روسيا العودة للوراء دون مبررات واضحة، كما أن استمرارها يعني مزيداً من الخسائر، وهذا يعني تورط روسيا بمعركة أشبه بمعركة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.

الغرب في نفس الوقت من المحتمل أن يتعرض لاستنزاف وإن كان أقل من الاستنزاف الروسي، خصوصاً فيما يتعلق بتبعات الحرب العسكرية والسياسية والاقتصادية، وملفات القتلى والجرحى واللاجئين، ويظهر أن الحماس الأوروبي في دعم أوكرانيا واستقبال اللاجئين يعود إلى تقديرِ وقتٍ أقل للمعركة، وفي حال استمرارها قد تؤدي إلى استنزاف الطرفين أكثر وظهور قوة ثالثة، في مشهد أشبه بسيناريو الحرب العالمية الثانية، حيث استمرت الولايات المتحدة الأمريكية حينها محافظةً على قوتها كدولة نامية، ولم تتدخل إلا في نهاية الحرب وبعد استنزاف الأطراف، وهذا ما مكنها من الهيمنة أكثر.

 

انعكاسات سيناريو الحلول الدبلوماسية على النظام العالمي
التحركات الدبلوماسية من المتوقع كذلك أن تنجح في التوصل إلى معادلة جديدة، خصوصاً مع العقوبات الاقتصادية التي تتعرض لها روسيا، وهذا السيناريو وإن كان نجاحه الكلي في تسوية الأزمة غير مرجح فإنه قد ينجح في إعادة الأزمة إلى بداياتها الأولى قبل بدء الحرب، كما أنه قد يمثل مخرجاً لروسيا في حال الشعور بالاستنزاف أكثر، وفي حال نجاحه على أية حال يظهر أنه سيعزز من الحضور التركي الخارجي، حيث تضطلع تركيا بدور بارز في هذا الملف، وقد نجحت جهودها الدبلوماسية في جمع وزيري الخارجية الروسي سيرجي لافروف، والأوكراني ديمترو كوليبا، وفتحت المجال أمام عقد لقاءات أخرى على مستوى رفيع.

وقد استطاعت تركيا أن تنتهج سياسة متوازنة تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، بعد إعلانها رفض الحرب الروسية على أوكرانيا، ومنعت مرور السفن الحربية في مضايقها وفق بنود معاهدة “مونترو“، كما رفضت في الوقت نفسه الانضمام للمقاطعة الاقتصادية التي فرضها المجتمع الدولي على روسيا، وهذا الدور المتوازن يجعل تركيا دولة مؤثرة لدى جميع الأطراف، ويهيئوها لأداء أدوار مستقبلية.

الخاتمة 
من المرجح أن تكون للحرب الروسية الأوكرانية تداعياتها على النظام العالمي؛ ولكن يبدو أن الكيفية والمدة التي سيأخذها النظام العالمي الحالي قبل بداية انهياره مرتبطة بنتائج المعركة ودور الأطراف الفاعلين فيها، ويظهر أن الحرب في أوكرانيا لن تكون العامل الأول والأخير في تغيير النظام العالمي، بل سبقته عوامل كثيرة، وقد يترتب على نتائج الحرب عوامل أخرى، تسهم على نحو من الأنحاء في إعادة تشكل نظام جديد، لكن على كل الاحتمالات يظهر أنه من المستبعد في ظل المعطيات الحالية خروج أمريكا من المشهد السياسي كاملاً، وقد تؤسس الأحداث في حال استمرارها مع نجاح سيناريو التفوق الروسي لتعدد الأقطاب في النظام العالمي.
مصدر 
https://fikercenter.com/
منشور

العقوبات الغربية على روسيا.. الجدوى والمستقبل


يطرح تصاعد الأزمة الأوكرانية بعد دخول القوات الروسية دونباس شرقي أوكرانيا عدة تساؤلات رئيسة، وهي: هل العقوبات الغربية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرة على إنهاء الأزمة؟ وهل هي ذات جدوى لتغير مسار فكر روسيا وبوتين؟ وهل هناك تصعيد في العقوبات؟ ألم تعلم روسيا قبل إقدامها على تحركاتها العسكرية والسياسية أن هناك عقوبات قادمة؛ هل استعدت؟ وهل تملك أوراق ضغط، ولديها حوائط صد؟ هل تتضرر روسيا وتغير سلوكها؟

 الخبرات سابقة للعقوبات

بدأت العقوبات الغربية على روسيا فعلياً في عام 2014 بعد ضم جزيرة القرم، ومن وقتها والعقوبات تجدد بصفة دورية، مع اختلاف درجتها وحدتها بين الحليفين الأوروبي والأمريكي، ولفهم واقع العقوبات الجديدة يلزم أولاً فهم العقوبات السابقة ومدى التعامل معها وأثرها على الطرفين، خاصة أن الاتحاد الأوروبي قد جدد العقوبات الدورية على روسيا في يناير/كانون الثاني الماضي 2022، التي تنتهي في 31 يوليو/تموز 2022، ويمكن إبراز أهم العقوبات التي توقع على روسيا:

1.   عقوبات أوروبية

– فرض حظر على تصدير الأسلحة.

