منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

قراءات معمقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن واجهة تحريرية أنيقة تراعي هيبة المعرفة وراحة القارئ.

رسميحضور أكاديمي رصين
تحليليأسلوب مجلة فكرية
متجاوبقراءة مريحة على الهاتف
الأحدث

المقالات والدراسات

تظهر المقالات الموجودة في مدونتك تلقائيًا هنا؛ تغيير القالب لا يحذف منشوراتك أو صفحاتك الثابتة.

منشور

النزاع الحدودي بين قيرغيزستان وطاجيكستان

جنود من قيرغيزستان في مناورة 2021,

النزاع الحدودي بين قيرغيزستان وطاجيكستان
صراع يهدد استقرار آسيا الوسطي

نزاع حدودي بين طاجيكستان وقيرغيزستان أسقط قتلى وجرحى يتطلب إيجاد تسوية بالتزامن مع اضطرابات في الجوار الأوكراني والكازاخستاني والأفغاني. تحليل أحمد عبده طرابيك.


أحمد عبده طرابيك باحث في شؤون آسيا الوسطى والقوقاز
تتجدد بشكل شبه دوري الصراعات على طول الحدود الفاصلة بين كل من طاجيكستان وقيرغيزستان الدولتين السوفييتيتين السابقتين اللتين تقعان في آسيا الوسطي، وذلك نظراً لعدم وجود حدود سياسية فاصلة ومحددة تفصل بين البلدين.

فما إن يهدأ الصراع إلا وسرعان ما يتجدد حتى أصبح يشكل حالة مزمنة، الأمر الذي يزيد من احتمالات اشتعال الوضع في أي لحظة، خاصة مع وجود حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بشكل عام، بالإضافة أن بعض الأطراف الخارجية تعمل على إزكاء ذلك النزاع، حيث تري أن ذلك يخدم مصالحها ويكون ذريعة لتدخلها بشكل أكبر في المنطقة.

تجدد الصراعات في المناطق الحدوية

تتقاسم طاجيكستان وقيرغيزستان الدولتان العضوان في منظمة شنغهاي للتعاون، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي حدوداً مشتركة يبلغ طولها 971 كيلو مترا، أكثر من ثلث هذه الحدود متنازع عليها، ولم يتم ترسيمها حتى الآن منذ استقلال الدولتين عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، ويرجع السبب في ذلك إلى تداخل المجتمعات السكانية في هذه المناطق الحدودية وارتباطها مع بعضها بروابط وعلاقات اجتماعية يصعب على حكومتي البلدين وضع حدود تفصل تلك التجمعات السكانية عن بعضها. ولكن رغم ذلك تتجدد النزاعات والصراعات في تلك المناطق الحدوية بسبب المياه، حيث تقل كميات المياه خلال الفترة من شهر أبريل وحتى شهر يوليو من كل عام.  

 

مظاهرة في بيشكيك في قرغيزستان من أجل إنهاء النزاع الحدودي مع طاجيكستان. Kirgistan Bischkek  Kundgebung zu Grenzkonflikt mit Tadschikistan Demonstration in Bischkek für ein Ende des Grenzkonflikts mit Tadschikistan 2021 Foto Picture Alliance
منطقة حدودية متنازع عليها بين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين الفقيرتين للغاية: لا تزال آسيا الوسطى منطقة حسّاسة حتى بعد 30 عاماً على سقوط الاتحاد السوفييتي: شهدت قرغيزستان ثلاث ثورات ومواجهات إثنية منذ العام 2015، بينما سجلت طاجيكستان اشتباكات متفرقة مع الجماعات الإسلامية المسلحة فيما لا تزال تتعافى من الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وغالباً ما تشهد المنطقة الحدودية المتنازع عليها بين الجمهوريتين السوفييتيتين السابقتين الفقيرتين للغاية صراعات بين السكّان المحليّين على الأراضي والمياه. وإذا كانت وحدات من حرس الحدود في كلا البلدين تتدخّل أحياناً في هذه الصراعات، إلا أنّ المعارك التي دارت العام الماضي 2021 كانت الأعنف من نوعها منذ سنوات وأثارت مخاوف من تدهور الوضع إلى نزاع عسكري أوسع نطاقاً. في الصورة مظاهرة في بيشكيك في قرغيزستان من أجل إنهاء النزاع الحدودي مع طاجيكستان.

 

تتفاقم الخلافات والنزاعات بين الجانبين عندما يقوم المزارعون بغلق قنوات الري المتداخلة بين الطاجيك والقيرغيز، حيث يلجأ المزارعون خلال أوقات نقص المياه إلي احتجاز المياه والاستئثار بها ومنعها من المرور إلى باقي المزارعين في الجانب الآخر، الأمر الذي يثير غضبهم فيلجأون لفتح تلك القنوات بالقوة، لأنها تشكل بالنسبة لهم مصدر معيشتهم وشريان حياتهم، وهكذا تتكرر تلك الصراعات بشكل شبه دوري، خاصة مع غياب آلية دقيقة وفعالة لإدارة قضية المياه العابرة للحدود ليس بين قيرغيزستان وطاجيكستان وحسب بل في منطقة آسيا الوسطي بشكل عام، وخاصة مع أوزبكستان التي تتقاسم مع الدولتين وادي فرغانة الخصيب الذي يشكل سلة الغذاء لهذه الدول الثلاث. 

