منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

الاطار النظري للادارة الازمات

    الاطار النظري للادارة  الازمات

إن وسائل التقدم والرقي والاكتشافات الحديثة في المجالات المختلفة لم تحد من الأزمات أو تمنع حدوثها، بل بالعكس أدت إلى تسارعها وظهورها بأشكال وبأساليب مختلفة، إلى أن وصلت الأمور إلى صراع جديد وآني .





وبالرغم من أننا نعيش اليوم في ظل تيار عارم متدفق من الأحداث السريعة المتلاحقة أحدثته وسائل التقدم وأفرزته التكنولوجيا الحديثة، وتنعم البشرية بنتاجها، إلا أنه في الوقت ذاته خلّفت معها أزمات وكوارث تشكلت هي الأخرى بأشكال مختلفة اتسمت بالسرعة والتعقيد، مما استوجب التصدي لها والاستفادة من الدروس التي خلّفتها .
وتختلف الأزمات من مجتمع لآخر، فالمجتمعات المتقدمة تمتلك القدرة والأساليب العلمية الحديثة لمواجهة الأزمات، أما الدول النامية والفقيرة، فالأطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي التي تحكمها، وكذلك علاقات عدم التوافق بين الكيانات الإدارية داخل الكيان الواحد، في ظل إمكانيات مادية وعلمية غير كافية وغير منتظمة تفرض سلوكيات معنية، ومواجهات تفتقر إلى الشمولية في المنهج العلمي; حيث تعتمد المستويات الإدارية المختلفة في مواجهة ما يصادفها من مشكلات، وما يفاجئها من أزمات، غير عابئة بما يأتي به العلم الحديث في مناهج إدارة الأزمات والكوارث .
من هنا اتسمت أزمات هذه الدول بالعمق والقوة، وشدة الغموض وشمولية التأثير نتيجة جمود الفكر، وعدم تقبل الجديد، والعشوائية في اتخاذ القرار الغير صائب .
وفي السنوات الأخيرة اهتمت الأمم والشعوب بالعلم الحديث، واهتم متخذو القرار بالأساليب والقواعد العلمية التي تحكم السلوك وترشد متخذ القرار نحو الحلول المثلى، في ظل إمكانيات هائلة من نظم معلومات، واتصالات، وتقنيات ووسائل تكنولوجية متطورة في مواجهة الحدث وإزالة آثاره في وقت قياسي .
وتقدم وسائل الإعلام والاتصال قد مكن من إذابة المسافات بين مواقع الأزمات ومتخذي القرار، ومكنّ الإعلام من قيام دور فاعل في توعية الجمهور وإرشاده، باتباع قواعد السلامة والأمان. لقد استفادت الدول والشعوب من الأزمات التي حدثت في العالم، واستخلصت دروساً منها، فأزمة الغذاء جعلت الدول تتسابق في استنباط سلالات جديدة ذات إنتاج وفير، وأزمة الإرهاب ومعاناة شريحة كبيرة من دول العالم من ويلاته جعلت الدول وما زالت تبحث عن وسيلة للقضاء عليه. بحيث أصبحت الكيانات الإدارية في ظل النظام العالمي الجديد جزءاً من عالم كبير، مما جعل الأزمات أحداثاً عالمية الحدوث والأثر مهما كانت محليتها، تجد من الدارسين والمهتمين آذاناً صاغية في عالم أصبح وحدة اجتماعية متقاربة مترابطة سياسياً واقتصادياً وإدارياً، يتأثر الجزء منه بالجزء الآخر .
ومن هذا المفهوم يجب على الأجهزة الحكومية أن تدرس وبشكل جدي مراعاة التوازن بين تكلفة إنشاء مراكز لإدارة الأزمات وبين تكلفة مواجهة الأزمات المفاجئ وأن يكون الفارق الزمني بين التقاط إشارات الإنذار وترجمتها والاستفادة منها وبين استجابة متخذ القرار مناسباً لمراجعة خطط المواجهة واتخاذ إجراءات الوقاية. وفي حقيقة الأمر أن أي جهاز حكومي أو خاص يواجه بين الحين والآخر لنقاط ضعف وهذه النقاط تجعلها مستهدفه لأنواع معينه من الأزمات ولابد من تحديد معايير واضحة تحدد الأزمات وأنواعها وبالتالي الاستفادة منها في التخطيط لتجنب الأزمات المتوقعة أو التخفيف منها وإعداد عناصر المواجهة ومثال ذلك الأزمة التي واجهت الأجهزة الحكومية في محافظة جدة فلو كان هناك مركز لإدارة الأزمات بحيث يتم التعرف على بوادر الأزمة ومؤشراتها ومن ثم قراءة البيانات والمعلومات التي تم الحصول عليها لتحديد متطلبات المواجهة بدلاً من حودث الأزمة ومن ثم المواجهة وأحيانا المواجهة تكون بصورة عشوائية وبتكاليف باهضه من هذا المنطلق لا توجد أمة بدون كوارث أو أزمات.. لا تعلم متى تثور، وفي واقع الأمر هناك أزمات يمكن السيطرة عليها واحتوائها، إلا أن هناك أزمات يصعب التنبؤ بها، ولا يكون من السهل تفسيرها، و إن فسرت استعصت معالجتها، وإن عولجت صعب التخلص من آثارها .
إن تأهيل المفهوم العلمي للأزمات بمختلف أنواعها لدى المدارس بحيث يتم إدراجها ضمن المناهج التعليمية الإعدادية والثانوية بصورة مبسطة ثم تدريس على المستوى الجامعي بتوسع وإحداث تخصص لهذا العلم، ومتابعة تطورات علم إدارة الأزمات أولاً بأول يخلق ثقافة وطنية، وكيفية التعامل مع الأزمات مستقبلاً .

