د. هشام عوكل ✦ أكاديمي

د. هشام عوكل

أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية · بروكسل، بلجيكا

2,150,000زيارة
30+سنة خبرة
6+مؤلفات
PhDدكتوراه
العربية Nederlands English Français
د. هشام عوكل د. هشام عوكل إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفية عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.

أحدث المحتوى

المقالات والدراسات

تحليلات معمّقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي.

نظرية إدارة الأزمة الدولية




بقلم : عرض شميران مروكل




صدرت حديثا عن مكتبة السنهوري في القاهرة الطبعة الأولى من كتاب الدكتور وائل محمد إسماعيل الموسوم (نظرية إدارة الأزمة الدولية) الذي جاء بثماني فصول في 316 صفحة من القطع المتوسط ، ويعتبر واحدة من الدراسات المهمة في مجال العلاقات الدولية. حيث يتناول الأزمة الدولية والمحاولات والجهود لبناء نموذج لنظرية إدارة الأزمة الدولية والعوامل المؤثرة عليها في ظل النظام الدولي الراهن.
والكتاب بمحتواه ومنهجيته يسعى ان يكون الأول في وضع نموذج عربي لنظرية إدارة الأزمات الدولية.

في الفصل الأول يتناول المؤلف الإطار النظري للأزمة الدولية، ويعرف مفهوم الأزمة على مستويات مختلفة وصولا لمعرفة الأزمة الدولية وادارتها.
ويقدم الكاتب عددا من التعاريف لبيان ماهية الأزمة، فهناك المفهوم البسيط والمفهوم الاصطلاحي و اللغوي والمفهوم التاريخي ويشير الى ان كارل ماركس تحدث في كتاباته عن (الحتمية التاريخية) وعن أزمات الإفراط في الإنتاج وتفاقم كل من هذه الأزمات مقارنة  بسابقاتها. اما المفهوم العلمي فقد تطرق اليها كأزمة كوارث طبيعية او من صنع البشر.
تمر الأزمة بمرحلة الإنذار المبكر والذي هو عبارة عن اشارات، ومرحلة الانفجار وتعد مرحلة اللاعودة، ومرحلة الازمة المزمنة التي تعد مرحلة الادمان وقد تستمر فترة طويلة ويتم فيها تحليل نقاط الضعف والقوة اما المرحلة الاخيرة فتعرف بمرحلة حل الازمة. ويستنتج الكاتب ان الازمة كحدث ضاربة في  القدم، اما كإدارة فهي فن ومهارة اولا ثم أضحت علماً يستند الى قواعد واصول علمية وصولا لايجاد نظرية متكاملة لإدارة الأزمة الدولية.
في الفصل الثاني تناول المؤلف الإطار العلمي للأزمة الدولية،حيث التعامل مع الأزمات كعلم فرضته مستلزمات الواقع المعاصر  من خلال مجالين محددين، هما مجال علم الادارة ومجال علم العلاقات الدولية حتى اصبح اليوم يعرّف بانه علم ادارة توازنات القوى ورصد تحركاتها واتجاهاتها، وهو ايضا علم المستقبل والتكيف مع المتغيرات وتحريك الثوابت.
و لتشخيص الأزمات عدة مناهج أهمها المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي ومنهج الدراسات المقارنة الذي يعتمد على مقارنة زمنية تاريخية او مقارنة مكانية جغرافية او مقارنة نشاطية ومن حيث الحجم الذي بلغته الأزمة.
في الفصل الثالث يتناول الكاتب آليات نظرية ادارة الأزمة الدولية في ثلاثة محاور (مبادئ ادارة الأزمات) والتي تعتمد على مجموعة مبادئ للتعامل مع الازمات وتعد بمثابة دستور يجب على كل متخذ قرار ان يعيه جيدا عند التعامل مع أي ازمة تواجهه ومن اهم المبادئ  تحديد الهدف بدقة والذي يعد نصف المعالجة الحقيقية للازمة وعنصر المباغتة يعد من اهم المبادئ للتعامل مع الازمات لا بل من اهمها اذ تساعد ولفترة مناسبة من الزمن على السيطرة شبه الكاملة على الازمة لانها تحقق نوعا من الذهول لدى القوى الصانعة للازمة وتجعلها لا تستطيع التفكير او التصرف بشكل عقلاني وبذلك يمكن القضاء عليها كما ان التحشيد والذي يقصد به جمع القوى المناط بها معالجة الازمة في الزمان الذي يهيئ الوفرة الفنية للقوة والمكان المناسب لتأمين عملية مواجهة الازمة والتعاون يساعد على اتساع الرؤية وشمولية التشخيص وتكامل المعالجة  كما ينبغي عدم الإسراف في استخدام كامل القوة ويتعين ان يخضع لحساب دقيق.
نجاح عملية ادارة الأزمة يعتمد على اسس تبسيط الإجراءات والتنسيق بين فريق ادارة الازمة والادارات والقيادات الاخرى ذات العلاقة بالازمة والتخطيط أي المنهجية العلمية التي تبعد الازمة عن الارتجالية والعشوائية والفوضى في اتخاذ القرارات والحضور المستمر لاعضاء الفريق في مكان ادارة الازمة والذين احيانا يحتاجون الى تفويض السلطات لاتخاذ قرارات حاسمة ومناسبة وبشكل سريع.
وتعد (نظم ادارة الأزمات) المحور الثاني في اليات نظرية ادارة الازمة الدولية والذي اتفق عدد من الباحثين على انه يشمل اكتشاف اشارات الانذار والاستعداد والوقاية واحتواء الاضرار والحد من الازمة وانتشارها.
اما (استراتيجيات ادارة الازمات) والذي تعد المحور الثالث فانها تتطلب توافر فريق قادر على التخطيط في عملية ادارة الازمات وتحتاج الى اتباع وسائل علمية للتعامل مثل المحاكاة والسيناريو وتوافر نظام اتصالات داخلي وخارجي فعال يساعد على توافر المعلومات والانذارات في وقت مبكر ودراسة وتحليل العوامل المكونة للازمة والقوى المؤثرة فيها وتحويلها الى ازمات صغيرة يسهل التعامل معها.
الفصل الرابع يتحدث عن فريق ادارة الأزمات والإدارة بالأزمات، ففريق ادارة الازمة يعد احد متطلبات ادارة الازمات والادارة بالازمات فالإنسان هو محور كل الازمات فهو صانعها وهو المنفذ لها والمتضرر منها ويجب ان يوليها التخطيط اهمية استثنائية في عمله لان التخطيط متطلب اساس لادارة الازمات والادارة بالازمات فالحياة هي فعل ورد فعل والعلاقات الدولية كذلك وشتان بين فعل عشوائي وفعل مخطط له لأنه مدروس.
من اهم القواعد التي ينبغي الاسترشاد بها في كيفية عمل فريق ادارة الازمات هو احترام الاعضاء (كيان الفريق المنضوين تحته) والوفاء بالالتزامات بكل صرامة وانضباط عال مع مراعاة مصلحة الفريق على كل اعتبار شخصي.كما يحرص فريق ادارة الأزمة دائما على التأني في اتخاذ القرارات الجوهرية وعلى اثراء القرار بروح المهنية والجماعة.
يشير الكاتب في الفصل الخامس الى العصب او الشريان الرئيس لعمل الادارة والتي هي المعلومات التي تؤدي دورا مفصليا في ادارة الازمات ويطرحها في اربعة محاور، (ماهية المعلومات، المعلومات كإطار قابل للتحليل، دور المعلومات في القرار الاستراتيجي ودور المعلومات في ادارة الازمات). وتعد مصادر المعلومات كافة الاخبار والمواد والوثائق التي يتم الحصول عليها من المصادر المختلفة.
ان المعلومات هي حجر الاساس في نجاح او اخفاق ادارة الازمة  لذا لابد من قيام اجهزة المعلومات على تحديث وتحليل المعلومات وان تضمن استمرار تدفقها خلال مراحل ادارة الازمة بما يزيد من القدرة على الحكم في ضبط ايقاع تصاعد الاحداث في الأزمة.
مركز نظرية إدارة الأزمة الدولية هو  محور الفصل السادس وتناوله في ثلاثة محاور، محور القيادة والأزمات ومحور اتخاذ القرار وصنعه في الازمات. فمن ابرز مسؤوليات القائد الرئيسة هو ان يوجد رؤيا استراتيجية واضحة وقت الازمات. ويشير الكاتب الى مراحل صنع القرار التي تتحدد بمرحلة تحديد الأزمة وتشخيصها وتحليل متغيراتها وتحديد الحلول البديلة وتقويمها واختيار البديل المناسب واتخاذ القرار والتنفيذ ومن ثم مرحلة اختيار صلاحية القرار. ويؤكد ان للقيادة دورا لا ينازعه احد في ادارة الازمات من خلال دورها في التعامل مع المعلومات والحدث او الموقف الناشئ للازمة وفق مدركاتها السليمة لها لاتخاذ القرار المناسب بشأنها.
في الفصل السابع يتحدث الكاتب عن فواعل نظرية ادارة الازمة الدولية فحقل العلاقات الدولية حافل بالعديد من النظريات، القوة، الصراع، الواقعية، المثالية، وغيرها، الا ان ما يهم هو مدى استخدامها او توظيفها في ادارة الازمات والتي تعني بالاساس التغلب عليها من خلال الادوات المناسبة لتجنب سلبياتها والاستفادة من ايجابياتها، ان ادارة الازمات ببساطة هي الاستعداد لما قد لا يحدث والتعامل مع ما حدث.
والفصل الثامن والأخير كتب الدكتور وائل محمد اسماعيل عن ادارة الازمة الدولية في ظل النظام الدولي الراهن والتي كما يراها، ما هي الا لعبة تديرها الاطراف الفاعلة فيه او بعبارة اخرى اقرب الى من يجيد التلاعب بخيوط اللعبة الدولية الذكية وفق مباراة محسوبة نتائجها مسبقا.
بحث الكاتب إدارة الأزمات الدولية في هذا المناخ الدولي في أربعة محاور،أولاها  فرضية أولوية الحتمية الجيوبوليتيكية والتي تبنى من خلال الحقائق التي تنص على ان العالم او النظام الدولي مقبل على ندرة دولية في الموارد وخاصة الإستراتيجية وكذلك على جفاف في المياه في المناطق الإستراتيجية الساخنة والحيوية مما يحتم التدبر في صنع وبلورة ازمات او تحاشيها في تلك المناطق عند الضرورة.
الفرضية الثانية هي فرضية أولوية القوة الذكية حيث بهر العالم وانجذب الى سفسطة العقل الغربي ولا سيما الأمريكي في تجسيد القوة الذكية كأداة لحل وإدارة الأزمات الدولية وتعلمنا دائما في التحليل السياسي الأمريكي ان ما هو ظاهر من السلوك الامريكي وما يعلن منه الرؤساء او أعضاء الإدارة الأمريكية لا يعني توجهاتهم الحقيقية فدائما يبقى المخفي لا يعلن عنه كأجندة يراد تحقيقها بسرية تامة.
اما فرضية الحلم الأمريكي التي اجمع عليها كافة الرؤساء منذ عهد جورج واشنطن عام 1789 بعد المصادقة على الاتحاد الفيدرالي وولادة النظام الفيدرالي الأمريكي او حتمية الزعامة الأمريكية للعالم.. أرادوا بكل الطرق فرض الهيمنة والزعامة بذرائع كي يقبل بها العقل السامع لها ويسلم بها وكأنها حتمية لا خلاص منها. ويشهد العالم العربي فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية وتجريف شامل للقدرة العربية الشاملة في ظل وباء الاحتراب الديني الطائفي والقومي الاثني وشهد استنزاف القوة والقضم الجيوبولتيكي في ظل عولمة الامبريالية وتعاظم دور الشركات الخاصة في الهيمنة على القرار الدولي وقد مزقت الجسد العربي المثخن أصلا بخلافات منحوتة بعناية في أروقة المخابرات الأجنبية والإقليمية وفق سياسة (فرق تسد)  الاستعمارية لذلك كانت إدارة الأزمات الدولية في المرحلة لما بعد الحرب الباردة قد وظفت وأدت دورها من خلال الإيمان بهذه الأفكار.
ان فرضية حقائق القوة الجديدة تؤكد ان نجاح ادارة الازمات يعني بوضوح تطبيق سياسة متوسطة او طويلة الأمد تمنع بموجبه نشوء الأزمات او امتدادها او تلافي تلك الأزمات قبل تفاقمها.
قراءة كاملاً ←

