منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

الموت لحماس؟ أم الحياة لغزة؟

المقال الاسبوعي" زاوية حادة "
 الموت لحماس؟ أم الحياة لغزة؟
✍️ د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
الموت لحماس... ترامب يعود بحفّار القبور!
اعتدنا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن ينقلب على الصديق  ويضرب الحليف  ويطرد الموظف عبر تغريدة! لكن أن ينتقل إلى موقع "حفّار قبور سياسي"   فهذا جديد حتى على مقاييس الرجل.
في خطابه بتاريخ 25 يوليو الحالي  أعلن ترامب أن "حماس لا تريد السلام بل تريد الموت"... والأسوأ من ذلك أن مستشاره  ويتكوف  لم يتردد في الدعوة إلى "إعادة النظر في أسلوب تعامل واشنطن مع حماس"  في تلميح واضح إلى تجاوز المسار التفاوضي نحو خيار التصعيد الشامل. وكأن الإدارة الأمريكية  من خلال مستشاريها، تتعمد تجاهل مبادرة حسن النية التي قامت بها حماس حين أفرجت عن رهينة يحمل الجنسية الأمريكية إلى جانب الإسرائيلية  في خطوة أرادت بها إيصال رسالة إيجابية إلى الجانب الأميركي. ومع ذلك  لم تُقرأ هذه المبادرة كما ينبغي  ولم تُحسب في ميزان السياسة الأميركية التي تبدو منشغلة بمنطق القوة أكثر من منطق التفاهم.







كل هذا يعيدنا إلى حقيقة ترامب كما عرفناه: لا يؤمن بالوسطاء  ولا بالحلول  بل بالتهديد المباشر... حتى لو كان الثمن إشعال الشرق الأوسط بأكمله.
الولايات المتحدة: راعٍ للصراع لا للسلام
بعيدًا عن كوميديا ترامب السوداء  ما تكشفه هذه التصريحات هو انقلاب حقيقي في سلوك واشنطن  من دور "الوسيط" إلى دور الشريك المباشر في الحرب.
وإذا كانت الولايات المتحدة تدّعي دومًا أنها تلعب دورًا إنسانيًا في حماية المدنيين  فإن ما يحدث في غزة – من إبادة بطيئة وصمت عالمي مدوٍّ – لا يمكن فهمه إلا بوصفه تواطؤًا صريحًا ومباشرًا.
بل إن الحديث المتكرر عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" أصبح غطاءً أميركيًا جاهزًا لإلغاء وجود الشعب الفلسطيني من على الخارطة. وهذا يجعل واشنطن تتحمّل مسؤولية سياسية  وأخلاقية  وتاريخية في هذه المجازر.
اعترافات بلا مخالب: هل يعنينا أن تعترف فرنسا؟
بعدما أعلنت دول مثل إيرلندا وإسبانيا والنرويج اعترافها بدولة فلسطين  تساءل كثيرون: هل بدأ الغرب يُعيد النظر في مواقفه؟
لكن الحقيقة أن هذه الاعترافات  رغم رمزيتها  لا تملك أي قوة تنفيذية ما دامت غير مرتبطة بإجراءات عملية تُلزم إسرائيل بوقف الاحتلال والتوسع.
وما دام البيت الأبيض لم يُعلن موقفًا داعمًا لهذا التوجّه  فإن هذه الاعترافات تبقى أقرب إلى بطاقات تهنئة حزينة توزّع في جنازة جماعية... لا تغيّر شيئًا من حقيقة الموت تحت الركام.
ماكرون وترامب... خطبة اعتراف ومجزرة موازية
حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نية بلاده الاعتراف بالدولة الفلسطينية  تحرك ترامب فورًا للرد، مؤكدًا أن هذا الكلام "خارج السياق"، وملوّحًا بتهديد مباشر لحماس  وكأن الاعتراف الفرنسي جريمة تستوجب العقوبة الجماعية!
وهنا يتجلّى التناقض الفاضح في الأداء الغربي: اعتراف لفظي بحق الفلسطينيين يقابله دعم مادي وسياسي كامل لإسرائيل.
ماكرون يلقي خطبة رومانسية عن "السلام"، ثم يصمت حين تُقصف مدارس الأونروا!
وواشنطن تصرخ "الموت لحماس"  ولا ترفّ لها جفن أمام آلاف الأطفال المشوّهين.
أسئلة بلا إجابة... أم إجابات بلا أمل؟
وسط كل هذا الركام  تبرز تساؤلات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تقرر مصير غزة برمّتها:
هل ما زال مشروع "الهدنة لستين يومًا" الذي تحدّثت عنه بعض الوساطات قابلاً للتطبيق؟
وهل إعلان حماس استعدادها للتخلي عن السلطة مجرّد مناورة إعلامية أم واقع جديد يُفرض على الأرض؟
وأخيرًا  هل بات تسليم سلاح حماس للسلطة الفلسطينية خيارًا مطروحًا... أم مستحيلًا يُراد فرضه بالقوة؟
زاوية حادة تسئل 
في هذه السلسلة الدرامية  حيث يُوزّع الموت بالمجان  وتُدفن العدالة تحت الأنقاض  نقف أمام سؤال لا يطرحه السياسيون في مؤتمراتهم  ولا الإعلاميون في نشراتهم:
من يطعم أطفال غزة؟
من يكفكف دموعهم؟
ومن يمنع عنهم الموت القادم من السماء... ومن الجدار... ومن الصمت العربي؟
منشور

حتى الجوع... لم يُحرّر رهينة

المقال الاسبوعي "زاوية حادة"

 بقلم: د. هشام عوكل استاذ ادارة الازمات والعلاقات الدولية 
في غزة  لا أحد يسأل: كم عدد السعرات الحرارية؟ بل يسألون: هل بقي خبز؟ هل ما زال الماء يصل للنازحين؟ هل ما زال الطفل الذي كان يضحك أمس حيًّا؟ في غزة، الجوع لا يعني الريجيم  بل يعني الموت الذي يتسلل عبر المعابر  ويُبرر بقوانين الأمن القومي. هذه ليست حربًا  بل حفلة شواء بشرية   يُديرها طباخو السياسة الصهيونية تحت نار اليمين القومي الديني المتطرف، الذين لا يميزون بين مقاوم ورضيع  بين خيمة ومستشفى  بين مجزرة وعيد وطني.
من اخترع فكرة أن التجويع يمكن أن يؤدي إلى الأمن؟ من قال إن دفن الأطفال بالأطنان يمكن أن يُقنع حماس بتسليم الرهائن؟ إسرائيل قررت أن تستعرض عضلاتها على طفل عمره 5 سنوات، ثم تقول: "أنظروا كم نحن أقوياء". أقوياء؟! لم تُحرروا رهينة واحدة رغم 120  ألف من بين شهيد ومخريج ومفقود تحت الركام  و300 ألف طن من القنابل. حتى مطبخ الجريمة عندكم يعاني من الفشل الذريع: تُقصفون ولا تحققون  تقتلون ولا تنتصرون  تذبحون ولا تهزمون.
ثمّ تأتينا إسرائيل بالخبر العاجل:
 اتفاق قيد الإنجاز لمدة 60 يومًا  وبعده اتفاق آخر، وبعده "اتفاق سياسي"... إنه سباق ماراثوني من الاتفاقات نحو لا شيء. خطة السلام القادمة تُشبه الوجبة الإسرائيلية: تحوي لحمًا غير معروف المصدر  وجانبًا من النوايا السيئة، وصلصة كثيفة من الأكاذيب. اسمها الحقيقي: خطة ترحيل مؤجل  لا حل دائم. لأن إسرائيل لا تبحث عن الأمن  بل تبحث عن كيف تؤجل موعد انكشافها أمام نفسها.




والغريب أن من كان يُدرّس العالم "كيف تصنع ديمقراطية في الشرق الأوسط"، بات اليوم يقدّم للعالم عرضًا مباشرًا في الإبادة الجماعية. نتنياهو ووزير دفاعه السابق مطلوبان للعدالة الدولية  لكن بدلاً من الزنزانة، يقودان حفلة الموت من مقاعدهم في الحكومة، مدعومين بـ15% من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، ومع ذلك ما زالوا يتحدثون عن "الأخلاقيات العسكرية"! أي أخلاق هذه التي تدفن تحتها الأحياء؟!
وحتى الأميركيين أنفسهم بدأوا يشعرون بالاختناق من رائحة هذا المطبخ الكريه. حسب استطلاع مؤسسة بيو  33% من الأمريكيين باتوا يؤيدون علنًا حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. أما معهد غالوب فصدم الجميع حين أظهر أن نسبة الدعم لإسرائيل بين الشباب الأميركي تراجعت لأول مرة إلى ما دون 33%. بل حتى أعضاء من حركة “أمريكا أولاً” ذات الطابع القومي، أيدوا حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة بنسبة فاقت 15%. هذا يعني شيئًا واحدًا: حتى كذبة إسرائيل الديمقراطية لم تعد تُقنع جمهورها.
ثمّ يطلّ علينا بعض المطبعين من نافذة الفشل الجماعي، يحدثوننا عن "ممر داوود"  من غزة إلى طهران  وكأن تل أبيب نجحت أساسًا في المرور من حي الشجاعية! هذا ليس مشروعًا جيوسياسيًا، بل نكتة مرسومة على خريطة. إسرائيل  التي لم تستطع حسم قطاع صغير محاصر منذ 17 عامًا  تريد الآن أن تصنع ممرًا استراتيجيًا يمر عبر حدود ثماني دول! إنها ليست خطة، إنها أضغاث أحلام يراها اليمين الإسرائيلي في النوم، ويصفق لها بعض العرب في اليقظة.
أما أمريكا، فحدث ولا حرج. ترامب قال إنه سينهي كل ملفات الشرق الأوسط. فماذا حدث؟ أوكرانيا تحترق، اليمن يزأر، الصين تبنيمشورها العالمي "الطريق والحرير" إيران لم ينتهي برنامجها النووي٫ لم يُنهِ ترامب شيئًا، سوى مصداقية بلاده. أمريكا الآن تشبه رجلًا يحاول منع الانهيار في بيته باستخدام معجون أسنان. لم تعد أمريكا دولة ضاغطة  بل أصبحت دولة تائهة  تحاول أن تقول للعالم إنها لا تزال الإمبراطورية  بينما العالم كله يغيّر تردد القناة.
كل هذا المشهد الكارثي الذي تمارسه إسرائيل ليس دليل قوة  بل إعلان فشل صاخب. من يُجبر طفلًا على الجوع  لا يبحث عن أمن... بل عن انتقام. من يُقصف المدنيين ويبرر  لا يقود دولة... بل عصابة ببدلة رسمية. من يزرع القتل  سيحصد عزلة  ومن يراهن على انكسار الفلسطينيين، سيرى قريبًا أنهم إن جاعوا، لا يركعون٫
سؤال زاوية حادة:
هل يُعقل أن تُعاقب إسرائيل مليوني غزّاوي وكأنهم جميعًا أعضاء في حركة حماس؟!
ألم يحن الوقت ليسأل هذا العالم المتحضر نفسه:
هل هذا هو العدل؟ أن يُدفَن شعبٌ بأكمله فقط لأن في داخله فصيل مسلح؟
أم أن الضمير الإنساني قد تحوّل رسميًا إلى جثة تحت الأنقاض؟
منشور