تسببت مشكلات المياه على مدار العقود الطويلة الماضية، وحتى في العهد السوفييتي في حدوث مشكلات بيئية كبيرة في آسيا الوسطي، بسبب نقص تدفق المياه في نهري سيرداريا وأموداريا، المعروفين في التاريخ والتراث العربي باسم نهري "سيحون وجيحون" إلى بحر آرال، الذي تتقاسمه كل من جمهوريتي أوزبكستان وكازاخستان. وباعتباره بحر مغلق، فقد أدى نقص تدفق المياه إليه إلى انحسار مساحته بنسبة تجاوزت أكثر من النصف، ونتج عن ذلك زيادة الأملاح به أدت إلى نفوق الأسماك ومختلف الأحياء المائية التي كانت تعيش فيه.

هذا إلى جانب تأثير تلك الأملاح على المناطق الزراعية بشكل كبير نتيجة هبوب الرياح التي تنقل كميات كبيرة من هذه الأملاح إلى الأراضي الزراعية، وامتدت المشاكل البيئية الناتجة عن جفاف بحر آرال إلى دول آسيا الوسطي الخمس، الأمر الذي جعلها تتعاون معاً من أجل الوصول إلى حلول لتلك المشكلة، ورغم تأسيس الدول الخمس "أوزبكستان، كازاخستان، تركمانستان، طاجيكستان، قيرغيزستان"، صندوقاً خاصاً "صندوق بحر آرال" بهدف جمع الأموال وحشد الجهود لمعالجة المشكلات البيئية الناتجة عنه جفاف البحر، وقد أسفرت تلك الجهود عن التحرك بعض الخطوات المحدودة في جهود معالجة تلك الآثار، إلا أن المشكلة مازالت مستمرة.

ترسيم الحدود بين طاجيكستان وقيرغيزستان "قضية معقدة"

أقر رئيس طاجيكستان إمام علي رحمان في أبريل 2022، خلال زيارة لمدينة إيسفارا الحدودية مع قيرغيزستان عقب الاشتباكات بين الجانبين، بأن قضية ترسيم الحدود بين طاجيكستان وقيرغيزستان معقدة للغاية، وأن عملية ترسيم الحدود ستستغرق الكثير من الوقت والجهد، وأنه يتم التفاوض بين البلدين منذ عام 2002 في إطار اللجنة الحكومية الدولية لترسيم الحدود بين البلدين، حيث تم عقد أكثر من 170 اجتماعاً علي مدار عشرين عاماً، أسفرت عن تسوية 68.4% من الخط الحدودي، وقد تمت الموافقة على تلك التسوية بالفعل من قبل البلدين، ولكن رغم الصعوبات التي تواجه عملية ترسيم الحدود، إلا أن طاجيكستان مهتمة بالسير في طريق المفاوضات من أجل إنهاء عملية الترسيم في أقرب وقت.

خلال موجة الصراع العام الماضي، أسفرت الاشتباكات التي وقعت بالقرب من كوك تاش بمقاطعة ليليك في 28 أبريل 2021 عن سقوط أربعة ضحايا وعشرات الجرحي، وفي اليوم التالي، قُتل ما لا يقل عن 41 شخصًا من الجانبين، منهم 33 شخصاً، وإصابة 163 شخصاً آخر من العسكريين والمدنيين من قيرغيزستان، بينما أعلنت طاجيكستان عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 90 آخرين، كما تم إجلاء ما يقرب من 10 آلاف شخص، الأمر الذي دعا وزيرا خارجية طاجيكستان وقيرغيزستان إلي الموافقة دون شروط على وقف إطلاق النار على طول الحدود بين البلدين. 

وفي الأول من مايو 2021 أعلن رئيس قيرغيزستان صدير جاباروف الحِداد على القتلى الذين سقطوا في تلك الاشتباكات، بينما أعلن موسورمانبيك تورسوماتوف، ممثل الإدارة الإقليمية لمنطقة باتكين، أن القوات الطاجيكية أغلقت طريق "أوش- باتكين- إسفانا" المؤدي إلى فوروخ مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وقد اتفق البلدان على وقف جديد لإطلاق النار في أعقاب الاشتباكات الحدودية، بما في ذلك سحب القوات من الحدود.

 

خريطة  لقيرغيزستان والمناطق المحيطة بها. Infografik Karte Kirgistan und Umgebung DE Rechte DW
معارك حدودية دامية: خاض حرس الحدود من قرغيزستان وطاجيكستان مساء الخميس 27 / 01 / 2022 اشتباكات مسلحة في منطقة حدودية حساسة وقُتل مدني طاجيكي خلال الاشتباكات الجديدة فيما أُصيب 11 طاجيكياً (ثلاثة مدنيين وثمانية عسكريين)، بحسب وسائل إعلام الدولة الفقيرة الواقعة في آسيا الوسطى. وأعلن وزير الصحّة القرغيزي من جهته عن إصابة أربعة جنود من قرغيزستان. والدولتان منضويتان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التحالف العسكري الذي تقوده روسيا. وفي ربيع 2021 دارت معارك حدودية دامية بين البلدين في منطقة قريبة من حيث اندلعت اشتباكات الخميس. ويومها دارت المعارك قرب فوروخ، الجيب الطاجيكي في قيرغيزستان، وأوقعت نحو 60 قتيلاً.

 

استمرار قضية عدم ترسيم الحدود بين طاجيكستان وقيرغيزستان طوال السنوات الماضية، أضفى على المنطقة الحدودية بين البلدين الكثير من عدم الثقة واليقين بين المجتمعات التي تقطن في تلك المناطق، والتي يتولد عنها المزيد من المشكلات الناتجة عن بعض المعالجات الأمنية من قبل قوات حرس الحدود في كلا البلدين، كالاضطرابات التي وقعت هذا العام عند قرية دوستوك في قيرغيزستان، عندما قامت قوات حرس الحدود الطاجيكية بتركيب كاميرات مراقبة بالقرب من الحدود، إلى جانب توغل الرعاة بقطعان ماشيتهم وأغنامهم في المناطق الحدودية، وإغلاق قنوات المياه من قبل المزارعين.

