الآثــار المتوقعة
للأزمة الماليــة علي قطاع النفط
المشهد العالمي الراهن
علي الرغم من أن الأزمة المالية العالمية بدأت في الولايات المتحدة
الأمريكية إلا أن آثارها انتقلت إلي الاقتصاد العالمي وتأثر بها بشكل كبير الدول
الأكثر تقدما ممثلة في دول الإتحاد الأوربي واليابان وكوريا الشمالية، وذلك
لارتباط هذه الكيانات بشكل مباشر بالولايات المتحدة الأمريكية.
بدأت الأزمة كنتيجة للتوسع في تسويق العقارات لمحدودي الدخل في الولايات
المتحدة في الولايات المتحدة الأمريكية دون مراعاة للحدود الإئتمانية السليمة،
وبشروط تبدو سهلة للوهلة الأولي ولكن بعقود تضمنت نصوصا تجعل القسط يرتفع مع طول
مدة الإقراض، وعند عدم السداد لمرة واحدة تؤخذ فوائد القسط ثلاثة أضعاف عن الشهر
الذي لم يتم سداده، وخلال عامي 2006 و 2007 بدأت أسعار الفائدة في الإرتفاع علي
غير المتوقع مما أدي إلي تزايد التزامات محدودي الدخل حيث ارتفعت أعباء قروض
العقارات التي التزموا بها بالإضافة إلي القروض التي تشكل قيمة العقارات ضمانا لها
فامتنع الكثيرون عن السداد بعد أن أرهقتهم الأقساط المتزايدة لتبدأ أسعار العقارات
في الإنخفاض [[1]].
ومع استمرار هذا الوضع علي مدي سنوات
عديدة شجع ذلك البنوك وشركات التمويل العقاري في أمريكا علي توريق هذه المديونية
العقارية في شكل أسهم وسندات حملت درجة مرتفعة من التقويم المالي بحيث دخلت في
المحافظ الاستثمارية لبنوك أوروبا وبنوك شرق آسيا في الدول ذات الفوائض المالية
الضخمة, استنادا إلي أن هذه الأسهم والسندات تعكس ملكية عقارية قوية ضامنة
للسداد، وفي ظل تزايد مخاطر عدم السداد قامت البنوك وشركات
العقارات ببيع ديون المواطنين في شكل سندات لمستثمرين عالميين بضمان العقارات،
الذين لجأوا بدورهم –بعد أن تفاقمت المشكلة- لشركات التأمين التي وجدت في الأزمة
فرصة للربح بضمان العقارات فيما لو امتنع محدودي الدخل عن السداد.
ومع
تعاظم عجز الموازنة العامة للحكومة الأمريكية نتيجة الانفاق الحربي والذي صاحبه
عجز أكبر في الميزان التجاري للدولة, بدأ تحول ملحوظ من الدولار إلي العملات
الرئيسية الأخري في التسويات الدولية, وبالتالي انخفاض ملحوظ في سعر صرف الدولار
وحجم التدفقات المالية إلي الولايات المتحدة الأمريكية انعكس علي السيولة التي
تمتعت بها سوق المال الأمريكية والتي كانت تضمن الاستمرارية في الحلقة المفرغة
السابقة، ونجم عن ذلك سلسلة من العجز في سداد المديونية العقارية نتيجة لبوادر
الكساد المقبل مع ارتفاع عبء المديونية علي المقترضين بما يفوق قدراتهم المالية
خاصة مع انقضاء فترة السماح الأولي المصاحبة للعديد من القروض العقارية مما أدي
إلي توقفهم عن السداد وانعكاس ذلك علي قدرة شركات التمويل العقاري علي سداد ديونها
إلي البنوك, مما اضطر العديد منها إلي إعلان توقفه أيضا عن سداد الودائع,
الأمر الذي انعكس علي درجة ثقة العالم في الملاءة المالية لهذه المؤسسات,
وبالتالي انتشرت موجة من التوقف لدي العديد من البنوك العالمية والمؤسسات
المالية, مع امتداد موجة فقدان الثقة إلي أسواق المال العالمية التي واجهت موجات
متتالية من الانخفاضات زادت من حدة أثر الأزمة المالية مما اضطر العديد من
الحكومات الغربية ودول شرق آسيا إلي رفع ضمانها للودائع لدي بنوكها إلي أضعاف
ماكانت عليه لوقف نزيف السحب المفاجئ علي هذه البنوك [[2]].