إدارة الأزمات: الأسباب والحلول

نرحب في المشاركات


علي احمد فارس
لا يخفى على المتابع لسير الأحداث بخاصة السياسية منها ما للازمات بكل انواعها من دور في تاريخ الشعوب والمجتمعات سواء على صعيد الهدم او البناء, وقراءة متأنية لدور الازمة بشكل عام يفضي بنا الى تلمس خيط يقودنا الى حقيقة مفادها ان المجتمعات التي اعتمد الهرم القيادي فيها على فرق خاصة وكفوءة في التعامل مع الازمات كانت اصلب عودا واكثر على المطاوعة والاستمرار من قريناتها التي انتهجت اسلوبا مغايرا تمثل بالتصدي المرتجل والتعامل بطرق غير مدروسة سلفا مع بؤر الصراع والتوتر ما ادى بالتالي الى ضعفها وتفككها فالازمات ظاهرة ترافق سائر الامم والشعوب في جميع مراحل النشوء والارتقاء والانحدار.
 ولو امعنا النظر في ثنايا الاحداث التاريخية الكبرى لوجدنا ان الازمة على مر العصور تتوسط المراحل المهمة في حياة الشعوب, فبين كل مرحلة ومرحلة جديدة ثمة ازمة تحرك الاذهان وتشعل الصراع وتحفز الابداع وتطرق فضاءات بكر تمهد السبيل الى مرحلة جديدة, غالبا ما تستبطن بوادر ازمة اخرى وتغييرا مقبلا آخر، وكان لنمو واتساع،المجتمعات ونضوب الموارد المتنوعة وشدة المنافسة السياسية والاقتصادية الكلمة الفصل في طول حياة الازمات الى حد اصبح تاريخ القرن السابق على سبيل المثال يشكل سلسلة من ازمات تتخللها مراحل قصيرة من الحلول المؤقتة, ومن هنا فقد نشأت افكار جدية من اجل دراسة وتحليل الازمة ومحاولة الخروج منها بأقل الخسائر وتأخير الازمة اللاحقة ان تعذر تعطيلها.
 ويرى شير مهورن (schermehorn) ان الازمة الادارية انما هي مشكلة غير متوقعة قد تؤدي الى كارثة ان لم يجر حلها بصورة سريعة.
 وعرفها (اللوزي) بأنها كل موقف او حدث يؤدي الى احداث تغيرات ايجابية وجادة في النتائج وهي حدث او تراكم لمجموعة من، احداث غير متوقع حدوثها تؤثر في نظام المؤسسة او جزء منه وهي من الناحية العملية انقطاع عن العمل كليا او جزئيا لمدة تطول او تقصر لسبب معين يتبعها تأثر الكيان وتحوله.
 الاسباب المؤدية الى نشوء الازمات
 اولا: الاسباب الانسانية وتشمل:
1- سوء التقدير والاحترام.
2- حب السيطرة والمركزية الشديدة.
3- تعارض الاهداف والمصالح.
ثانيا: الاسباب الادارية و تشمل:
1- سياسات مالية مثل ارتفاع التكاليف وضعف قدرة الرقابة.
2- عدم التخطيط الفعال.
3-اتخاذ القرارات بشكل عشوائي.
4- عدم وجود انظمة حوافز ناجحة.
5- عدم توفر الوصف الوظيفي الجيد للمهام والواجبات.
وعلى اية حال فان الازمة هي حالة انتقال من مرحلة الى اخرى يصاحبها نقص شديد في المعلومات وحالة من عدم التأكد، وهي مفتاح التطور والتغيير نحو الافضل او التقهقر والهلاك.
وعليه فلابد من تنصيب برنامج او اكثر، يتم تشغيله في ظروف الطوارئ، اذا ما اراد القائمون على الواقع السياسي والاداري تفادي مصير التقهقر والهلاك على اقل تقدير, وبرنامج من هذا القبيل هو عبارة عن منهج يمثل تقنية تستخدم لمواجهة الحالات الطارئة التي لا يمكن تجنبها واجراء التحضيرات اللازمة لها قبل وقوعها. وهو بمعنى اكثر دقة اشبه بمحاولة تجميع المعلومات اللازمة عن مسببات الازمة ومن ثم تحليلها واتخاذ القرار المناسب بشكل سريع وفاعل. 
خصائص الازمات الإدارية ومواصفاتها
1. المفاجئة العنيفة والشديدة لدرجة انها تكون قادرة على شد الانتباه لجميع الافراد والمنظمات.
2.التشابك والتداخل في عناصرها وعواملها واسبابها.
3. عدم التأكد وعدم توفر المعلومات مما يسبب الاخطاء في اتخاذ القرارات وبالتالي تفاقم وتدهور الاوضاع.
4.غالبا ما يصاحبها امراضا سلوكية غير مستحبة كالقلق والتوتر وحالات عدم الانتباه واللامبالاة.
5. وجود مجموعة من الضغوط المادية والنفسية والاجتماعية تشكل في مجموعها ضغطا ازمويا على الجهاز الاداري.
6. ظهور القوى المعارضة والمؤيدة (اصحاب المصالح) ما يفاقم، من شدة الازمة.
مراحل الازمة وادارتها
تقسم مراحل الازمة ومن ثم ادارتها الى:
1- مرحلة الصدمة:
وهو ذلك الموقف الذي يتكون نتيجة الغموض ويؤدي الى الارباك والشعور بالحيرة وعدم التصديق لما يجري وهي مرحلة تتناسب عكسيا مع مدى معرفة وادراك الانسان.
2- مرحلة التراجع:
تحدث هذه المرحلة بعد حدوث الصدمة, وتبدأ بوادر الاضطراب والحيرة بالظهور بشكل متزايد ويصاحب ذلك اعراض منها زيادة حجم الاعمال التي لا جدوى منها (الاعمال الفوضوية).
3- مرحلة الاعتراف:
وهنا تتجلى عقلانية التفكير - فيما بعد امتصاص- الصدمة حيث تبدا عملية ادراك واسعة ومراجعة للازمة بغية تفكيكها.
4- مرحلة التأقلم:
حيث يتم استخدام استراتيجيات معينة بالاضافة الى استخدام الموارد البشرية والمادية في المنظمة للتعامل والتخفيف من آثار اللازمة. وما لم يتم التعامل بذكاء وحذر في هذه المرحلة فان الامور سوف تتجه الى بخط بياني نحو الكارثة. وقد اطلقت على هذه المرحلة تسميات اخرى من ابرزها، مرحلة الانذار المبكر او مرحلة اكتشاف اشارات الخطر, وهي بهذا المعنى اولى خطوات ادارة الازمة تليها مجموعة اساليب وقائية وسيناريوهات معينة تتابع احداث الازمة وتحدد لكل فرد في فريق الازمة، دوره بمنتهى الوضوح. وتهيئ وسائل عمل تحد من الاضرار وتمنعها من الانتشار.
 والى هنا نكون قد وصلنا الى المرحلة التالية من مراحل ادارة الازمة الا وهي مرحلة استعادة النشاط وتشتمل على اعداد وتنفيذ برامج قصيرة وطويلة الاجل سبق وان تم اختبارها بنجاح على ازمات مشابهة وعادة ما تكتنف هذه المرحلة، روح الحماس تقود الى تماسك الجماعة وتكاتفها،في مواجهة الخطر.
اساليب حل الازمات والتعامل معها
هناك نوعان من اساليب حل الازمات الاول معروف متداول،ويصطلح عليه بالطرق التقليدية،والثاني عبارة عن طرق لاتزال في معظمها،قيد التجريب ويصطلح عليها بالطرق غير التقليدية:
اولا:الطرق التقليدية:
واهم هذه الطرق:
1. انكار الازمة:
حيث تتم ممارسة تعتيم اعلامي على الازمة وانكار حدوثها, واظهار صلابة الموقف وان الاحوال على احسن ما يرام وذلك لتدمير الازمة والسيطرة عليها. وتستخدم هذه الطريقة غالبا في ظل الانظمة الدكتاتورية والتي ترفض الاعتراف بوجود اي خلل في كيانها الاداري.
وافضل مثال لها انكار التعرض للوباء اواي مرض صحي وما الى ذلك.
2. كبت الازمة:
وتعني تأجيل ظهور الازمة , وهونوع من التعامل المباشر مع الازمة بقصد تدميرها.
3. اخماد الازمة:
وهي طريقة بالغة العنف تقوم على الصدام العلني العنيف مع قوى التيار الازموي بغض النظر عن المشاعر والقيم الانسانية.
4. بخس الازمة:
اي التقليل من شأن الازمة ( من تأثيرها ونتائجها ). وهنا يتم الاعتراف بوجود الازمة ولكن باعتبارها ازمة غير هامة.
5. تنفيس الازمة:
وتسمى طريقة تنفيس البركان حيث يلجأ المدير الى تنفيس الضغوط داخل البركان للتخفيف من حالة الغليان والغضب والحيلولة دون الانفجار.
6. تفريغ الازمة:
وحسب هذه الطريقة يتم ايجاد مسارات بديلة ومتعددة امام قوة الدفع الرئيسية والفرعية المولدة لتيارالازمة ليتحول الى مسارات عديدة وبديلة تستوعب جهده وتقلل من خطورته.
ويكون التفريغ على ثلاث مراحل:
 أ. مرحلة الصدام: او مرحلة المواجهة العنيفة مع القوى الدافعة اللازمة لمعرفة مدى قوة الازمة ومدى تماسك القوى التي انشأتها.
 ب. مرحلة وضع البدائل: وهنا يقوم المدير بوضع مجموعة من الاهداف البديلة لكل اتجاه او فرقة انبثقت عن الصدام. وهذه العملية تشبه الى حد ما لعبة البليارد.
 ج. مرحلة التفاوض مع اصحاب كل فرع او بديل:
 اي مرحلة استقطاب وامتصاص وتكييف اصحاب كل بديل عن طريق التفاوض مع اصحاب كل فرع من خلال رؤية علمية شاملة مبنية على عدة تساؤلات مثل ماذا تريد من اصحاب الفرع الاخر وما الذي يمكن تقديمه للحصول على ما تريد وما هي الضغوط التي يجب ممارستها لاجبارهم على قبول التفاوض ؟،،
8- عزل قوى الازمة:
يقوم مدير الازمات برصد وتحديد القوى الصانعة للازمة وعزلها عن مسار الازمة وعن مؤيديها وذلك من اجل منع انتشارها وتوسعها وبالتالي سهولة التعامل معها ومن ثم حلها او القضاء عليها.
ثانيا: الطرق غير التقليدية: 
وهي طرق مناسبة لروح العصر ومتوافقة مع متغيراته واهم هذه الطرق ما يلي،:-
1- طريقة فرق العمل:
وهي من اكثر الطرق استخداما في الوقت الحالي حيث يتطلب الامر وجود اكثر من خبير ومتخصص في مجالات مختلفة حتى يتم حساب كل عامل من العوامل و تحديد التصرف المطلوب مع كل عامل.
 وهذه الطرق اما ان تكون مؤقتة او تكون طرق عمل دائمة من الكوادر المتخصصة التي يتم تشكيلها،وتهيئتها لمواجهة الازمات واوقات الطواريء،.
2- طريقة الاحتياطي التعبوي للتعامل مع الازمات:
 حيث يتم تحديد مواطن الضعف ومصادر الازمات فيتم تكوين احتياطي تعبوي وقائي يمكن استخدامه اذا حصلت الازمة. وتستخدم هذه الطريقة غالبا في المنظمات الصناعية عند حدوث ازمة في المواد الخام او نقص في السيولة.
3- طريقة المشاركة الديمقراطية للتعامل مع الازمات:
وهي اكثر الطرق تاثيرا وتستخدم عندما تتعلق الازمة بالافراد او يكون محورها عنصر بشري.وتعني هذه الطريقة الافصاح عن الازمة وعن خطورتها وكيفية التعامل معها بين الرئيس والمرؤوسين بشكل شفاف وديمقراطي.
4- طريقة الاحتواء: اي محاصرة الازمة في نطاق ضيق ومحدود ومن الامثلة على ذلك الازمات العمالية حيث يتم استخدام طريقة الحوار والتفاهم مع قيادات تلك الازمات،.
5- طرية تصعيد الازمة:
وتستخدم عندما تكون الازمة غير واضحة المعالم وعندما يكون هناك تكتل عند مرحلة تكوين الازمة فيعمد المتعامل مع الموقف، الى تصعيد الازمة لفك هذا التكتل و تقليل ضغط الازمة.
6- طريقة تفريغ الازمة من مضمونها:
وهي من انجح الطرق المستخدمة حيث يكون لكل ازمة مضمون معين قد يكون سياسيا اواجتماعيا او دينيا او اقتصاديا او ثقافيا او اداريا وغيرها،ومهمة المدير هي افقاد الازمة لهويتها ومضمونها وبالتالي فقدان قوة الضغط لدى القوى الازموية ومن طرقها الشائعة هي:
أ- التحالفات المؤقتة
ب- الاعتراف الجزئي بالازمة ثم انكارها.
ج- تزعم الضغط الازموي ثم توجيهه بعيدا عن الهدف الاصلي.
7-طريقة تفتيت الازمات:
وهي الافضل اذا كانت الازمات شديدة وخطرة وتعتمد هذه الطريقة على دراسة جميع جوانب الازمة لمعرفة القوى المشكلة لتحالفات الازمة وتحديد اطار المصالح المتضاربة والمنافع المحتملة لاعضاء هذه التحالفات ومن ثم ضربها من خلال ايجاد زعامات مفتعلة وايجاد مكاسب لهذه الاتجاهات متعارضة مع استمرار التحالفات الازموية. وهكذا تتحول الازمة الكبرى الى ازمات صغيرة مفتتة.
8- طريقة تدمير الازمة ذاتيا وتفجيرها من الداخل:
وهي من اصعب الطرق غير التقليدية للتعامل مع الازمات ويطلق عليها طريقة (المواجهة العنيفة ) او الصدام المباشر وغالبا ما تستخدم في حالة عدم توفر المعلومات وهذا مكمن خطورتها وتستخدم في حالة التيقن من عدم وجود البديل ويتم التعامل مع هذه الازمة على النحو التالي:
أ- ضرب الازمة بشدة من جوانبها الضعيفة.
ب- استقطاب بعض عناصر التحريك والدفع للازمة
ج- تصفية العناصر القائدة للازمة
د- ايجاد قادة جدد اكثر تفهما
9- طريقة الوفرة الوهمية:
 وهي تستخدم الاسلوب النفسي للتغطية على الازمة كما في حالات،فقدان المواد التموينية حيث يراعي متخذ القرار توفر هذه المواد للسيطرة على الازمة ولو مؤقتا.
10- احتواء وتحويل مسار الازمة:
وتستخدم مع الازمات بالغة العنف والتي لا يمكن وقف تصاعدها وهنا يتم تحويل الازمة الى مسارات بديلة ويتم احتواء الازمة عن طريق استيعاب نتائجها والرضوخ لها والاعتراف باسبابها ثم التغلب عليها ومعالجة افرازاتها ونتائجها، بالشكل الذي يؤدي الى التقليل من اخطارها.
اما اذا كانت الازمة ناتجة عن مسبب خارجي فيمكن عندئذ استخدام الاساليب التالية:
أ- اسلوب الخيارات الضاغطة. مثل التشدد وعدم الاذعان والتهديد المباشر.
ب- الخيارات التوفيقية: حيث يقوم احد الاطراف بابداء الرغبة في تخفيف الازمة ومحاولة ايجاد تسوية عادلة للاطراف.
ج- الخيارات التنسيقية: اي استخدام كلا الاسلوبين الاخيرين،اي التفاوض مع استخدام القوة.
ختاما فان ما قدمناه يمكن ان يصلح دليلا يسلط الضوء الى حد ما على مفاصل الازمة بخاصة الادارية او السياسية منها , الامر الذي يؤدي اذا ما تم التعاطي مع ابرز مفرداته ايجابيا من قبل صناع القرار الى وضع تصور اولي لحل الازمات التي تواجه الطاقم السياسي بين الحين والحين الاخر , سيما وان سلسلة الازمات في البلاد يبدو انها مرشحة للاتساع من حيث المدى والنوع مع الاخذ بنظر الاعتبار، ملفات لم تزل تنتظر الحسم السياسي وأخرى في طور التشكل او الاستفحال.

قراءة كاملاً ←

إستراتيجية إدارة الأزمات وفعالية التسيير



يعدُّ مفهوم إدارة الأزمات مفهومًا حديثًا نسبيًّا من حيث تأصيله كفرع من فروع علوم الإدارة والتنظيم، إلا أنه يُعتبر أحد المفاهيم القديمة قدم العمران البشري، مع حاجة الإنسان الدائمة إلى منهجية معينة يتعامل من خلالها مع المشكلات الطارئة والأزمات التي تقابله في حياته اليومية، سواء على المستوى الخاص أو على مستوى عموم الجماعة البشرية.
- الكتاب: إستراتيجية إدارة الأزمات وفعالية التسيير.. دراسة نظرية وتطبيقية
- المؤلف: مرباح مليكة
- إشراف: ناصر قاسيمي
- عدد الصفحات والقِطع: 446 
- النَّاشر: دار الكتاب الحديث, القاهرة
- الطَّبعة: الأولى/ 2012
ولذلك ترتبط عملية إدارة الأزمات وصناعة القرار فيها وتنفيذه بالعديد من الاعتبارات الاجتماعية. وفي الأساس، فإن العملية الإدارية داخل أي مؤسسة عامة أو خاصة، أو أي كيان يأخذ صفة التنظيم بالمعنى الإداري، ذات أبعاد اجتماعية عديدة لا يمكن إغفالها من جانب أي مسؤول في هذه المؤسسة أو التنظيم أو دارس للعلوم الإدارية.
والإدارة -في تصنيف العلوم- هي فرع من العلوم الاجتماعية، وتعني عملية التخطيط واتخاذ القرارات الصحيحة والمستمرة، والمراقبة والتحكم في مصادر المؤسسات للوصول إلى الأهداف المرجوة للمؤسسة، وذلك من خلال توظيف وتطوير والسيطرة على المصادر البشرية والمالية والمواد الخام والمصادر الفكرية والمعنوية.
وبين أيدينا كتاب يحاول أن يبرز هذه الطبيعة الاجتماعية أو السوسيولوجية للعملية الإدارية، ولعملية إدارة الأزمات داخل المؤسسات، وخصوصًا المؤسسات العامة، من خلال نماذج حالة جزائرية.
والكتاب من تأليف الدكتورة مرباح مليكة، وهي مدرسة في قسم علم الاجتماع بجامعة البليدة، وهو في الأصل رسالة أعدتها لنيل درجة الماجستير في علوم الإدارة، من الجامعة، وأشرف عليها أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الدكتور ناصر قاسيمي.
ويبحث الكتاب إشكالية رئيسية، هي أسباب الأزمات وأسباب غياب إدارة خاصة بإدارة الأزمة في المؤسسات العامة في العالم العربي، تطبيقًا على الحالة الجزائرية. وفي هذا الإطار، يتناول المراحل التاريخية التي مرت بها مفاهيم أساسية مرتبطة بهذه الإشكالية، مثل الإدارة وإدارة الأزمات والمنظمة.
ويؤكد الكتاب أن دراسة التنظيم داخل أي مؤسسة أحد أهم العوامل التي تقي المنظمة من الأزمات المحتملة، كما يعمل أيضًا على كشف ورصد أسباب الأزمات المستقبلية.
والكتاب مكون من ستة فصول، بعضها نظري تناول المداخل النظرية لإدارة الأزمات في المؤسسات العامة، والأزمة ومشكلة ممارسة الديمقراطية في التنظيم، وكذلك المداخل النظرية في التغيير، ودور القيادة في إدارة الأزمة، وعوامل الفعالية في هذا الجانب، والنتائج الاجتماعية أو السوسيولوجية للأزمات داخل التنظيم الإداري. والبعض الآخر كان تطبيقيًّا على بعض المؤسسات الحكومية والعامة في الجزائر، ومن بينها الشركة الجزائرية للكهرباء والغاز (سونلغاز).
ومن بين أهم الأفكار التي تتناولها المؤلفة فيما يتعلق بالجانب المجتمعي للأزمات وإدارتها على صعيد المؤسسات، دور إدارة الأزمات ما بين الكفاءة وعدم الكفاءة في بقاء وفناء الأمم. فتشير إلى أن للأزمات بأنواعها المختلفة، أدوارا كبيرة في تحديد تاريخ ومصائر الشعوب والمجتمعات. وفي حقيقة الأمر؛ فإن قراءة التاريخ تثبت أن الأمم والمجتمعات التي اعتمدت على سياسة فعالة وفرق عمل على درجة من الكفاءة في التعامل مع الأزمات، كانت أكثر قدرة على الاستمرار من الأمم والمجتمعات التي كانت تلجأ إلى الأساليب غير الرشيدة في التعامل مع أزماتها.
ويهتم الباحثون في إطار دراسة الأزمات بأبعاد ثلاثة للأزمة، وهي:
1- الأبعاد النفسية.
2- الأبعاد الاقتصادية والسياسية.
3- الأبعاد الاجتماعية.
وهذه الأبعاد تثبت أن إدارة الأزمات ليست علمًا مستقلاً بذاته، وإنما يتحرك في إطار العلوم الاجتماعية بأكملها، بما في ذلك علما الاجتماع والسياسة.

