اعداد هشام عوكل
منذ سنوات و الصحافة العربية تواجه استحقاقات تشكل في مجموعها تحديات وجودية
بدأت ارهاصاتها بالظهور خلال الاعوام القليلة الماضية. بعض هذه الاستحقاقات هي جزء
من ظاهرة كونية تلقي بظلالها على صناعة الصحافة الورقية في معظم دول العالم، والبعض
الآخر مرتبط بخصوصية العالم العربي ةما يشهد من تغيرات في المؤسسة السياسية تتمثل في
سيطرة الحكومة على ادارات الصحف وعلى السياسة التحريرية في ظل التنافس مع عشرات المواقع
الاخبارية الالكترونية ووسائل اعلانية لذا
ظللت ولم تطور ادارات الصحف استراتيجيات حديثة في التسويق ولم توسع من مصادر دخلها
ولم تدخل في شراكات حيوية مع وسائل اعلام بديلة كالتلفاز والراديو ولم تسع الى تملك
وسائل اعلان غير تقليدية كاللوحات الاعلانية في الشوارع والميادين والمولات وغيرها
ومع دخول المانفس الاكبر الصحافة الالكترونية تحتل مكانة هامة في المشهد الإعلامي ومنافسا
قويا للصحافة التقليدية، خاصة مع الثورة التي عرفتها تكنولوجيا المعلومات (1. والإتصالات
فالتوسع الكبير الذي تعرفه الصحافة الالكترونية يوما بعد يوم، جعل منها
ظاهرة إعلامية جديدة ومصدرا رئيسيا للمعلومات والأخبار بلا منافس، خاصة مع التزايد
الكبير على استعمال الإنترنت كمصدر رئيسي للوصول للمعلومة بسرعة وسهولة وبأقل تكلفة
ففي دراسة قامت بها شركة ميكروسوفت، حددت 2018 كأخر
سنة تطبع فيها صحيفة مطبوعة خاصة في الدول المتقدمة، مما ينبئ بتزايد أعداد الصحف الالكترونية
بشكل كبير(2.
الخروج من نفق الأزمة لن يكون سهلا ولكنه ليس مستحيلا
ايضا، ورغم تغير معادلات السوق وواقعه خلال السنوات الأخيرة تظل الصحف اليومية جزء
مهما من واقع الاعلام العربي ولجهل البعض من استخدام الشبكة العنكبوتية ينبغى العمل سريعا على انقاذه وديمومته.
.
وقد ساهم وجود “حرية إنشاء المواقع الالكترونية
على شبكة الإنترنت في نشوء الصحافة الالكترونية والتي تخطت مشاكل الحدود والمساحة والوقت
وزادت من التفاعلية، ولا تزال تسعى لإنشاء مستقبل لها، وتوفير استمرارية لها عبر الاستفادة
من التقنيات المتاحة والتي تفرزها الثورة التكنولوجية القائمة بالإضافة إلى ظهور مصطلح
“الصحافة المواطنة” التي تعتمد بشكل كبير على المواطن الذي أصبح يشارك “في صناعة الخبر
الذي يتحدث عن مجتمعه وقضايا حياته اليومية، بالإضافة إلى تفاصيل خبر عن طريق الإتصال
بالمؤسسة أو تعديل أو إضافة أو تغيير، فتكون مساحته كبيرة في المشاركة في صنع القرار،
وتعزز لديه ولدى مجتمعه مفهوم الديمقراطية
لكن هذا الانتشار الملفت للصحافة الالكترونية لم
يواكبه اهتمام مواز بالمهتمين والفاعلين بهذا المجال تاطيرا وتكوينا وتشريعا وتقنينا.
“فالصحافة الالكترونية في الدول العربية تبقى عالقة في العديد من المشاكل والصعوبات
في ظل عدم وجود اعتراف رسمي بها كوسيلة إعلامية مثلها مثل باقي وسائل الإعلام الأخرى
مع العلم أن هذه الأخيرة أصبحت تعتمد بشكل كبير على ما ينشر في الصحف الالكترونية.
ويمكن تلخيص هذه المشاكل والصعوبات فيما يلي
– العودة إلى الحقائق
والتمسك بها والتحقق منها مراراً وتكراراً وعدم الوقوع في فخ النقل والتناقل السريع
للمعلومات عبر النسخ واللصق وعدم الوقوع في فخ أخذ الحقائق من طرف واحد ومن وجهة نظر
معينة. على الصحفي أن يتعلم أن أساس مصداقيته وأخلاقياته المهنية هي الحقائق.
ثانياً – إيجاد آليات جديدة للتحقق بشكل مهني من
المصادر الجديدة بحيث تستخدم التكنولوجيا لصالح الصحفي ولا تضعه رهينة لما تقدمه التكنولوجيا.
