د.هشام عوكل
قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.
المقالات والدراسات
تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.
يمكن التمييز من بين الدراسات المؤسسة لحقل العلاقات المدنية العسكرية، بين موقفين مختلفين:

طيبي غماري
ماذا يعني الدفاع عن أوروبا؟
الحرب الروسية الأوكرانية… هل تعيد تشكيل نظام عالمي جديد؟!
العقوبات الغربية على روسيا.. الجدوى والمستقبل

بهاء محمود
يطرح تصاعد الأزمة الأوكرانية بعد دخول القوات الروسية دونباس شرقي أوكرانيا عدة تساؤلات رئيسة، وهي: هل العقوبات الغربية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرة على إنهاء الأزمة؟ وهل هي ذات جدوى لتغير مسار فكر روسيا وبوتين؟ وهل هناك تصعيد في العقوبات؟ ألم تعلم روسيا قبل إقدامها على تحركاتها العسكرية والسياسية أن هناك عقوبات قادمة؛ هل استعدت؟ وهل تملك أوراق ضغط، ولديها حوائط صد؟ هل تتضرر روسيا وتغير سلوكها؟
الخبرات سابقة للعقوبات
بدأت العقوبات الغربية على روسيا فعلياً في عام 2014 بعد ضم جزيرة القرم، ومن وقتها والعقوبات تجدد بصفة دورية، مع اختلاف درجتها وحدتها بين الحليفين الأوروبي والأمريكي، ولفهم واقع العقوبات الجديدة يلزم أولاً فهم العقوبات السابقة ومدى التعامل معها وأثرها على الطرفين، خاصة أن الاتحاد الأوروبي قد جدد العقوبات الدورية على روسيا في يناير/كانون الثاني الماضي 2022، التي تنتهي في 31 يوليو/تموز 2022، ويمكن إبراز أهم العقوبات التي توقع على روسيا:
1. عقوبات أوروبية
– فرض حظر على تصدير الأسلحة.
– تقليص وصول روسيا لمعدات تستخدم في التنقيب عن النفط والغاز.
– تجميد أصول 150 شخصاً و37 كياناً، مثل القادة العسكريين والسياسيين الروس والداعمين للانفصاليين في دونباس.
– حرمان البنوك الروسية من القروض طويلة الأجل.
– منع شركات للدفاع والطاقة من الوصول إلى الأسواق الأوروبية.
2. العقوبات الأمريكية
تدرجت العقوبات الأمريكية على روسيا طبقاً لمرحلتين؛ الأولى وهي أثناء حكم الرئيس أوباما، من 2014 وحتى نهاية 2016، ثم المرحلة الثانية عقب مجيء ترامب، التي شهدت ضغوطاً على روسيا والاتحاد الأوروبي لوقف مشروع نورد ستريم 2، من خلال توقيع عقوبات على الشركات العاملة فيه، ومن أهم العقوبات الأمريكية:
– عقوبات على خطوط أنابيب الغاز، سواء تلك المنتهية مثل تركستريم، نوردستريم، ونوردستريم 2، طبقاً لقانون مكافحة أعداء أمريكا أغسطس/آب 2017. مع الأخذ في الحسبان وقف بايدن العقوبات الأمريكية على مشروع نورد ستريم 2 في مايو/أيار 2021.
– عقوبات على الأسلحة الكيماوية؛ وتمت في ثلاث جولات، اثنتان منها في عهد ترامب عامي 2018 و2019، ثم الثالثة في عهد بايدن مارس/آذار 2021.
– منع قروض تمويل شركات تصنيع الأسلحة الروسية.
– عقوبات على أفراد وشركات روسية.
أما عن الرد الروسي والسياسات التي واجهت بها روسيا العقوبات فتبرز في النقاط التالية:
أ. حظرت روسيا ورادات المواد الغذائية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا والنرويج وألبانيا والجبل الأسود وآيسلندا وليختنشتاين وأوكرانيا.
ب. تقييد التجارة مع أوكرانيا، وجورجيا، ومولدوفا، مع تقييد السفر لبعض المسؤولين الغربيين.
وأدت العقوبات الغربية على روسيا إلى بحثها عن سياسات جديدة لمواجهة التداعيات، بداية من البحث عن إمدادات بديلة ومحلية لتلافي العقوبات المفروضة على صناعة الأسلحة، مروراً بالعمل على برنامج استبدال الواردات واللجوء إلى دول مثل الصين وتايوان، وعلى المستوى المصرفي أممت موسكو بنك (promsvyazbank).