البيروقراطية والديمقراطية
وترتبط عملية إدارة الأزمات داخل المؤسسات العامة والتنظيمات الإدارية بشكل عام، بعدد من القضايا ذات الأهمية، ومن بينها مستوى الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة.
وتتبنى المؤلفة في هذا الجانب مبدأ أرساه عدد من الآباء الأوائل لعلوم الإدارة والاجتماع الإنساني، وهو أنه كلما ازدادت بيروقراطية التنظيم؛ قلت درجة الديمقراطية في داخله، مع تعارض الديمقراطية كمبدأ وقيمة يسعى البعض إلى تطبيقها مع البيروقراطية التي هي عبارة عن أمر واقع قائم داخل المؤسسة تسعى قيادات المؤسسة إلى الحفاظ عليه.
هناك صلة وثيقة بين إدارة الأزمات داخل المؤسسة، ومستوى الممارسة الديمقراطية فيها، فكلما زادت بيروقراطية التنظيم، قلَّت درجة الديمقراطية في داخله
والبيروقراطية -في معناها التطبيقي- مفهوم يستخدم في علم الاجتماع والعلوم السياسية يشير إلى تطبيق القوانين بالقوة في المجتمعات المُنظَّمة، كما يُعرِّف قاموس الأكاديمية الفرنسية "البيروقراطية" بأنها: "القوة والنفوذ اللذان يمارسهما رؤساء الحكومة وموظفو الهيئات الحكومية".
وترتبط هذه المسألة بعملية صناعة القرار داخل المؤسسة، وخصوصًا في الأوقات التي تواجه فيها المؤسسة أزمة من نوع ما؛ فمواجهة الأزمات تتطلب مشاركة من مختلف الأطراف المعنيين داخل المؤسسة، ومن ثَمَّ؛ فإنه يجب أن تكون هناك درجة من درجات الديمقراطية في المؤسسة، وكلما طغت الممارسة الديمقراطية في عملية صناعة وأخذ وتنفيذ القرار على اعتبارات البيروقراطية؛ زادت قدرة المؤسسة على مواجهة الأزمات التي قد تواجهها.
وتتقاطع مسألة ديمقراطية التنظيم وبيروقراطيته هذه مع قضية أخرى، وهي التغيير ودور القيادات فيه داخل المؤسسات، باعتبار أنه من بين أهم العوامل التي تقي التنظيمات الإدارية من الوقوع في أزمات مزمنة.
وتؤكد الكاتبة في هذا الإطار أنه من الأهمية بمكان العمل على تغيير القيادات داخل المؤسسات من آن لآخر، باعتبار أن ذلك يعني الإتيان بفكر جديد للعمل داخل المؤسسة، بما يخلق المزيد من القدرة على الإبداع، وخصوصًا في مواجهة الأزمات التي يمكن أن تواجه المؤسسة في أي مرحلة من مراحل عملها.
إلا أنها تميز في هذا الإطار بين التغيير الفعلي للقيادات بناء على معايير الكفاءة والفاعلية في الأداء، والتغييرات التي تتم في بعض المؤسسات العامة بناء على اعتبارات سياسية؛ حيث لا تأتي بكفاءات بقدر ما تأتي بعناصر كل مقوماتها ارتباطها بصناع القرار والسياسيين.
وتقول إن التغييرات في القيادات داخل المؤسسات العامة بناء على اعتبارات سياسية لا تؤدي إلى النتائج المرجوة فيما يخص إدارة المؤسسة، وتحسين مستوى قدرتها على إدارة الأزمات التي تواجهها، أو إدارة نفسها بشكل عام.
غياب التخطيط
وتقول الأكاديمية الجزائرية مرباح مليكة -في موضع آخر من كتابها- إن الأزمات تحدث في المؤسسات نتيجة غياب التخطيط الجيد والتوقع المستقبلي بناء على المقاييس والمعايير العلمية، وترتبط بهذا مشكلة أخرى، وهي مشكلة ثقافة العمل داخل المؤسسة؛ حيث لا يكون لقواعد الإدارة الرشيدة أي اعتبار داخل العمل، ويكون هذا العمل مجرد تأدية واجب وفق نظرة ضيقة لا تتجاوز محيط المهمة المكلف بها هذا الموظف أو هذا المسؤول.
وتقول إن الارتجالية والعشوائية في التخطيط يترتب عليهما وقوع المؤسسات في أزمات، وهذه الأزمات غالبًا ما يترتب عليها العديد من الآثار الاجتماعية، ومن بين ذلك الحالات التي تؤدي فيها الأزمة إلى تقليص أنشطة المؤسسة أو إغلاقها؛ حيث يترتب على ذلك تسريح العمالة التي كانت فيها.
وفي ظل غياب سياسة رسمية حكيمة في مجال إدارة المؤسسات العامة، تتكرر مثل هذه المشكلات. وبالتالي؛ فإن ذلك يساهم في مفاقمة مشكلة البطالة. ولا يتوقف الأمر على ذلك فحسب؛ حيث إن الحكومات التي تدير المؤسسات العامة على هذه الصورة تتجاهل هذه الأبعاد، ولا تكون حاضرة في أولوياتها، ومن ثَمَّ تزداد حدة هذه المشكلات، وما يرتبط بها.
الخبرة الجزائرية
واهتم الجانب التطبيقي من الكتاب بالحالة الجزائرية، من خلال مجموعة من الأدوات البحثية التاريخية والوصفية، وخلصت الكاتبة -من خلال أدوات البحث والتحليل التي استخدمتها- إلى أن المؤسسات الجزائرية تعاني من العديد من المشكلات فيما يخص قدرتها العامة على الأداء، وبالتالي قدرتها على مواجهة الأزمات التي يمكن أن تواجهها.
حيث إن المؤسسات العامة أو العمومية في الجزائر في الوقت الراهن تشكلت نتيجة تراكم خبرات الجزائر المؤسساتية منذ الحقبة الاستعمارية وحتى الوقت الحاضر، ومرت هذه المؤسسات العامة في الجزائر بمراحل عديدة، وهي:
- المؤسسات العامة الموروثة منذ العهد الاستعماري، وكان عددها 20 مؤسسة ورثتها الجزائر عن الاستعمار الفرنسي حتى عام 1945.
المؤسسات الجزائرية تعاني من العديد من المشكلات فيما يخص قدرتها العامة على الأداء، وبالتالي قدرتها على مواجهة الأزمات التي يمكن أن تواجهها
- مرحلة المؤسسية الوطنية، التي طغى عليها الطابع الاشتراكي نتيجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تبنتها الدولة منذ الستينيات وحتى الثمانينيات.
- مرحلة ما بعد قرارات الإصلاح الاقتصادي؛ حيث أثرت التحولات التي تبنتها الدولة على فكر العمل المؤسسي في المجال العام، وخصوصًا المؤسسات الخدمية العامة في مجال المرافق والخدمات المقدمة للمواطن.
ومن خلال ما تناولته الكاتبة من ظواهر الحالة المؤسسية في الجزائر، فإن هناك مجموعتَيْن أساسيتَيْن من المشكلات التي تواجه المؤسسات العامة في الدولة الجزائرية، المجموعة الأولى منها هي مشكلات ذات الطابع المؤسسي أو الإداري البحت، والتي نتجت عن غياب الفكر المؤسسي السليم وتبني القواعد العلمية في العملية الإدارية على مستوى مؤسسات الدولة.
أما المجموعة الثانية، فهي مشكلات تتعلق بطبيعة النظام السياسي القائم، والعقلية التي يدير بها المؤسسات العامة، والتي أفضت إلى العديد من الظواهر المؤسسية السلبية داخل الهيكل الإداري الحكومي في الجزائر، والمؤسسات العامة فيه، من بينها العجز الكامل عن إدارة الأزمات داخلها، وهو ما رتب أبعادًا اجتماعية عديدة، ليست البطالة هي الوجه الوحيد لها.
فمن بين أبرز الظواهر التي رافقت هذه المشكلات في إدارة المؤسسات العمومية في الجزائر، عجز هذه المؤسسات عن أداء الخدمات للمواطنين. ومن ثَمَّ، فقد أنشأت مشكلات اجتماعية أمام المواطن، كما في حالة الشركة الوطنية للكهرباء والغاز (سونلغاز) التي تأسست عام 1947، وتحولت في عام 2002 من مؤسسة ذات طابع صناعي وتجاري إلى شركة مساهمة تحوز الدولة رأسمالها.
وفي المجمل العام، فإن الكتاب يتناول قضية شديدة الأهمية تعتبر من بين أكبر أوجه النقد الموجهة إلى الدولة الحديثة في العالم العربي، وهي عدم قدرتها على إدارة الأزمات داخلها وداخل مؤسساتها، وهو ما يرتب الكثير من المشكلات على المواطنين، ويعوق حركة التقدم والتنمية فيها.
قراءة كاملاً ←

العلاقة بين إدارة الأزمات والتنمية البشرية


السؤال الرابع
ما هو العلاقة بين إدارة الأزمات والتنمية البشرية؟ ؟
هي علاقة وثيقة جدا حيث أن الأداء البشري هو دائما الأساس في قياس مدي تقدم المؤسسات ونجاحها في أعمالها ولأن العديد من الأزمات والكوارث التي تحدث تكون الأخطاء البشرية من الأسباب الرئيسية لحدوثها ومن هنا تبرز أهمية إعداد وتدريب القوة البشرية في أي مؤسسة علي مهارات وأساليب الوقاية من الأخطار وكذلك علي كيفية التصرف في المواقف الصعبة والخطيرة مما يتطلب تنمية فكر وثقافة القوة البشرية في أي مؤسسة علي مهارات أداء واجباتها الأساسية التي تحقق للمؤسسة النجاح في مجال عملها الأساسي مما يحميها ويجنبها التعرض للمواقف والظروف والأخطار التي تجعلها معرضة للأزمات أو للكوارث

 
   الســؤال رقم :  5
 
هل وجود خلل في الأداء الداخلي للشركة يودئ إلي حدوث أزمات؟ ؟

بالتأكيد حيث توجد أسباب عديدة لضعف الأداء / الخلل في الأداء منها عدم مواجهة التسيب الإداري - تداخل الاختصاصات - ضعف مستوي العاملين - ضعف مستوي المديرين - عدم فاعلية الهيكل التنظيمي للمؤسسة/الشركة - عدم وجود روية مستقبلية - عدم فاعلية عملية التخطيط - وغيرها من الأسباب التي تجعل الشركة غير قادرة علي تحقيق أهدافها - وتتراكم بها المشاكل دون حلول فعاله - فتكون عرضة لأزمات قاسية قد تؤدي إلي إنهيار الشركة

 
   الســؤال رقم :  6
 
هل يمكن دراسة علم إدارة الأزمات خلال مراحل التعليم؟ ؟

من المؤكد أنه يمكن ذلك وهو أحد مطالب خبراء إدارة الأزمات حتي تنتشر ثقافة إدارة الأزمات في المجتمع وخاصة في المرحلة الجامعية عندما يكون الشباب علي إبواب الدخول إلي سوق العمل
قراءة كاملاً ←

اﻷﺯﻣﺔ المالية العالمية .عرض كتاب.

 ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ: ﺍﻷﺯﻣﺔ ﺍﳌﺎﻟﻴﺔ.. ﺭﺅﻳﺔ ﻣﻐﺎﻳﺮﺓ