كل ذلك وغيرها من المشكلات التي تنتج عنها العديد من النزاعات شبه المستمرة يعطي الكثير من المبررات لبعض الأطراف الخارجية بالتدخل في هذا الخلاف الحدودي، خاصة إذا تطورت الأحداث وشهدت المزيد من أعمال العنف، في وقت تعاني فيه المنطقة من سيولة أمنية واضطرابات في مناطق الجوار سواء في أفغانستان أو أوكرانيا أو كالاضطرابات التي حدثت في كازاخستان بداية هذا العام، ولذلك فإن هذه الظروف تتطلب من قيادة طاجيكستان وقيرغيزستان بذل المزيد من الجهود لإيجاد تسوية سريعة للمشكلات العالقة بين البلدين، والعمل على ترسيم الحدود في أسرع وقت قبل أن تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة وتستدعي تدخل أطراف خارجية تسكب المزيد من الوقود على النيران الخامدة تحت الرماد.  

 

أحمد عبده طرابيك

حقوق النشر: أحمد عبده طرابيك / موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

منشور

إعادة تنظيم مشاريع ضخ الغاز إلى أوروبا

حفار استخراج الغاز الطبيعي قبالة جزيرة قبرص.

دور تركيا إبان حرب أوكرانيا

لتخفيف اعتمادها على روسيا تبحث أوروبا عن مصادر جديدة للغاز شرقي البحر المتوسط. فكيف غيَّرت حرب أوكرانيا مشروع خط أنابيب إيست ميد؟ تحليل الباحث رونالد ميناردوس.


قبل أن يتمكن خط الأنابيب من نقل الغاز الثمين من الجنوب إلى أوروبا، ينبغي على تركيا واليونان على وجه الخصوص دفن الأحقاد. صحيح أنه كان هناك تقارب حذر منذ انطلاق الحرب في أوكرانيا، لكن يبدو من المشكوك فيه امتلاك أنقرة وأثينا -ناهيك عن القبارصة- القدرة السياسية للتوصل إلى تسوية تاريخية بشأن موضوع الحقوق البحرية السيادية.يتطلّعُ الغرب إلى إنهاء اعتماده على النفط والغاز الطبيعي الروسي في أسرع وقت ممكن. ونتيجة لذلك، فإنّ البحث عن مصادر بديلة للإمداد يجري بأقصى سرعة. ومرة أخرى، أصبح شرق البحر الأبيض المتوسط محور الاهتمام، إذ يُشتبه بوجود رواسب غنية بالغاز الطبيعي في قاع البحر. إضافة إلى ذلك، يقدّم الجناح الجنوبي لأوروبا ظروفاً مثالية لتحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء ونقلها من خلال شبكات طاقة عابرة للقارات.

يُنقلُ النفط بشكل أساسي عبر القارات عبر ناقلات ضخمة، بينما غالباً ما يُنقل الغاز الطبيعي إلى المستهلكين بواسطة شبكة من خطوط الأنابيب. وقد أصبح تحديد مسارات هذه الأنابيب قضية سياسية من الدرجة الأولى منذ زمن طويل. يكفي النظر إلى نزاع خط أنابيب نورد ستريم 2: ففي هذه الأيام، أصبح خط الأنابيب الذي كان يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا، رمزاً لاعتماد برلين على بوتين.

وموضوع خط الأنابيب مسيّسٌ للغاية في شرق البحر الأبيض المتوسط كذلك. فمشروع إيست ميد EastMed في قلب صراع إقليمي على السلطة، وهو عبارة عن خطة طموحة لنقل الغاز الطبيعي من مصر وإسرائيل وقبرص عبر اليونان إلى إيطاليا. سرعان ما اكتسب الجدل حول هذا المشروع الكبير أهمية دولية، وتلعب الولايات المتحدة الأميركية دوراً رئيسياً في هذا الجدل.

والمنطقة غنية بالنزاعات والمنافسات. وفي الوقت ذاته، ظهرت تحالفات جديدة. وهنا أيضاً، للحرب في أوكرانيا آثار جيوستراتيجية كبيرة. تعدُّ إعادة تقييم احتياطيات الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما الارتقاء الجيوستراتيجي الكبير لتركيا، من بين التحوّلات الكبيرة التي كثيراً ما استُشهِد بها وحدثت في الأسابيع الأخيرة.

بايدن يغيّر مواقفه

في بداية العام 2022، وقبل أن ينطلق فلاديمير بوتين بحربه العدوانية، أعلنت واشنطن أنها لم تعد تدعم الخطّة الطموحة المتمثّلة في بناء خط أنابيب من مصر وإسرائيل إلى أوروبا مروراً بقبرص واليونان. وقد أُعلِن عن تغيير السياسة في ورقة غير رسمية، مما أثار الكثير من الضجّة، ولا سيما في اليونان وجمهورية قبرص. فقد سحبت واشنطن دعمها لاستراتيجيات سياسة الطاقة في كل من أثينا ونيقوسيا بين ليلة وضحاها.