وقدرت الخسائر الاقتصادية لروسيا نتيجة للعقوبات الأوروبية، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي بين 2014-2018، بحوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، منها خسارة روسيا نسبة 3% توظيف العمالة المرتبطة بصناعة الأسلحة، مع مساهمة العقوبات في تأخر برنامج تحديث الأسلحة، وتسليم محركات سفن الملاحة، لكن في المقابل عززت روسيا من صناعتها الوطنية، والإنفاق المحلي على الأسلحة، حيث بلغ حجم الإنفاق بين عامي 2011 و2020 حوالي 300 مليار دولار، كلها تقريباً من الشركات المصنعة محلياً.
أما عن تأثير العقوبات الروسية المماثلة على دول الاتحاد الأوروبي فقدرت خلال نفس المدة (2014-2018) بحوالي 30 مليار دولار. كما انخفضت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى روسيا بنسبة 20.7% ما بين عامي 2014 و2016. وعلى مستوى السلوك، ورغم الخسائر التي منيت بها روسيا لم تتراجع عن سياساتها في القرم، ولا دعمها للانفصاليين في دونباس، فضلاً عن أدوارها في الشرق الأوسط في ملفات سوريا وليبيا.
3. العقوبات الجديدة
عقب إعلان روسيا اعترافها بالجمهوريات الانفصالية في دونباس، ثم قيامها بالعمليات العسكرية داخل أوكرانيا، ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون ودول أخرى بسلسلة عقوبات تصاعدية حتى تتراجع روسيا عن موقفها، وفيما يلي نرصد أبرز العقوبات ونوعيتها:
1. عقوبات فردية: فُرضت عقوبات على عدد من الأفراد المقربين من بوتين، منهم رجال أعمال وقادة عسكريون، على سبيل المثال “جينادي تيمشينكو” سادس أغنى رجل في روسيا، و”إيجور روتنبرج”. وتشمل العقوبات الغربية تجميد أصول مالية لهم. ثم تصاعدت العقوبات الفردية ولم تكتفِ بالشخصيات المقربة من بوتين، إذ شملت بوتين ذاته ووزير خارجيته.
2. عقوبات مصرفية: اهتمت الولايات المتحدة بالضغط على المصارف المالية التي تمول القوات الروسية، وخاصة المملوكة للدولة، والتي تملك شركات مالية وأصولاً ومحافظ ذات قيمة، مثل بنكي (VEB) و((PSB، ومن شأن تقييد عمل تلك البنوك التأثير على عقود تمويل صفقات السلاح الروسية وكذلك الحملة العسكرية التي تجريها في أوكرانيا. ومن جانب آخر وفقاً للخزانة الأمريكية فإن العقوبات سوف تشمل الشركات التابعة لبنك (VEB) التي تساهم في صناعة المنتجات الإلكترونية، وصناعة التعدين والفحم، وخدمة الديون السيادية الروسية.
3. حظر التجارة مع المناطق الانفصالية أسوة بالقرم.
4. تعليق مشروع نورد ستريم 2: أعلنت ألمانيا تعليق مشروع نورد ستريم 2، الذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق. المشروع تعرض لعدة انتقادات؛ بداية بتوقيع الرئيس السابق ترامب عقوبات أوقفت عمله، مروراً برفض حزب الخضر، شريك الائتلاف، المشروع، وانتهاء بموقف دول العبور مثل أوكرانيا وبولندا اللتين تنقلان الغاز الروسي بالفعل لأوروبا عبر أنابيب غاز أخرى. المشروع كان من المفترض أن تتم الموافقة عليه بنهاية شهر يونيو/حزيران القادم على الأقل.