ﻴﻨﻁﻠﻕ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﺒﺭ ﺃﺒﻭﺍﺒﻪ ﺍﻟﺴﺘﺔ ﻤﻥ ﻤﺴﻠﻤﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻭﻻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﺒﺘﻜﻭﻨﻬﺎ ﺍﻟﻔﻜﺭﻱ، ﻭﻤﻤﺎﺭﺴﺎﺘﻬﺎ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ
ﻓﻲ ﻤﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﺔ ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺩﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، ﻭﺃﻥ ﻤﻨﻁﻕ ﺍﻟﻘﻭﺓ ﻫـﻭ ﺍﻟـﺫﻱ ﺴـﻴﺭ
ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﻓﻲ ﻤﺠﺎﻻﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻤﻨﺫ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻨﻴﺔ ﻭﺤﺘﻰ ﻭﻗﻭﻉ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، ﻓﻤـﺎﻻ
ﻴﺤﺴﻡ ﺒﻘﻭﺓ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺤﺴﻡ ﺒﻘﻭﺓ ﺍﻟﻤﻌﻭﻨﺎﺕ ﻭﺍﻟﻌﻘﻭﺒﺎﺕ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻋﺒﺭ ﺍﻟﻤﺅﺴﺴﺎﺕ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺩﻴﺭﺕ ﻤﻨﺫ ﻨﺸﺄﺘﻬﺎ
ﺘﺤﺕ ﺴﻴﻁﺭﺓ ﺃﻤﻴﺭﻜﻴﺔ.
ﻭﻟﺫﻟﻙ ﻴﺭﻯ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﻭﺠﻭﺩ ﺃﺴﺒﺎﺏ ﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﻸﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ، ﺴﻭﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻌﻴﺩ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻲ، ﻭﻴﻨﻔﻲ ﻤﺎ
ﻴﻘﺎل ﻋﻥ ﻨﻅﺭﻴﺔ ﺍﻟﻤﺅﺍﻤﺭﺓ ﻓﻲ ﺘﻔﺴﻴﺭ ﺍﻷﺯﻤﺔ، ﻭﺇﻥ ﺃﻴﺩ ﺍﻟﻘﻭل ﺒﻨﻅﺭﻴﺔ ﺍﻟﻤﺅﺍﻤﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻷﺯﻤﺎﺕ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴـﺔ
ﺍﻟﺘﻲ ﻭﻗﻌﺕ ﻤﻨﺫ ﺍﻟﺴﺘﻴﻨﻴﺎﺕ ﻭﺤﺘﻰ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻵﺴﻴﻭﻴﺔ.
ﺍﻷﺯﻤﺔ.. ﺍﻟﺤﺩﺙ ﻭﺍﻟﺘﺩﺍﻋﻴﺎﺕ
ﻴﺭﻯ ﺍﻟﻜﺎﺘﺏ ﺃﻥ ﻁﺒﻴﻌﺔ ﺘﻜﻭﻴﻥ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺒﻠﻭﺭﺕ ﺨﻼل ﺇﻗﺎﻤﺔ ﺩﻭﻟﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺽ ﺍﻟﻬﻨﻭﺩ ﺍﻟﺤﻤﺭ،
ﻻ ﻴﻤﻜﻥ ﺇﻏﻔﺎﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﻗﺭﺍﺀﺓ ﺍﻷﺤﺩﺍﺙ، ﻓﻬﻲ ﺘﻌﺘﻤﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺭﺩﻴﺔ ﻭﺘﻤﺠﻴﺩ ﺍﻟﻔﺭﺩ، ﻭﻜﺫﻟﻙ ﺍﻟﺸﻌﻭﺭ ﺒﺎﻟﺘﻤﻴﺯ ﻋﻤﺎ ﺴﻭﺍﻫﻡ،
ﻭﺍﻟﺒﺭﺍﻏﻤﺎﺘﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺽ، ﻭﺍﻟﻤﻔﻬﻭﻡ ﺍﻟﻤﻐﻠﻭﻁ ﻟﻠﺘﺩﻴﻥ ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺩ ﻋﻠﻰ ﺃﻨﻬﻡ ﻤﻤﻴﺯﻭﻥ ﻋﻥ ﻏﻴﺭﻫﻡ، ﻭﺃﻥ ﻤﻥ ﺴﻭﺍﻫﻡ ﺨﻠﻕ
ﻟﻤﺠﺭﺩ ﺨﺩﻤﺘﻬﻡ، ﻭﻫﻭ ﻤﺎ ﺍﻨﻌﻜﺱ ﻓﻲ ﺨﻁﺎﺏ ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﺇﺒﺎﻥ ﺤﻜﻡ ﺒﻭﺵ ﺍﻻﺒﻥ، ﻭﺍﻟﺭﻏﺒﺔ ﺍﻟﺠﺎﻤﺤـﺔ ﻟـﺩﻯ
ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﺒﺎﻟﺘﻭﺴﻊ، ﻭﺃﻥ ﺩﻭﻟﺘﻬﻡ ﻫﻲ ﺃﺭﺽ ﺍﻷﺤﻼﻡ. ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻻﻣﺮﻳﻜﻲ ﻛﺘﺐ ﺇﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﱐ
ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻷﻟﻜﺘﺮﻭﱐ ﻟﻠﻤﺮﻛﺰ: alkashif.org
ﻛﺎﻧﻮﻥ ﺍﻷﻭﻝ- ٣ ٢٠٠٩ ﻣﻦ ٥ ﻣﺮﻛﺰﺍﻟﻜﺎﺷﻒ ﻟﻠﻤﺘﺎﺑﻌﺔﻭﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ
ﻜﻤﺎ ﻴﺒﻴﻥ ﻤﺭﺍﺤل ﻀﻌﻑ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ ﻤﻨﺫ ﺍﻟﺩﺨﻭل ﻓﻲ ﺤﺭﻭﺏ ﺨﺎﺭﺠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻭﺴﻊ ﻓﻲ ﺍﻹﻨﻔﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘـﺴﻠﻴﺢ
ﻭﺍﻟﻅﻬﻭﺭ ﻓﻲ ﺸﻜل ﺍﻟﻘﻭﺓ ﺍﻟﻤﺘﻔﺭﺩﺓ ﺍﻟﻤﺴﻴﻁﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﻭﻤﻘﺩﺭﺍﺘﻪ، ﻭﻓﺸل ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﻋﻠﻰ
ﺨﺭﻭﺝ ﺍﻻﺴﺘﺜﻤﺎﺭﺍﺕ ﺍﻷﺠﻨﺒﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺩﻭل ﺁﺴﻴﺎ ﻭﺍﻟﺼﻴﻥ، ﻭﺍﻹﺒﻘﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻨﻔﺱ ﻤﻌﺩﻻﺕ ﺍﻻﺴﺘﻬﻼﻙ ﺍﻟﻤﺭﺘﻔﻌـﺔ ﺩﺍﺨـل
ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ، ﺜﻡ ﻓﻘﺎﻋﺔ ﺍﻟﺭﻫﻥ ﺍﻟﻌﻘﺎﺭﻱ، ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺎﻤﺕ ﻋﻠﻰ ﺘﺴﻠﺴل ﻫﺭﻤﻲ ﻫﺵ، ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺘﺼﺩﻉ ﺍﻻﻗﺘـﺼﺎﺩ
ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ، ﻭﻤﻌﻪ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻷﻭﺭﻭﺒﻲ ﻭﺒﻠﺩﺍﻥ ﺃﺨﺭﻯ ﻓﻲ ﺁﺴﻴﺎ ﻭﻤﻨﻁﻘﺔ ﺍﻟﺨﻠﻴﺞ ﻭﺒﻠﺩﺍﻥ ﺃﺨﺭﻯ.
ﻏﻴﺭ ﺃﻥ ﻤﻅﺎﻫﺭ ﺍﻟﺘﺼﺩﻉ ﻜﺎﻨﺕ ﻭﺍﻀﺤﺔ ﻓﻲ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﻋﺒﺭ ﺍﻨﻬﻴﺎﺭ ﻤﺅﺴﺴﺎﺘﻬﺎ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ، ﻭﺍﻨﺘﺸﺎﺭ ﺍﻟﺒﻁﺎﻟـﺔ، ﻭﺇﻏـﻼﻕ
ﻤﺅﺴﺴﺎﺕ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻋﻤﻼﻗﺔ، ﻭﺇﻓﻼﺱ ﺃﺨﺭﻯ. ﻭﺘﺒﻊ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺘﺼﺩﻋﺎﺕ ﺼﺤﻭﺓ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺭﺘﺒﻁـﺔ ﺒﺎﻻﻗﺘـﺼﺎﺩ
ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ ﻋﻠﻰ ﺨﺴﺎﺌﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﺭﻭﺍﺕ، ﻭﻀﻴﺎﻉ ﻟﺠﺯﺀ ﻜﺒﻴﺭﺓ ﻟﻤﺩﺨﺭﺍﺘﻬﺎ، ﻭﺘﻌﺭﺽ ﺴﻴﺎﺴﺎﺘﻬﺎ ﺍﻟﻨﻘﺩﻴﺔ ﻟﻠـﻭﻫﻥ ﻋﺒـﺭ
ﺍﻻﺭﺘﺒﺎﻁ ﺒﺎﻟﻌﻤﻠﺔ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ.
ﻭﺍﻷﻤﺭ ﺍﻷﻜﺜﺭ ﻭﻀﻭﺤﺎﹰ ﻓﻲ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﻀﻤﺎﺭ ﻫﻭ ﻀﺭﺏ ﺍﻟﺭﺃﺴﻤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﺴﺴﻬﺎ ﺍﻟﻨﻅﺭﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﺌﻤـﺔ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﺤﺭﻴـﺔ
ﺍﻟﻤﻁﻠﻘﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺨﻠﻔﺕ ﻜل ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﺸﻜﻼﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺘﻁﻠﺏ ﺩﺨﻭل ﺍﻟﺩﻭﻟﺔ ﺒﻘـﻭﺓ، ﻭﺼـﻠﺕ ﻟﺤـﺩ ﺘـﺄﻤﻴﻡ ﺍﻟﻤﻨـﺸﺂﺕ
ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ، ﻭﺘﻘﺩﻴﻡ ﺍﻟﺩﻋﻡ ﺍﻟﺤﻜﻭﻤﻲ ﻋﻠﻰ ﻨﻁﺎﻕ ﻭﺍﺴﻊ ﻤﻥ ﺃﺠل ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺒﻘﺎﺀ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﺩﻭﻥ ﺍﻨﻬﻴـﺎﺭ
ﻤﺭﻭﻉ.
ﻭﻴﺫﻫﺏ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﻋﺭﺽ ﻟﻤﺭﺽ ﺃﺴﺎﺴﻲ ﻫﻭ ﺇﻁﻼﻕ ﺍﻟﻌﻨـﺎﻥ ﻟﻠﺭﺃﺴـﻤﺎﻟﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺨﻠـل ﻓـﻲ ﺒﻨﻴﺘﻬـﺎ
ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻭﺍﻷﺨﻼﻗﻴﺔ ﻭﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻭﻋﺩﻡ ﻤﻼﺀﻤﺘﻬﺎ ﻻﺤﺘﻴﺎﺠﺎﺕ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ.
ﺍﻷﺴﺒﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺩﺍﻋﻴﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ
ﻤﻥ ﺸﺄﻥ ﺍﻟﺼﻭﺭﺓ ﺍﻟﺒﺎﻨﻭﺭﺍﻤﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺴﻤﻬﺎ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻥ ﺘﺩﺍﻋﻴﺎﺕ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ
ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ، ﺃﻥ ﻴﻌﺎﺩ ﺍﻟﻨﻅﺭ ﻓﻲ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ، ﻟﻴﻌﺎﺩ ﺭﺴﻡ ﺨﺭﻴﻁﺘﻪ، ﻭﻴﺭﻯ ﺍﻟﻜﺘـﺎﺏ ﺃﻥ ﺸـﺒﻜﺔ ﺍﻟﻤـﺼﺎﻟﺢ
ﺍﻟﻌﻨﻜﻭﺒﺘﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺨﻠﻔﺘﻬﺎ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﻤﻊ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﻤﻨﺫ ﻨﻬﺎﻴﺔ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻨﻴﺔ، ﻫﻲ
ﺍﻟﺘﻲ ﺤﺎﻟﺕ ﺩﻭﻥ ﺘﺨﻠﻲ ﺩﻭل ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﻋﻥ ﻤﺴﺎﻨﺩﺓ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ، ﻓﺭﺒﻁ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺒﺎﻟﺩﻭﻻﺭ، ﺠﻌل ﺍﻟﻌﺩﻴﺩ
ﻤﻥ ﺍﻟﺩﻭل ﺘﺩﻋﻭ ﺇﻟﻰ ﻓﻙ ﻫﺫﺍ ﺍﻻﺭﺘﺒﺎﻁ ﻭﻟﻜﻥ ﺒﺸﻲﺀ ﻤﻥ ﺍﻟﺘﺅﺩﺓ، ﻭﻜﺫﻟﻙ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺭ ﻓﻲ ﺨﻠـﻕ ﺃﺴـﻭﺍﻕ ﺠﺩﻴـﺩ ﺒﺩﻴﻠـﺔ
ﻟﻸﺴﻭﺍﻕ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ.
ﻜﻤﺎ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﺍﻷﺴﺒﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ ﻟﻸﺯﻤﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺠﺎﺀ ﻓﻲ ﻤﻘﺩﻤﺘﻬﺎ ﺍﺭﺘﻔﺎﻉ ﺘﻜﺎﻟﻴﻑ ﺍﻟﺤـﺭﻭﺏ ﺍﻟﺨﺎﺭﺠﻴـﺔ، ﻓـﻲ
ﻓﻴﺘﻨﺎﻡ، ﻭﻜﻭﺭﻴﺎ، ﻭﺃﻓﻐﺎﻨﺴﺘﺎﻥ، ﻭﺍﻟﻌﺭﺍﻕ، ﻭﺍﻟﺩﻋﻡ ﺍﻟﺩﺍﺌﻡ ﻟﻠﻜﻴﺎﻥ ﺍﻟﺼﻬﻴﻭﻨﻲ ﻤﻨﺫ ﻨﺸﺄﺘﻪ ﻭﺤﺘﻰ ﺍﻵﻥ، ﻤﻤﺎ ﺩﻋﺎ ﺍﻟﻌﻼﻤﺔ /
ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻭﻫﺎﺏ ﺍﻟﻤﺴﻴﺭﻱ –ﺭﺤﻤﻪ ﺍﷲ- ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻭل ﺒﺄﻥ "ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل ﻻ ﺘﻨﻬﺎﺭ ﻤﻥ ﺍﻟﺩﺍﺨل ﺒﺴﺒﺏ ﺍﻟﺩﻋﻡ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﺍﻟﻐﺭﺒـﻲ
ﻭﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ ﺍﻟﺴﺨﻲ". ﻭﺃﻭﻀﺢ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻭﺴﻊ ﻓﻲ ﺍﻹﻨﻔﺎﻕ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻱ ﺃﻓﻘﺩ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﺴﻴﻁﺭﺘﻬﺎ ﻋﻠـﻰ ﺍﻷﻭﻀـﺎﻉ
ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ، ﻭﺃﺠﺒﺭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻥ ﻗﺎﻋﺩﺓ ﺍﻟﺫﻫﺏ ﻋﺎﻡ ١٩٧١، ﻭﻟﻡ ﺘﺴﺘﻔﺩ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﻤﻥ ﺘﺠﺭﺒﺔ ﺒﺭﻴﻁﺎﻨﻴـﺎ ﻗﺒـل
ﺍﻟﺤﺭﺒﻴﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺘﻴﻥ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻭﺍﻟﺜﺎﻨﻴﺔ، ﻭﺘﺤﻭﻟﺕ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﻘﺭﺽ ﺍﻷﻭل ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺇﻟﻰ ﺃﻜﺒﺭ ﺩﻭﻟﺔ ﻤﺩﻴﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻻﻣﺮﻳﻜﻲ ﻛﺘﺐ ﺇﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﱐ
ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻷﻟﻜﺘﺮﻭﱐ ﻟﻠﻤﺮﻛﺰ: alkashif.org
ﻛﺎﻧﻮﻥ ﺍﻷﻭﻝ- ٤ ٢٠٠٩ ﻣﻦ ٥ ﻣﺮﻛﺰﺍﻟﻜﺎﺷﻒ ﻟﻠﻤﺘﺎﺑﻌﺔﻭﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ
ﻓﺘﺠﺎﻭﺯ ﺩﻴﻨﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻨﺤﻭ ١١ ﺘﺭﻴﻠﻴﻭﻥ ﺩﻭﻻﺭ، ﻭﻜﺫﻟﻙ ﻭﺼﻭل ﺍﻟﻌﺠﺯ ﺒﻤﻴﺯﺍﻨﻬﺎ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻱ ﻟﻨﺤﻭ ٧٠٠ ﻤﻠﻴـﺎﺭ ﺩﻭﻻﺭ
ﻨﻬﺎﻴﺔ ﻋﺎﻡ ٢٠٠٧، ﻭﻋﺎﻨﺕ ﻤﻭﺍﺯﻨﺘﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻤﺔ ﻤﻥ ﻋﺠﺯ ﻜﺒﻴﺭ ﻟﻡ ﺘﺸﻬﺩﻩ ﻤﻨﺫ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻨﻴﺔ.
ﺇﻨﻔﺎﻕ ﻏﻴﺭ ﻤﺠﺩ
ﻴﺭﻯ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﺃﻥ ﺍﻹﺴﺭﺍﻑ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻲ ﻓﻲ ﺍﻻﻨﻔﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺎﻨﺏ ﺍﻟﻌﺴﻜﺭﻱ ﻟﻡ ﻴﻤﻜﻨﻬﺎ ﻤﻥ ﺤﺴﻡ ﺨﻴﺎﺭﺍﺘﻬـﺎ ﺒـﺎﻟﻘﻭﺓ،
ﺴﻭﺍﺀ ﻓﻴﻤﺎ ﺴﻤﻰ ﺒﺎﻟﺤﺭﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ، ﺃﻭ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﺩﻴﻜﺘﺎﺘﻭﺭﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻤﻨﺎﺒﻊ ﺍﻟﻨﻔﻁ.
ﻭﻓﺸﻠﺕ ﺴﻴﺎﺴﺔ ﺍﻟﻌﺼﺎ ﻭﺍﻟﺠﺯﺭﺓ، ﻓﺎﻟﻔﺸل ﻓﻲ ﻓﻴﺘﻨﺎﻡ ﻭﺃﻓﻐﺎﻨﺴﺘﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﺭﺍﻕ ﺃﺜﺒﺕ ﺯﻭﺍل ﻫﻴﺒﺔ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ، ﻭﻓﺽ ﺍﻹﺠﻤﺎﻉ
ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ ﺤﻭل ﻗﺭﺍﺭﺍﺘﻬﺎ ﺒﺎﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﺍﻟﻘﻭﺓ، ﻜﻤﺎ ﺃﻥ ﺃﻭﻀﺎﻋﻬﺎ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻭﻓﺸل ﻤﺅﺴﺴﺎﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻤﻨـﻊ ﻭﻗـﻭﻉ
ﺍﻷﺯﻤﺔ، ﺒﺭﻫﻥ ﻋﻠﻰ ﺘﺩﻫﻭﺭ ﺃﻭﻀﺎﻉ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ، ﻭﻤﻥ ﻫﻨﺎ ﻟﻡ ﻴﻌﺩ ﻟﺩﻯ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﻤﺎ ﺘﺴﺘﺨﺩﻤﻪ ﻜﺠﺯﺭﺓ ﻟﻠﺩﻭل
ﺍﻟﻔﻘﻴﺭﺓ، ﺒﻌﺩ ﺃﻥ ﺘﺴﺒﺒﺕ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﺭﺘﻔﺎﻉ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﻔﻘﺭﺍﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﻟﻴﻼﻤﺱ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﻓﻘﻴﺭ.
ﻭﻤﻊ ﺴﻘﻭﻁ ﻫﻴﺒﺔ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﺴﻴﺎﺴﻴﺎﹰ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺎﹰ –ﺤﺴﺏ ﺘﻭﻗﻌﺎﺕ ﺍﻟﻜﺎﺘﺏ– ﻓﻬﻨﺎﻙ ﺃﻤل ﻟﻠﻭﺼﻭل ﻟﺤل ﺃﻓـﻀل ﻟﻘـﻀﻴﺔ
ﺍﻟﺸﺭﻕ ﺍﻷﻭﺴﻁ، ﺇﻥ ﺃﺤﺴﻨﺕ ﺍﻟﺩﻭل ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﻑ ﻓﻲ ﻅل ﺍﻟﻤﺘﻐﻴﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺠﺩﻴﺩﺓ.
ﻭﺭﺼﺩ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺘﺩﺍﻋﻴﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻠﻌﺎﻟﻡ ﻭﻤﻘﺎﺭﻨﺘﻬﺎ ﺒﻤﺎ ﺤﺩﺙ ﻓﻲ ﺃﺯﻤﺔ ﺍﻟﻜﺴﺎﺩ ﺍﻟﻜﺒﻴﺭ، ﻤﺒﻴﻨﺎﹰ ﻓﺩﺍﺤﺔ ﺍﻷﺜﺭ ﺍﻟﻨﻔـﺴﻲ
ﻓﻲ ﺃﺯﻤﺔ ٢٠٠٨، ﻭﺫﻟﻙ ﻤﻥ ﺨﻼل ﺤﺎﻻﺕ ﺍﻻﻨﺘﺤﺎﺭ ﻓﻲ ﺃﻤﻴﺭﻜﺎ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﺒﺴﺒﺏ ﺘﺩﺍﻋﻴﺎﺕ ﺍﻷﺯﻤﺔ، ﻭﻜـﺫﻟﻙ ﺍﺭﺘﻔـﺎﻉ
ﻤﻌﺩﻻﺕ ﺍﻟﻁﻼﻕ ﻭﻓﺴﺦ ﺍﺘﻔﺎﻗﺎﺕ ﺍﻟﺯﻭﺝ ﺍﻟﺠﺩﻴﺩ ﺒﺴﺒﺏ ﺍﻷﺯﻤﺔ، ﻭﺃﻴﻀﺎﹰ ﺍﺭﺘﻔﺎﻉ ﻋﺩﺩ ﻤﻥ ﻴﺫﻫﺒﻭﻥ ﻟﻠﻌﻴﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻨﻔـﺴﻴﺔ
ﻟﻠﻌﻼﺝ ﻤﻥ ﺍﻟﺼﺩﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻋﺭﻀﺘﻬﻡ ﻟﻬﺎ ﺍﻷﺯﻤﺔ.
ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻹﺴﻼﻤﻲ ﻤﺨﺭﺝ ﻟﻸﺯﻤﺔ
ﺴﺎﻕ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﻤﺠﻤﻭﻋﺔ ﻤﻥ ﺍﻟﺩﻻﻻﺕ ﻋﻠﻰ ﻓﺸل ﺍﻟﺭﺃﺴﻤﺎﻟﻴﺔ ﻜﻨﻅﺎﻡ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺴﻴﺎﺴﻲ ﻓﻲ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ، ﺒﻌﺩ ﻓﺸل
ﺍﻟﺸﻴﻭﻋﻴﺔ ﻤﻥ ﻗﺒل ﻋﺒﺭ ﺘﺠﺭﺒﺔ ﺍﻨﻬﻴﺎﺭ ﺍﻻﺘﺤﺎﺩ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﺎﺘﻲ، ﻭﺴﺎﻕ ﻤﺎ ﻴﺩﻟل ﻋﻠﻰ ﺼﺤﺔ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻹﺴﻼﻤﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎل
ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻋﺒﺭ ﻜﺘﺎﺒﺎﺕ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﻴﻥ ﺴﻭﺍﺀ ﻗﺒل ﻭﻗﻭﻉ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺃﻭ ﺒﻌﺩﻫﺎ، ﻭﻤﺎ ﻨﺸﺭ ﻋﻥ ﺍﻟـﺩﻋﻭﺓ ﻟﺘﻁﺒﻴـﻕ ﻗﻭﺍﻋـﺩ
ﺍﻟﺸﺭﻴﻌﺔ ﺍﻹﺴﻼﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻡ ﺍﻟﻤﺼﺎﺭﻑ ﻭﺍﻟﻤﺎل.
ﺜﻡ ﻋﺭﺝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﺭﻴﻑ ﺒﺎﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻹﺴﻼﻤﻲ ﻋﺒﺭ ﺍﻟﺯﻜﺎﺓ ﻭﻤﺭﺩﻭﺩﻫﺎ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺍﻻﺠﺘﻤـﺎﻋﻲ ﻭﻜﻴـﻑ
ﻋﺎﻟﺠﺕ ﻗﻀﻴﺘﻲ ﺍﻟﻔﻘﺭ ﻭﺍﻟﺒﻁﺎﻟﺔ، ﻭﻜﺫﻟﻙ ﺘﺤﺭﻴﻡ ﺍﻟﺭﺒﺎ ﻭﻤﺎ ﻨﺘﺞ ﻋﻨﻪ ﻤﻥ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﺭﻭﺍﺕ ﻭﺘﺸﻐﻴل ﺍﻟﻤﺎل ﻓـﻲ
ﺇﻁﺎﺭ ﻗﺎﻋﺩﺓ ﺍﻟﻐﻨﻡ ﺒﺎﻟﻐﺭﻡ.
ﻭﺃﺸﺎﺭ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺘﻔﺭﺩ ﺘﺠﺭﺒﺔ ﺍﻟﻤﺼﺭﻓﻴﺔ ﺍﻹﺴﻼﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﻨﺠﺎﺘﻬﺎ ﻤﻥ ﺍﻷﻀﺭﺍﺭ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻟﻸﺯﻤﺔ، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻟﻡ ﻴﺒـﺭﺉ
ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﺼﺎﺭﻑ ﻤﻥ ﺍﻟﻭﻗﻭﻉ ﻓﻲ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﺨﻁﺄ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺃﺨﻁﺎﺀ ﻻ ﺘﺘﻌﻠﻕ ﺒﺎﻟﻤﻨﻬﺞ ﺒﻘﺩﺭ ﻤـﺎ ﺘﺘﻌﻠـﻕ ﺒﺎﻟﻤﻤﺎﺭﺴـﺎﺕ
ﺍﻟﺒﺸﺭﻴﺔ، ﻭﻋﺩﻡ ﻭﺠﻭﺩ ﺍﻟﺩﺭﺍﻴﺔ ﺍﻟﻜﺎﻓﻴﺔ ﻟﺒﻌﺽ ﺍﻟﻌﺎﻤﻠﻴﻥ ﺒﺎﻟﻤﺼﺎﺭﻑ ﺍﻹﺴﻼﻤﻴﺔ ﺒﺎﻟﻨﻭﺍﺤﻲ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺭﻋﻴﺔ.
ﻤﺼﺭ ﻭﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻻﻣﺮﻳﻜﻲ ﻛﺘﺐ ﺇﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﱐ
ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻷﻟﻜﺘﺮﻭﱐ ﻟﻠﻤﺮﻛﺰ: alkashif.org
ﻛﺎﻧﻮﻥ ﺍﻷﻭﻝ- ٥ ٢٠٠٩ ﻣﻦ ٥ ﻣﺮﻛﺰﺍﻟﻜﺎﺷﻒ ﻟﻠﻤﺘﺎﺑﻌﺔﻭﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ
ﺃﻓﺭﺩ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﺒﺎﺒﺎﹰ ﻟﻸﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺃﺜﺭﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻤﺼﺭ، ﻤﺒﻴﻨﺎﹰ ﻤﻅﺎﻫﺭ ﺍﻟﺘﺄﺜﻴﺭ ﺍﻟﺴﻠﺒﻲ ﻋﻠـﻰ ﻤـﻭﺍﺭﺩ ﺍﻟﻨﻘـﺩ
ﺍﻷﺠﻨﺒﻲ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﺼﺭﻱ، ﻤﺜل ﺘﺭﺍﺠﻊ ﺇﻴﺭﺍﺩﺍﺕ ﻗﻨﺎﺓ ﺍﻟﺴﻭﻴﺱ، ﻭﺍﻟﺒﺘﺭﻭل، ﻭﻋﻭﺍﺌﺩ ﺍﻟﻌﺎﻤﻠﻴﻥ ﺒﺎﻟﺨﺎﺭﺝ، ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺤﺔ،
ﻭﻜﻴﻑ ﻟﻌﺏ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻟﻤﺼﺭﻓﻲ ﺩﻭﺭﺍﹰ ﺇﻴﺠﺎﺒﻴﺎﹰ ﻓﻲ ﻤﻌﺎﻟﺠﺔ ﺍﻵﺜﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻟﻸﺯﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤـﺼﺭﻱ، ﺇﻻ ﺃﻥ
ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻜﺩ ﺃﻥ ﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺒﻁﺎﻟﺔ ﺯﺍﺩﺕ ﺤﺩﺘﻬﺎ ﻤﻊ ﻭﻗﻭﻉ ﺍﻷﺯﻤﺔ.
ﻭﺃﺸﺎﺭ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﻤﺠﻤﻭﻋﺔ ﺍﻹﺠﺭﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺘﺨﺫﺘﻬﺎ ﺍﻟﺤﻜﻭﻤﺔ ﺍﻟﻤﺼﺭﻴﺔ ﻟﻤﻭﺍﺠﻬﺔ ﺍﻷﺯﻤﺔ، ﻤﻥ ﺘﻘﺩﻴﻡ ﺍﻟﺩﻋﻡ ﻟﺒﻌﺽ
ﺍﻟﻘﻁﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺨﺩﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺼﺩﻴﺭﻴﺔ، ﻭﻏﻴﺭﻫﺎ. ﻭﺘﻭﻗﻊ ﻤﻥ ﺨﻼل ﺘﺼﺭﻴﺤﺎﺕ ﻟﻤﺴﺅﻭﻟﻴﻥ ﻭﺁﺭﺍﺀ ﻟﻠﺨﺒـﺭﺍﺀ ﺒﺎﺴـﺘﻤﺭﺍﺭ
ﺍﻵﺜﺎﺭ ﺍﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻟﻸﺯﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﺼﺭﻱ ﺨﻼل ﺍﻟﻌﺎﻤﻴﻥ ﺍﻟﻘﺎﺩﻤﻴﻥ، ﻓﻲ ﻅل ﺘﺭﺍﺠﻊ ﻤﻌـﺩﻻﺕ ﺍﻟﻨﻤـﻭ ﻋﻠـﻰ
ﺍﻟﺼﻌﻴﺩﻴﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻭﺍﻟﻘﹸﻁﺭﻱ.
ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺘﺤﻤل ﻤﻼﻤﺢ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺭ
ﻴﺨﻠﺹ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، ﻭﺇﻥ ﻜﺎﻥ ﻟﻬﺎ ﺃﻀﺭﺍﺭﻫﺎ ﺍﻟﻤﺎﺩﻴﺔ ﺍﻟﻤﻠﻤﻭﺴﺔ، ﻓـﺈﻥ ﻟﻬـﺎ ﺠﻭﺍﻨـﺏ
ﺇﻴﺠﺎﺒﻴﺔ، ﺘﺘﻤﺜل ﻓﻲ: ﺍﻟﺼﺤﻭﺓ ﻤﻥ ﺍﻟﺘﺒﻌﻴﺔ ﻭﺍﻻﻨﻘﻴﺎﺩ ﻟﻺﺩﺍﺭﺓ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ ﺴﻴﺎﺴﻴﺎﹰ ﻭﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﻭﻟﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻋﺘﻤﺩﺕ
ﻋﻠﻰ ﺘﺤﻘﻴﻕ ﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻘﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺤﺴﺎﺏ ﻗﺎﻋﺩﺓ ﻋﺭﻴﻀﺔ ﻤﻥ ﺍﻟﻔﻘﺭﺍﺀ، ﻜﻤﺎ ﺃﻨﻬﺎ ﺃﻋﺎﺩﺕ ﺃﻫﻤﻴـﺔ ﺍﻟﻨﻅـﺭ ﻟﻠﺘﺠﻤﻌـﺎﺕ
ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ ﻭﻀﺭﻭﺭﺓ ﺇﻋﻤﺎل ﺘﻌﻅﻴﻡ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ، ﻭﻀﺭﻭﺭﺓ ﻭﺠﻭﺩ ﻨﻅﺎﻡ ﻋﺎﻟﻤﻲ ﻗﺎﺌﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤـﺸﺎﺭﻜﺔ ﺒـﻴﻥ
ﻤﺠﻤﻭﻋﺔ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﻭﻯ ﺍﻟﻜﺒﺭﻯ، ﻤﻊ ﺍﻷﺨﺫ ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺇﺼـﻼﺡ ﺍﻟﻤﺅﺴـﺴﺎﺕ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴـﺔ، ﺍﻟـﺴﻴﺎﺴﻴﺔ ﻤﻨﻬـﺎ
ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻭﺍﺀ ﻤﺜل ﻫﻴﺌﺔ ﺍﻷﻤﻡ ﺍﻟﻤﺘﺤﺩﺓ ﻭﻤﺠﻠﺱ ﺍﻷﻤﻥ ﻭﺼﻨﺩﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺩ ﻭﺍﻟﺒﻨﻙ ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ.
ﺃﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻌﻴﺩ ﺍﻟﻘﹸﻁﺭﻱ، ﻓﻴﺭﻯ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺯﻭﺍل ﺍﻟﺤﻜﻭﻤﺎﺕ ﺍﻟﺩﻴﻜﺘﺎﺘﻭﺭﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻜﺭﺴـﺕ ﺍﻟﺘﺒﻌﻴـﺔ ﻭﺍﻻﻨﻘﻴـﺎﺩ
ﻷﻤﻴﺭﻜﺎ، ﻭﺨﻠﻔﺕ ﺍﻟﻔﻘﺭ ﻭﺍﻟﺒﻁﺎﻟﺔ ﻟﺸﻌﻭﺒﻬﺎ.
ﻭﻴﻁﺎﻟﺏ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﺒﺈﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻅﺭ ﻓﻲ ﺴﻠﻭﻜﻬﻡ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﺍﻻﻨﺼﺭﺍﻑ ﻋﻥ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﺭﻓﻴـﺔ ﻭﺍﻻﺴـﺘﻬﻼﻜﻴﺔ،
ﻭﻀﺭﻭﺭﺓ ﺍﻻﺩﺨﺎﺭ ﻭﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﺜﺭﻭﺍﺕ ﻭﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻡ، ﻤﻊ ﺍﻟﺘﺭﻜﻴﺯ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻴﻤﺎﻥ ﺒﺎﻟﺫﺍﺕ ﺒﻌﺩ ﻨﺠﺎﺡ ﻨﻤﺎﺫﺝ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻤـﺔ
ﺍﻟﻤﺤﺩﻭﺩﺓ ﻓﻲ ﻭﺠﻪ ﻤﺸﺭﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﺘﻭﺴﻊ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ، ﻜﻤﺎ ﻴﺤﺩﺙ ﻓﻲ ﺇﻴﺭﺍﻥ، ﻭﻜﻭﺭﻴﺎ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ، ﻭﺤﺯﺏ ﺍﷲ، ﻭﺤﻤﺎﺱ.
ﻜﻤﺎ ﻴﻁﺎﻟﺏ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﺒﻀﺭﻭﺭﺓ ﺍﻷﺨﺫ ﺒﺎﻟﻘﻭﺍﻋﺩ ﻭﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﻤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻹﺴﻼﻤﻲ، ﺒﻌﺩ ﺃﻥ ﺘﺒﻴﻥ ﻟﻠﻐﺭﺏ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻡ
ﺴﻼﻤﺔ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ، ﻭﻟﻜﻥ ﻴﺒﻘﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺩﻭل ﺍﻹﺴﻼﻤﻴﺔ ﺤﺴﻥ ﺘﻘﺩﻴﻡ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺠﺎﻨﺏ ﻟﻠﻌﺎﻟﻡ ﻟﻴﺤل ﺒﺩﻴﻼﹰ ﻋـﻥ ﺍﻟﻨﻅـﺎﻤﻲ
ﺍﻻﺸﺘﺭﺍﻜﻲ ﻭﺍﻟﺭﺃﺴﻤﺎﻟﻲ، ﻭﺒﺨﺎﺼﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻹﺴﻼﻤﻲ ﻴﻤﺘﻠﻙ ﻤﻨﻅﻭﻤﺔ ﻤﺘﻜﺎﻤﻠﺔ ﻹﺼﻼﺡ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌـﺎﺕ،
ﻭﺘﻠﻌﺏ ﺍﻟﻘﺩﻭﺓ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻓﻴﻪ ﺩﻭﺭﺍﹰ ﻤﻬﻤﺎﹰ ﻭﺃﺴﺎﺴﻴﺎﹰ، ﻭﺍﺴﺘﺸﻬﺩ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺒﺤﻭﺍﺩﺙ ﺘﺎﺭﻴﺨﻴﺔ ﻟﻘﺎﺩﺓ ﻤﺴﻠﻤﻴﻥ ﺍﺘﺴﻤﻭﺍ ﺒﺤﺴﻥ
ﺍﻟﺘﺼﺭﻑ ﻭﺍﻟﻭﺭﻉ ﻓﻴﻤﺎ ﻴﺘﻌﻠﻕ ﺒﺎﻟﻤﺎل ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻴﺔ ﻭﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ.
ﻭﻴﻨﺘﻬﻲ ﺍﻟﻤﺅﻟﻑ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻷﺯﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺘﺤﻤل ﻓﻲ ﻁﻴﺎﺘﻬﺎ ﺒﻭﺍﺩﺭ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺭ ﺍﻹﻴﺠـﺎﺒﻲ ﻟﻤﺠﻤـل ﺍﻟـﺴﻴﺎﺴﺎﺕ
ﻭﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺴﺎﺕ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﻅل ﺘﺭﺍﺠﻊ ﺍﻟﺴﻴﻁﺭﺓ ﺍﻷﻤﻴﺭﻜﻴﺔ، ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺭﺏ ﻭﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻥ ﺍﺴﺘﺜﻤﺎﺭ ﻫﺫﻩ ﺍﻷﺠـﻭﺍﺀ ﻟﻨﻴـل
ﺤﻘﻭﻗﻬﻡ ﻭﺘﻘﺩﻴﻡ ﻤﻨﻬﺠﻬﻡ ﺍﻹﺴﻼﻤﻲ، ﻭﺒﺨﺎﺼﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻡ ﻴﻌﺎﻨﻲ ﺍﻵﻥ ﻤﻥ ﻭﺠﻭﺩ ﻜﺎﺭﻴﺯﻤﺎ ﺘﺄﺨﺫ ﺒﻨﺎﺼﻴﺘﻪ ﺇﻟـﻰ ﺒـﺭ
ﺍﻷﻤﺎﻥ.
قراءة كاملاً ←