كذلك
قام العديد من الحكومات بضخ أموال عامة في أسواقها لشراء الأصول المتعثرة إما
مباشرة أو من خلال الجهاز المصرفي, كما قامت البنوك المركزية بتخفيض اسعار
الفائدة واتباع سياسات نقدية ميسرة لزيادة حجم النقود في مجتمعاتها, وعقدت
اجتماعات دولية لمناقشة مدي ملاءمة استمرار النظام المالي العالمي الحالي مع بحث
مدي الحاجة إلي تعديل النظم الأساسية لمؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي
بما يسمح لها بالتدخل في عملية الإنقاذ.
وعندما تفاقمت
الأزمة وتوقف محدودي الدخل عن السداد اضطرت الشركات والبنوك لمحاولة بيع العقارات
محل النزاع والتي رفض ساكنوها الخروج منها فعجزت قيمة العقارات عن تغطية التزامات
البنوك أو شركات العقار أو التأمين، مما أثر علي السندات فطالب المستثمرون بحقوقهم
عند شركات التأمين فأعلنت أكبر شركة تأمين في العالم "AIG" عدم قدرتها علي الوفاء
بالتزاماتها تجاه 64 مليون عميل تقريبا مما دفع بالحكومة الأمريكية إلي منحها
مساعدة بقيمة 85 مليار دولار مقابل امتلاك 79.9% من رأسمالها، ولحق بها كثير من
المؤسسات المالية الأمريكية مثل مورجان ستانلي، وجولدنمان ساكس، وليمان برزرز.
وبالنسبة للإستثمارات في قطاع الطاقة فمن المنطقي أن تتأثر لأن الدول
الأوربية والآسيوية عندما ضخت أموالا في بنوكها إنما كان بهدف أساسي وهو خدمة
المجتمع الداخلي في هذه الدول وليس تصدير هذه الاستثمارات للخارج لإنتاج البترول،
وبالتالي فمن الصعب تحريك هذه الأموال للاستثمار خارجيا، وهو ما سوف يؤدي إلي فتور
همة المستثمرين إلا أن الأمل يرتبط بأن الأمور المتعلقة بالطاقة ينظر لها كناحية
استراتيجية في تأمين الإمدادات وهو ما يمكن أن يعيد للاستثمارات العالمية القوة
والنشاط بعد فترة قصيرة [[3]]. وقد أثرت
الأزمة المالية العالمية علي قطاع الطاقة –علي الرغم من إنهيار أسعار البترول- في
شكل إنخفاض الطلب علي موارد الطاقة وتحديدا البترول والغاز الطبيعي، ومن المتوقع
أن تنخفض معدلات الطلب من جانب الدول علي هذين البديلين.
وعلي الرغم من أن حسابات تأمين الطاقة –ليس فقط في الدول العربية ولكن في
كل دولة- هي حسابات استراتيجية ينبغي ألا تتأثر بالظروف والمتغيرات من ناحية
أهدافها الاستراتيجية، إلا أن المؤشرات تشير إلي بعض التغيرات في الطلب علي موارد
الطاقة، وعليه فمن المنتظر أن تواجه الدول العربية المصدرة للبترول والغاز الطبيعي
خفض في الإيرادات لن يقل عن 60% (مقارنة بما كانت عليه الأسعار في يوليو 2008) إذا
استمرت أسعار البترول علي نفس الوتيرة، وهو ما يعني أن الدول العربية فقدت إيراد
كبير من هذه الصادرات، ومن الممكن تعويض هذا الخفض في الإيرادات بزيادة الإنتاج
إلا أن هذا الأسلوب يعني إهدار للموارد إلي جانب أن هذا النهج يمكن أن يؤدي إلي
إنهيارات للأسعار حيث تؤدي الزيادة في العرض إلي خفض الأسعار وهو ما يعني مزيد من
الخسائر، وبناء علي هذا يجب تقييم الوضع في كل دولة علي فترات متقاربة ووضع خطط
تتميز بالديناميكية بمعني سهولة تغييرها لتلبي المتطلبات والمستجدات سواء علي
الساحة المالية أو في مجال البترول.