 

رئيس الدولة القبرصية أناستاسيادس ورئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. Zyperns Staatschef Anastasiades, der griechische Ministerpräsident Mitsostakis und Israels Regierungschef Netanjahu (v. l.); Foto: Reuters/A.Konstantinidis
وقع رؤساء دول قبرص واليونان وإسرائيل اتفاقية حول بناء خط أنابيب إيست ميد في عام 2020. ولطالما اعتُبِر مشروع إيست ميد EastMed المشروع الرئيسي لتحالف "3+1"، أي التحالف بين اليونان وقبرص وإسرائيل، مع مساهمة كبيرة من الولايات المتحدة الأميركية. وجميع هذه الدول يجمعها، أو بالأحرى كانت يجمعها، عداء واضح إلى حد ما تجاه تركيا. وباندلاع حرب أوكرانيا، تغير الوضع الجيوستراتيجي وسحب جو بايدن دعمه للمشروع.

 

وكانت أسباب الأمريكيين مالية وبيئية على حد سواء؛ ففي رأيهم أنّ التكاليف الباهظة لمشروع نقل الوقود الأحفوري (تكاليف البناء ست مليارات يورو) لا تتماشى مع مقتضيات العصر من ناحية تغير المناخ.

بيد أنّ هذا كان قبل بدأ الحرب. ومع اندلاع الأعمال العدائية، والتي قادت إلى ألاعيب جديدة لتخطيط سياسة الطاقة في أماكن متعددة، شعر أولئك الذين يدعمون اقتراح إيست ميد بوجود فرصة جديدة، وهو على الأرجح شعور في غير محله، كما سيتّضح.

وفي حين كان رفض واشنطن لـِ إيست ميد في كانون الثاني/يناير 2022 غير رسمي إلى حد ما، فقد كان في صيغة "ورقة غير رسمية" سرية، أبلغت إدارة بايدن منذ ذلك الحين رفضها لِـ إيست ميد EastMed لجميع الأطراف المعنية وللجمهور، في عبارات واضحة لا لبس فيها. وفي أوائل نيسان/أبريل 2022، زارت نائبة وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند أثينا وأنقرة ونيقوسيا. وكان محور الزيارة، إضافة إلى تنسيق الاستراتيجية المناهضة لروسيا، قضايا الطاقة، وقبل كل شيء، خط أنابيب إيست ميد EastMed ولماذا لم يعد مدرجاً على أجندة واشنطن بعد الآن: "لسنا بحاجة إلى الانتظار عشر سنوات وإنفاق مليارات الدولارات على هذه الأمور. نحتاج إلى نقل الغاز اليوم. ونحتاج إلى استخدام الغاز اليوم كمرحلة انتقالية لمستقبل أكثر اخضراراً. بعد عشر سنوات من الآن لا نريد خط أنابيب. بعد عشر سنوات من الآن نريد أن نكون أكثر ملائمة للبيئة"، كما قالت السياسية في مقابلة مع صحيفة أثينا اليومية كاثيميريني.

تعزيز كبير لمكانة تركيا

بغض النظر عن المخاوف البيئية وفترة البناء الطويلة، فإنّ تغيّر واشنطن فيما يتعلق بسياسة خطوط الأنابيب في شرق البحر الأبيض المتوسط له سبب آخر، في المخطط الكبير للأشياء، ربما يكون محورياً. لذلك علاقة بالصعود الدراماتيكي لمكانة تركيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

في الأسابيع الأخيرة، شهدت العلاقات بين تركيا وواشنطن تحسّناً واضحاً. وذلك جزئياً بفضل الموقع الجيوستراتيجي الفريد لتركيا، إذ تقع في ساحة الحرب الأمامية، وجزئياً بفضل بعض المناورات السياسية الماهرة من قبل رجب طيب إردوغان، الذي يفخر بكونه وسيطاً بين الجبهات لا يمكن الاستغناء عنه، ونتيجة لذلك فقد اكتسبت تركيا مكانة كبيرة على المسرح الدولي.

يقول بثقة برهان الدين دوران، وهو معلق بارز مؤيد لإردوغان: "لا داعي للقول إنّ علاقة تركيا بالغرب تشهد تحولاً استراتيجياً"، مشيراً بذلك إلى القائمة الطويلة من كبار السياسيين الغربيين الذين يزورون أنقرة هذه الأيام. وإضافة إلى أوكرانيا، تعدُّ قضية الطاقة بنداً دائماً في جدول الأعمال.

لم يخفِ إردوغان قَطُّ حقيقة اعتباره المسار المخطّط لخط أنابيب شرق البحر الأبيض المتوسط بمثابة استفزاز محض. وتصرُّ أنقرة على أنّ الغاز ينبغي أن يمر عبر الأناضول إلى أوروبا.

وانقلاب واشنطن، هو تنازل لتركيا ودليل على أنّ العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة جديدة. وقد أكملت الحكومتان هذه المرحلة الجديدة في بداية أبريل/نيسان 2022 بما يسمى "الآلية الاستراتيجية" التركية-الأميركية، والتي يُفترضُ أن تتطوّر بالتدريج باتجاه تعزيز العلاقات.

بالنسبة للأميركيين، فإنّ المحور في قضية الأتراك وخط الأنابيب هو تحقيق نوع من التوازن، إذ أنّ مشروع خط الأنابيب كان يحظى بدعم سياسي من واشنطن حتى وقت قريب. ولطالما اعتُبِر مشروع إيست ميد EastMed المشروع الرئيسي لتحالف "3+1"، أي التحالف بين اليونان وقبرص وإسرائيل، مع مساهمة كبيرة من الولايات المتحدة الأميركية. كما لعبت مصر، ولا تزال، دوراً مهماً في هذا السياق. وجميع هذه الدول يجمعها، أو بالأحرى كانت يجمعها، عداء واضح إلى حد ما تجاه تركيا.