– تقليص وصول روسيا لمعدات تستخدم في التنقيب عن النفط والغاز.

– تجميد أصول 150 شخصاً و37 كياناً، مثل القادة العسكريين والسياسيين الروس والداعمين للانفصاليين في دونباس.

– حرمان البنوك الروسية من القروض طويلة الأجل.

– منع شركات للدفاع والطاقة من الوصول إلى الأسواق الأوروبية.

2.   العقوبات الأمريكية

تدرجت العقوبات الأمريكية على روسيا طبقاً لمرحلتين؛ الأولى وهي أثناء حكم الرئيس أوباما، من 2014 وحتى نهاية 2016، ثم المرحلة الثانية عقب مجيء ترامب، التي شهدت ضغوطاً على روسيا والاتحاد الأوروبي لوقف مشروع نورد ستريم 2، من خلال توقيع عقوبات على الشركات العاملة فيه، ومن أهم العقوبات الأمريكية:

– عقوبات على خطوط أنابيب الغاز، سواء تلك المنتهية مثل تركستريم، نوردستريم، ونوردستريم 2، طبقاً لقانون مكافحة أعداء أمريكا أغسطس/آب 2017. مع الأخذ في الحسبان وقف بايدن العقوبات الأمريكية على مشروع نورد ستريم 2 في مايو/أيار 2021.

– عقوبات على الأسلحة الكيماوية؛ وتمت في ثلاث جولات، اثنتان منها في عهد ترامب عامي 2018 و2019، ثم الثالثة في عهد بايدن مارس/آذار 2021.

– منع قروض تمويل شركات تصنيع الأسلحة الروسية.

– عقوبات على أفراد وشركات روسية.

أما عن الرد الروسي والسياسات التي واجهت بها روسيا العقوبات فتبرز في النقاط التالية:

أ.  حظرت روسيا ورادات المواد الغذائية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا والنرويج وألبانيا والجبل الأسود وآيسلندا وليختنشتاين وأوكرانيا.

ب. تقييد التجارة مع أوكرانيا، وجورجيا، ومولدوفا، مع تقييد السفر لبعض المسؤولين الغربيين.

وأدت العقوبات الغربية على روسيا إلى بحثها عن سياسات جديدة لمواجهة التداعيات، بداية من البحث عن إمدادات بديلة ومحلية لتلافي العقوبات المفروضة على صناعة الأسلحة، مروراً بالعمل على برنامج استبدال الواردات واللجوء إلى دول مثل الصين وتايوان، وعلى المستوى المصرفي أممت موسكو بنك (promsvyazbank).

وقدرت الخسائر الاقتصادية لروسيا نتيجة للعقوبات الأوروبية، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي بين 2014-2018، بحوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، منها خسارة روسيا نسبة 3% توظيف العمالة المرتبطة بصناعة الأسلحة، مع مساهمة العقوبات في تأخر برنامج تحديث الأسلحة، وتسليم محركات سفن الملاحة، لكن في المقابل عززت روسيا من صناعتها الوطنية، والإنفاق المحلي على الأسلحة، حيث بلغ حجم الإنفاق بين عامي 2011 و2020 حوالي 300 مليار دولار، كلها تقريباً من الشركات المصنعة محلياً.

أما عن تأثير العقوبات الروسية المماثلة على دول الاتحاد الأوروبي فقدرت خلال نفس المدة (2014-2018) بحوالي 30 مليار دولار. كما انخفضت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى روسيا بنسبة 20.7% ما بين عامي 2014 و2016. وعلى مستوى السلوك، ورغم الخسائر التي منيت بها روسيا لم تتراجع عن سياساتها في القرم، ولا دعمها للانفصاليين في دونباس، فضلاً عن أدوارها في الشرق الأوسط في ملفات سوريا وليبيا.

3.    العقوبات الجديدة

عقب إعلان روسيا اعترافها بالجمهوريات الانفصالية في دونباس، ثم قيامها بالعمليات العسكرية داخل أوكرانيا، ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون ودول أخرى بسلسلة عقوبات تصاعدية حتى تتراجع روسيا عن موقفها، وفيما يلي نرصد أبرز العقوبات ونوعيتها:

1. عقوبات فردية: فُرضت عقوبات على عدد من الأفراد المقربين من بوتين، منهم رجال أعمال وقادة عسكريون، على سبيل المثال “جينادي تيمشينكو” سادس أغنى رجل في روسيا، و”إيجور روتنبرج”. وتشمل العقوبات  الغربية تجميد أصول مالية لهم. ثم تصاعدت العقوبات الفردية ولم تكتفِ بالشخصيات المقربة من بوتين، إذ شملت بوتين ذاته ووزير خارجيته.