أيضا، طرحت بعض الأصوات ضرورة وجود نظام عالمي للرقابة المالية وذلك لعدم
الثقة في النظم المحلية لكل دولة علي حدة، وذلك بهدف المحافظة علي استقرار الأسواق
وخاصة أسواق دول رأس المال، أي أن الدعوة إلي عولمة النظام المالي العالمي يجب أن
ترتبط بعولمة الرقابة، إلا أن دور النظام المقترح للرقابة غير واضح المعالم، وهو
ما يدعو إلي طرح أسئلة من قبيل هل يقوم النظام المقترح بتحديد قنوات للتعامل مع
الوفورات المالية؟ وما هي أبعاد تدخله في السياسات المحلية لكل بلد؟ وهل يسمح لهذا
النظام بالمتابعة والتوجيه أم المتابعة والإلزام؟ وأخيرا هل سيتدخل في مجالات
استثمار الدول كل علي حده؟، كل هذه الأسئلة تستدعي إجابات يختلف صداها من دولة
لأخري.
الآثار المحتملة علي قطاع النفط
يعد النفط -حتى الآن- اللاعب الرئيسي في سوق الطاقة، والذي تبلغ حساسيته
إلي التأثر الشديد بالمتغيرات سواء سياسية
أو طبيعية أو اقتصادية، ويمكن إيجاز هذه
المتغيرات في ست عوامل هي أولا: نوع الخام، حيث يقل حاليا المتاح من الخام
الخفيف، ثانيا: حجم الاستكشافات، فعلي الرغم من زيادة حجم استكشافات النفط
عالميا إلا أن إنتاج هذه الحقول لا يعد ضمن الحقول العملاقة الكفيلة بتغيير موازين
السوق، ثالثا: القوة الشرائية للدولار، فخلال الشهور الماضية شهدت أسواق
المال تغير قيمة الدولار مقارنة باليورو وهو ما يؤثر علي سعر النفط، رابعا:
نمو الطلب، تمثل الاقتصادات الناهضة في آسيا (الصين والهند) نقاط ماصة للإنتاج
العالمي من النفط حيث يتزايد طلب هذه الأسواق عليه لتلبية الحاجة إلي النمو
المتصاعد والذي يتراوح سنويا بين 4% و5%، خامسا: التوترات السياسية بين
الغرب وإيران وأيضا الحرب في العراق كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في سعر النفط، سادسا:
الكوارث الطبيعية، مثل الأعاصير والزلازل والبراكين وما ينتج عنها من تعطل البنية
التحتية لإنتاج النفط وتكريره [[4]].
ويمكن توصيف التداعيات المحتملة للأزمة المالية العالمية علي قطاع النفط
العالمي من خلال دراسة المتغيرات في الطلب علي النفط التعرف علي آثار إنخفاض
أسعاره.
الطلب علي النفط
ارتفع متوسط الطلب علي النفط في عام 2008 بمقدار 0.5% مقارنة بعام 2007 أي
بزيادة في متوسط الإنتاج اليومي بلغت 432 ألف برميل يوميا ليسجل الطلب اليومي 86.5
مليون برميل، وهو ما يعني أن التغير في حجم الطلب علي مستوي مناطق العالم كان
طفيفا، يأتي هذا علي الرغم من التوسع في عمليات التصنيع والاعتماد علي الطاقة في
كافة أنحاء العالم، وهو ما يستدعي اسئلة من قبيل هل يرجع سبب تباطوء النمو في
الطلب علي النفط إلي ركود الأسواق العالمية متأثرة بالأزمة المالية العالمية؟ وبالتالي
تخفيض المصانع لقدراتها الإنتاجية، أم أن هذا التباطوء يرجع إلي تطبيق سياسات
ترشيد وتحسين كفاءة الطاقة بما يسمح بالحصول علي نفس الخدمات مع استهلاك طاقة أقل؟،
أيضا يأتي الاعتماد علي بعض البدائل في إنتاج الطاقة عامل ذو تأثير في تقدير النمو
علي الطلب؟ فمثلا استخدام وسائل المواصلات للوقود الحيوي بنسبة 2% خلال عام 2008
كبديل للبنزين أدي إلي خفض الاعتماد علي النفط، وارتفاع مشاركة الطاقة الكهربائية
المولدة من الرياح في المنظومة العالمية أدي إلي تقليل الاعتماد علي الوقود
الأحفوري في إنتاج الطاقة الكهربائية، هذ مع الإقرار بأن مساهمة هذه البدائل يعد
صغيرا بالمقارنة بالنفط إلا أنها علي الأقل تعمل علي تخفيف معدل الزيادة السنوي
وامتصاص جانب من الزيادة في الطلب علي النفط.