وليس سراً أنّ سياسة إردوغان الخارجية العدوانية في المنطقة في السنوات الأخيرة قد أدّت إلى قلب جميع دول الجوار تقريباً ضده. ومن غير المستغرب عدم دعوة تركيا حين وقّع القادة السياسيون لليونان وقبرص وإسرائيل على مشروع إيست ميد في حفل رسمي في أثينا في كانون الثاني/يناير 2020. والحكومة في أثينا غير مستعدة (حتى الآن) لأخذ رفض واشنطن على محمل الجدّ. وقد صرّح وزير الخارجية اليوناني في منتدى دلفي الاقتصادي مؤخراً بأنّ "إيست ميد حي يرزق ويتمتع بالحيوية". وفي الوقت ذاته، أشار الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس إلى أنّ خط الأنابيب هو مشروع أوروبي وأنّ على الولايات المتحدة، أن تقرأ ما بين السطور، وأن تبتعد عنه.  بيد أنه من السذاجة الافتراض أنّ الأميركيين سيمتنعون عن اتخاذ موقف، لا سيما في هذه الأوقات المضطربة وفي مثل هذه القضية بأهميتها الاستراتيجية. إضافة إلى ذلك، حين يتعلق الأمر بسياسة الطاقة، فإنّ أوروبا على بعد سنوات ضوئية من "الاستقلال الاستراتيجي" الذي كثيراً ما يُستخدم كمبرر.

وفاق مع إسرائيل

وفي الوقت ذاته، تتابع أنقرة خطتها القديمة لخط أنابيب بين إسرائيل وتركيا والذي سيربط حقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط مع الشبكات التركية. وفي هذا السياق، يعتمد إردوغان على الانفراج في العلاقات مع إسرائيل، الأمر الذي أصبح واضحاً للجميع مع الزيارة الرسمية للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في شباط/فبراير 2022 إلى تركيا. بعد ذلك بقليل، وصف إردوغان التعاون في مجال الغاز الطبيعي بأنه "أحد أهم الخطوات التي يمكن أن نتخذها معاً من أجل العلاقات الثنائية".

 

إسرائيل  - حقل ليڤياثان للغاز - قبرص - اليونان  - إسرائيل - حقل ليڤياثان للغاز - قبرص - اليونان - مخطط خط أنابيب إيست ميد - مخطط خط أنابيب إيست ميد. Karte geplanter Verlauf der Eastmed-Pipeline; Quelle: DW/ecfr.eu; Edison
المسار المخطط لخط أنابيب إيست ميد: بهذا المشروع الكبير، يبحث جنوب شرق أوروبا عن بدائل للغاز الروسي. وتختلف آراء الخبراء حول ما إذا كان المشروع مجدياً اقتصادياً وبيئياً. فالاتحاد الأوروبي يريد خفض انبعاثات الكربون بنسبة 55% بحلول عام 2030، وهذا من أسباب رفض الاستثمارات الجديدة في خطوط الأنابيب. بيد أنّ الغاز الطبيعي سيظل جزءاً مهماً من مزيج الطاقة في أوروبا في السنوات، وربما العقود، القادمة.

 

ومع ذلك، فالوضع أكثر تعقيداً مما يبدو عليه. فالخلاف على مسار خط الأنابيب يتضمن نزاعاً على الحقوق السيادية ومناطق السيطرة. وهنا يتركّز الخلاف بين أثينا وأنقرة وأيضاً بين نيقوسيا وأنقرة. إذ أنّ الحدود البحرية موضع نزاع شديد. في عام 2020، دفع الصراع اليونان وتركيا إلى حافة الحرب. وفي ذلك الوقت، أجبر الاتحاد الأوروبي أنقرة على التوقف تحت التهديد بفرض عقوبات.

منشور

الملف النووي والمنطقة الخليجية… أبعاد التطورات الأخيرة وانعكاساتها المستقبلية

في خضم الأحداث الدولية المشتعلة نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا، ظهرت تصريحات أمريكية رسمية بإمكانية التوصل إلى اتفاق نووي قريب مع طهران. إذ أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، يوم الاثنين الموافق ٤ أبريل/نيسان، إلى أن واشنطن “ما زالت تعتقد أن هناك فرصة للتغلب على الخلافات المتبقية مع إيران في المحادثات بشأن برنامجها النووي”.

في حين صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعيد زاده، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، أن طهران لن تعود إلى فيينا إلا لإتمام الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، وأنها لن تعود لإجراء مفاوضات جديدة بل لإتمام الاتفاق النووي، ومؤكدة أن حل المسائل العالقة يتوقف على الولايات المتحدة لا عليها.

يحاول تقدير الموقف البحث في مستجدات الاتفاق النووي وانعكاساته المحتملة في حال إتمامه على الدول الخليجية في النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية.









مستجدات الملف النووي
بعد تولي بايدن إدارة الولايات المتحدة قررت حكومته العودة غير المباشرة إلى مفاوضات الملف النووي، وذلك بعد خروجها منه في خطوة أحادية من إدارة ترامب عام 2018.

ومنذ عام تقريباً بدأت مفاوضات الملف النووي بين إيران والصين وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، في عاصمة النمسا فيينا، بهدف إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ومشاركة الولايات المتحدة في تلك المفاوضات بشكل غير مباشر عبر الوسيط الأوروبي.