وفيما يلي تصور لنموذج مقترح لإنشاء مركز إدارة الأزمات بحيث يوجد في كل وزارة من الوزارات :
نموذج مقترح لإنشاء مركز إدارة الأزمات
إن استحداث إدارة مستقلة للأزمات يتطلب معرفة محددات التنظيم الفعال لوحدة إدارة الأزمات والتي تنحصر فيما يلي :-
1. أهداف هذه الوحدة .
2. الأنشطة المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف .
3. الإمكانيات المادية والبشرية المطلوبة للوقاية من الأزمة أو إدارتها عند وقوعها .
4. عنصر ضيق الوقت عند اتخاذ القرار .
5. وجود نظام اتصال فعّال .
6. تحديد الأجهزة التنظيمية الحكومية الأخرى في المنطقة أو المحافظة تساهم في مواجهة الأزمات مع توفر المرونة .
وعلى ضوء ذلك يمكن استحداث مسمى "إدارة الأزمات" بكل وزارة تتكون من فريق يضم مجموعة خبراء هم عبارة عن أفراد سبق وأن اكتسبوا الخبرة ممن تتوفر لديهم المواهب والخصائص الطبيعية والاستعداد لاكتشاف المعرفة اللازمة للتعامل مع مثل هذه الأزمات ومواجهة المواقف الصعبة وتدريبهم تدريباً جيداً، وتهيئة الفرص أمامهم لوضع الخطط وتطويرها في ظل الإمكانيات المتوفرة والرغبة في تطوير الذات، وتنمية لقدرات. ولا يشترط تفرغهم تفرغاً كاملاً، بل يظلون في وظائفهم، ولا يستدعون إلا للتدريب داخلياً أو خارجياً لإعدادهم لمواجهة الأزمات. ويراعي التنسيق في منحهم إجازاتهم السنوية، وتعقد لهم اجتماعات دورية، وتطور الخطط لمثل الحالات الطارئة تحت مسمى لجنة الخبراء أو لجنة الأزمات .
ينضم إلى هذه اللجنة مدير عام لفريق إدارة الأزمات، ورؤساء الفرق الفرعية المتخصصة في مجالات مختلفة مثل الحرائق، الاختناقات المرورية، تسربات الغازات السامة، السيول وسائر الأزمات الأخرى المتوقعة. ويمثل كل وزارة خبير ورئيس فريق إدارة أزمة من كل وزارة حسب عملها المنوط بها .
لابد أن توفر اللجنة السابقة مخزوناً مناسباً من العدد والآلات والتجهيزات والأجهزة اللازمة لكل أنواع متوقعة في كل وزارة تختص بما يدور في نطاق تخصصها في مستودعات ملائمة تسهل تحريكها بسرعة مناسبة وفي وقت وجيز .
إن اقتراح الهيكل التنظيمي الفعال لمركز إدارة الأزمات على مستوى الوزارة يتضمن قسماً لإدارة المعلومات والحاسب الآلي، إدارة التنبؤ والتخطيط، إدارة الاتصال، الإدارة المالية، إدارة متابعة وتنفيذ خطط وبرامج وإجراءات الأزمات، وإدارة فرق إدارة الأزمة .
ويتم إيضاح الخصائص التنظيمية لكل إدارة من إدارة الأزمة وخاصة إدارة قيادة فرق إدارة الأزمة، وخصائص كل فريق .
ويتم توفير التعاون بين كل هذه الإدارات التي يجب أن تكون على مستوى كل منطقة، محافظة على مستوى المملكة ككل .