4. أوراق ضغط روسية
تمتلك روسيا عدة أوراق ضغط تواجه العقوبات الغربية، بعضها نابع من سياسات احتياطية اختبرتها طوال السنوات السبع الماضية، وبعضها الآخر من واقع سياق الأزمة الحالية وعدم دعم الغرب لأوكرانيا عسكرياً بما يحفظ لها القدرات التي تمكنها من المواجهة والدفاع عن نفسها. من الأوراق ما يلي:
| 1.ملف الغاز: يعتمد الاتحاد الأوروبي في تلبية احتياجاته من الغاز على الاستيراد وطوال عشر سنوات تعد روسيا المورد الرئيسي للاتحاد من الغاز، كما هو مبين بالجدول (رقم1): حصة روسيا من إجمالي ورادات الاتحاد الأوروبي للغاز من 2010-2020 | ||
| العام | النسبة المئوية | ملاحظات |
| 2010 | %35 | |
| 2011 | %30 | |
| 2012 | %32 | |
| 2013 | %39 | |
| 2014 | %37.5 | بداية توقيع العقوبات الأوروبية على روسيا |
| 2015 | %37 | |
| 2016 | %39.9 | |
| 2017 | %39.3 | |
| 2018 | %40.2 | |
| 2019 | %44.7 | |
| 2020 | %43.4 | |
من الجدول السابق وعلى اعتبار أن عام 2014 سنة مقارنة بين إمدادات روسيا للاتحاد الأوروبي من الغاز، قبل وبعد ضم القرم، فإنه يلاحظ ارتفاع حصة روسيا من سوق الغاز الأوروبية من %37 عام 2015 لتصل إلى %44.7 عام 2019. وبحسب بيانات موقع الإحصاء الأوروبي حول الموردين الرئيسيين للغاز في أوروبا عام 2019، فإن روسيا جاءت في المرتبة الأولى، تليها النرويج في المرتبة الثانية بنسبة %21.3، ثم الجزائر عند %12.1، وفي المرتبة الرابعة الولايات المتحدة عند %6.7. وبالنسبة للفصل الأول (حتى 30 يونيو/حزيران) من عام 2020، فإن روسيا ظلت كما هي الأولى عند نسبة %39.3 ثم النرويج عند %19.2، والجزائر والولايات المتحدة عند نفس النسب تقريباً. الملاحظ مما سبق، خاصة في عامي 2019 و2020، هو الفرق الكبير بين حصة روسيا والدول التي تليها، سواء النرويج التي تقل عنها بما يقارب النصف، أو الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعني صعوبة استبدال روسيا بمورد غاز آخر على مستوى منتجي الغاز الكبار في العالم، وذلك في ظل ارتفاع تكلفة الغاز الأمريكي المسال.

2.الاحتياطات الأجنبية: تمتلك روسيا احتياطات مالية كبيرة، حيث بلغ الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي الروسي حوالي 631 مليار دولار، بما يقوي مركز روسيا المالي أثناء الحظر الغربي حال استمر مدة طويلة، وإن كان ثمة مؤشرات على عدم قدرة بعض الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وألمانيا، على استمرار العقوبات المالية كثيراً على روسيا، لتضرر تلك الدول اقتصادياً بحظر تصدير المنتجات إلى روسيا، أو الديون السيادية الروسية، والتي يوجد كثير منها لدى بنوك أوروبية.
3. الاكتفاء الذاتي: على غرار نشاط روسيا السابق في الاعتماد على نفسها بصورة كبيرة في صناعة الأسلحة، يظهر توجه بالاستخدام الأمثل لاحتياطات الذهب، والنفط، والمعادن، وغيرها من الثروات غير المستغلة، بما يؤهل روسيا لتحتل مكانة عالمية أكبر في هرم الدول الصناعية.
4. التوجه نحو الصين: مع إدراك روسيا عدم وجود بديل يوفر لأوروبا كل احتياجاتها من النفط والغاز، فإنها سعت لفتح أسواق جديدة وزيادة حصص التصدير لدول ترتبط معها بشراكات ومصالح وتوجهات كبيرة، خاصة الصين، وذلك بثلاث خطوات رئيسية؛ الأولى مضاعفة صادرات الغاز الروسي للصين في عام 2021، بزيادة تصل إلى 98% عن عام 2020. والخطوة الثانية توقيع شركات الغاز الروسي جاز بروم، روزسنفت، على عقود طويلة الأجل مع الصين لتوريد الغاز الروسي، أحدها لمدة عشر سنوات والآخر 30 عاماً. والخطوة الثالثة تمثلت في تدشين خط غاز “قوة سيبيريا”، الذي يفترض أن ينقل حوالي 38 مليار مكعب من الغاز بحلول عام 2025.
المحصلة والمستقبل
ثمة مؤشرات توضح وتبرهن على عدم جدوى العقوبات الحالية على روسيا، وترسم مستقبل العلاقات ومدى قدرة روسيا على المواجهة:
- التأثير على أزمة القرم: رغم العقوبات الأوروبية والأمريكية على روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم منذ عام 2014 وحتى الآن، فإن روسيا لم تغير موقفها، بل واستطاعت تحسين علاقاتها مع أوكرانيا في نهاية 2019 بتوقيع اتفاق لنقل الغاز الروسي لأوروبا عبر الأراضي الأوكرانية لمدة خمس سنوات مقابل 2.9 مليار دولار، لتنهي خلافاً استمر عشر سنوات بينهما على نقل الغاز ومنح أوكرانيا أسعاراً تفضيلية. وهو ما يعني فرض سياسة الأمر الواقع على كل الأطراف؛ الأوكراني والغرب المتمثل في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
- تحقيق الأهداف: لم تمنع العقوبات الغربية روسيا من تحقيق أهداف لها في القارة الأوروبية أو في الشرق الأوسط وإفريقيا وغيرها من مناطق نفوذ الغرب الذي حصلت روسيا على بعضه. فالعقوبات لم تمنع روسيا من دخول سوريا، ولا التنسيق مع تركيا فيها أو في ليبيا، ولا حتى التنافس في إفريقيا، وخاصة في دولة مثل مالي، إحدى أهم مناطق النفوذ الفرنسي. في المقابل زادت وتيرة العلاقات التجارية مع الدول الثلاث ألمانيا وفرنسا وإيطاليا عقب تطبيق العقوبات الغربية، بل واستطاعت روسيا التحايل على كثير من العقوبات حين استخدمت نفوذها وأصبحت دول مثل صربيا وبيلاروسيا وغيرها تستورد المنتجات التي تحتاج إليها روسيا ثم تعيد تصديرها لها.
منع توسع الناتو والاتحاد الأوروبي شرقاً: في الوقت الذي تعتبر روسيا سياسة الجوار الأوروبي مع الشركاء الشرقيين مثل (جورجيا – أوكرانيا) سياسة تضر بمصالحها، لم تستطع أوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو، فيما لم تفلح دول البلقان الثلاث (ألبانيا – ومقدونيا الشمالية – وصربيا) في الدخول في الاتحاد الأوروبي رغم استيفائها الشروط المطلوبة، بل ودفعها طول الانتظار إلى تبني مشروع “البلقان المفتوح”، أو ما يسمى شنجن المصغر، وهو انتصار يحسب لروسيا بمنع الدول السابقة في الاتحاد السوفييتي من التحرك خارج حدود رغبات وأهداف روسيا.
وأخيراً تخاذل الغرب في دعم أوكرانيا عسكرياً، مع رفض ألمانيا تطبيق عقوبة منع روسيا من نظام التحويلات المالية سويفت، ومطالبة دول مثل إيطاليا باستثناء منتجاتها من العقوبات، وعدم وجود بديل للغاز الروسي، كلها عوامل تؤكد أيضاً أن العقوبات الغربية لا جدوى لها.
إمكانات التقارب السعودي الإيراني
- جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2021، حول الانتهاء من جولة رابعة من المباحثات السعودية الإيرانية لتؤكد وجود مفاوضات قائمة، كما أنها جاءت مؤكدة للتصريحات السابقة للرئيس العراقي برهم صالح، الذي أعلن في وقت سابق استضافة بلده لأكثر من جولة جمعت بين الطرفين، من أجل مناقشة مجموعة من القضايا التي ينبغي الاتفاق حولها لمواكبة التغيرات الإقليمية التي فرضها تغير السياسة الأمريكية في المنطقة.اشتملت المفاوضات على مناقشة ملفات عدة. أبرزها تهدئة وتيرة الحروب بالوكالة من أجل تخفيض التوتر في المنطقة، وإعادة افتتاح القنصليات والتمثيل الدبلوماسي بين البلدين. إضافة إلى مناقشة مقترح بإنشاء طريق دولي يربط بين مشهد الإيرانية وكربلاء العراقية ومكة السعودية.إلى أي مدى يمكن لهذه الجولات أن تفضي إلى اتفاق دائم بين البلدين؟ وكيف ستنعكس هذه الاتفاقيات على الملفات المشتركة بين الطرفين وعلى أمن المنطقة؟إمكانات التقارب السعودي الإيرانينظراً للظروف والتغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة أصبح من الممكن الحديث عن إمكانية حدوث تقارب بين الطرفين. فالسياقات التي يواجهها الطرفان تحتم عليهما ضرورة الانطلاق من قاعدة مشتركة. وعلى الرغم من حالة العداء التي استمرت قرابة خمس سنوات؛ منذ 2016 عقب اقتحام السفارة السعودية في طهران من قبل محتجين إيرانيين اعتراضاً على إعدام المعارض الشيعي نمر النمر. جاءت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لتؤكد التصريحات السابقة للرئيس العراقي برهم صالح الذي صرح مسبقاً باستضافة بلاده لأكثر من جولة جرت بين البلدين. وترتبط إمكانات حدوث التقارب بين البلدين بالسياقات الإقليمية والدولية، التي تتضح في النقاط التالية:1- تغيير السياسة الأمريكية في المنطقةمنذ قدوم الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن والمنطقة تشهد جملة من التغيرات، فمقابل لهجة الانتقادات الشديدة للسعودية رفعت أمريكا العقوبات عن جماعة الحوثي ضمن سياسات العودة إلى مفاوضات المشروع النووي الإيراني، إذ يتبنى بايدن سياسة تحييد الإشكاليات وربطها بالحلول الدبلوماسية والمفاوضات، وذلك من أجل التفرغ للتهديد الجديد الذي يواجه الولايات المتحدة الأمريكية، المتمثل بالتهديد الصيني والنفوذ الروسي العسكري. ونتيجة لتراجع أهمية مخاطر الجماعات الإرهابية والتهديدات الإيرانية جاء إعلان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتحجيم وجودها العسكري في العراق متوافقاً مع هذه السياسة الجديدة.ويأتي التقارب السعودي الإيراني متوافقاً مع سياسة الولايات المتحدة في المنطقة من جانبين؛ الأول تخفيض حدة التوتر وخطر الحرب في هذا الجزء من العالم يقلل أيضاً من مستوى التطرّف الذي قد يضر بمصالح واشنطن، ويقلل هذا التطور أيضاً من الحاجة إلى الانتشار العسكري الأمريكي أو الالتزامات المكلفة الأخرى لحماية الممرات المائية وأمن أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة، كما أن إدارة بايدن تدرك أن اتفاق سلام حذراً مسيطراً عليه يفتح الآفاق أمام حركة إعمار في جميع القطاعات المدنية والعسكرية، لا مناص فيه من الاعتماد على صناعات واستثمارات أمريكية وغربية متطورة. من جانب آخر تحاول الولايات المتحدة الأمريكية من خلال دفع السعودية للتقارب مع إيران احتواء التهديد الصيني بعد أن وقعت اتفاقية مع إيران لمدة 25 عاماً، إذ وقع الطرفان، في 27 مارس/آذار 2021 معاهدة تعاون اقتصادي واستراتيجي، وهو تهديد اقتصادي وأمني تحاول أمريكا- بطريقة غير مباشرة- احتواءه من خلال توفير بدائل لا تلغي عقوباتها على إيران، ولا تتركها بالكامل في المجال الصيني.2- فشل سياسة القطيعة والحرب بالوكالةتزايدت الاحتقانات السياسية في المنطقة بعد أن نشط دور الحروب بالوكالة بين الفواعل الإقليمية والدولية على حد سواء، وعلى الرغم من وجود إمكانية عسكرية لاستمرار مثل هذه الصراعات في المنطقة، تأتي الفواتير الاقتصادية والتبعات الأمنية والسياسية لتحجم من فاعلية وسيلة الحروب بالوكالة في إضعاف الخصوم. إذ لم تتمكن لا السعودية ولا الإمارات ولا إيران من حسم المعارك بطريقة جذرية، ونظراً للتكاليف الاقتصادية التي فرضتها الجائحة على السعودية والإمارات من جهة، إضافة إلى الضغط الذي تمثله العقوبات الاقتصادية على إيران، من جهة ثانية، فقد أصبح من الضروري على هذه الأطراف البحث عن بدائل غير مكلفة، لكن هذه البدائل لم تكن لتصل إلى استبدال سياسة المواجهة بالمفاوضات لولا التغيرات الإقليمية؛ إذ إن السعي لتهدئة إقليمية لا ينفصل عن التغييرات التي تحصل على المستويين العالمي والإقليمي، فالنظام العالمي خرج من الأحادية الأمريكية الأوروبية، مع وجود دور متنامٍ لكل من روسيا والصين، أما إقليمياً فعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي مع طهران ستعني نوعاً من التهدئة مع حلفاء واشنطن في المنطقة.3- ضرورة الحد من دور المشاريع المنافسة في المنطقةخلال فترة القطيعة في السنوات الخمس بين الطرفين تنامى دور مشاريع منافسة في المنطقة على حساب كلٍّ من السعودية وإيران، فالدور التركي تنامى في الجانب العسكري عقب الإمكانيات التكنولوجية والاتفاقات السياسية التي مكنت تركيا من تحقيق حضور أوسع في مختلف ملفات المنطقة، فضلاً عن أن مشروع التطبيع الإسرائيلي يأتي في سياق إضعاف المشاريع المتنافسة في المنطقة، ومن هنا يأتي سعي الطرفين لاستعادة النشاط الدبلوماسي بينهما من أجل مواجهة هذه المشاريع، فمن جهة تسعى إيران إلى تحسين علاقتها بالرياض لتسهم في تقليص آثار التطبيع بين الإمارات والبحرين مع الكيان الإسرائيلي، من أجل تقليص أجواء المواجهة في الخليج وتحسين مكانتها الإقليمية، ومن أجل تحسين ظروف مفاوضات المشروع النووي. ومن جهة السعودية يأتي تقاربها مع إيران ردة فعل على عدم ثقتها بالجانب الأمريكي، خصوصاً بعد وصول الديمقراطيين للسلطة. كما أن تقاربها مع إيران يأتي متوافقاً مع رغبتها في تجنيب المنطقة لأي اهتزاز سياسي. خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي، ومن هنا تبنت أسلوباً جديداً في إدارة ملفات المنطقة يقتضي ضرورة تقسيم الأدوار بينها وبين إيران.دوافع التقارب السعودي-الإيرانيينطلق الطرفان من عدد من الدوافع الذاتية، التي مهدت لحدوث أكثر من جولة مفاوضات جمعت بينهما سراً ثم أعلن عنها في وقت لاحق. ومن هذه الدوافع الآتي:الدوافع السعوديةمن خلال التدقيق في الموقف السعودي في تقاربه مع إيران نجد أن الملفات الأمنية هي المحرك الرئيسي في مفاوضاته، وتتمثل هذه الدوافع في النقاط الرئيسية التالية:–وقف التهديد الحوثي وإنهاء الحرب في اليمن:في السنوات الأخيرة شكلت الهجمات الحوثية مصدر تهديد حقيقي للأمن السعودي، خصوصاً بعد أن استهدفت عصب الاقتصاد السعودي المتمثل بالنفط. إضافة إلى استهدافها للداخل السعودي من خلال استهدافها للبنى التحتية والمطارات والأماكن الحيوية. وهو ما شكل بمجمله تهديداً حقيقياً لا يمكن مواجهته من خلال خارطة التحالفات القديمة وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية. أو من خلال العمليات العسكرية المحدودة في اليمن، بل من خلال مخاطبة إيران الممول الرئيسي لجماعة الحوثي في اليمن.والحرب في اليمن لها تكلفتها الاقتصادية العالية؛ بسبب حرب الاستنزاف التي آل إليها مشهد الصراع في اليمن. وقد زادت من حدة الضغط الاقتصادي الذي يثقل كاهل السعودية التأثيرات الاقتصادية السلبية التي فرضتها جائحة كورونا، إضافة إلى لهجة الانتقادات القاسية والصريحة التي تبنتها الإدارة الأمريكية بعد أن أصبحت في يد الديمقراطيين، كما أن واشنطن أعلنت سابقاً أنها ستوقف دعمها للرياض في حرب اليمن. هذه التغيرات دفعت الجانب السعودي إلى البحث في البدائل التي يمكن أن تنهي الحرب في اليمن بعيداً عن الوسائل العسكرية. ومن هنا تضمنت جولات المفاوضات هذا الملف أيضاً.–الخوف على مكانتها الإقليمية:تنامي الدور الإيراني وفاعليته العسكرية في أكثر من دولة عربية وفي المقابل تأخر المملكة في حسم المعركة في اليمن قد يكون له انعكاسات سلبية على توازن القوى في المنطقة، كما أن التقارب الأمريكي مع إيران بشكل قد يفضي إلى مضيها في المشروع النووي سيكون له تبعاته الأمنية والسياسية على السعودية، وهو أمر تحاول وقفه أو تأجيله على الأقل من خلال استعادة حضورها ودورها في دول المنطقة من خلال التوصل إلى تفاهمات تسهم في تبريد حالة التوتر القائم من أجل حلحلة الاحتقانات السياسية في المنطقة. إذ إن استتباب الأمن مهم وضروري من أجل المضي في مشاريع التنمية. فمن خلال إيجاد حل لحرب اليمن يمكن للمملكة المضي في مشروع رؤية 2030، وهو المشروع الذي يتوقع منه تعزيز مكانة السعودية إقليمياً ودولياً.