تشير التوقعات المستقبلية إلي توقع زيادة في الطلب علي النفط خلال عام 2009
بنحو 0.8% وذلك مقارنة بمعدل الطلب خلال عام 2008، أي أن المتوسط اليومي المتوقع
للإنتاج خلال عام 2009 سوف يبلغ 87.2 مليون برميل وهو ما يترجم إلي زيادة في
الإنتاج اليومي بنحو 700 ألف برميل نفط.
إلا أن الأمر الجدير بالاهتمام أن هذه الزيادة سوف تتركز في بعض مناطق
العالم مثل منطقة الشرق الأوسط والتي يتوقع أن يصل حد الطلب فيها إلي 7.3 مليون
برميل يوميا بزيادة 400 ألف برميل عن عام 2008، أما أوربا فيتوقع أن ينخفض الطلب
فيها إلي حدود 15.9 مليون برميل يوميا وانخفاض الطلب الأمريكي بنحو 200 ألف برميل
يوميا ليسجل 30.3 مليون برميل يوميا.
واعتمادا علي فرضية دخول العديد من مناطق ودول العالم في مرحلة ركود يمكن
تبرير إنخفاض الطلب علي النفط في أوربا وأمريكا اللتان يتوقع إنخفاض الناتج المحلي،
من ناحية أخري خفضت منظمة أوبك إنتاجها من النفط علي مرحلتين الأولي 0.3 مليون
برميل يوميا في أكتوبر 2008 ثم 1.5 مليون برميل في نزفمبر من نفس العام في محاولة
منها لتدارك الأسعار والتي إنهارت إلي حدود الأربعين دولار للبرميل بعد أن كانت
147 دولار في يوليو 2008.
انخفاض أسعار البترول
من المتوقع أن تراجع الشركات العالمية العاملة في البحث والتنقيب في قطاع البترول
خططها في أنحاء العالم سواء علي برامج البحث والاستكشاف وتنمية الحقول أو برامج الاستثمار والإنتاج، أيضا من المتوقع
ألا تخصص الأموال التي ضختها بعض الدول الأجنبية بهدف تلافي تأثيرات الأزمة
العالمية للاستثمارات الخارجية (خارج الدول نفسها)، وهو ما يعني أن استثمار هذه
الأموال سوف يكون في مشروعات وطنية، ومن هذه الدول أمريكا التي منحت مؤسسة AIG
مبلغ 85 مليار دولار مقابل امتلاكها 79.9% من رأسمالها، كذلك تدخلت الحكومة
الأمريكية بمنع البيع علي المكشوف لنحو 799 سهم مدرجة في سوق الأسهم الأمريكية،
وفي ألمانيا تم تخصيص خطة إنقاذ تضمنت تخصيص مبلغ 80 مليار يورو كسيولة مالية و400
مليار يورو كضمانات قروض، وفي بريطانيا أعلنت الحكومة أنها ستضخ 37 مليار جنيه
استرليني لدعم ثلاثة بنوك بريطانية.
وبحسب تقرير لجنة الطاقة بمجلس الشعب، فقد أثر إنخفاض اسعار البترول في
أسعار المنتجات البتروكيماوية في السوق العالمي بنسن تفاوتت من 40 إلي 67%، فعلي
سبيل المثال إنخفضت أسعار البنزين بنسبة 67% وذلك من 1150دولار للطن في أغسطس 2008
إلي 379 دولار في نوفمبر من نفس العام، وهو ما قد يؤثر علي هذه الصناعات مستقبليا،
وبالأخذ في الإعتبار أن هناك دول تنتج البترول بتكلفة 50 دولار للطن أصبحت هذه
الدول في موقف حرج فهي إما تخرج من منظومة الإنتاج أو تنتج وتخسر.
التخطيط الاستراتيجي في إدارة الأزمات
التفاوض أثناء المواقف الطارئة
إدارة المستقبل والحاضر بقواعد فن إدارة الأزمات
فوائد التخطيط الاستراتيجي في قطاع الأعمال
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات