منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

التغييرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين المد والجزر"

مقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
منذ بداية الأحداث الجيوسياسية في المنطقة والتحولات كبرى في سوريا في اسقاط نظام بشار الاسد   كان "محور المقاومة" يشكل أحد الأعمدة الرئيسية في الاستراتيجيات الإقليمية لمواجهة النفوذ الغربي والصهيوني. هذا المحور، الذي جمع مجموعة من الدول والفصائل المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، كان بمثابة حجر الزاوية في استراتيجية إيران لتوسيع نفوذها في المنطقة. إلا أن هذا المحور بدأ يشهد تغيرات كبيرة، حيث توالت العوامل التي ساهمت في استنزافه.
في البداية، كانت لبنان وسوريا والعراق واليمن تشكل نقاط قوة لهذا المحور. لبنان، بوجود حزب الله، كان يمثل نقطة محورية في المواجهة مع إسرائيل، بينما كانت سوريا مركزًا لتمركز القوى الإيرانية والفصائل التابعة لها. أما العراق فقد شهد تدخلات إيرانية مكثفة من خلال دعم فصائل الحشد الشعبي. لكن اليوم، يبدو أن العديد من هذه الجبهات قد توقفت أو على الأقل تراجعت قوتها.






في لبنان، تراجع الدور الفعّال للمقاومة بشكل كبير نتيجة للأزمات الداخلية والخارجية، حيث تتزايد الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها حزب الله. هذه الأزمات جعلت من الصعب الحفاظ على استمرارية دعم المقاومة اللبنانية في وجه التحديات المتزايدة.
أما في العراق، فقد شهدت الساحة السياسية والعسكرية تطورات كبيرة بعد الانسحاب العسكري الأمريكي وتغيير الأولويات الإقليمية. إذ تبين أن الدعم الإيراني في العراق لم يعد كما كان في السابق، وهو ما جعل محور المقاومة العراقي يواجه صعوبات جمّة. على الرغم من استمرار بعض المجموعات المسلحة، فإن تأثير إيران على الساحة العراقية بدأ يتراجع بشكل ملحوظ.
في سوريا كان  الدعم الكبير الذي تقدمه إيران للنظام السوري في مواجهة الثورة كبير جدا  فإن الوضع الداخلي المعقد وصراعات القوى الدولية والإقليمية قد جعلت من الصعب الحفاظ على مستوى الدعم العسكري والتواجد الإيراني كما كان في السابق إلى تقييد قدرة إيران على تعزيز نفوذها في المنطقة، خاصة بعد انهيار النظام في دمشق.
في اليمن، ورغم استمرار دعم إيران للحوثيين، يظل الوضع هناك مختلفًا. يُعتبر اليمن جبهة مهمة للمقاومة، لكن الصراع الطويل مع التحالف العربي جعل هذه الجبهة بعيدة عن الأنظار الدولية. الفوضى المستمرة في البلاد تمنع تحقيق أي مكاسب استراتيجية حاسمة.
هذه التغيرات في سياق "محور المقاومة" تطرح تساؤلات حيوية حول كيفية تأثير ذلك على القضايا الأهم في المنطقة، القضية الفلسطينية. منذ توقف الدعم اللبناني والعراقي، باتت غزة تمثل الجبهة الأساسية التي تعتمد عليها فصائل المقاومة الفلسطينية. لكن، مع تراجع الدعم العسكري والمالي من هذه الجبهات، كيف ستتمكن غزة من الصمود أمام الضغوط المتزايدة؟
الورقة الفلسطينية الآن في موقف صعب للغاية، حيث تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية متزايدة في ظل تراجع الدعم الخارجي. بعد الانهيار المحتمل لجبهات المقاومة في لبنان والعراق وسوريا، أصبح من الواضح أن غزة، رغم قوتها وصمودها، ستواجه ضغطًا هائلًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. التحديات الكبرى تشمل النقص في الموارد والدعم اللوجستي، فضلاً عن عدم وضوح الاتجاهات المستقبلية لهذه المقاومة في غياب الدعم الكافي من محور المقاومة الذي كان يعتمد عليه الفلسطينيون.
إيران، التي لا تزال تسعى للحفاظ على نفوذها في المنطقة، قد تجد نفسها مضطرة لتطوير استراتيجيات جديدة لمساندة غزة بشكل غير تقليدي. أما الدول الأخرى في محور المقاومة، فقد تجد صعوبة في تقديم الدعم الفعّال في ظل الوضع الإقليمي المتأزم.
ختامًا مبادرة السلام العربية لعام 2002 تمثل إطاراً مهماً لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال منح الاعتراف العربي بإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومع ذلك، فإن هذه المبادرة تواجه صعوبات كبيرة في ظل التطورات الراهنة، حيث تشهد العديد من الدول العربية خطوات نحو التطبيع مع إسرائيل، مما قد يؤثر سلبًا على الدعم العربي لقضية فلسطين. في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن أن تظل فكرة "الأرض مقابل السلام" قائمة، أم أنها ستختفي في ظل الظروف المتغيرة؟يُعتبر "محور المقاومة" اليوم في مرحلة تحول حرجة. رغم توقف الجبهات الأساسية مثل لبنان والعراق وسوريا  إلا أن القضية الفلسطينية قد تظل محور التركيز،٫
منشور