2. عقوبات مصرفية: اهتمت الولايات المتحدة بالضغط على المصارف المالية التي تمول القوات الروسية، وخاصة المملوكة للدولة، والتي تملك شركات مالية وأصولاً ومحافظ ذات قيمة، مثل بنكي (VEB) و((PSB، ومن شأن تقييد عمل تلك البنوك التأثير على عقود تمويل صفقات السلاح الروسية وكذلك الحملة العسكرية التي تجريها في أوكرانيا. ومن جانب آخر وفقاً للخزانة الأمريكية فإن العقوبات سوف تشمل الشركات التابعة لبنك (VEB) التي تساهم في صناعة المنتجات الإلكترونية، وصناعة التعدين والفحم، وخدمة الديون السيادية الروسية.

3. حظر التجارة مع المناطق الانفصالية أسوة بالقرم.

4. تعليق مشروع نورد ستريم 2: أعلنت ألمانيا تعليق مشروع نورد ستريم 2، الذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق. المشروع تعرض لعدة انتقادات؛ بداية بتوقيع الرئيس السابق ترامب عقوبات أوقفت عمله، مروراً برفض حزب الخضر، شريك الائتلاف، المشروع، وانتهاء بموقف دول العبور مثل أوكرانيا وبولندا اللتين تنقلان الغاز الروسي بالفعل لأوروبا عبر أنابيب غاز أخرى. المشروع كان من المفترض أن تتم الموافقة عليه بنهاية شهر يونيو/حزيران القادم على الأقل.

4.   أوراق ضغط روسية

تمتلك روسيا عدة أوراق ضغط تواجه العقوبات الغربية، بعضها نابع من سياسات احتياطية اختبرتها طوال السنوات السبع الماضية، وبعضها الآخر من واقع سياق الأزمة الحالية وعدم دعم الغرب لأوكرانيا عسكرياً بما يحفظ لها القدرات التي تمكنها من المواجهة والدفاع عن نفسها. من الأوراق ما يلي:

 1.ملف الغاز: يعتمد الاتحاد الأوروبي في تلبية احتياجاته من الغاز على الاستيراد وطوال عشر سنوات تعد روسيا المورد الرئيسي للاتحاد من الغاز، كما هو مبين بالجدول (رقم1):

حصة روسيا من إجمالي ورادات الاتحاد الأوروبي للغاز من 2010-2020

العامالنسبة المئويةملاحظات
2010%35
2011%30
2012%32
2013%39
2014%37.5بداية توقيع العقوبات الأوروبية على روسيا
2015%37
2016%39.9
2017%39.3
2018%40.2
2019%44.7
2020%43.4

من الجدول السابق وعلى اعتبار أن عام 2014 سنة مقارنة بين إمدادات روسيا للاتحاد الأوروبي من الغاز، قبل وبعد ضم القرم، فإنه يلاحظ ارتفاع حصة روسيا من سوق الغاز الأوروبية من %37 عام 2015 لتصل إلى %44.7 عام 2019. وبحسب بيانات موقع الإحصاء الأوروبي حول الموردين الرئيسيين للغاز في أوروبا عام 2019، فإن روسيا جاءت في المرتبة الأولى، تليها النرويج في المرتبة الثانية بنسبة %21.3، ثم الجزائر عند %12.1، وفي المرتبة الرابعة الولايات المتحدة عند %6.7. وبالنسبة للفصل الأول (حتى 30 يونيو/حزيران) من عام 2020، فإن روسيا ظلت كما هي الأولى عند نسبة %39.3 ثم النرويج عند %19.2، والجزائر والولايات المتحدة عند نفس النسب تقريباً. الملاحظ مما سبق، خاصة في عامي 2019 و2020، هو الفرق الكبير بين حصة روسيا والدول التي تليها، سواء النرويج التي تقل عنها بما يقارب النصف، أو الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعني صعوبة استبدال روسيا بمورد غاز آخر على مستوى منتجي الغاز الكبار في العالم، وذلك في ظل ارتفاع تكلفة الغاز الأمريكي المسال.

 

2.الاحتياطات الأجنبية: تمتلك روسيا احتياطات مالية كبيرة، حيث بلغ الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي الروسي حوالي 631 مليار دولار، بما يقوي مركز روسيا المالي أثناء الحظر الغربي حال استمر مدة طويلة، وإن كان ثمة مؤشرات على عدم قدرة بعض الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وألمانيا، على استمرار العقوبات المالية كثيراً على روسيا، لتضرر تلك الدول اقتصادياً بحظر تصدير المنتجات إلى روسيا، أو الديون السيادية الروسية، والتي يوجد كثير منها لدى بنوك أوروبية.