أزمة البرامجيات (Software Crisis):


المـحـاضـرة الأولــــــــى



                                                   
مـقـدمـة:
بالمقارنة مع مجال دراسة آخر، تعتبر المعلوماتية علم حديث العهد. له ثوراته التي تسلسلت بما ندعوه بأجيال البنية الصلبة بدءاً من (الصمام المفرغ، الترانزيستور، وحالياً الدارات التكاملية) الخ . وكما عرض Dijkstra في محاضرته لجائزة Turing، فإن إمكانية هذه الأدوات قد تنامت لتفوق كثيراً إمكانيات السيطرة عليها. وبشكل مماثل، فلقد طورنا أدوات برمجية لمساعدتنا في حل المسائل والتحكم بآلاتنا. ولكن العديد من هذه الأدوات مازالت لا تساعدنا بالتغلب على تعقيد الحلول. وبالتالي فإن تطوير البرامجيات لم يعد نشاطاً موفراً للجهد، لكنه يتطلبه وبشكل مكثف. وهذا الوضع، هو ما ندعوه بأزمة البرامجيات.

أزمة البرامجيات (Software Crisis):
ظهرت علامات أزمة البرامجيات على شكل برامجيات لا توافق حاجات المستخدمين، قليلة الوثوقية، كثيرة الكلفة، في غير أوانها، غير مرنة، صعبة الصيانة، وغير قابلة للاستخدام من جديد. وقد امتلأت العقود الأخيرة بمشاريع برامجيات أخفقت أو مازالت تتقدم بصعوبة وتدعى هذه الظاهرة بالفساد البرمجي. وحديثاً فقط، بدأنا بفهم تعقيد النظم البرمجية الضخمة، وكيفية السيطرة و التحكم بتطويرها.
        ولحل المشاكل الغامضة لأزمتنا، يجب أن نأخذ الآن طريقة ذات قواعد لتطوير البرمجيات، باستخدام منهجية تصميم مناسبة. ومع ذلك، لا تكفي المنهجية لوحدها لتجابه أزمة البرامجيات، بل يجب أن نملك أيضا وسيلة مناسبة للتعبير، ولتنفيذ تصاميمنا (لغة البرمجة).
        ويمثل تطوير النظم البرمجية نشاطاً يتطلب الكثير من القدرة العقلية. أما إكمال نظام فعَال، قابل للتطبيق في الوقت المناسب، قابل للصيانة، وقابل للفهم. غالباً ما تكون مهمة أكثر صعوبةً، خصوصا في حالة المشاريع الضخمة، وبرامجيات الزمن الحقيقي (Real Time Systems). والمحترف الذي يكوَن نظماً كهذه يجب أن يكون علمـياً وفنـاناً في الوقت نفسه.
        فمن الناحية الأولى، يجب أن يكون المبرمج شخصا علمياً. بمعنى انه يعمل على أساس مؤلف من نظريات (Theory) واضحة أكيدة، ومجموعة مبادئ مطبقة ( Principles ). فعلى سبيل المثال يمكن للمبرمج إن يستخدم تقنيات البرمجة مثل تحليل البنى(Structural Analysis  )، والتصميم غرضي التوجه      (Object Oriented Design) أو المفاهيم الرياضية لنظرية التحليل العددي، وبحوث العمليات. أما من الناحية الأخرى، يجب أن يكون المبرمج أيضا شخصاً فناناً، ينحت ويركب مكونات النظام من المواد الخام لبنى المعطيات (Data Structure) والخوارزميات (Algorithms)، ومن ثم يجمع الأجزاء ليشكل هذا النظام. ومن المحتمل أن هذه الثنائية هي التي تجعل المعلوماتية علماً أخاذاً، وتتسبب بالمقابل بالكثير من المشاكل.

طبيعة الأزمة (The Nature of The Crisis):
إن القول بوجود أزمة برامجيات (Software Crisis)، يعتبر صيغة سطحية، ففي واقع الحال هنالك اختلاف بسيط عما يمكن تسميته "أزمة".
        فتعَرف كلمة أزمة في القاموس بأنها، نقطة تحول في مسار أي شيء أو زمن حرج أو حاسم. ولكن في حالة البرامجيات لا توجد نقطة تحول ولا زمن حاسم، لدينا فقط تغير تطوري بطيء استمر ثلاثين عاماً، وهذا ما يعني وجود تناقض في استعمال المصطلح.
  إن ما لدينا حقيقةً هو مرض مزمن في تطوير البرامجيات، وتعًرف كلمة مزمن بأنها، البقاء مدة طويلة أو التكرار الدائم للحالة. إن وصفنا لما عانينا منه خلال العقود الثلاثة الماضية بأنه مرض مزمن أدق بكثير من وصفه بأزمة، فلا وجود لحل سحري، ولكن توجد طرق يمكننا بها أن نخفف الحالة أثناء الاستمرار في البحث عن الحل الأفضل.
  وبمعنى آخر، يتمثل جوهر أزمة أو مرض البرامجيات، بأن بناء نظم برمجية أصعب بكثير مما نشعر أو نحس به.
  ففي الحالة التقليدية، يمكننا بناء نظم مؤلفة من عدة مئات من اسطر الترميز، ونحس بثقة إننا نفهم المشروع المطروح يشكل كامل. وان تغيير برامجيات كهذه ليس صعباً، إذ نستطيع تذكر بنية التصميم بعد عدة أيام من إكمالنا لنسختنا الأولى. وإذا كشف اختبارنا مشاكل ضخمة، يمكننا تجاوزها بسهولة أو نعاود العمل من الصفر.
  وبالمقابل، إن تصميم وتنفيذ نظم مؤلفة من عشرات الآلاف، إن لم يكن ملاين من اسطر الترميز يمثل مسألة مختلفة. فالجهد المطلوب لإكمال نظاما كهذا يتعدى القدرات العقلية والفيزيائية لشخص واحد. وعندما نزيد من كادر المشروع لتقاسم المهمة، تتضاعف المشكلة، إذ إننا ندخل بذلك مشاكل إضافية تتعلق بموضوع التواصل بين الأفراد. وبالتالي، فان تغيير نظام كهذا يكون صعباً، لأن البيئة المتكاملة للمشروع لم تتعلق بشخص واحد. وإذا كشف الاختبار مشاكل ضخمة، فعادةً لا نملك وسائل فذة (من المال والزمن) لإعادة تصميم النظام بكامله مجدداً.

الأسباب الرئيسية للأزمة (Underlying Causes of The Crisis):
إن المطور البرمجي يسلك غالباً سلوك الفنان. ومع ذلك عندما نزجه في بيئة هندسية غالبا ما تكون النتيجة غير جيدة. وهذا لا يعني بأن البرمجة مجردة من الإبداع. فعلى العكس، إن ومضة الإبداع هي التي تدعنا نرى الحلول الفريدة من نوعها. وتأتي المشكلة، عندما نطبق فناً بشكل غير مدروس. فبالنسبة للموسيقي فإنه ينتج تنافر في النغمات؛ أما بالنسبة للمبرمج، فإنه ينتج نظام برمجي مكلف، لا يمكن تحقيقه، ولا يمكن صيانته.

وقد اقترح Devlin عدة أسباب للأزمة، منها:
©   إخفاق في تنظيم وفهم دورة الحياة التي تؤدي لتطور البرنامج.
©   نقص في عدد الأشخاص المؤهلين في هندسة البرامجيات.
©   إن أسس Van Neumann لمعظم آلاتنا، لا تشجع استخدام أساليب البرمجة العصرية.
©   الاتجاه للاعتصام باستخدام لغات برمجة قديمة وغير عملية.
ولقد أكد على النقطة الأخيرة بإضافة " لا يوجد مسؤول يقبل بالجيل الأول من الحاسبات والذي يعتمد على الصمام المفرغ. وبالمقابل يوجد قلة منهم يريدون التخلي عن لغات البرمجة من الجيل الأول، مثل      الـ FORTRAN ".
فنحن نواجه مشاكل تطبيقية معقدة غير إن الطرق، اللغات، والأدوات الموجودة حالياً تخفق بمساعدتنا لإيجاد الحلول المناسبة. ولا نستطيع أن نأمل باختصار تعقيد مسائلنا ؛ حيث كلما أصبحت أدواتنا أفضل كلما نكتشف باستمرار مجال مسألة ذات تعقيد متزايد.










قراءة كاملاً ←

سيادة الدول في ظل تحولات موازين القوة..مدونة د هشام عوكل


سيادة الدول في ظل تحولات موازين القوة
في النظام الدولي



د. حسن نافعة
أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة
1ـ عن المفهوم وإشكالياته:
"السيادة" مفهوم قانوني ـ سياسي ارتبط بوجود الدولة القومية الحديثة واصبح أحد أهم خصائصها وسماتها الرئيسية. وحين توصف الدولة بأنها كيان يتمتّع بالسيادة فالمقصود ان الدولة هي التنظيم السياسي والاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره أن يحتكر أدوات القوة التي يحتاجها، بما في ذلك أدوات القمع والإكراه، لفرض سلطته على مجمل الإقليم الذي يشكل حدوده السياسية، وعلى الأفراد الذين يقطنون هذا الإقليم. معنى ذلك أن تمتع الدولة بخاصية السيادة هو الذي يبرر احتكارها لأدوات القوة اللازمة لتمكينها من القيام بوظائفها وأدوارها المختلفة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهي وظائف وأدوار حيوية للغاية وغير قابلة للاختزال على الرغم من أن مضمونها وأساليب القيام بها تقبل التغير والتحول لمواكبة التطور المستمر في طبيعة العلاقات الدولية. فالدولة هي وحدها المسؤولة عن سن القوانين وفرض الالتزام بها وتحقيق الأمن والنظام والاستقرار في الداخل، وهي وحدها المسؤولة، في الوقت نفسه، عن الدفاع عن الوطن وحماية أمنه وسلامته وتكامله الإقليمي في مواجهة القوى والأطماع الخارجية.
ويرتبط مفهوم السيادة بمفهوم استقلال وحرية الإرادة، ولذلك يعد الاستقلال السياسي شرطا لازما لتمكين الدولة من ممارسة مظاهر سيادتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. بعبارة أخرى يفترض في السلطة السياسية التي تجسد إرادة الدولة وتمارس مظاهر السيادة باسمها أن تكون مستقلة وموحدة وفي وضع يمكّنها من فرض إرادتها وسيطرتها في الداخل وهيبتها واحترامها في الخارج، وأن تكون قادرة على التعامل بندية وتكافؤ مع الدول الأخرى. ولذلك تفقد الدولة من سيادتها بقدر ما تفقد من استقلالها. فالدول التي تخضع للاحتلال الأجنبي والاستعمار المباشر تفقد استقلالها، وبالتالي سيادتها، كلية. وقد شهدت العلاقات الدولية، عبر مراحل تطورها التاريخي، نماذج مختلفة لدول "فاقدة السيادة"، بسبب خضوعها للاحتلال المباشر، ولدول "ناقصة السيادة"، بسبب خضوعها لنظم دولية خاصة كالحماية أو الانتداب أو الوصاية أو التبعية السياسية.
وكانت حركة المد الاستعماري، والتي بدأت مع الكشوف الجغرافية الكبرى ووصلت ذروتها خلال القرن التاسع عشر، قد أدت الى تقلص عدد الدول المستقلة على المسرح الدولي، بعد أن تمكنت حفنة صغيرة من الدول الاستعمارية الأوروبية من أحكام سيطرتها على العالم. غير أن حركة مناهضة لها هي التحرر الوطني، والتي وصلت ذروتها خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين، عادت وتمكنت من تصحيح هذا الوضع المختل وأدت بالتالي إلى زيادة هائلة في عدد الدول المستقلة بعد أن استعادت جميع الدول "فاقدة" أو "ناقصة" السيادة لوضعها الطبيعي كدول مستقلة ذات سيادة. وهكذا لم يعد هناك سوى حالات نادرة لدول يمكن وصفها، قانونيا، بالدول المستعمَرة أو المحمية أو التابعة، كما لم تعد هناك دول خاضعة لنظام الانتداب أو الوصاية. وأصبحت جميع شعوب العالم تقريبا تعيش الآن داخل وحدات سياسية مستقلة تسمى الدول وتتمتع، من الناحية الشكلية على الأقل، بالسيادة الكاملة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وقد ظل مفهوم السيادة موضوعا لجدل فقهي لم يتوقف في الواقع منذ نشأة ظاهرة الدولة القومية في أوروبا في منتصف القرن السابع عشر وحتى الآن. ففي أعقاب ظهور الدولة القومية، بدت الحاجة ملحة لحماية هذا الشكل الوليد من أشكال التجمع الإنساني، ولذا مال معظم الفقهاء نحو التشدد والتوسع في مفهوم السيادة، فاعتبروا أن السيادة إما أن تكون مطلقة أو لا تكون. والسيادة بمعناها المطلق تعني عدم خضوع الدولة لأي سلطة سياسية أعلى، وأن يصبح بمقدورها أن تقرر بنفسها ما تراه صالحا لها، وأن لا تسمح لأحد كائنا من كان بالتدخل في شؤونها الخاصة، وأن تكون مطلقة الحرية في اختيار نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الداخل، وفي اختيار ما تراه مناسبا من وسائل لتحقيق مصالحها، في الخارج، بما في ذلك حقها في استخدام القوة.
وربما كان الفيلسوف البريطاني هوبز من أبرز من جسد هذه الرؤية، والتي بررها بوجود اختلاف نوعي بين طبيعة الدولة، كمجتمع، وبين مجتمع الدول. فالدولة، في رأيه، مجتمع منظم يسوده القانون والنظام العام ويخضع أفراده لسلطة سياسية موحدة يعترفون لها بصلاحية تحديد وفرض هذا القانون وذلك النظام، أما "جماعة الدول" فتتكون من وحدات ما تزال تعيش "حالة الطبيعة"، اي حالة الفوضى، ويحكمها قانون الغاب الذي يقوم على مفهوم القوة وحدها وليس على مفهوم القانون، وبالتالي فهي وحدات لا تخضع، وربما لا تقبل الخضوع بطبيعتها، لأي سلطة سياسية أعلى منها.
غير أن المآسي الإنسانية الكبرى التي نجمت عن الحروب واستخدام القوة كوسيلة لحل المنازعات، من ناحية، وتطور علاقات الاعتماد المتبادل بين الدول، من ناحية أخرى، رسخت الاقتناع بنسبية مفهوم السيادة وباستحالة، بل وبخطورة، الادعاء بوجود سيادة مطلقة على ارض الواقع. فالسيادة هي، في جوهرها، أداة لتنظيم العلاقات بين الدول، وليست حقا مكتسبا لفرض الإرادة المنفردة على الآخرين. وبهذا المعنى يصبح من الممكن إزالة أي تناقض بين مفهوم السيادة ومتطلبات الالتزام بقواعد القانون الدولي العام وإدارة العلاقات الدولية من خلال أطر وإجراءات مؤسسية اصبح لا غنى عنها لتنظيم العلاقات بين الدول.
وإذا كان مفهوم السيادة يرتبط، بالضرورة، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون، بتسليم الدول، كبيرها وصغيرها، بعدد من المبادئ أو القواعد العامة الحاكمة للعلاقات في ما بينها، وفي مقدمتها مبدأ المساواة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، فإن هذه المبادئ نفسها تثير العديد من الإشكاليات في ما يتعلق بوضع مفهوم السيادة موضع التطبيق. فالإقرار بمبدإ سيادة الدول، وبالتالي بأهليتها للتصرف كشخص من أشخاص القانون الدولي العام، يرتب تلقائيا، ضرورة التسليم بمبدإ المساواة القانونية بينها، وبالتالي ضرورة التزام الجميع بالكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للغير. ونظرا لأن هذه المساواة القانونية لا تقابلها مساواة فعلية على ارض الواقع، حيث تختلف كثيرا أحجام وأوزان وقوة الدول، وبالتالي قدرتها على التأثير الفعلي على مجمل التفاعلات الدولية، فإن هذه المفارقة تثير إشكالية كبرى في تنظيم العلاقات بين الدول وفي وضع خطوط فاصلة بين الشأن الداخلي، والذي هو مسؤولية الدولة المعنية وحدها، والشأن الخارجي، والذي يفترض، أو يتعيّن، أن يكون مسؤولية المجتمع الدولي ككل.
ولأنه يوجد ميل طبيعي من جانب الدول الأكبر والأقوى في المجتمع الدولي للتدخل في شؤون الدول الأصغر والأضعف، كما يوجد نفور طبيعي من جانب الدول الأكبر والأقوى في المجتمع الدولي للتعامل مع الدول الأصغر والأضعف على أساس من الندية والمساواة، فقد كان من الطبيعي أيضا أن تواجه المحاولات الرامية لتنظيم العلاقات الدولية وفق قاعدة المساواة في السيادة صعوبات بالغة. ويمكن القول ان تطور فكرة السيادة، كمفهوم أو كأداة قابلة للتطبيق عمليا داخل نسيج العلاقات الدولية، تأثر بعاملين رئيسيين:
الأول: ثقل وموقع الدولة كفاعل في العلاقات الدولية، مقارنة بالفاعلين الدوليين الآخرين الذين بدءوا يزاحمون الدول مثل: المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، والشركات متعدية الجنسية.. الخ.
الثاني: موازين القوى السائدة وطبيعة وهيكل النظام الدولي الذي تفرزه هذه الموازين في المراحل التاريخية المختلفة لتطور العلاقات الدولية.
2 ـ موقف القانون الدولي:
يعتبر ميثاق الأمم المتحدة هو الوثيقة الرئيسية التي تحدد وتعكس موقف القانون الدولي من المفاهيم والقضايا الدولية الرئيسية، ومنها مفهوم وقضية سيادة الدول. ويمكن القول، دون مبالغة أو تجاوز، أن البنية الفلسفية والقانونية لهذه الوثيقة لا ترتكز على مجرد الاعتراف بمفهوم السيادة ولكنها تحاول في الوقت نفسه تكريسه وتدعيمه كمبدإ وكأساس للتنظيم الدولي وكمعيار لتحديد حقوق الدول وواجباتها. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق على "قيام الأمم المتحدة على مبدإ المساواة في السيادة بين جميع الأعضاء. والمقصود هنا المساواة القانونية في الحقوق والواجبات. ويعكس الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة، كما تعكس معظم القواعد والإجراءات الأساسية المحددة لحقوق الدول وواجباتها مدى حرص الأمم المتحدة على وضع هذا المبدإ الأساسي موضع التطبيق. فجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة متساوون في الحقوق والواجبات، وفي مقدمتها حقوق المشاركة والتصويت في أعمال المنظمة وفقا لقاعدة أن لكل دولة صوت واحد.
ومع ذلك فقد تعين أن يوائم الميثاق، في الوقت نفسه، بين ما تفرضه حقوق السيادة، من ضرورة المساواة القانونية بين الدول الأعضاء كبيرها وصغيرها، وبين ما تفرضه مقتضيات الفاعلية، من ضرورة تحمل الدول الكبرى اعباء ومسؤوليات خاصة في ما يتعلق بدورها في المحافظة على السلم والأمن الدولي، ومطالبتها هذه الدول بأن تتمتع في مقابل ذلك بحقوق ومزايا موازية. فقد اقتضت الاعتبارات الخاصة بتفعيل دور الأمم المتحدة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، مقارنة بدور عصبة الأمم، منح خمس دول كبرى تم تحديدها بالاسم مقاعد دائمة في مجلس الأمن ومزايا تصويتية لا تتمتع بها بقية الدول الأعضاء في المجلس (حق الفيتو).
غير ان الميثاق لم يكتف بمجرد الاعتراف بمبدإ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء ولكنه حاول، في الوقت نفسه، تدعيم هذا المبدإ بتحريم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، حتى من جانب الأمم المتحدة نفسها. إذ نصت الفقرة السابعة من المادة الثانية على أنه: "ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة التدخل في الشؤون التي تعتبر من صميم الاختصاص الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يسمح للدول الأعضاء بأن تطرح هذه الشؤون على أجهزة الأمم المتحدة لمعالجتها بمقتضى الميثاق". غير ان نص الفقرة نفسها وضع قيدا على هذا التحريم المطلق حين اضاف على الفور: "أن التسليم بهذا المبدإ (عدم التدخل في الشؤون الداخلية) لا يحول دون تطبيق تدابير الردع الواردة في الفصل السابع من الميثاق. معنى ذلك أنه لا يجوز الدفع بمبدإ حظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء لتقييد حرية مجلس الأمن في اتخاذ ما يراه من تدابير لازمة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، خصوصا تلك المتعلقة بأعمال الردع أو المنع أو القمع المخولة له بموجب الفصل السابع من الميثاق. غير أن ميثاق الأمم المتحدة لم يتضمن تعريفا أو حصرا للمسائل التي تدخل في إطار الاختصاص الداخلي للدول.
تجدر الإشارة الى ان عهد عصبة الأمم كان قد تضمن نصا مشابها اختلف الفقهاء حول تفسيره، ولم تتمكن المحكمة الدائمة للعدل الدولي من حسم الجدل المثار حوله عندما تعرضت له في رأيها الاستشاري الصادر يوم 7 فبراير عام 1933 والخاص بموضوع إجراءات منح الجنسية بين فرنسا والمغرب. فقد ورد في هذا الرأي ما يفيد أن الأمور التي تعد من قبيل الاختصاص الداخلي للدول لا تنظمها قواعد القانون الدولي العام وتفسر تفسيرا نسبيا يتوقف على درجة تطور العلاقات الدولية.
ومن المعروف أن موقف الفقهاء من قضية حدود الشأن الداخلي للدول يختلف اختلافا بيّنا. فهناك من يعتبر أن لكل دولة الحق في تحديد ما تعتبره شأنا داخليا يخصها (نظرية اختصاص الاختصاص)، وهناك من يحاول تضييق نطاق الصلاحيات الممنوحة للسلطة المنفردة للدول في هذا الشأن لحساب الصلاحيات الموكولة للمؤسسات التي تتحدث باسم المجتمع الدولي، وخصوصا المؤسسات المعنية بالمحافظة على السلم، مثل مجلس الأمن. كما تجدر الإشارة إلى أن الميثاق لم يقصر اختصاصات وصلاحيات الأمم المتحدة على المجالات السياسية والأمنية فقط وإنما مد نطاق هذه الصلاحيات والاختصاصات لتشمل كافة المجالات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما في ذلك المجالات التي كانت تعتبر، تقليديا، من صميم الاختصاص الداخلي للدول، مثل قضايا حقوق الإنسان.
ولكي يوفر الميثاق بيئة دولية ملائمة، تحافظ على استقلال الدول وسيادتها وتحترم مبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية، تضمن مبادئ وقواعد أخرى معاونة تلزم كافة الدول الأعضاء باللجوء إلى الوسائل السلمية وتحريم استخدام القوة أو التهديد بها كوسيلة لحل المنازعات الدولية وتنفيذ التزاماتها بحسن نية.. الخ.
نخلص من هذا الاستعراض الموجز لموقف القانون الدولي من هذه القضية إلى أن الأصل هو الاعتراف بالسيادة كمفهوم وكأداة ضرورية لتنظيم العلاقات الدولية. ويرتب هذا الموقف، تلقائيا، اعترافا صريحا بصلاحيات الدول في الإدارة المنفردة لشؤونها الداخلية ووجوب امتناع الآخرين، أيا كانوا، عن التدخل في هذه الشؤون. لكن هذا الاعتراف لا يعني إطلاق يد الدول في الشؤون الداخلية وإنما هو محكوم ومقيد بضوابط وشروط تضمن التزام الدول بإدارة هذه الشؤون بطريقة لا تتعارض مع التزاماتها ومسؤولياتها الدولية، ولا تمس بحقوق ومسؤولية والتزامات المؤسسات الدولية، وخاصة مجلس الأمن حين يتصرف وفقا للفصل السابع من الميثاق. بعبارة أخرى يمكن القول إنه إذا ترتب على الاعتراف بالاختصاص الداخلي وبمبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية احتمال الإخلال بقدرة المؤسسات الدولية على القيام بواجباتها لصالح المجتمع الدولي فإنه يجب ترجيح كفة الصلاحيات المخولة للمؤسسات الدولية على كفة الصلاحيات المخولة للدول في هذه الحالة.
وقد ساعدت عوامل عديدة في الواقع على ترجيح كفة الاتجاه المطالب بتقييد الاختصاص الداخلي للدول لصالح التوسع في اختصاصات المؤسسات الدولية وتمكين هذه الأخيرة من إدارة أكثر فاعلية لشؤون ومصالح المجتمع الدولي ككل. من هذه العوامل :
1ـ عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين ما هو شأن داخلي وما هو شأن دولي وضوحا كاملا وقاطعا في القانون الدولي، مما أتاح مجالا واسعا للتفسيرات المختلفة وربما المتعارضة.
2ـ تداخل وتشابك المصالح بين الدول والمجتمعات الإنسانية وتعاظم درجة الاعتماد المتبادل بينها نتيجة تطور العلاقات بينها في جميع المجالات تحت تأثير الثورات العلمية والتكنولوجية المتعاقبة، مما ضاعف من صعوبة الفصل القاطع بين "شؤون الداخل" و"شؤون الخارج".
3ـ تآكل الدور التقليدي للدول في العلاقات الدولية بسبب بروز ومزاحمة فاعلين دوليين آخرين مثل المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية، والشركات متعدية الجنسية وغيرها، مما ساعد على ظهور شبكات وخرائط جديدة للتفاعلات والمصالح الدولية لا تتطابق بالضرورة مع خريطة التقسيم السياسي للعالم على أساس الدول القومية.
ولهذا لم يعد مقبولا أن تتعلل الدول بسيادتها وبمبدإ تحريم التدخل في شؤونها الداخلية، مثلما كان يحدث عادة في الماضي، للحيلولة دون تمكين المؤسسات الدولية من الاضطلاع بمسؤولياتها.
غير أن ترجيح كفة المؤسسات الدولية ومنحها صلاحيات جديدة للتدخل في بعض ما كان يعتبر تقليديا شأنا داخليا، تطلب بدوره، وكما سنشير لاحقا، وضع ضوابط دقيقة تقضي أن يكون هذا التدخل في أضيق الحدود الممكنة، من ناحية، وأن يكون مدفوعا بالرغبة الصادقة في تحقيق مصالح عليا مؤكدة تتعلق بالمجتمع الدولي ككل، وليس مجرد غطاء لمصالح دولية خاصة أو ضيقة.
3ـ سيادة الدول في ظل القطبية الثنائية:
لا جدال في أن إبرام ميثاق الأمم المتحدة، بما تضمنه من مبادئ وقواعد وضوابط عديدة ومتكاملة، ثم دخوله حيز التنفيذ الفعلي، بعد تصديق الدول الموقعة عليه، شكل خطوة هائلة إلى الأمام على طريق محاولة نقل العلاقات الدولية من "حالة الطبيعة" إلى "حالة المجتمع"، وفقا للتعبير الأثير لدى هوبز. غير أن هذه الخطوة لم تكن كافية بذاتها لضمان وكفالة احترام المبادئ والقواعد المنصوص عليها في الميثاق، وخاصة ما يتعلق منها باستقلال وسيادة الدول ومنع التدخل في شؤونها الداخلية. فقد توقف ذلك على توافر عاملين إضافيين متكاملين ومترابطين، الأول: أن تعمل الدول من تلقاء نفسها وفق النهج الذي حدده الميثاق، والثاني: أن تصبح المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، في وضع يسمح لها بإلزام الدول بالسير وفق هذا النهج، وبإنزال العقاب الملائم بكل من يجرؤ على الخروج عليه. وللأسف فإن التعويل على الالتزام الذاتي والإرادي للدول بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى هو أمر يبدو مغرقا في مثاليته ولا يستقيم مع خبرة وتجارب الماضي، ولذلك تركزت الآمال في الأمم المتحدة، وبالذات في مجلس الأمن، لتوفير تلك الضمانات. غير انه تبين أن المناخ الدولي الذي ساد في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة لم يساعد على تهيئة أفضل الظروف لقيام مؤسسات دولية فاعلة.
فالوضع الدولي الاستثنائي الذي أفرز منظومة الأمم المتحدة كان قد اتسم بصراع حاد بين تحالفين دوليين تمكن أحدهما من الانتصار على الآخر وسحقه. وهكذا اصبح التحالف المنتصر هو نفسه "الأمم المتحدة" وتم استبعاد التحالف المهزوم من المنظمة الدولية الوليدة حتى إشعار آخر. ولم يكن التحالف المنتصر نفسه يشكل بدوره كتلة واحدة متجانسة عند إنشاء "الأمم المتحدة"، ولكنه كان ينقسم بدوره إلى مجموعتين مختلفتي المصالح والأهداف: مجموعة الدول الكبرى التي تحملت العبء الأكبر في تحقيق النصر وهي: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (السابق) والمملكة المتحدة، ومعهما فرنسا والصين أيضا، وهي المجموعة التي تم الاعتراف لها بوضع متميز في النظام الدولي مكنها من الحصول على عضوية دائمة وعلى حق الاعتراض "الفيتو" في مجلس الأمن، ومجموعة الدول الأخرى التي لم يكن أمامها من خيار آخر سوى أن تسلم بالمزايا الممنوحة للدول الكبرى المنتصرة وان تقبل بالأوضاع الجديدة على مضض. أما الدول والشعوب التي كانت تقف خارج أسوار المنظمة الدولية الوليدة عند نشأتها فلم تكن قاصرة على الدول "المهزومة" وحدها وإنما شملت أيضا كافة البلدان التي كانت ما تزال خاضعة للاستعمار الغربي وخاصة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
غير أن الأحلام والتطلعات التي صنعت الأمم المتحدة في لحظة كان النظام الدولي يمر فيها بحالة من السيولة سرعان ما اصطدمت بموازين القوى الفعلية التي افرزها النظام الدولي الجديد الذي استقر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستمر بعد ذلك لما يقرب من خمسين عاما، وهو نظام القطبية الثنائية. فقد تصدع تحالف الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، وانقسم بدوره إلى معسكرين إيديولوجيين متصارعين يسعى كل منهما للهيمنة على العالم. وآثار هذا الانقسام سلسلة من التفاعلات وردود الأفعال غيرت من قواعد اللعبة التي كان قد تم الاتفاق عليها في الميثاق. وفي ظل النظام الدولي ثنائي القطبية تغير مفهوم "العدو" كما تغيرت النظرة إلى مفهوم الاستعمار لتصبح المستعمرات نفسها محلا للصراع على النفوذ بين القطبين العظميين.
ولا جدال في أن هذا التحول في هيكل النظام الدولي كانت له جوانبه السلبية والإيجابية كما كانت له انعكاساته الهائلة على قدرة الأمم المتحدة على المحافظة على استقلال وسيادة الدول والحيلولة دون تدخل الدول الكبرى في شؤون الدول الصغرى. ولو أن هذا التحول كان قد تم قبل انعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو أو بعده مباشرة لما قامت "منظمة الأمم المتحدة" أصلا، أو لقامت على قواعد وأسس مختلفة تماما. وعلى أي حال فقد دفع هذا التحول في اتجاهين متناقضين في ما يتعلق بقدرة الأمم المتحدة على المحافظة على سيادة الدول ومنع التدخل في شؤونها الداخلية. فالحرب الباردة أدت، من ناحية، إلى شلل نظام الأمن الجماعي، ومن ناحية أخرى، إلى ضخ الرياح في شراع حركة التحرر الوطني وبالتالي فتحت طريق العالمية أمام الأمم المتحدة بعد أن كانت أقرب إلى كونها منظمة للدول المتحالفة والمنتصرة في الحرب العالمية الثانية.
أولا: شلل نظام الأمن الجماعي:
كان ميثاق الأمم لمتحدة، كما سبقت الإشارة، قد وضع نظاما دقيقا ومتكاملا للأمن الدولي يقوم على فكرة أن أمن الجزء يرتبط ارتباطا عضويا بأمن الكل، ومن ثم يتعين على هذا الكل (ممثلا في الأمم المتحدة) أن يتصدى، مجتمعا، لأي عدوان أو تهديد قد تتعرض له أي دولة عضو. وتضمن هذا النظام ثلاث عناصر وآليات محددة:
1ـ مبادئ وقواعد سلوك عامة وموحدة يتعين أن تلتزم بها كافة الدول: كبيرها وصغيرها، في العلاقات الدولية.
2ـ جهاز يملك صلاحية مراقبة سلوك الدول وسلطة فرض الجزاءات، بما فيها القيام بعمل عسكري، على الخارجين على قواعد الشرعية الدولية (مجلس الأمن).
3ـ مجموعة من الأجهزة والآليات المكملة التي تستهدف إما مساعدة الدول على تسوية خلافاتها بالطرق السلمية و/أو تهيئة الوسائل الكفيلة بتمكين مجلس الأمن من القيام بوظائفه.
غير أن استكمال مقومات هذا النظام، ناهيك عن تشغيله، تطلب توافق راء وإجماع الدول دائمة العضوية، وهو ما اصبح متعذرا تماما بسبب انقسام التحالف المنتصر في الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين. وخلقت الحرب الباردة أوضاعا أدت إلى انعكاسات خطيرة على نظام الأمن الجماعي. فقد تعذر استكمال آليات النظام نفسه، لأن لجنة أركان الحرب (المنصوص عليها في المادة 47) كجهاز معاون لمجلس الأمن في الأمور العسكرية) لم تتمكن من الاتفاق على وضع المادة 43 (والخاصة بتشكيل جيش دولي يمكن لمجلس الأمن أن يستخدمه عند الضرورة) موضع التنفيذ. وأدى ذلك بدوره إلى تجميد لجنة الأركان نفسها وحرمان مجلس الأمن من الأداة العسكرية التي صممت لتعاونه في قمع العدوان أو ردعه. من ناحية أخرى، فقد أدت الحرب الباردة بين المعسكرين المتصارعين إلى إسراف الدول دائمة العضوية في استخدام حق النقض (الفيتو) والى استخدامه في غير الأغراض التي شرعت له، مما عرقل عمل مجلس الأمن إلى درجة الشلل أحيانا. ولذلك يمكن القول أن نظام الأمن الجماعي ولد غير مكتمل النمو، فعاش طوال حياته مشوها.
وهكذا بدأت الدول الكبرى، وخاصة دول المعسكر الغربي، تبحث عن ترتيبات أخرى لحماية أمنها خارج النظام المنصوص عليه في الميثاق، ووجدت ضالتها في حلف شمال الأطلنطي (1949) ثم في حلف وارسو (1955). وبصرف النظر عما قيل وقتها عن شرعية قيام هذه الأحلاف استنادا الى نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز الدفاع الجماعي عن النفس، إلا أن قيامها اثر تأثيرا سلبيا خطيرا على الأمم المتحدة. فقد حل نظام "مناطق النفوذ" محل نظام "الأمن الجماعي" المنصوص عليه في الميثاق، وهو نظام نقيض له في الواقع. ذلك أن نظام الأمن الجماعي يتعامل مع الكون ككتلة واحدة ويرتب على الكل مسؤولية تضامنية لمواجهة ما قد يقع من عدوان على الجزء. أما نظام مناطق النفوذ فيقسم العالم إلى أجزاء يطلب كل منها الحماية المنفردة لقوة عظمى. وهذا هو ما حدث بالفعل.
فقد خضعت أوروبا الشرقية للنفوذ السوفياتي المنفرد وأصبحت مرتعا لتدخله المتكرر في شؤونها الداخلية (المجر: 56، تشيكوسلوفاكيا: 68.. الخ). كما خضعت أوروبا الغربية والأمريكتين لنفوذ وتدخل الولايات المتحدة المنفرد في شؤونهما الداخلية. وفي هذا السياق يمكن القول إن دور وفاعلية الأمم المتحدة في المحافظة على استقلال وسيادة الدول وفي منع الدول الكبرى من التدخل في شؤون الدول الصغرى قد اختلف في مرحلة الحرب الباردة باختلاف طبيعة الأزمات التي اندلعت خلال تلك المرحلة، والتي يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط منها :
1ـ الأزمات التي اندلعت داخل منطقة النفوذ المباشر لإحدى القوتين العظميين. ولم تلعب الأمم المتحدة أي دور فاعل لمعالجتها، بعد أن تحولت هذه المناطق إلى ميادين محجوزة لتدخل أطر إقليمية تهيمن عليها إحدى القوتين العظميين (حلف وأرسو بالنسبة للاتحاد السوفياتي، وحلف الأطلنطي ومنظمة الدول الأمريكية بالنسبة للولايات المتحدة).
2ـ الأزمات التي انخرطت فيها إحدى القوتين العظميين كطرف مباشر (فيتنام أو أفغانستان على سبيل المثال). وهي أزمات عجزت الأمم المتحدة ليس فقط عن معالجتها وإيجاد حلول لها وإنما حتى عن مجرد مناقشتها أحيانا (أزمة فيتنام) أو لمجرد توفير غطاء لانسحاب القوة العظمى في أحيان اخرى (أفغانستان).
3ـ الأزمات الأخرى، أي تلك التي دارت رحاها خارج مناطق النفوذ المباشر أو لم تكن إحدى القوتين العظميين طرفا مباشرا فيها. وكان هذا هو النمط الوحيد من الأزمات الذي سمح النظام الدولي ثنائي القطبية للأمم المتحدة بأن تلعب فيه دورا اختلفت أشكاله وفاعليته من أزمة لأخرى.
ورغم ضعف الدور الذي لعبته الأمم المتحدة عموما في معالجة الأزمات الدولية وعدم تمكنها من صد محاولات الدول الكبرى للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الصغرى خلال مرحلة الحرب الباردة، إلا أن التوازن الدولي النسبي الذي ساد خلال تلك الفترة حال دون أن تصبح الأمم المتحدة أداة في يد أي من المعسكرين المتصارعين. ومع ذلك فمن الواضح أن موازين القوة الفعلية في النظام الدولي كانت تميل خلال تلك الفترة لصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الواقع، وهو ما ألقى بظلاله السلبية على الأمم المتحدة، بدليل أن إسرائيل تمكنت في مرحلة الحرب الباردة من أن تشن في عام 1967 عدوانا على الدول العربية المجاورة، وأن تحتل أراض شاسعة من هذه الدول، وان تحتفظ بهذه الأراضي كورقة مساومة تفرض من خلالها شروطها للتسوية على الدول العربية. ولم يتمكن مجلس الأمن من مجرد الإشارة في قراره بوقف إطلاق النار إلى انسحاب القوات المتحاربة إلى الخطوط التي كانت عندها قبل بدء العمليات العسكرية كما اعتاد أن يفعل في مثل هذه الأزمات. وكان ذلك مؤشرا مبكرا على عجز الأمم المتحدة عن تقديم الحماية الضرورية للضعفاء في النظام الدولي.
ثانيا : تنامي دور العالم الثالث : لا جدال في أن النظام الدولي ثنائي القطبية قد أفسح المجال لصعود نجم مجموعة الدول التي لم تكن لها مصلحة في الانضمام إلى أي من المعسكرين المتصارعين وفي تمكين هذه المجموعة من أن تلعب، من خلال منظومة الأمم المتحدة، دورا سياسيا يدعم استقلال الدول وسيادتها ويحاول الحد قدر الإمكان من تدخل الدول الكبرى في شؤونها الداخلية. فقد لت قيادة النظام الدولي في مرحلة الاستقطاب الثنائي إلى قوى غير أوروبية ليس لها ماض استعماري مما أدى من ناحية، إلى إضعاف القوى الاستعمارية التقليدية الأوروبية وتراجع دورها في هذا النظام الدولي الجديد، ومن ناحية أخرى، إلى تنشيط ودعم حركات التحرر في الدول المستعمَرة التي حاولت كل من القوتين العظميين المتصارعتين استمالتها إلى ناحيتها. وقد خلق هذا الوضع زخما ساعد على أن تتمتع "مجموعة عدم الانحياز"، تدريجيا، بأغلبية عددية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي المنظمات العالمية المتخصصة الديمقراطية الطابع، حاولت استخدامها لتحقيق هدفين:
الأول: القضاء على الظاهرة الاستعمارية وتمكين الدول الواقعة تحت الاستعمار أو الدول ناقصة السيادة، بأشكالها المختلفة، من الحصول على استقلالها السياسي. وهو ما نجحت فيه بشكل شبه تام.
الثاني: تصحيح الخلل في هياكل وموازين القوة في النظام الدولي، وخاصة الاقتصادية والتكنولوجية، والحصول على دعم مالي وفني يمكّنها من تحويل استقلالها السياسي، أو القانوني والشكلي، إلى استقلال فعلي. وهو ما لم تنجح فيه إلا على نحو محدود جدا.
وعلى الرغم من أن حركة العالم الثالث لم تنجح بالكامل في تحويل استقلالها السياسي إلى استقلال حقيقي، إلا أن نظام الاستقطاب الدولي وضعها في حالة استنفار ويقظة نسبية مكنتها من استخدام الأمم المتحدة ومنظماتها الديمقراطية المتخصصة كأداة للمحافظة قدر الإمكان على استقلالها السياسي والحيلولة دون خضوعها للاستعمار أو للتبعية المباشرة والفجة من جديد. ولذلك شكلت هذه الحركة شوكة في حلق القوتين العظميين، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي حاولت صب جام غضبها على منظومة الأمم المتحدة.
وبوصول الجناح اليميني في الحزب الجمهوري بقيادة ريجان إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 زاد الضغط الأمريكي على الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة إلى حد انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو والامتناع عن تسديد جانب كبير من التزاماتها المالية إلى الأمم المتحدة.. الخ.
وكان الهدف تركيع هذه المنظمات وضمان عدم تجاوزها للخطوط الحمراء التي ترسمها الإدارة الأمريكية. وتسبب الموقف الأمريكي في اكبر أزمة مالية في تاريخ الأمم المتحدة التي أصبحت تكاد تكون عاجزة عن دفع رواتب موظفيها. غير أن مياها كثيرة جرت في نهر النظام الدولي قبل أن تبدأ بوادر انهيار الاتحاد السوفياتي في أعقاب وصول غورباتشوف إلى السلطة، ثم انهياره الفعلي عقب أزمة الخليج الثانية.
4ـ سيادة الدول في ظل العولمة والقطبية الأحادية :
حين نتحدث عن ظـاهرة "العولمـة" يجدر بنا أن نميــز بيـن العولمــة كعمليـة تاريخيـةProcess والتي يشير إليها مصطلح Globalisation وبين العولمة كإطار فكري أو كنظام قيمي أو إيديولوجي، والتي يشير إليها مصطلح Globalism فالتقدم العلمي والتكنولوجي، وخاصة في مجال الاتصالات والمواصلات، غيّر من أنماط ومن درجة وكثافة التفاعلات بين الدول والمجتمعات والشعوب والأفراد بطريقة جعلت من العزلة مسألة شبه مستحيلة. وبالطبع فإن درجة تأثر الدول والمجتمعات بهذه العملية "التاريخية"، والتي تدفع أجزاء العالم الجغرافية المتناثرة نحو التقارب وربما التوحد، تختلف من حالة إلى أخرى، وتتوقف على موقع الدول والمجتمعات من شبكة التفاعلات الناجمة عن هذه العملية، ومدى قربها أو بعدها من مركز هذه الشبكة. وبهذا المعنى تُعتبر "العولمة" أمرا واقعا يتعين التسليم به وبحث تأثيراته المختلفة، على الاقتصاد والسياسة والاجتماع.. الخ، بغية التقليل من أضراره والاستفادة من مزاياه إلى أقصى حد ممكن. أما العولمة Globalism كايديولوجية أو كنظام قيمي والتي جسدتها بعض النظريات مثل نظرية فوكوياما حول "نهاية التاريخ" أو نظرية هنتنغتون حول "صراع الحضارات"، فهي أطروحات قابلة للجدل والاختلاف وتدخل في نطاق الفلسفة وليس في نطاق العلم. وتركيزنا سوف يكون على العملية التاريخية لا على إيديولوجية العولمة أو نظامها القيمي.
ولا جدال في أن المعدلات المتسارعة لعملية العولمة تدخل تحولات مهمة وعميقة على هيكل وموازين القوة في النظام الدولي وبما يؤثر بشدة على موضوع استقلال وسيادة الدول الذي نناقشه. من هذه التحولات:
1ـ إعادة توزيع وتغيير الأوزان النسبية للفاعلين في النظام الدولي لصالح الشركات العابرة للقوميات والمنظمات الدولية غير الحكومية (مؤسسات المجتمع المدني الدولي) وعلى حساب الدول والمنظمات الدولية الحكومية.
2ـ إعادة تشكيل خريطة وموازين القوى في النظام الدولي بما يرجح أوزان القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية (وخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات) على حساب القوى التقليدية، وخاصة العسكرية والديموغرافية.
3ـ إعادة ترتيب الأولويات على جدول أعمال النظام الدولي وتراجع القضايا التقليدية التي كانت تحتل مرتبة الصدارة في مرحلة الحرب الباردة، مثل قضايا الصراع بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب، وتقدم قضايا جديدة إلى موقع الصدارة، مثل قضايا البيئة وحقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب.. الخ.
ولهذه التحولات انعكاسات بعيدة المدى على قضية سيادة الدول ومبدإ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول لأنها تثير تساؤلات، وربما إشكاليات، بالغة الأهمية تتعلق بمدى صلاحية الأسس والمبادئ التقليدية التي يقوم عليها صرح التنظيم الدولي، والوظائف والأدوار التي تؤديها (أو يتعين أن تؤديها) أجهزة هذا التنظيم وآلياته المتنوعة، وطبيعة العلاقة بين المنظمات الدولية بأنواعها المختلفة (الحكومية وغير الحكومية، العالمية والإقليمية، العامة والخاصة.. الخ)، ومدى ملاءمة هياكلها وبنيتها الداخلية للاضطلاع بالوظائف المنوطة بها.. الخ.
ففي ما يتعلق بحدود العلاقة بين الشأن الداخلي والشأن الخارجي، اصبح من المسلّم به، في ظل تنامي علاقات التأثير والاعتماد المتبادل بين الدول أن فكرة السيادة المطلقة لم تعد مقبولة، وأن إطلاق يد الأنظمة الحاكمة في تحديد نطاق الشأن الداخلي لم يعد أمرا مسلّما به كما كان في الماضي، بل وأصبح تدخل المجتمع الدولي في بعض الأمور التي كانت تعتبر في ما مضى شأنا داخليا ليس فقط أمرا مقبولا وإنما يراه البعض ضروريا وواجبا. فالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو تقديم العون والمساعدة للإرهاب الدولي أو الأضرار بالانساق البيئية.. الخ أصبحت كلها أمورا تستوجب أو تبرر تدخل المجتمع الدولي.
وقد عكس السكرتير العام للأمم المتحدة طبيعة التحول الذي طرأ على مفهوم السيادة في عصر العولمة حين أشار في تقريره لعام 1999 إلى أن "مفهوم سيادة الدولة يمر في جوهره وفي معناه العميق بعملية تحول كبرى لا تعود فقط إلى وقوعه تحت ضغط وقوى العولمة والتعاون الدولي. فالدول ينظر إليها الآن باعتبارها ادوات في خدمة شعوبها وليس العكس"، واستخدم تعبير "سيادة الفرد أو الإنسان" باعتباره مفهوما يتجدد الوعي به ويحظى بدعم متزايد نتيجة انتشار الحقوق الفردية، قبل أن يطالب بإيجاد تعريف اكثر رحابة لمفهوم المصلحة الوطنية "يتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين ويساعد على حفز الدول لضم الصفوف والسعي لتحقيق درجة اكبر من الوحدة على طريق الأهداف والقيم المشتركة".