شرق أوسط ترامب: إعادة تدوير للأزمات أم توزيع جديد للأدوار؟

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في الشرق الأوسط، حيث الصراع هو اللغة اليومية والهدوء لا يعني إلا بداية عاصفة جديدة، يأتي دونالد ترامب الرئيس القادم الى البيت الابيض 2025 وكأنه بطل هوليودي عائد من اعتزال مؤقت. لكن، قبل أن نبتسم بسخرية أو نفكر في مستقبل المنطقة مع "عودة ترامب"، علينا أن نسأل: هل تغيّر شيء في قواعد اللعبة، أم أن الشرق الأوسط مجرد مسرح دائم لإعادة تدوير الأزمات؟
غزة: شريط الأخبار الذي لا يتغير
غزة، هذا الشريط الحدودي الضيق الذي أصبح أيقونة للمعاناة والصمود، يبدو وكأنه عالق في زمن لا يتحرك. التهدئة؟ وقف إطلاق النار؟ صفقة إنسانية؟ لا جديد. غزة ليست سوى مسرح جانبي تُجرّب فيه القوى الكبرى مفاهيم مثل "الضغط"، "المفاوضات"، و"إدارة الصراعات"، بينما يُترك سكانها لمصيرهم اليومي بين القصف والعزلة ,والاحباط .
ترامب قد يُعيد طرح "صفقة القرن" بطريقة معدّلة، أو ربما لن يكترث أساسًا. ولكن الغريب هو استمرار التعاطي مع غزة وكأنها مشكلة يمكن تأجيلها، بينما تزداد المعاناة، وتصبح الكارثة الإنسانية أكثر تعقيدًا. أليس من المضحك (والبائس) أن الحصار نفسه صار أقرب إلى بند من بنود "التقاليد السياسية" في المنطقة؟
إيران: العدو المفضل أم الشريك المحتمل؟
دكتور هشام عوكل 