مدير مركز إدارة الأزمات
إدارة المتابعة
الإدارة المالية
إدارة المعلومات والحاسب الآلي
إدارة الاتصالات
إدارة فرق الأزمة
إدارة التنبؤ والتخطيط
مجموعة من المستشارين والخبراء
مهام إدارة مركز إدارة الأزمات
أولاً: إدارة المعلومات والحاسب الآلي:
1. توفير البيانات والمعلومات المطلوبة لإدارة الأزمات من مصادرها أولاً بأول .
2. تصميم وتنفيذ أساليب حفظ واسترجاع البيانات والمعلومات آلياً .
3. تصميم وتحليل نظم قواعد البيانات .
ثانياً: إدارة التنبؤ والتخطيط :
1. التنبؤ بالأزمات المستقبلية آياً كان نوعها سواء كانت من مصدر داخلي أو خارجي.
2. تصنيف وتحليل وتقييم المخاطر والأزمات المحتملة وفقاً لاحتمال حدوثها وشدة خطورتها ودرجة المواجهة .
3. تحديد أكثر الأزمات احتمالاً وخطورة التحضير لمنعها أو الاستعداد لمواجهتها والتخطيط لاستعادة النشاط بعد المواجهة .
4. تحديد إشارات الإنذار المبكر التي تنبئ بوقوع الأزمة .
5. تحديد متطلبات خطة المواجهة وما تتطلبه من موارد بشرية ومالية وفنية .
6. وضع سيناريوهات للأزمات (أسوأ وأفضل سيناريو) حسب متطلبات الأزمة أو الحد من آثارها .
7. التدريب على هذه الخطط وتجربتها، مع افتعال أزمات التي يمكن أن تحدث والتدريب عليها .
ثالثاً: إدارة الاتصالات :
وتخص بإدارة الاتصالات الداخلية بكافة المسؤولية داخل الإدارات المختلفة في الوزارة أو الجهة، كذلك الاتصالات المحلية داخل الوزارات المعنية بالتصدي للأزمة. أما الاتصالات الخارجية وهي المختصة باستدعاء الخبراء من الدول والمنظمات الدولية وخصوصاً من الدول التي لها سابق خبرة في مثل هذه الأزمات .
ومن المهم جداً أن يكون نظام الاتصالات فعالاً بإمكانيات حديثة في نطاق ديناميكي يحدد كافة الجهات ذات الصلة بالأزمة .
رابعاً: إدارة المتابعة :
وهي خاصة بمتابعة ما تم إنجازه في كل مرحلة على حدة بالحجم المطلوب وفي التوقيت والمكان المناسبين وتقويم الانحراف إن وجد .
خامساً: الإدارة المالية :
وهي الإدارة التي تختص بتوفير الموارد المالية أثناء إدارة الأزمة، وأثنائها وما بعدها .
سادساً: إدارة فرق الأزمة :
وهي الإدارة التي تتولى إدارة فرق الأزمة وتنفيذ الخطط الموضوعة وتنسيق العمل بين أفراد الفريق وإثارة واقعيتهم والربط بين الفرق وأدائها .
سابعاً: مجموعة الخبراء والمستشارين :
فيجب أن يمثلوا وزارة الخدمة المدنية، وزارة المالية، وزارة الدفاع-الداخلية-المواصلات-الصحة، الشئون البلدية والقروية أو أي جهة أخرى يكونوا مؤهلين تأهيلاً علمياً بدرجة كبيرة في مجال الأزمات، ويبعثوا لاكتساب العلوم والمعارف الحديثة عن الأزمات المختلفة للخارج، ويبدون المشورة والرأي الصائب، كل في مجال تخصصه .
وعلى كل حال لابد من مراعاة التنسيق بين عمل الإدارات المختلفة، وتحديد للسلطات والمسؤوليات من خلال تعليمات واضحة في خطوط مستقيمة وقصيرة، حيث أن أهم عامل في التصدي للأزمات هو عامل الوقت وفعالية التنسيق .
وتعرض أعمال اللجنة على الوزراء لإقرارها ثم تشكل هذه الوحدات على مستوى المناطق والمحافظات، ويتم عقد لقاء موسع لقادة هذه الإدارات ومجالس المناطق والمحافظين لشرح وتوضيح سياسات استراتيجيات وأساليب العمل .
ويجب أن يكون تنسيقاً دائماً متصلاً بصفة يومية بين هذه الإدارات بالمحافظات وبين مراكز إدارة الأزمات في الوزارات المختلفة. كما يجب وضع استراتيجيات تؤمن توفير الإمكانيات المادية والبشرية والتكنولوجية والدوائية والأجهزة الأخرى التي تكفل بهذه الوحدات القيام بمهامها في أسوأ الظروف .
أن يكون مركز إدارة الأزمات مرتبطاً بالوزراء ارتباطاً مباشراً بحيث يطلع الوزراء على كل جديد من حيث التوقعات والاحتمالات والتنبؤات، وتصدر نشرة دورية يصدرها مركز إدارة الأزمات .