كذلك تعيد العولمة طرح قضية تعريف العدوان. إذ تتوقف فاعلية المؤسسات الدولية في تحقيق السلم والأمن الدوليين، في نهاية التحليل، على مدى وضوح مفهوم العدوان ومعناه وحجم الاتفاق المتحقق حوله. ولم يكن تعريف العدوان في مرحلة الحرب الباردة سهلا، كما سبقت الإشارة. ومع ذلك فقد كان هناك ما يشبه الإجماع على أن مفهوم العدوان ينصرف أساسا إلى أي عمل عسكري غير مبرر، أي غير مشروع تقوم به دولة أو اكثر ضد دولة أخرى أو أكثر. أما في زمن العولمة فقد اصبح تعريف العدوان أكثر تعقيدا بما لا يقاس. فقد يؤدي التلاعب في أسواق المال الدولية، أو إلقاء نفايات نووية، أو تسهيل حصول جماعات إرهابية على أحد أسلحة الدمار الشامل.. الخ، إلى أحداث أضرار قد تفوق بما لا يقاس حجم الأضرار الناجمة عن العدوان العسكري بمعناه التقليدي. ولأنه لا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة تعريف محدد للعدوان، فضلا عن أن معظم أجهزة الأمم المتحدة العاملة في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين كانت قد صممت لمواجهة العدوان العسكري بمعناه التقليدي، فإن البحث عن تعريف دقيق للعدوان في زمن العولمة لا يتطلب فقط ضرورة إعادة التفكير في مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين، وإنما يتطلب أيضا، وفي الوقت نفسه، ضرورة العمل على إعادة هيكلة وتصميم المؤسسات الدولية بما يمكنها من مواجهة كافة تلك التهديدات القديمة منها والمستحدثة.
على صعيد خر يلاحظ أن العولمة تدفع في اتجاه تعظيم دور الفاعلين الآخرين غير الدول على المسرح الدولي وهو ما يؤدي إلى انعكاسات بالغة الأهمية والخطورة على قدرة المؤسسات الدولية الحكومية على القيام بالوظائف والأدوار المنوطة بها تقليديا. فالعضوية في المؤسسات الدولية الراهنة تقتصر على الدول التي تمثل من خلال حكوماتها. وهناك من يرى انه إذا كان لهذا الوضع ما يبرره في مرحلة كانت فيها الدول هي الفاعل الرئيسي، أن لم يكن الوحيد، في العلاقات الدولية، فإن استمرار هذا الوضع في مرحلة تتآكل فيها أوزان الدول والحكومات وتتزايد فيها أوزان المنظمات الدولية غير الحكومية والشركات العابرة للقوميات، يضعف من سلطة وهيبة ومكانة المنظمات الدولية الحكومية في ظل الأوضاع الراهنة. وتطرح هذه الإشكالية تحديا خطيرا يتمثل في ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين المنظمات الدولية الحكومية، من ناحية، وبين كل من المنظمات الدولية غير الحكومية والشركات العابرة للقوميات من ناحية أخرى.
وكانت الأمم المتحدة قد حاولت إفساح المجال أمام المنظمات الدولية غير الحكومية للتعبير عن رأيها بصورة أوضح عندما وجهت الدعوة إلى أعداد ضخمة منها للمشاركة في المؤتمرات العالمية التي نظمتها حول قضايا البيئة (قمة الأرض: ريو دي جانيرو)، وحقوق الإنسان (فيينا) والسكان والتنمية (القاهرة).. الخ. لكن العلاقة بين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية ما تزال في حاجة إلى صيغة مؤسسية أكثر وضوحا واستقرارا. وكانت الشركات العابرة للقوميات محل هجوم وانتقادات عنيفة ومتواصلة من جانب دول العالم الثالث خلال مرحلة الحرب الباردة، وقد خفت حدة هذا الهجوم الآن بسبب طبيعة الأيديولوجية العالمية السائدة وتراجع دور العالم الثالث في التنظيم الدولي، لكن العلاقة ما تزال في حاجة إلى صيغة مؤسسية مستقرة.
وتثير هذه الأمور كلها قضية المواءمة بين الاعتبارات المتعلقة بديمقراطية التنظيم الدولي والاعتبارات المتعلقة بفاعليته. فالديمقراطية تتطلب تحقيق المساواة الكاملة بين الدول الأعضاء على أساس ان لكل دولة صوتا واحدا، كما تتطلب اتخاذ القرارات بالأغلبية ومشاركة الجميع في التصويت. أما الفاعلية فتتطلب سرعة اتخاذ القرارات وسرعة حشد وتعبئة الموارد المادية والبشرية اللازمة لمواجهة المواقف الطارئة وإدارة الأزمات الدولية. وكانت الأمم المتحدة قد حاولت حل هذا التناقض، كما سبقت الإشارة، عن طريق إنشاء مجلس محدود العضوية، إلى جانب الجمعية العامة التي تمثل فيها كافة الدول الأعضاء دون تمييز. وأسند إلى هذا المجلس المصغر مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وخول سلطات وصلاحيات واسعة (اشتملت أيضا على سلطة اتخاذ إجراءات عسكرية)، وانفردت فيه الدول الكبرى وحدها بالعضوية الدائمة وبحق الاعتراض على مشروعات القرارات المعروضة عليه. غير أن الفاعلية المرجوة من وراء هذا الحل توقفت على شرط مهم وهو إجماع الدول الكبرى دائمة العضوية، والذي لم يتحقق بسبب اندلاع الحرب الباردة مما ترتب عليه إصابة مجلس الأمن بالشلل طوال ما يقرب من نصف قرن، كما سبقت الإشارة. غير أن التحول الذي أصاب هيكل موازين القوة في النظام الدولي تحت تأثير العولمة وانتهاء الحرب الباردة أحال الجهاز المسؤول عن السلم والأمن الدوليين إلى مجرد أداة في يد القوة العظمى الوحيدة المهيمنة وهي الولايات المتحدة.
وكانت قد لاحت في الواقع فرصة نادرة لإحياء نظام الأمن الجماعي وتدعيمه عندما اندلعت الأزمة التي تسبب فيها الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس عام 1990، خصوصا وان حائط برلين كان قد سقط وانتهت الحرب الباردة قبل اندلاع هذه الأزمة. وطرح بوش، وغيره من زعماء العالم، شعار "النظام العالمي الجدي" الذي تلعب فيه الأمم المتحدة الدور الرئيسي في المحافظة على السلم والأمن في العالم. وبدأ مجلس الأمن يتصرف أثناء الأزمة الكويتية بطريقة مختلفة تماما وغير معهودة. فاجتمع اكثر من مرة على مستوى وزراء الخارجية، وبدأ يشير في قراراته جميعها (صراحة ولأول مرة) انه يتصرف وفقا للفصل السابع، وقام بتطبيق نظام العقوبات المنصوص عليه في الميثاق بحذافيره وبطريقة بالغة القسوة والصرامة. لكن اتضح بعد ذلك، وللأسف الشديد، أن هذا الشعار لم يقصد به سوى المحافظة على تماسك التحالف الدولي الذي برز في مواجهة العراق، وأن إحياء نظام الأمن الجماعي لم يكن مطروحا أصلا على أجندة الإدارة الأمريكية. ولذلك ما إن حصلت الولايات المتحدة على القرار 687، والذي يفوض التحالف الدولي الذي تقوده باستخدام القوة ضد العراق، حتى أحست بأنها أصبحت حرة تماما وطليقة الحركة وأن مجلس الأمن لم يعد يعنيها في قليل أو كثير. ولذلك يلاحظ أن مجلس الأمن إصيب بالسكتة القلبية تماما في الفترة الممتدة من 29 نوفمبر 1990 (تاريخ صدور قرار التفويض) وحتى نهاية الحرب في مارس 1991. واعتبر العديد من الباحثين أن مجلس الأمن تعرض خلال هذه الفترة لعملية اختطاف فعلية كي تصبح الولايات المتحدة في موقف يمكنها من إدارة الأزمة بالطريقة التي تحقق لها أهدافها الرئيسة وهي: ضمان تواجد أمريكي عسكري كبير ودائم في منطقة الخليج، والتعجيل بانهيار الاتحاد السوفياتي عن طريق إثبات عجزه وتدهور مكانته في النظام الدولي. وقد تمكنت بالفعل من تحقيق هذين الهدفين بالكامل.
وإذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أعادت لمجلس الأمن بعضا من حيويته المفقودة، بعد أن تقلصت احتمالات استخدام الفيتو في ظل النظام العالمي "الجديد"، إلا ان هذا النظام كشف، في الوقت نفسه، عن مواطن الخلل الهيكلي في الشرعية الدولية التي يمثلها مجلس الأمن. ويظهر تحليلنا للطريقة التي أدارت بها الأمم المتحدة الأزمات الدولية بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وجود ثلاثة أنماط لهذه الإدارة وهي:
1ـ الإدارة بالاستبعاد : في الأزمات التي لا يراد للأمم المتحدة أن تتدخل فيها على أي نحو. وأهم مثال على هذا النموذج إدارة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
2ـ الإدارة بالافتعال : في الأزمات التي يراد إقحام مجلس الأمن فيها إقحاما دون أي مبرر قانوني أو أخلاقي. واهم مثال على هذا النموذج إدارة الأزمة مع ليبيا بسبب حادث لوكربي.
3ـ الإدارة بالمشاركة المحسوبة: وهو النمط الغالب على أسلوب الأمم المتحدة في إدارة الأزمات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة. ووفقا لهذا النمط تلعب الأمم المتحدة دورا يختلف من حيث الحجم والفاعلية باختلاف نوع الأزمة ويتوقف على درجة حماس الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ومدى استعدادها لوضع الإمكانات المادية والبشرية اللازمة تحت تصرف الأمم المتحدة.
وقد أظهرت إدارة الأمم المتحدة للأزمات زمن العولمة عموما أن مجلس الأمن معرض لأن يتخذ قرارات غير دستورية دون أن يكون في مقدور أي جهاز دولي آخر أن يمارس في مواجهته أي نوع من أنواع الرقابة السياسية أو القضائية. وساهم سقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي في إلقاء مزيد من الضوء على حقيقة أن تشكيل مجلس الأمن لم يعد يعكس هيكل وموازين القوى في النظام الدولي "الجديد". ومعنى ذلك أن مصداقية تمثيل مجلس الأمن للمجتمع الدولي أصبحت محل شك. بعبارة أخرى يمكن القول أن مجلس الأمن، وهو الجهاز الذي يحتل موقع القلب في بنية التنظيم الدولي العالمي، تحول في زمن العولمة إلى شيء اشبه بحكومة ديكتاتورية غير مسؤولة وغير شرعية أيضا. ويطرح هذا الوضع تحديا من طبيعة مزدوجة تتعلق، من ناحية، بضرورة البحث عن صيغة جديدة لحل معضلة التوفيق بين اعتبارات الديمقراطية واعتبارات الفاعلية، ومن ناحية أخرى، تطوير معايير لفرز واختيار القوى التي يحق لها احتلال مقاعد دائمة أو شبه دائمة في مجلس الأمن بما يضمن شرعية ومصداقية تمثيل هذا الجهاز للمجتمع الدولي وموازين القوى فيه.
وعلى الرغم من اتباع الولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، لسياسة منظمة تهدف في نهاية المطاف إلى تهميش وإضعاف دور الأمم المتحدة، إلا أن الحرص على وجود غطاء من الشرعية الدولية ظل قائما في جميع الأحوال. وعلى سبيل المثال فقد ظلت الولايات المتحدة تدعي أن العمليات العسكرية التي تقوم بها منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى ضد العراق هي عمليات مشروعة قانونا، لأنها تأتي في إطار تفويض سبق صدوره من مجلس الأمن ومازال معمولا به، وأن الهدف النهائي لهذه العمليات هو تطبيق قرارات صادرة عن مجلس الأمن. لكن يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد حريصة حتى على مجرد استيفاء النواحي الشكلية اللازمة لإضفاء المشروعية على سياستها. وقد ظهر هذا جليا عندما تدخل حلف الناتو عسكريا في كوسوفا دون الحصول على تصريح بذلك من مجلس الأمن، وهو ما يمكن أن يتكرر في الأزمة العراقية الحالية حيث تهدد الولايات المتحدة علنا بعزمها على استخدام القوة ضد العراق، منفردة أو بالتعاون مع آخرين، إذا لم تتمكن من استصدار القرار الذي تريده من مجلس الأمن. وربما يعود السبب في هذا المنحى الجديد إلى رغبة الولايات المتحدة في ممارسة سياسة حرة وطليقة من كل قيد حتى ولو تم ذلك عبر جثة الأمم المتحدة. ولتبرير هذا الاستخدام غير الشرعي للقوة يطرح مبدأ التدخل لأغراض إنسانية. لكن التدخل المسلح لأغراض إنسانية له شروط ويتعين في جميع الأحوال أن يتم تحت سلطة مجلس الأمن.
على صعيد آخر فإن الآثار المتوقعة لعملية العولمة ولهيمنة القطب الواحد تفرض إعادة طرح قضية العلاقة بين التنظيم العالمي والتنظيم الإقليمي. وكان ميثاق الأمم المتحدة قد أوجد صيغة معقولة لهذه العلاقة، لكنها لم تعمل على ارض الواقع بالكفاءة المطلوبة في زمن الحرب الباردة بسبب انهيار نظام الأمن الجماعي وبروز نظام مناطق النفوذ. ولأن نهاية الحرب الباردة لم تؤد إلى إحياء نظام الأمن الجماعي فقد حاول حلف الأطلنطي، وهو أحد أهم الأطراف المنتصرة في الحرب الباردة، أن يعطي لنفسه دورا جديدا يتجاوز به ليس فقط دوره التقليدي كحلف دفاعي وإنما أيضا الدور المنصوص عليه في الميثاق للمنظمات والترتيبات الإقليمية المشكلة وفقا للفصل الثامن من الميثاق، بل يمكن القول أن حلف الأطلنطي يحاول أن يطرح نفسه الآن كبديل لمجلس الأمن نفسه، في حالة عدم تحقق الإجماع بين الدول دائمة العضوية أو كأداة عسكرية لمجلس الأمن في حالة تحقق مثل هذا الإجماع. وذلك وضع خطير جدا يفرض ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين التنظيمين العالمي والإقليمي وهو ما يحتاج إلى جهد مبتكر وخلاق.
5ـ الخلاصة :
من الضروري والمفيد أن نميز بين نمطين من أنماط التحولات التي يشهدها النظام الدولي حاليا وهما: نمط التحولات الناجم عن عملية العولمة، من ناحية، ونمط التحولات الناجم عن هيمنة القطب الواحد على النظام الدولي في مرحلة تطوره الراهن، من ناحية أخرى. فلكل من هذين النمطين تأثيرات تبدو متناقضة على مفهوم سيادة الدول ومبدإ منع التدخل في شؤونها الداخلية.
فعملية العولمة، والتي تبدو وكأنها عملية حتمية لا فكاك منها، تؤدي إلى مزيد من تداخل وتشابك المصالح بين الدول والشعوب وعلى نحو يصعب معه تحديد الخطوط الفاصلة بين حدود الاختصاص في الشأن الداخلي وحدود المسؤولية الدولية. وحل هذه الإشكالية، في تقديرنا، لا يكون بالعودة إلى المفاهيم التقليدية للسيادة وبإعادة التأكيد على أن السلطة القائمة في الدول، وبصرف النظر عن مدى شرعيتها، هي التي تقرر بنفسها ولنفسها حدود الشأن الداخلي. وإنما يكون بدعم وتقوية سلطة المؤسسات الدولية وضمان نزاهتها وشفافيتها وديمقراطيتها.
أما عملية الهيمنة، والتي قد تكون هي نفسها أحد النتائج الفرعية لعملية العولمة في مرحلة تطورها الراهن، فقد أفرزت موازين للقوة غذت طموح ونهم الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على العالم. فهناك فجوة كبيرة بين حجم ونوع ما تملكه من وسائل القوة، بمعناها الشامل، وما تملكه القوى الأخرى المتنافسة على قمة النظام الدولي كالاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين، وربما اليابان أيضا. وتحاول الولايات المتحدة استخدام هذه الفجوة لتسخير قوى وآليات عملية العولمة لصالحها وعلى النحو الذي يمكّنها من السيطرة على النظام الدولي مستفيدة من حالة الارتباك والفوضى التي تميز المؤسسات الدولية في الوقت الراهن. وفي هذا السياق ترّوج الولايات المتحدة لمبدإ "التدخل الإنساني" وتتوسع في تفسير مفهومه، لكنها تخلط عمدا بين إرادتها هي وبين إرادة المجتمع الدولي معتبرة أن إرادتها الخاصة تعبر بالضرورة عن إرادة الشرعية الدولية. ويصب هذا الوضع في اتجاه إضعاف المؤسسات الدولية وطمس شفافيتها ودعم النزعات الفاشية والإرهابية.
وهكذا تعود فكرة الحكومة العالمية لتطل برأسها من جديد في زمن العولمة، لا باعتبارها حلما بعيد المنال، كما كان الحال في الماضي، وإنما باعتبارها مسألة ضرورية وربما حتمية. ولم تعد الإشكالية المطروحة في هذا الزمن تتعلق بخيار قبول او رفض وجود مثل هذه الحكومة وإنما بنوع الحكومة المطلوبة وسبل إقامتها. وما هو مطروح، في هذا الإطار، قد لا يخرج عن ثلاثة بدائل. البديل الأول : حكومة خفية تمثلها شبكة متسعة من تحالف غير معلن بين الشركات العابرة للقارات وبعض مؤسسات المجتمع المدني بالتنسيق والتعاون مع حكومات مجموعة الدول السبع. والثاني: حكومة معلنة مفروضة بحكم الأمر الواقع، تمثلها الإدارة الإمريكية وتمارس تدخلها من خلال مجلس الأمن أو حلف شمال الإطلنطي أو منفردة، حسب ما تراه ملائما لمصلحتها. والثالث: حكومة منبثقة عن نظام عالمي ديمقراطي تمارس عملها في ظل رقابة سياسية وقانونية، أي في ظل سلطة تشريعية دولية وسلطة قضائية.
البديلان الأول والثاني قائمان ويتنافسان على ارض الواقع. أما البديل الثالث فمازال حلما بعيد المنال لأن الظروف لم تتضح بعد لوضعه موضع التنفيذ. وهذا هو ما يتعين على القوى الرافضة للهيمنة والباحثة عن ديمقراطية العلاقات الدولية أن تبذل كل جهد ممكن لتحويله إلى واقع.

http://www.afkaronline.org/arabic/archives/mar-avr2003/nafiaa.html
قراءة كاملاً ←
ظهور إعلامي

المقابلات التلفزيونية

حوارات ومقابلات متخصصة على المنابر الإعلامية العربية والدولية.

مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية

قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات

مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.

مشاهدة على YouTube ←
تحليل دولي
ظهور إعلامي

العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة

أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.

متابعة على Facebook ←
إدارة الأزمات
حوار متخصص

التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة

يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.

استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات

إصداراتي وكتبي

يمكن لاحقاً ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

التخطيط الاستراتيجي في إدارة الأزمات — 2014 التخطيط الاستراتيجي في إدارة الأزمات تحميل PDF
إدارة المستقبل والحاضر بقواعد فن إدارة الأزمات إدارة المستقبل والحاضر بقواعد فن إدارة الأزمات تحميل PDF
فوائد التخطيط الاستراتيجي في قطاع الأعمال فوائد التخطيط الاستراتيجي في قطاع الأعمال تحميل PDF