في زمن ترامب السابق، كانت إيران العدو الأول بلا منازع. انسحاب من الاتفاق النووي، عقوبات اقتصادية، وتهديدات مستمرة. لكن اليوم، المشهد يبدو وكأن إيران تعيد صياغة دورها. في سوريا، تتراجع خطواتها، لكنها لا تختفي. في العراق، تظهر كحليف وحاضر دائم. وفي اليمن ولبنان، تظل فاعلة بشكل مباشر أو غير مباشر.
قد يكون ترامب مستعدًا لتصعيد جديد ضد إيران، لكن يبقى السؤال: هل تحتاج أمريكا حقًا إلى "عدو دائم" في المنطقة لتبرير حضورها؟ أم أن الدور الإيراني يتغير من "الخصم العنيد" إلى "الشريك المزعج" الذي لا يمكن تجاهله؟
تركيا: طموحات كبيرة في زجاج هش
أما تركيا، فهي أشبه بمن يحاول القفز فوق حبل مشدود. طموحات أردوغان في سوريا لا تخفى على أحد، لكن هذه الطموحات تصطدم دائمًا بحسابات أكبر منه: بين النفوذ الروسي، التحفظ الأمريكي، والغضب الأوروبي، تبدو تركيا وكأنها عالقة في مساحة رمادية بين كونها لاعبًا كبيرًا وطرفًا يفتقر إلى الدعم الحقيقي.
هل يمكن لتركيا أن تكون شريكًا إستراتيجيًا لترامب، أم أن العلاقة ستظل أشبه بزواج مصلحة قائم على الابتزاز والتنازلات؟
إسرائيل: البطل الوحيد على المسرح
إسرائيل، كالعادة، تبدو وكأنها اللاعب الوحيد الذي لا يخسر في هذه اللعبة. بدعم ترامب المطلق، استطاعت أن توسّع حدودها الدبلوماسية والجغرافية دون أي معارضة تُذكر. الجولان؟ صار "جزءًا من إسرائيل". التوسع في الضفة الغربية؟ مجرد "أمر واقع". وما تبقى من فلسطين؟ مجرد تفاصيل يمكن تأجيلها.
لكن، حتى إسرائيل ليست بمنأى عن تساؤلات المستقبل. كيف ستتعامل مع سوريا الجديدة؟ وما هي خططها تجاه إيران في حال قرر ترامب تغيير قواعد اللعبة؟
السلطة الفلسطينية: بقايا مشروع سياسي؟
السلطة الفلسطينية تبدو وكأنها عالقة في الزمن. المفاوضات متوقفة، والدعم العربي يتلاشى، بينما تزداد الضغوط الإسرائيلية والأمريكية لتحويلها إلى مجرد "وكالة خدماتية" تتعامل مع قضايا يومية دون أي بعد سياسي.
السؤال الأكبر: هل تستمر السلطة في هذا الدور، أم أنها ستنهار تحت وطأة الإحباط الشعبي والضغط الدولي؟
الخاتمة: شرق أوسط بلا أفق
الشرق الأوسط في عهد ترامب، وكما يبدو في كل العهود، ليس سوى مشهد ساخر متكرر. الشعوب تدفع الثمن، والقادة يعيدون ترتيب أولوياتهم، بينما تستمر الأزمات بلا حل. وربما تكون المفارقة الأكبر أن الجميع يعرف أن هذه اللعبة لن تنتهي، لكنهم يصرّون على لعبها بنفس الطريقة، وكأنهم ينتظرون معجزة لن تأتي
منشور

"جنين رمز المقاومة وصراع السيادة"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في خضم الفوضى والانهيارات المتتالية والنشوة احيانا  التي تعم أقطارنا العربية، وتحت وطأة صراعات تضيق بها صدورنا وتجتمع فيها الجراح، تبقى فلسطين هي الفراشة الحالمة في حديقة الكوابيس. أو لنكن صادقين، هي القلب النابض الذي يُذكرنا دوماً بجذور الهوية العربية، والتي يبدو أنها في جعبة التاريخ، نائمة أو "معطلة مؤقتاً" كما يحلو للبعض أن يسميها٫
فلسطين، الغائبة الحاضرة، تتوارى خلف العناوين السياسية المملة، لكنها دائماً ما تعود لتصرخ، "أنا هنا!". تجسد هذه القضية جوهر الصراع في المنطقة وتؤكد أن الحرية ليست مسألة نزهة، بل معركة حقيقية تستدعي الاستيقاظ من غفوة الأمة التي اعتادت على النوم في خيمة عدم الاكتراث. 
دكتور هشام عوكل 

لكن، ومن دون أي مقدمات، سأقولها بوضوح: فلسطين ليست مجرد اختبار للإنسانية، بل هي اختبار لتماسكنا أو انشقاقنا كأمة. نحن أمام اختبار حقيقي لمواقفنا ومدى إيماننا بقدرتنا على تجاوز الانقسامات. فهل نحتاج إلى مزيد من الفوضى حتى نستيقظ؟ فلسطين أولاً، لأن من دونها سنظل نبحث عن هويتنا في ضوء شاحب وأفقٍ ضبابي، تعليق أوطاننا بين مطامع الخارج وتشتت الداخل.
الواقع اليوم في الضفة الغربية ينذر بالخطر. فقد شهدت العمليات الأخيرة في مخيم"جنين" اشتباكات عنيفة، في وقت تسعى فيه أجهزة السلطة الامنية  الفلسطينية لتحقيق إنجازات لا تتعدى كونها كلمات على ورق، تجسّد مشهداً مؤسفاً من الكوميديا السوداء. هل يحتاج الاحتلال الإسرائيلي حقاً إلى تنفيذ مخططاته من خلال تصفية مقاومينا او كما تسميهم السلطة" قاطعين طرق او عصابات شوراع " ما يحدث هو جزء من "استراتيجية" مدروسة تهدف إلى خنق أي صوت معارض ومقاوم  ٫٫٫يتجلى التواطؤ بشكل واضح في الإجراءات الحالية، حيث تسعى السلطة إلى وأد المقاومة. ولكن هل يعتقدون حقًا أنه بإمكانهم قتل الروح الحية للامة من خلال مثل هذه السياسات؟ يثير تساؤلاتي كيف يمكن للسلطة أن تبقى في حالة من السكون بينما الشوارع مليئة بروح الفداء والمقاومة؟!
يبدو أن بعض قادتنا يغردون خارج السرب. إنهم يقعون في فخ السياسة المتآمرة التي تهدف إلى القضاء على المقاومين، مما يساهم في إفراغ الضفة الغريبة من أي منبر مقاوم، ليبقى الاحتلال يحتسي الحدث باطمئنان ٫عندما نتحدث عن فلسطين، لا بد من العناية بإحياء ضمير واعي، لا بمجرد دغدغة المشاعر، بل بترتيب صفوفنا أمام هذه السلسلة الطويلة من التحديات حان الوقت لتوجيه البوصلة نحو الصورة الأكبر
 اللحظة التاريخية مسؤولية جماعية تجاه الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لزرع الفتنة بيننا. يجب أن نتجاوز خلافاتنا ونعمل على وحدة حقيقية. 
لن ينجح مشروعنا الوطني إلا بتوحيد الصفوف وبناء البيت الفلسطيني   فلنجعل قضيتنا المركزية هي القدس واللاجئين، رمز عزتنا.
في نهاية المطاف فلسطين ليست قضية عابرة، بل هي معركة الوجود والهوية. فإذا كنا نؤمن بقدرتنا على استنهاض الأمة من جراحها، فلندحر الفتنة الفلسطنينية  ، ولنقف صفاً واحداً في وجه الاحتلال، لنعيش جميعًا كأمة   تمتلك حكاياتها، وواقعها، وأحلامها، دون تردد. فلسطين هي خيارنا الأوح
منشور

"سوريا بين حلم الثورة والدولة العميقةا"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
حين اشتعلت الثورة السورية، ظنها البعض مجرد موجة عابرة، وسخر منها آخرون بأنها لن تُثمر سوى الوهم. لكن ذلك الحلم الذي استهانوا به، تطاول حتى صار يقينًا، وها نحن على أعتاب لحظة قد تحمل سقوط نظام بشار الأسد.
هذا السقوط، إن تحقق، لن يكون مجرد حدث سياسي، بل إيذانًا بانتهاء حقبة مظلمة حملت في طياتها عقودًا من القهر والاستبداد. فمن مجازر حماة وسجون تدمر إلى القصف الكيماوي في الغوطة، لم يكن التاريخ السوري سوى فصول من الألم والدماء. ومع ذلك، صمد الشعب، حالمًا بكرامة ضاعت تحت ركام الطغيان.





لكن الثورات، وإن بدت كوميض أمل، تحمل في طياتها مسؤوليات جسيمة. الثورة الحقيقية لا تكتمل بسقوط الطغاة فقط، بل بنجاحها في حماية مكتسباتها من أخطار متعددة. الثورة المضادة، بأشكالها المختلفة، تسعى دائمًا لتسلق أمجاد النصر وإعادة تدوير الاستبداد بوجوه جديدة. ولأن الدولة العميقة لا تذوب بسهولة، فإن اليقظة والحكمة واجبتان.
التحدي الأكبر هو في تحويل لحظة الانتصار إلى بداية للبناء، لا ساحة لتصفية الحسابات أو الانقسامات. شبح الحرب الأهلية يلوح في الأفق كلما انقسمت الرايات، وأي انحراف عن الوحدة الوطنية قد يقود إلى الفوضى. يجب أن تكون راية الوطن هي الوحيدة التي تظلّل الجميع.  
- الفساد هو سرطان يجب استئصاله منذ اللحظة الأولى. الثورات ما تسقط فقط بسبب أعدائها الخارجيين، بل أيضًا بسبب الفساد الذي يتسلل إلى الداخل ويقوض أي جهود للبناء.
ولا يمكن الحديث عن الحرية دون الالتفات إلى فلسطين، تلك القضية التي تشكل نبض الشعوب العربية. فلا كرامة لسوريا إن تخلت عن هذا الجرح المفتوح، ولا حرية حقيقية دون الانتصار لحرية كل إنسان يعاني الظلم في المنطقة.
إن سوريا اليوم أمام مفترق تاريخي. الحلم الذي شكك به كثيرون أثبت أنه حقيقة، والطريق نحو الحرية، وإن كان مليئًا بالعثرات، هو السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة والعدالة مع تحويل هذا النصر إلى فرصة لبناء لا إلى صراع داخلي. الحرب الأهلية شبح يهدد أي ثورة إن لم يتوحد الجميع تحت راية الوطن ما تحت رايات الفصائل المسلحة  والانقسامات.
وفي النهاية، يجب ألا نغفل عن أعداء الداخل، أولئك الذين يتسللون تحت عباءة الثورة، يحاولون تفخيخها من الداخل. هؤلاء هم أخطر من الخصوم الظاهرين. الحل يكمن في التسامح، في تجاوز أحقاد الماضي، وفي وضع الأسس لبناء وطن جديد، وطن يليق بتضحيات الشعب
منشور