توقفت المباحثات قرابة شهر نتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا ومطالبات روسيا بألا تؤثر العقوبات المفروضة عليها في علاقتها التجارية مع إيران، ومع تلقي موسكو الضمانات اللازمة من واشنطن بشأن تجارتها مع طهران، أعلن وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان عن قرب التوصل إلى اتفاق في مفاوضات فيينا، ولكن دون إعلان رسمي بعودة المفاوضات بين أطراف الاتفاق النووي.

وقد صرح وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع نظيره الكويتي أحمد الصباح، في 29 مارس/آذار 2022، أن الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران “اقترب كثيراً”، وذلك على الرغم من عدم تسوية بعض بنوده.

هناك تفاؤل أوروبي بقرب إتمام الاتفاق، لكن الموقف الأمريكي يبدو متناقضاً، نظراً إلى حاجتها إلى تقييم المصالح والمنافع من الاتفاق، ولذلك أجرت عدداً من المفاوضات في المنطقة؛ مثل مشاورات النقب في 28 مارس/آذار الماضي، التي جمعت وزراء خارجية الولايات المتحدة ومصر والمغرب والبحرين والإمارات والكيان الإسرائيلي.

خلصت مشاورات النقب إلى تشكيل لجان أمنية لمواجهة “تهديدات إيران في المنطقة، وشبكة أمنية للإنذار المبكر“، وأكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن تضامن بلاده مع دول القمة في مواجهة الإرهاب، ودعمه لحق دول القمة في مواجهة تهديدات إيران وأذرعها في المنطقة.

كذلك، اجتمع وزير الخارجية الأمريكي مع ولي عهد أبو ظبي في المغرب، في 29 مارس/آذار الماضي، من أجل مناقشة القضايا الأمنية في المنطقة، ومراجعة أهم القضايا الدائرة في المشهد الدولي (الحرب الأوكرانية وتأثيراتها في سوق النفط)، وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إن الاجتماع كان إيجابياً، وعبرت فيه الولايات المتحدة عن التزامها بشراكات المنطقة، واستمرارها في التعاون الأمني لمواجهة التهديدات على دول المنطقة.

إن رغبة الأطراف الأوروبية الملحة في تسريع عودة الاتفاق النووي ربما ترتبط بالحاجة إلى عودة النفط الإيراني إلى أسواق النفط الدولية ولأصول الأموال الإيرانية المجمدة هنا وهناك، فعقلية الربح والموازين الاقتصادية تسيطر كثيراً على الدول الأوروبية، وعلى روسيا في الوقت الحالي وبشكل كبير. الموقف الأمريكي مختلف عن الموقف الأوروبي على ما يبدو، ويجري مشاورات وتقييمات في المنطقة حتى تكتمل الصورة لديه بشأن المضي قدماً في الاتفاق، وربما يسعى إلى إقناع دول المنطقة بشأنه.

ولأن إيران تعد الطرف الرابح في كل الأحوال من عودتها إلى الاتفاق أو استمرار المفاوضات التي قد تشمل تطوير عملية التصنيع النووي، فربما تحرص على أن تستفيد من الأوضاع الراهنة بعدم التنازل عن بعض البنود المفروضة عليها.

انعكاسات الملف النووي على المنطقة الخليجية
تُجرى المفاوضات الحالية في فيينا لعودة الاتفاق النووي عام 2015 إلى المشهد الدولي، ولم تتجدد صيغة البنود كثيراً، ومع ذلك يبدو أن بعض الأطراف الغربية تدفع إلى تسريع تثبيت هذا الاتفاق على أرض الواقع. فما انعكاسات هذا الاتفاق على دول المنطقة المجاورة لإيران وترساناتها النووية؟

الانعكاسات الأمنية
في مواجهة ما سيؤول إليه المشهد العالمي والإقليمي بعد الاتفاق النووي، ظهرت عدة أطروحات خليجية للتأقلم مع الواقع الجديد، فبين متخوف من الاتفاق ومشجع عليه لا تزال الدول الخليجية لم تتخذ موقفاً موحداً حتى الآن.

إذ خرج وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري، خالد العطية، بتصريحات رسمية في منتدى الدوحة، في 27 مارس/آذار الماضي، أعلن فيها أن بلاده “تأمل في توقيع اتفاقية أمنية بين دول المنطقة في حال تم التوقيع على اتفاقية النووي الإيراني”.

بمعنى أن الدوحة تشجع الدخول في اتفاق أمني مع طهران بهدف استقرار دول المنطقة والابتعاد عن حالة الاستقطاب والنزاع الدامي الذي لم يفضِ إلى انتصار أي طرف دون آخر، بل حول المنطقة إلى ساحة حرب كبيرة تعددت فيها الأطراف المتقاتلة وارتفعت فيها فاتورة الصراع على الأطراف جميعها.

وفقاً للتسريبات الصحفية فإن الاتفاق النووي الذي تحاول الدول الغربية الدفع به، خلا من أي تطمينات عن أغلب النقاط التي شكلت “تخوفاً” لدول المنطقة، فالاتفاق لم يتحدث عن سلوك إيران في المنطقة ودعمها للميليشيات المسلحة، أو للصواريخ الباليستية ذات المدى البعيد، وغيرها من المسائل التي تعد عناصر جوهرية لأمن المنطقة واستقرارها.