الدوافع الإيرانيةمن خلال التدقيق في موقف إيران في تقاربها مع السعودية نجد أن الملفات الاقتصادية هي المحرك الرئيسي في مفاوضاتها. وتتمثل هذه الدوافع في النقاط الرئيسية التالية:– إيجاد فرص اقتصادية مع المملكة تخفف من ضغط العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها:من خلال تقاربها مع المملكة تحاول إيران تخفيف حدة الضغوط التي فرضتها العقوبات الاقتصادية ومنعتها من الاستفادة من إمكاناتها الاقتصادية، وهو أمر ينعكس سلباً على مشاريعها التوسعية في المنطقة، وعلى قدرتها في المضي في مشروعها النووي، وعلى قدرتها في الحفاظ على استقرارها الداخلي في ظل تنامي الاحتجاجات الداخلية.– وقف الدعم السعودي لجبهات المعارضة الإيرانيةفي الفترة الأخيرة ازدادت معاناة إيران بسبب استمرار العقوبات الاقتصادية، وتغير الأوضاع الإقليمية، وعدم قدرتها على الحسم العسكري. كما أن وجود معارضة داخلية. إضافة إلى وجود احتجاجات شعبية على تردي الأوضاع الاقتصادية، يزيد من حجم الضغوط التي تعترض مشاريعها في المنطقة. وتدرك إيران أن تنامي هذه الضغوط مرتبط بالتغيرات الإقليمية. إضافة إلى وجود عامل الدعم الخارجي أياً كان مصدره. ومن هنا ضمنت بند التوقف عن دعم المعارضة وتقديم أي دعم سياسي أو إعلامي أو مالي لها من قبل السعودية ضمن الشروط الأساسية في جولات مفاوضاتها. إذ كان على رأس هذه الشروط وقف دعم السعودية لـ”جيش العدل”، ومقره في بلوشستان، جنوب شرق إيران. ويمثل المعارضة السنية بالمنطقة، ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وفصائل المعارضة الأحوازية. إذ تتهم طهران الرياض بتقديم دعم وتمويل لهجمات الجماعة المسلحة التي كانت تنفَّذ على جهاتٍ أمنية وعسكرية تابعة للنظام الإيراني.– تنسيق جهود الدعم السعودي واستثماراته في العراق وسوريةفي ظل استمرار أمد الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية. أصبح من الصعب استمرار الحياة في المناطق التي شهدت الحروب بالوكالة بعد أن دمرت بنيتها التحتية. وفي حين أعلنت السعودية إمكانية تبنيها مشاريع إعادة الإعمار. ظهرت تخوفات من قبل الجانب الإيراني من إمكانية توظيف خطط إعادة الأعمار في تقليص المكتسبات الإيرانية. وتقليص نفوذها في الداخل السوري والعراقي. أو استخدام تلك المساعدات والخطط في الضغط على التيارات الشيعية التي شُكلت خلال الفترة السابقة. ومن هنا ركزت على ضرورة وضوح أهداف واستراتيجيات تلك الخطط بشكل لا يتعارض مع مصالحها في أماكن وجودها في تلك المناطق.– احتواء التغيرات الإقليمية التي ليست في مصلحتهاعلى الرغم من وجود نفوذ إيراني كبير في كل من العراق وسوريا. فقد عانت مؤخراً من خسارات متتالية في الحرب الأهلية السورية. في ظل صعوبة حسمها عسكرياً. بالإضافة إلى خسارتها لبعض نفوذها في الأوساط الاجتماعية العراقية بعد الاحتجاجات الرافضة للتدخلات الإيرانية التي انطلقت عام 2019. وأرغمت حليفها رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي على الاستقالة. كما أن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية ووصول حركة طالبان السنية إلى السلطة شكل تحدياً إضافياً للنفوذ الإيراني في المنطقة، وصار من المحتم عليها أن تتبنى أساليب سياسية جديدة تميل إلى الجانب الدبلوماسي أكثر من الحسم العسكري حتى تتواكب مع هذه التغيرات ولا تفقد مكاسبها السابقة.