منشور

اخلاقيات الاقتصاد الاسلامي مقارنة بالنظم الاقتصادية العالمية


منذ ظهور النظم الاقتصادية الوضعية، الرأسمالية في منتصف القرن الثامن عشر، ولاحقا الشيوعية، لا تزال هذه النظم تعاني من اختلالات جوهرية كامنة، فالشيوعية رغم أنها ظهرت مناهضة للرأسمالية ومحاربة الفكر الامبريالي ونظّرت لسقوطه واستخدمت في ذلك أدوات تحليلية في التفسير المادي للتاريخ، وعزت انهيار الرأسمالية إلى الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي، ومع ذلك انهار النظام الشيوعي في مهده قبل أن يحقق مجتمعه الفاضل الذي وعد به. أما النظم الاقتصادية المتبقية فهي الرأسمالية والاشتراكية، التي تجمع بين خصائص الرأسمالية والشيوعية، ولها تطبيقات اقتصادية في كثير من المجتمعات. غير أن السائد والمهيمن الآن هو فكر النظام الرأسمالي، ومع أن هذا النظام لا يزال عنواناً للحضارة الغربية وما توصلت إليه من تقدم في مختلف المجالات، فهو لا يزال أيضا يعاني من اختلالات جوهرية، وقد افرز العديد من الأزمات الاقتصادية والإنسانية عبر تاريخه، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر هناك ما لا يقل عن 40 انتكاسة للاقتصاد الرأسمالي، والملفت أن هذه الانتكاسات ملازمة للرأسمالية ومراحل دورية يمر بها 