وهذا إذا تم فإنه قد يجعل سباق التسلح النووي يتطور مستقبلاً في المنطقة تطوراً كبيراً، وذلك نتيجة الإقرار الدولي بحقوق إيران النووية، واستمرار توسيع أنشطتها النووية دون توحد الموقف الخليجي في كيفية التعامل معه، أو بالأصح انخفاض الثقة الخليجية تجاه إيران والمجتمع الغربي، وهو ما قد يدفع الدول الخليجية إلى تسريع عجلة الترسانة النووية، حتى في حال التوصل إلى اتفاقات أمنية خليجية مع إيران.

إضافة إلى ذلك، لا تزال قضية رفع الحرس الثوري الإيراني من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في الولايات المتحدة من أهم نقاط الخلاف بين الأمريكان وإيران؛ فطهران تضغط لضمانات رفع العقوبات عن الحرس الثوري، في مقابل دعوات أمريكية لإبقاء الحرس على القائمة تحت مبرر أن رفعه سيؤدي إلى تعزيز أنشطته “الإرهابية” في المنطقة.

ولهذا ربما تسعى واشنطن لأجل إتمام الاتفاق إلى الحصول على ضمانات من طهران بتخفيف حدة أنشطتها في المنطقة مقابل رفع الحرس الثوري من القوائم السوداء. فقد أشار مسؤول إيراني مشارك في ملف المفاوضات إلى أن إدارة بايدن قدمت مقترحاً بشأن إتمام الاتفاق النووي يتعلق بشطب الحرس الثوري من قائمة المنظمات الإرهابية، والعودة المتزامنة للاتفاق ورفع العقوبات تدريجياً مقابل ضمانات علانية ومكتوبة من طهران لواشنطن بشأن تهدئة التوترات الأمنية في المنطقة.

أخيراً، قد يدفع الاتفاق إلى تحالف خليجي عسكري مع الأطراف الإقليمية التي تحمل مواقف سلبية من الاتفاق وتؤيد الخيار العسكري، لا سيما الكيان الإسرائيلي ذا الموقف المعادي جداً للاتفاق النووي، والذي دخل في علاقات دبلوماسية إيجابية مع بعض الدول الخليجية في الآونة الأخيرة.

الانعكاسات السياسية
طالبت الدول الخليجية عدة مرات بإشراكها في مشاورات فيينا، ومع ذلك لم تتفاعل الأطراف الغربية مع تلك المطالبات، وهو أمر يضعف الاتفاق النووي في حال التوصل إليه، نظراً إلى أن الدول المحيطة بإيران والقريبة من أنشطتها المختلفة لم تشارك في مشاورات التفاوض النووي.

موقف الدول الخليجية الرسمي، لا سيما الموقف السعودي والإماراتي، لم يُظهر تقبله للاتفاق النووي منذ زمن، وهذا ما ظهر خلال التحركات الأمريكية والأوروبية لمعالجة أزمة النفط العالمية في الأسابيع الماضية، واستغلال الجانب الخليجي لتلك الورقة لإظهار امتعاضه الشديد عن مشاورات الاتفاق النووي الحالية، وتثبيت دور الدول الخليجية في المنطقة والمحيط العالمي، بهدف مراجعة العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، لمنهج سياستها الخارجية مع العواصم الخليجية.

وبشكل عام، الوصول إلى اتفاق نووي قد يدفع الدول الخليجية إلى استغلال ما فاتها في إعادة ترتيب صفوفها، إضافة إلى تنظيم البيت العربي والتنسيق مع القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة، لمواجهة التحدي الإيراني في المنطقة، ليصبح مشروع إيران في المنطقة يُواجهه مشروع موحد ضده.

من جهة أخرى، قد يدفع الاتفاق النووي مع إيران إلى تجاوب الدول الخليجية معه، وإجراء مباحثات مشتركة مع إيران لتخفيف التصعيد في المنطقة، لا سيما أن هناك عدداً من المباحثات السرية التي جرت أخيراً بين أطراف خليجية وإيرانية بهدف دعم الاستقرار في المنطقة.

في هذا السيناريو قد تحاول الدول الخليجية الاستفادة من مكتسبات الاتفاق النووي لتحقيق مصالح خاصة بها، فتخفف التصعيد مع إيران بما يؤدي إلى استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة، وتنشغل من ثم بتطوير مشاريعها الاقتصادية العالمية والإقليمية.

الانعكاسات الاقتصادية
خلال فترة المفاوضات النووية عادت إيران إلى زيادة إنتاج النفط بمستويات مقاربة لما كانت عليه قبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018، وقد نقلت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية عن الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية، محسن خجستة مهر، أن إنتاج النفط وصل إلى أرقام ما قبل العقوبات بمعدل 3,8 ملايين برميل يومياً، بعدما كان تراجع بشدة إثر العقوبات المفروضة خلال حكم ترامب.

وهو ما يعني أن ميزان النفط العالمي من المتوقع أن يتغير كثيراً بعد الاتفاق النووي إذا ما تم، لذلك نجد استعدادات إيرانية لما بعد الاتفاق في العودة إلى السوق العالمية، ولعل أزمة حقل الدرة بين إيران من جهة والكويت والسعودية من جهة أخرى تظهر الحرص الإيراني على ذلك. إذ عارضت طهران، في 21 مارس/آذار، الاتفاق السعودي الكويتي بشأن تطوير حقل الدرة للغاز الطبيعي، على اعتبار أنها جزء من ذلك الحقل، واصفة الاتفاق بالخطوة غير القانونية.

تحاول طهران تجهيز أنشطتها الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة، وهو ما قد تواجهه دول الخليج باستثمارات وعلاقات اقتصادية متطورة مع مختلف قوى العالم الكبرى، في محاولة منها لتجاوز التأثيرات السلبية لرفع العقوبات عن إيران في المجال الاقتصادي الخليجي.