انعكاسات التقارب السعودي الإيراني على ملفات المنطقةكلا الطرفين يملكان ثقلاً في المشهد السياسي والأمني في المنطقة. لذا انعكست حالة التوتر القصوى. التي شابت العلاقة بينهما على مختلف الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة على مدار السنوات الخمس المنصرمة. وفي حال المضي في تحديد ملامح جولات المفاوضات القائمة وتمكن الطرفين من تحقيق تقارب حقيقي بينهما. فستشهد المنطقة انعكاسات عدة، أبرزها:1- إمكانية حل إشكاليات المنطقة بجهود إقليميةمن الأهمية بمكان النظر إلى الدور العراقي القائم في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، فعلى الرغم من أنه قائم بفعل تأثير أمريكي نتيجة تقارب السلطة السياسية الجديدة مع المحور الغربي، فإنه وعلى عكس المتوقع كان له دور في نجاح التقريب بين السعودية وإيران من خلال تبنيه جولات المفاوضات على أراضيه، ويأتي الدور العراقي ليعيد النظر إلى إمكانية حل الملفات الساخنة من قبل الفواعل الإقليمية دون الحاجة إلى تدخل الأطراف الخارجية، ولم يكن لهذا الدور العراقي أن يظهر على السطح لولا عزم الولايات المتحدة على انسحابها من المشهد في المنطقة بعد أن تراجعت أهميتها الاستراتيجية أمام تنامي التهديدات الدولية الجديدة المتمثلة بالتهديد الصيني والدور الروسي.2- تخفيض حدة التوترات في مختلف الجبهاتالتقارب السعودي الإيراني قد يكون له انعكاساته الإيجابية على ملفات الصراع العسكري والسياسي القائم في الدول العربية، إذ يشير كثير من التقرير إلى أنه في حال حصل تفاهم بين إيران والسعودية فسيؤدي ذلك إلى إنهاء الحرب بالوكالة في المنطقة، والحكومة اللبنانية سوف تتشكّل، لأن المشكلة الأساسية في تشكيل الحكومة تكمن في عناد التحالفات السياسية، بحيث يمكن للسعودية وإيران أن تساعدا اللبنانيين على تشكيل الحكومة وترتيب الوضع الاقتصادي، والصراع في اليمن من الوارد جداً أن ينتهي، كما يمكن أن يستتب الوضع في العراق، إضافة إلى ذلك قد يؤدي هذا التقارب إلى زيادة الزيارات بين الرياض ودمشق، التي من الممكن أن تفشل قانون قيصر في حال التفاهم، وموضوع إعادة الإعمار في سوريا سيكون للمملكة دور كبير فيه، وهذا بدوره قد يسهم في تخفيف حدة التوتر الإقليمي والالتفات إلى المشاكل الداخلية للطرفين، بشكل قد ينعكس على استقرار الدول المتضررة من الصراع بينهما.3- إمكانية تشكل دبلوماسية جديدة تعيد رسم خارطة التحالفاتعلى عكس التوقعات المسبقة، لم يؤد الانسحاب الأمريكي؛ من أفغانستان وحالياً العراق، إلى انفجار حالة من الفوضى، بل يبدو أن هذه الانسحابات مهّدت لتشكيل دبلوماسية إقليمية قائمة على أساس المفاوضات التي قد تعود بالفائدة على الإقليم، حيث يسعى جميع الفاعلين إلى إصلاح العلاقات المتوترة للبدء من جديد في ضوء توازن القوى القادم. ويتضح ذلك جلياً من خلال انفتاح تركيا على خصومها، وتوجه السعودية وحلفائها في المنطقة نحو قطر. إضافة إلى التصريحات الأخيرة التي تفيد بإمكانية حلحلة الملفات العالقة بين الرياض وطهران.خاتمةبعد السرية التي شابت الجولات الثلاث التي جمعت بين السعودية وإيران. جاء الإعلان عنها مؤخراً ليفتح باب الجزم بوجود مفاوضات وحوار قائم بين الطرفين. حوار تحددت ملامح بعض محاوره لكن لم يُكشَف عن كل بنوده. وبغض النظر عن الكشف عن هذه البنود من عدمها. يبدو أن الطرفين عازمان على المضي في تبني سياسة جديدة. تتناسب مع حجم وطبيعة التحديات التي فرضها الانسحاب الأمريكي من المنطقة. إضافة إلى وجود تغيرات إقليمية تستوجب منهما ركن حالة الجمود السياسي. وتبني خطوات تكتيكية مشتركة تجنبهما دفع الثمن الغالي الذي سيدفعانه في حال استمرت القطيعة.لكن هل لمثل هذه التقاربات أن تنهي حالة العداء الجذري الذي يغلف العلاقة؟ أم أنها ستكون أشبه بجولة استراحة تليها جولات جديدة من الحروب بالوكالة؟ إجابة هذا السؤال مرتبطة بشكل أساسي بمدى قدرة الطرفين على تجاوز ملفات العداء والتوصل إلى بنود اتفاق ملزمة بينهما. كما أنه مرهون بالتغيرات المتسارعة والطارئة التي تشهدها المنطقة.الكلمات المفتاحية :الانسحاب الأمريكي من أفغانستان, التهديد الحوثي, الحرب بالوكالة, الحرب في اليمن, العقوبات الاقتصادية, المباحثات السعودية-الإيرانية, تغير السياسة الأمريكية