غزة للبيع: مزاد الدم الدولي

المقال الاسبوعي "زاوية حادة"
غزة للبيع: مزاد الدم الدولي
بقلم: د. هشام عوكل استاذ ادارة الازمات والعلاقات الدولية
في دهاليز السياسة الإسرائيلية تُطل علينا خريطة طريق جديدة لا نحو السلام بل نحو خروج قسري من غزة وكأن الفلسطينيين على موعد مع رحلة ترحيل جماعية يُختار فيها المحبّون للسلام بعناية ليبقوا فيما يُمنَح الآخرون فرصة مغادرة القطاع طبعاً مع وعود غير رسمية بخصومات على تذاكر الرحيل الخرائط التي يتحدث عنها الإسرائيليون اليوم ليست خرائط حدود أو مفاوضات سياسية بل خرائط أمنية وديمغرافية تعيد تشكيل القطاع بالكامل مناطق تحت رقابة دولية جيوب منزوعة السلاح مدن جديدة تُبنى فوق الأنقاض وربما ممرات مائية وبرية لخروج لمن لا يندمج في الحل الجديد إنها خرائط لإعادة رسم غزة بما يخدم الأمن الإسرائيلي لا الحياة الفلسطينية
في الدوحة تدور المفاوضات منذ أشهر في حلقة مفرغة وكأننا أمام مسرحية سياسية سريالية إسرائيل ترفع السقف بلا حدود وحماس ترد بالثبات على الشروط والوسيط يبدو وكأنه يجيد فن تدوير الوقت أكثر من تدوير الزوايا الحادة النتيجة لا تهدئة دائمة ولا انفجار شامل فقط هدنة غير معلنة بين جولات الصمت المدوي






في عقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الأمن لا يتحقق إلا بإضعاف حماس وتجفيف الوجود الفلسطيني داخل القطاع وهكذا تتحوّل غزة إلى حقل اختبار متجدد للردع والتجويع لكن الفلسطينيين برغم الدمار لا يزالون يقاومون بوجودهم بأطفالهم وبأنين جرحاهم كأنهم يرددون للعالم نحن لسنا فئران تجارب في معادلتكم الأمنية
أعلنت أكثر من 14 دولة أوروبية اعترافها بدولة فلسطين في مايو ويونيو 2025 بينها إيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا لكن هذا الاعتراف لا يزال حبراً على ورق أمام غياب أي ضغط عملي على إسرائيل فبين التصريحات المثالية والواقع القاتم تتلاشى النوايا الطيبة تحت سطوة المصالح واللوبيات أين هي العقوبات أين هي المشروطية ومتى تتحوّل السياسة الأخلاقية من مجرد بيان صحفي إلى موقف ميداني
بحسب وزارة الصحة في غزة بلغ عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى منتصف يوليو 2025 أكثر من 50 ألف شهيد بينهم أكثر من 17 ألف طفل و11 ألف امرأة فيما تجاوز عدد الجرحى 100 ألف جريح نصفهم على الأقل يعانون إعاقات دائمة أكثر من 70 بالمئة من البنية التحتية للقطاع دُمّرت بما في ذلك مستشفيات ومراكز إسعاف ومدارس وملاجئ غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار بل إلى إعادة تعريف العالم للإنسانية التي يُفترض أنها غير قابلة للتجزئة فمتى يُسمع صوت هذا الدم في قاعات القرار الدولية ومتى يُترجم الضمير العالمي إلى فعل
منذ بدء الجولة الأخيرة من التوتر في أبريل 2025 غاب المبعوث الأميركي الخاص هادي عمرو المعروف بويتكوف عن أي نشاط دبلوماسي فعّال فهل هذا الغياب عرضي أم أنه انعكاس لرؤية استراتيجية أمريكية جديدة ترى في إدارة الأزمة حلاً مؤقتًا بحد ذاته وبينما تصرّ واشنطن على أنها تراقب عن كثب يُترك الفلسطينيون في قلب الإعصار بلا خريطة نجاة ومع غياب ويتكوف تغيب الرغبة الأمريكية في الضغط الحقيقي على الأطراف وتعلو لغة الرصاص فوق صوت السياسة ويبقى السؤال مفتوحاً هل الصمت الأمريكي مقدّمة لاتفاق مفاجئ أم إقرار بفشل المبادرة من الأساس وهل عدم زيارة ويتكوف يعني أنه لا يجب أن نطمح لحل سياسي بين حماس وإسرائيل أم أن الأمور قد حُسمت في الكواليس وما تبقّى مجرد توزيع أدوار في مسرحية دولية بلا جمهور
وفي كواليس اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مع خمسة من زعماء دول أفريقية على هامش مؤتمر استثماري دولي تسرّبت همسات لا يمكن تجاهلها هل كانت تلك الهمسات تتعلق بمستقبل غزة خارج غزة وهل فعلاً همس ترامب لهم بفكرة توطين الفلسطينيين في أفريقيا وكأن الأرض هناك بلا سكان والذاكرة الفلسطينية بلا جذور إنها ليست أول مرة يُطرح فيها التهجير بمصطلحات الاستثمار لكن الجديد أن يصبح الحصار على غزة مشروعًا قابلًا للتمويل من صناديق التنمية لا وثائق رسمية تؤكد ولا تصريحات تنفي فقط ابتسامات دبلوماسية وصور جماعية ويكفي أن ترفع حاجب ترامب لتعرف أن وراء الابتسامة خريطة قديمة تُبعث من جديد
وبين كل تلك التساؤلات لا يمكن إغفال أن غزة لم تعد ساحة صراع فلسطيني–إسرائيلي فحسب بل باتت نقطة التماس بين النفوذات المتشابكة النفوذ الإيراني ,و النفوذ القطري–التركي الذي يوازن بين الدعم السياسي والوساطة الإعلامية النفوذ المصري الذي يخشى انفجار القطاع وتمدّد الفوضى إلى سيناء والنفوذ الأمريكي–الإسرائيلي الذي يحاول هندسة شكل غزة المقبلة " تحت مسمى" مدن انسانية في جنوب مدينة رفح" دون وجود حماس في المشهد في ظل هذه الخارطة المعقدة تبدو غزة كأنها رقعة شطرنج تتقاذفها الأيادي الدولية بينما تُترك البيادق الفلسطينية للنزيف والموت البطيء فهل تحسم هذه النفوذات شكل المرحلة القادمة أم أن غزة كعادتها ستكسر المعادلات الكبرى من تحت الركام
زواية حادة تسئل "ورغم أن البنادق لا تزال تتحدث على الأرض إلا أن بعض الشروط تطفو فوق نار الحصار كأنها رسائل غير مشفرة من الحركة للوسطاء: لا تمسّوا المكتب السياسي ولا تقتربوا من أرصدته. فهل نحن أمام مفاوضات لتحرير غزة، أم لتحرير الحسابات البنكية؟ وهل حماية قيادات الخارج شرط للداخل، أم أن رأس الحركة أصبح فوق الطاولة الدولية… ببطاقة VIP؟ وفي الوقت الذي تُقصف فيه مخيمات اللاجئين، يجري التفاوض على ضمان عدم تجميد أموال التنظيم وكأننا في مؤتمر محاسبة لا مقاومة.هل يمكن لحماس أن تنتزع ضمانات أمريكية وإنجاز سياسي وهي لا تزال محاصرة عسكريًا… أم أن التمسك بمحور موراج سيبقى عقدة تفكك كل خريطة حل؟
منشور

"من يُموّل الجرافة التي تدفن غزة كل صباح"

المقال الاسبوعي "زاوية حادة "
بقلم: د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
لا تحتاج الجرافة إلى محرك بل إلى تمويل. وها هو التمويل قد جاء. نصف مليار دولار دفعة واحدة لمؤسسة تُدعى زوراً "مؤسسة غزة الإنسانية" والتي لا تختلف كثيراً عن آلة فرم الأرواح. في غزة الجوع ليس مصادفة بل مشروع ممنهج له مقر تمويلي في واشنطن ومكتب ميداني في تل أبيب وآلة تنفيذية في كل مركز توزيع مساعدات.
المقررة الأممية ماري لولور قالتها بالفم الملآن. "المساعدات تُستخدم سلاح حرب". لا، بل هي قنبلة موقوتة تُلقى في يد الجائع الفلسطيني. فإن لم يُقتل بانتظارها قُتل وهو يمد يده لها. هذه المؤسسة التي تأسست ببركة أميركية وإشراف إسرائيلي تقول إنها تنقذ الناس لكنها تُجبرهم على الاصطفاف في ما يشبه "حظائر الماشية" ثم تسلمهم للرصاص.
ماذا يحدث بالضبط.
دكتور هشام عوكل 

يحدث أن الجرافة لم تعد مجرد آلة حفر بل هي سياسة. "مؤسسة غزة الإنسانية" أو كما يسميها سكان القطاع "لجنة الإرهاسة" تُوزع المعونة مرفقة بتذكرة موت. منذ إطلاقها في فبراير ومراكزها الأربعة تُسجّل سقوط عشرات القتلى يومياً عند بواباتها. لا لشيء إلا لأنهم تجرأوا أن يتضوروا جوعاً.
الرواية الرسمية تقول. "قتلوا أثناء تدافع". أما الحقيقة. رصاص إسرائيلي مباشر أمام الكاميرات وذريعة أمنية تُكتب لاحقاً من وزارة الدفاع في تل أبيب أو عبر تغريدة أميركية تقول. "نحن نراقب الوضع بقلق".
والسؤال الأعمق. من يموّل هذه المسرحية الدموية.
الجواب صريح. وزارة الخارجية الأميركية تستعد لضخ 500 مليون دولار لدعم "مؤسسة غزة الإنسانية" عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية التي أصبحت في عهد ترامب مجرد شركة مقاولات أمنية تُوزّع التمويل كما يُوزّع البارود.
والأغرب أن الخطة حظيت بدعم نائب مدير الوكالة كين جاكسون المكلّف بتفكيكها ودمجها بوزارة الخارجية. هكذا تتحوّل وزارة التنمية إلى وزارة للتجويع والمساعدات إلى برنامج إعدام جماعي.
الأمم المتحدة رفضت التنسيق مع المؤسسة لكن من يستمع للأمم المتحدة أصلاً. أصبح صوتها مثل بيان نعي قديم لا يقرؤه أحد. فقط الأطفال في غزة هم من يتعلمون اليوم أن طابور المعونة أشد فتكاً من طابور الحرب.
أما الذروة المأساوية – الكوميدية السوداء.
المؤسسة نفسها أعلنت تعليق عملياتها "حفاظاً على سلامة السكان". لا عجب. الجلاد يغلق بوابة السجن كي لا تتسرب رائحة الدم للخارج. بعد أن قتلتهم على بوابات المساعدات تقول المؤسسة المشبوهة إنها قلقة على حياتهم.
في غزة لا شيء يُمنح إلا بثمن. رغيف الخبز يُشترى بالكرامة وقنينة الماء تُدفع بساعات الانتظار والدماء. من أراد أن يأكل فعليه أن يتخلى عن إنسانيته أو حياته.
مؤسسة "الإرهاسة" ليست تجربة إنسانية فاشلة. إنها نموذج دقيق لمستقبل المنطقة. كل شيء قابل للبيع حتى الجوع. بشرط أن يكون برعاية إسرائيلية وتمويل أميركي.
والسؤال الذي نتركه في نهاية هذه زاوية حادة.
هل يُمكن أن تكون المساعدات الإنسانية مشروعاً سياسياً للإبادة الناعمة.
أم أننا أمام نسخة عصرية من السجون المفتوحة حيث يكون "الطعام" هو الحارس و"القتل" هو مكافأة الصبر.