وقد تتجه دول الخليج- في حال تمدد التنافس الخليجي الإيراني إلى خطوط الإمداد- إلى بناء تحالفات اقتصادية (خاصة بالنفط) دون مشاركة إيرانية أو حتى غربية؛ بهدف حماية الاقتصاد الخليجي، الذي قد يتضرر من عودة منافسة النفط الإيراني وبأسعار زهيدة، وسهولة نقله بين مختلف قارات العالم.

محددات مستقبل مفاوضات الاتفاق النووي
تحاول واشنطن كسب مزيد من الوقت من خلال تصريحاتها الرسمية لوجود بعض القضايا المتعلقة بالاتفاق النووي، ومنه تحاول واشنطن الموازنة بين كل ملفاتها في المنطقة.

ومن أهم المحددات التي يتوقف عليها مصير المفاوضات:

مدى جدية المفاوض الأمريكي في المضي قدماً بالاتفاق
تجري واشنطن مباحثات عديدة في المنطقة لتأمين موافقتها المستقبلية على الاتفاق النووي، وعدم انعكاس ذلك على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. إذ يشكل الاتفاق النووي ومفاوضاته فرصة سانحة للولايات المتحدة لعودة دورها مجدداً في المنطقة، بعد أن غابت عنها في الفترة الأخيرة.

إن موافقة المفاوض الأمريكي على الاتفاق النووي يعني أن الاتفاق دخل طور التنفيذ، ومن ثم تبدأ بعد ذلك إجراءاته التنفيذية، وهو ما يجعله محدداً أساسياً يستقر عليه مصير المفاوضات.

زيادة الإصرار الأوروبي على إتمام الاتفاق
إن الوضع الاقتصادي الراهن نتيجة الحرب الروسية وأزمة الطاقة الناتجة عنها يزيد من حماس الأوروبيين لتحقيق إنجاز في الملف النووي، ومن ثم فإن الدبلوماسية الأوروبية الحثيثة قد تدفع كلا الجانبين؛ الأمريكي والإيراني، إلى التوقيع على الاتفاق، والانتقال إلى مرحلة ما بعد النووي الإيراني.

طبيعة الاستجابة الإيرانية لمطالب الولايات المتحدة
ربما تستغل طهران الأجواء العالمية المهيِّئة لاتفاق نووي للخروج من حالة العقوبات المفروضة عليها، وذلك بمنح التفاوض نقاطاً إيجابية لتحريك الملف النووي إلى ما بعد المفاوضات، خاصة أنها ربما ترغب في تسريع عجلة اقتصادها، ومباشرة تصديرها للنفط ومشتقاته دون عراقيل دولية.

استيعاب مخاوف دول المنطقة
إلى الآن لا يزال الأمر غير واضح فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في المنطقة وموقعه في المفاوضات، فإيران تدفع باتجاه المفاوضات الموازية دون أن يكون هناك إلزام صريح بالحد من تدخلاتها في المنطقة، في حين لا يزال الموقف الأمريكي متناقضاً في هذا الموضوع، بين مؤيد لمطالب دول المنطقة، وبين طرف لا يطرح مطالب هذه الدول على طاولة التفاوض.

إن استيعاب مخاوف دول المنطقة على طاولة التفاوض ربما يؤدي إلى إطالة الوقت لإقرار الاتفاق النووي، ولكن هذا الاتفاق قد يرضي دول المنطقة، وهو ما قد يشكل عنصراً أساسياً لتدعيم الاتفاق وإطالة فعاليته إقليمياً ودولياً.

الخاتمة
مع قرب الإعلان عن التوصل إلى اتفاق نووي وشيك بين إيران والأطراف الدولية يبرز السؤال الرئيسي هنا: هل أطراف الاتفاق النووي هم من منحوا هذه الميزة لإيران، أم أن إيران استفادت من تغيرات المشهد الجيوسياسي الدولي لصناعة نقاط رابحة لها؟

ومع ذلك، فإنه في حال تقررت العودة إلى الاتفاق النووي في ظل الأزمة العالمية الحالية بين الغرب وروسيا، فإنه من المتوقع أن تشهد الدبلوماسية العالمية تغيراً جذرياً، فالعلاقات بين الدول ومصالحها المتشابكة سوف تسعى للحصول على فائدة من التغيرات السياسية العالمية، وبالطبع ستحاول الدول الخليجية الاستفادة من الوضع الراهن لمراجعة قنواتها الدبلوماسية بما يضمن تحقيق الأمن والاستقرار لها.

ومع ذلك يمكن القول إن التغيرات لن تحدث بين ليلة وضحاها في حال تقرر اعتماد الاتفاق النووي، فمسألة رفع العقوبات عن إيران وعن كبار مسؤوليها تحتاج إلى إقرار الكونجرس الأمريكي الذي يشهد انقسامات عديدة في الفترة الراهنة، إضافة إلى أن عودة طهران إلى السوق العالمية ومصارفها المالية ربما تأخذ مدة لتذليل كل الإجراءات والعمليات المالية المرتبطة بها.

وخلال هذه المدة لا يمكن التكهن بعدم ظهور مستجدات جديدة على المشهد الدولي تغير من خطط القوى الكبرى كلها، وربما تعيدها إلى حالة الصفر فيما يتعلق بالملف النووي مع طهران، ولهذا ربما تتجه الدول الخليجية إلى مراقبة الأحداث الدولية عن كثب، وتقرر بعدها مصير قبولها أو مواجهتها للاتفاق النوو