مثلاً ينبغي أن يتعلم كل صحفي كيفية التحقق من المواقع الاكترونية وينبغي أن يكون على
اطلاع على مواقع التواصل الاجتماعي وأهم الشخصيات ضمن المواطنين في المجتمع المدني
التي تأتي بالأخبار كي يحكم على مصداقية أخبارها عبر الخبرة المتراكمة
ثالثاً – الفصل بين الأيديولوجيات والانتماءات والميول
الشخصية من جهة وأخلاقيات المهنة الصحفية من جهة أخرى.
رابعاً – الاعتراف بأن الموضوعية وهم، وبأن الحيادية
حلم طوباوي، والتمسك بدلاً عنهما بالأمانة المهنية وبأخلاقيات الصحافة. فالموضوعية
التي طالما قيل لنا إننا نمارسها تختلف من صحفي لآخر مع أنهما يمكن أن يكونا في نفس
المكان ونفس الزمان يغطيان نفس الحدث لأن لكل منهما فهماً للواقع يختلف عن الآخر، فكل
إنسان لديه تكوينه وفكره واستيعابه. ولا يوجد صحفيون معدون مسبقاً في مصنع واحد يرون
الأشياء بنفس العين ويفهمونها بنفس الفكر. فحتى عندما نسعى بكل صدق إلى الموضوعية فهي
ليست ممكنة مئة في المئة وإنما جزئياً. أما الحيادية فهي بالفعل أمر غير ممكن تحقيقه،
فمجرد اختيار المفردات والصفات في الجملة يؤثر على انطباع المتلقي عن الموضوع أو الشخصية.
خامساً – إعادة النظر في تعريف الصحفي. هل الصحفي
البديل أو ما يعرف بالصحفي المواطن صحفي أيضاً؟
سادساً – التعامل مع واقع المتلقي الذي يتحول إلى
مرسل أحياناً بشكل مكمل ورادف للعمل الصحفي وليس كأنها معركة بين الصحافة التقليدية
وصحافة المواطن.
كل ما تقدم من توصيات مازال غياب الإطار القانوني
والتشريعي والإجرائي للصحافة الالكترونية نظرا
لحداثتها وسرعة انتشارها وتطورها وتزايد الاهتمام بها وتنوع المجالات والفئات
الممارسة لها ظل .
التكوين الأكاديمي والتأهيل في الإعلام الالكتروني عموما وفي مجال الصحافة الالكترونية
خاصة، فأغلب المزاولين للصحافة الالكترونية لاتتجاوز تجربتهم 5 إلى 10 سنوات .
قلة الكتابات والدراسات الجامعة في هذا المجال سواء
النظرية منها أو التطبيقية.
غياب بناء هيئات تحريرية كاملة ومتكاملة ومعروفة
للجميع تعمل بشكل جماعي ومتناغم بعيدا عن الفردية والعشوائية .
عدم وجود عائد مادي لدى أغلب هذه الصحف سواء من
حيت التمويل أو تسديد المصاريف، وعدم الاستفادة من الإعلان الذي مازل أصحابه يشعرون
بعدم الثقة في الصحافة الالكترونية.
غياب مأسسة الصحف الالكترونية من خلال تحويلها إلى
مقاولات إعلامية تابعة لشركات أو مسجلة بشكل قانوني .
صعوبة الوصول إلى المعلومة من مصدرها الأصلي وذلك
راجع إلى الفراغ التشريعي وعدم تمتع الصحفي بالحماية وغياب وثيقة تثبت صفته الرسمية
للجهة التي يتم تغطيت أنشطتها.(3
وتظل أبرز التحديات التي تواجهها الصحف الالكترونية،
كما يقول الأستاذ خالد الفرم: “هيمنة التقنيين وليس الصحفيين على إدارة الصحف الالكترونية،
من تحرير وتصميم وإدارة وإشراف، وهو ما يتعارض وأسس الصحافة الالكترونية، فمسؤولية
إدارة الصحف الالكترونية هي مهام إعلامية تحريرية وليست تقنية. المؤسسات الصحفية تحتاج
إلى إجراء تحولات تنظيمية في آليات الممارسة الصحفية السائدة فيها، وبناء معايير لتقييم
مواقع الصحف الالكترونية (معلوماتياً وخدمياً) خاصة وأن معظم المحتوى المعروض في المواقع
الالكترونية للصحف العربية على شبكة الإنترنت، لا يتناسب وجمهور الصحافة الفورية أو
الالكترونية”
المراجع
1-القدس العربي جريدة
تصدر من لندن العدد 17/05/2013
2 – عبلة درويش: الصحافة
الالكترونية مستقبل واعد ومتحف ينتظر الصحافة الورقية.
3- – خالد الفرم/ الصحافة الالكترونية
العربية.. أزمة صناعة أم ثقافة!
.jpg)