الاقتصاد، وتوصف بالدورات الاقتصادية حيث يمر النشاط الاقتصادي بمراحل أربع : الانتعاش ثم الركود ثم الكساد ثم التعافي، وهذه الدورات ما هي إلا انعكاس للفلسفة التي يقوم عليها الفكر الرأسمالي وآلية سوقه الحر. ولعل اخطر الأزمات التي مر بها النظام هو الكساد العظيم في 1929م ، الذي افقد الولايات المتحدة الأمريكية نصف اقتصادها خلال سنوات قليلة وإفلاس آلاف الشركات وفقدان مئات الآلاف مصادر دخلهم، واكتساح موجه الأزمة كل الاقتصاديات العالمية الرأسمالية، وقد كانت بحق كارثة إنسانية لن ينساها العالم، وتأتي أزمة النظام المالي الحالية انتكاسة أخرى للرأسمالية. ورغم التعديلات التي مر بها النظام الرأسمالي، إلا أن هذه الأزمات المستمرة تدل على وجود انحرافات جوهرية في إيديولوجيته، ولا أدل على ذلك من التدخلات والإسعافات السياسية المستمرة لإنقاذ الرأسمالية منذ 1929م والى الآن. ومهما تعافى النظام من أزماته إلا أن الدلائل تؤكد على نهاية حتمية لا مفر منها، سواء طال الزمن أم قصر، لان المشكلة ليست في التطبيقات الاقتصادية للنظام الرأسمالي، وإنما تكمن في فلسفته وإيديولوجيته. وطالما أن النشاط الاقتصادي يعبر عن شبكة من السلوكيات الاقتصادية في اطر تنظيمية وقانونية معينة، فان نجاح هذه السلوكيات يعتمد على الفلسفة والإيديولوجية لهذه السلوكيات وكذلك الآليات التنفيذية لتحقيق أهداف وغايات هذه السلوكيات. ومعلوم أن الفكر الرأسمالي قائم على فلسفة مادية بحته، ولا يعترف بأي دين سماوي، لذا فهو مفرغ تماماً من القيم الدينية والأخلاقية، حتى وان زعم العدالة والخيرية والمنافسة العادلة، لان الواقع يثبت عكس ذلك، فبعد الرأسمالية كيف أصبح العالم؟ انقسم العالم إلى دول نامية ومتقدمة، ودول شمال ودول جنوب، وبفضل الرأسمالية تراكمت 80% من ثروات العالم في أيدي 20% من سكان العالم جلهم في الدول الرأسمالية، وأصبح 80% من سكان الأرض يتصارعون على 20% من ثروة العالم، وبعد الرأسمالية انقسم الناس في مجتمعاتهم إلى دائن ومدين طوال حياتهم بسبب الفوائد الربوية. إن هذه الإفرازات لا يمكن تنتج من نظام وفكر به أدنى قدر من العدالة الإنسانية فضلا عن الأخلاق والقيم الدينية.
وهنا يأتي الاقتصاد الإسلامي كنظام يحمل في طياته المكونات الأخلاقية والدينية، فالاقتصاد الإسلامي يحمل عقيدة سماوية الهية تهذب سلوك الإنسان في كيفية التعامل مع كل موجودات الكون وموارده ، وسلوكه مع الآخرين، فالنظام الإسلامي عقيدة وفلسفة وتطبيق وغايات سامية لا تقتصر على المنافع المادية الزائلة، بل تتجاوزها إلى أهداف اخروية من اجر وثواب. وتظهر بجلاء أخلاقياته في تحقيق مفهوم العدالة والخيرية والرفاه الاجتماعي، من خلال تحريم كل السلوكيات التي تؤول إلى الظلم مثل الاستغلال من خلال المعاملات الربوية والغرر والظلم التي قد تقع في التعاملات الاقتصادية، واحترام وظيفة رأس المال في الإنتاج الحقيقي وليس الوهمي، ومنع بيع الديون التي هي سبب الأزمات الاقتصادية. وتأتي مؤسسة الزكاة العظيمة التي هي ركن لا يصح إسلام المرء إلا بأدائه، وذلك لعظيم أثرها وأهمية دورها في التوازن الاقتصادي والاجتماعي، والزكاة هي أداة لمحاربة التراكم الرأسمالي في أيدي فئة محدودة دون أن تسهم في مساعدة الآخرين، ومحاربة الطبقية الاقتصادية واتساع الفجوة الاقتصادية بين فئات المجتمع، كما أنها تكشف عن فلسفة في غاية الأهمية وهي الاعتقاد بان مالك المال المطلق هو الخالق سبحانه وتعالى، وأما الإنسان فملكيته ملكية استخلاف، وعليه أن يؤدي وظيفة الاستخلاف كما أرادها الخالق سبحانه وتعالى.