3. الاكتفاء الذاتي: على غرار نشاط روسيا السابق في الاعتماد على نفسها بصورة كبيرة في صناعة الأسلحة، يظهر توجه بالاستخدام الأمثل لاحتياطات الذهب، والنفط، والمعادن، وغيرها من الثروات غير المستغلة، بما يؤهل روسيا لتحتل مكانة عالمية أكبر في هرم الدول الصناعية.

4. التوجه نحو الصين: مع إدراك روسيا عدم وجود بديل يوفر لأوروبا كل احتياجاتها من النفط والغاز، فإنها سعت لفتح أسواق جديدة وزيادة حصص التصدير لدول ترتبط معها بشراكات ومصالح وتوجهات كبيرة، خاصة الصين، وذلك بثلاث خطوات رئيسية؛ الأولى مضاعفة صادرات الغاز الروسي للصين في عام 2021، بزيادة تصل إلى 98% عن عام 2020. والخطوة الثانية توقيع شركات الغاز الروسي جاز بروم، روزسنفت، على عقود طويلة الأجل مع الصين لتوريد الغاز الروسي، أحدها لمدة عشر سنوات والآخر 30 عاماً. والخطوة الثالثة تمثلت في تدشين خط غاز “قوة سيبيريا”، الذي يفترض أن ينقل حوالي 38 مليار مكعب من الغاز بحلول عام 2025.

المحصلة والمستقبل

ثمة مؤشرات توضح وتبرهن على عدم جدوى العقوبات  الحالية على روسيا، وترسم مستقبل العلاقات ومدى قدرة روسيا على المواجهة:

  1.  التأثير على أزمة القرمرغم العقوبات الأوروبية والأمريكية على روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم منذ عام 2014 وحتى الآن، فإن روسيا لم تغير موقفها، بل واستطاعت تحسين علاقاتها مع أوكرانيا في نهاية 2019 بتوقيع اتفاق لنقل الغاز الروسي لأوروبا عبر الأراضي الأوكرانية لمدة خمس سنوات مقابل 2.9 مليار دولار، لتنهي خلافاً استمر عشر سنوات بينهما على نقل الغاز ومنح أوكرانيا أسعاراً تفضيلية. وهو ما يعني فرض سياسة الأمر الواقع على كل الأطراف؛ الأوكراني والغرب المتمثل في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
  2. تحقيق الأهداف: لم تمنع العقوبات الغربية روسيا من تحقيق أهداف لها في القارة الأوروبية أو في الشرق الأوسط وإفريقيا وغيرها من مناطق نفوذ الغرب الذي حصلت روسيا على بعضه. فالعقوبات لم تمنع روسيا من دخول سوريا، ولا التنسيق مع تركيا فيها أو في ليبيا، ولا حتى التنافس في إفريقيا، وخاصة في دولة مثل مالي، إحدى أهم مناطق النفوذ الفرنسي. في المقابل زادت وتيرة العلاقات التجارية مع الدول الثلاث ألمانيا وفرنسا وإيطاليا عقب تطبيق العقوبات الغربية، بل واستطاعت روسيا التحايل على كثير من العقوبات حين استخدمت نفوذها وأصبحت دول مثل صربيا وبيلاروسيا وغيرها تستورد المنتجات التي تحتاج إليها روسيا ثم تعيد تصديرها لها.

منع توسع الناتو والاتحاد الأوروبي شرقاً: في الوقت الذي تعتبر روسيا سياسة الجوار الأوروبي مع الشركاء الشرقيين مثل (جورجيا – أوكرانيا) سياسة تضر بمصالحها، لم تستطع أوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو، فيما لم تفلح دول البلقان الثلاث (ألبانيا – ومقدونيا الشمالية – وصربيا) في الدخول في الاتحاد الأوروبي رغم استيفائها الشروط المطلوبة، بل ودفعها طول الانتظار إلى تبني مشروع “البلقان المفتوح”، أو ما يسمى شنجن المصغر، وهو انتصار يحسب لروسيا بمنع الدول السابقة في الاتحاد السوفييتي من التحرك خارج حدود رغبات وأهداف روسيا.

وأخيراً تخاذل الغرب في دعم أوكرانيا عسكرياً، مع رفض ألمانيا تطبيق عقوبة منع روسيا من نظام التحويلات المالية سويفت، ومطالبة دول مثل إيطاليا باستثناء منتجاتها من العقوبات، وعدم وجود بديل للغاز الروسي، كلها عوامل تؤكد أيضاً أن العقوبات الغربية لا جدوى لها.

منشور

إمكانات التقارب السعودي الإيراني