"الجنازة التي لم ترحم أحدًا"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
"الجنازة التي لم ترحم أحدًا"
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في جنازة رسمية مكتظة، وقف الجميع يحيطون بجثمان جندي عربي قُتل في أثناء خدمته في جيش الاحتلال الإسرائيلي. الموسيقى العسكرية تعلو، والضباط يتبادلون عبارات الشكر لروحه التي "ضحت من أجل الدولة". لكن خلف تلك الكلمات، كان الصمت يخفي أسئلة لا أحد يجرؤ على طرحها: كيف وصل عربي إلى هنا؟ وكيف انتهى به المطاف إلى الموت في خدمة من يحتل وطنه وأهله وأن ينسى المجازر التي ارتُكبت بحق شعبه ليقف في صف من نفّذها؟ كيف تجاوز مشاهد دير ياسين، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، وجنين وقطاع غزة
الجثمان ملفوف بعلم إسرائيل، والمشهد يوحي بأن القصة انتهت. لكن بالنسبة لمن يعرف الحقيقة، الجندي لم يمت هنا فقط، بل مات أول مرة عندما تخلى عن هويته مقابل العمل في صفوف من احتل ارضة وعود بالاندماج في كيان لا يعترف به إلا كأداة. وبينما يلقي الحاضرون الورود على قبره، كان النقاش في عقولهم أعنف: هل نرثيه لأنه أحدنا؟ أم نلعنه لأنه قاتلنا؟
في الطرف الآخر من الأرض، جنازة أخرى. شهيد فلسطيني، شابٌ قُتل برصاص الجيش نفسه. أمه تمسك صورته بيدها، ودموعها لا تشبه دموع الجنازات العادية؛ فهي لا تبكي فقط موت ابنها، بل سنوات الحصار، والخوف، والموت والدمار اليومي المؤجل الذي يعرفه الجميع هنا. الكل يقف ليؤكد: هو شهيد، قتلته يد الاحتلال، ولم يكن أمامه خيار سوى الصمود حتى النهاية.
لكن في هذه المفارقة المميتة، يظهر سؤال آخر: هل كان قاتله هو ذاك الجندي الذي وقفنا أمام جنازته قبل قليل؟ هل يمكن أن يكون الجندي، الذي نشأت قصته على أرضنا وتشارك معنا تاريخنا، هو نفسه من أطلق الرصاصة على هذا الشهيد؟
هذا السؤال يفتح جرحًا عميقًا، ليس فقط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل في ضمير كل من يتابع المشهد. كيف نواسي أنفسنا عندما يكون القاتل والمقتول يتشابهان في الاسم واللغة والملامح والدم الواحد ؟ وكيف نحدد موقفنا من جندي خان أهله ليحمي المحتل، أو شهيد لم يكن أمامه خيار سوى الموت بكرامة؟
لا عزاء في هذه القصة. الجنازتان لا تجتمعان إلا لتذكرانا بحقيقة واحدة: حين يتورط العربي في خدمة الاحتلال، يصبح الموت نتيجة حتمية. أما الفلسطيني، فمكتوب عليه الموت لأن الحياة في وطنه باتت ترفًا لا يمكن الوصول إليه.
وفي النهاية، تقف الكلمات عاجزة أمام تابوتين؛ أحدهما ملفوف بعلم لا يشبهنا، والآخر محاط بأناس يشبهوننا لكنهم لا يملكون إلا الحزن. المشهد لا يطلب رأينا ولا ينتظر تبريرًا، بل يتركنا أمام حقيقة قاسية: الموت هنا ليس مجرد نهاية، بل لحظة تكشف كل ما تهربنا من مواجهته