والاقتصاد الإسلامي كان هو النظام الذي ساد عبر الحضارة الإسلامية بنحو أكثر من ألف سنة، ولم يكن سبباً في أي أزمة مالية أو سياسية. ولكون النظام الاقتصادي الإسلامي جزء من منظومة كبرى وهي الشريعة الإسلامية، فلا يتصور أن يُطبّق هذا النظام في غير بيئته، فأول شرط لنجاح نظام الاقتصاد الإسلامي هو العودة إلى الشريعة الإسلامية عبادةً وسلوكاً ونظاماً، وهذه هي الخطوة الأهم لكي نطبق هذا النظام، ثم تأتي الخطوة التالية وهي بناء مؤسسات اقتصادية تتلاءم مع طبيعة المجتمع الإسلامي ومكوناته، وأولها تكوين النظام المالي الذي هو عصب الاقتصاد وحلقة الوصل بين أصحاب الفوائض وأصحاب العجز المالي، واستبعاد الفوائد الربوية كأداة محركة لهذا النظام وكأداة لإدارة الاقتصاد.
وهاهو اليوم يدرك حكماء الرأسمالية وعلمائها وحشية هذا النظام الذي افرز المآسي الإنسانية والأزمات الاقتصادية المتتالية، واليوم يدعوا بكل جرأة بضرورة تطبيق هذه الأخلاقيات التي هي مكونات أساسية في فلسفة الاقتصاد الإسلامي، وقد أعلنت بعض المؤسسات الإعلامية بصراحة أن الرأسمالية بحاجة إلى أخلاقيات وقيم الإسلام. وفي هذا الإطار، كتب رئيس تحرير مجلة تشالنجر تحت عنوان " البابا أو القران" وهنا يشير إلى ضرورة العودة إلى التعاليم الدينية إما إلى المسيحية أو إلى الإسلام، حيث يتساءل عن مدى أخلاقية الرأسمالية!! وأخلاقية الفوائد الربوية!! ومدى ما أدت إليه من كوارث إنسانية!! وقال إننا بحاجة إلى قرأة القران الكريم لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا !! وقال لو احترمنا ما ورد في القران لما حل بنا كوارث كهذه ولما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لان النقود لا تلد نقودا !! وبجرأة اكبر طالب رئيس تحرير صحيفة لوجورنال بضرور تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لمنع التلاعب بقواعد المعاملات والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة. ويتساءل كاتب آخر: هل تأهلت سوق وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟ وقدم سلسلة من المقترحات وعلى رأسها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية. ومن الخطوات العملية في هذا الإطار، قامت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية، وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك، باتخاذ قرار بمنع الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي، وهو ما ينطبق مع قواعد المعاملات الإسلامية.

غير أن تطبيق الاقتصاد الإسلامي ليس بالأماني وليس مجرد شكليات تطبيقية وإنما لابد من توافر البيئة المناسبة له، وأولها السلوك الأخلاقي والقيمي لأفراد المجتمع ووحداته الاقتصادية والتنظيمية والقانونية، و لا يمكن تبني الاقتصاد الإسلامي في التطبيق بينما العقيدة رأسمالية، فلا بد من العودة الحقيقية لبيئة النظام الاقتصادي الإسلامي ضمن إطار منظومة الشريعة الإسلامية، وانعكاس ذلك على سلوكيات المجتمع وأفراده، وحينئذ يتحول الاقتصاد إلى أهداف أخلاقية وخيرية مع المنافع المادية، ويصبح وسيلة وليس غاية.