يعدُّ مفهوم إدارة الأزمات مفهومًا حديثًا نسبيًّا من حيث تأصيله كفرع من فروع علوم الإدارة والتنظيم، إلا أنه يُعتبر أحد المفاهيم القديمة قدم العمران البشري، مع حاجة الإنسان الدائمة إلى منهجية معينة يتعامل من خلالها مع المشكلات الطارئة والأزمات التي تقابله في حياته اليومية، سواء على المستوى الخاص أو على مستوى عموم الجماعة البشرية.
والإدارة -في تصنيف العلوم- هي فرع من العلوم الاجتماعية، وتعني عملية التخطيط واتخاذ القرارات الصحيحة والمستمرة، والمراقبة والتحكم في مصادر المؤسسات للوصول إلى الأهداف المرجوة للمؤسسة، وذلك من خلال توظيف وتطوير والسيطرة على المصادر البشرية والمالية والمواد الخام والمصادر الفكرية والمعنوية.
وبين أيدينا كتاب يحاول أن يبرز هذه الطبيعة الاجتماعية أو السوسيولوجية للعملية الإدارية، ولعملية إدارة الأزمات داخل المؤسسات، وخصوصًا المؤسسات العامة، من خلال نماذج حالة جزائرية. والكتاب من تأليف الدكتورة مرباح مليكة، وهي مدرسة في قسم علم الاجتماع بجامعة البليدة، وهو في الأصل رسالة أعدتها لنيل درجة الماجستير في علوم الإدارة، من الجامعة، وأشرف عليها أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الدكتور ناصر قاسيمي. ويبحث الكتاب إشكالية رئيسية، هي أسباب الأزمات وأسباب غياب إدارة خاصة بإدارة الأزمة في المؤسسات العامة في العالم العربي، تطبيقًا على الحالة الجزائرية. وفي هذا الإطار، يتناول المراحل التاريخية التي مرت بها مفاهيم أساسية مرتبطة بهذه الإشكالية، مثل الإدارة وإدارة الأزمات والمنظمة. ويؤكد الكتاب أن دراسة التنظيم داخل أي مؤسسة أحد أهم العوامل التي تقي المنظمة من الأزمات المحتملة، كما يعمل أيضًا على كشف ورصد أسباب الأزمات المستقبلية. والكتاب مكون من ستة فصول، بعضها نظري تناول المداخل النظرية لإدارة الأزمات في المؤسسات العامة، والأزمة ومشكلة ممارسة الديمقراطية في التنظيم، وكذلك المداخل النظرية في التغيير، ودور القيادة في إدارة الأزمة، وعوامل الفعالية في هذا الجانب، والنتائج الاجتماعية أو السوسيولوجية للأزمات داخل التنظيم الإداري. والبعض الآخر كان تطبيقيًّا على بعض المؤسسات الحكومية والعامة في الجزائر، ومن بينها الشركة الجزائرية للكهرباء والغاز (سونلغاز). ومن بين أهم الأفكار التي تتناولها المؤلفة فيما يتعلق بالجانب المجتمعي للأزمات وإدارتها على صعيد المؤسسات، دور إدارة الأزمات ما بين الكفاءة وعدم الكفاءة في بقاء وفناء الأمم. فتشير إلى أن للأزمات بأنواعها المختلفة، أدوارا كبيرة في تحديد تاريخ ومصائر الشعوب والمجتمعات. وفي حقيقة الأمر؛ فإن قراءة التاريخ تثبت أن الأمم والمجتمعات التي اعتمدت على سياسة فعالة وفرق عمل على درجة من الكفاءة في التعامل مع الأزمات، كانت أكثر قدرة على الاستمرار من الأمم والمجتمعات التي كانت تلجأ إلى الأساليب غير الرشيدة في التعامل مع أزماتها. ويهتم الباحثون في إطار دراسة الأزمات بأبعاد ثلاثة للأزمة، وهي: 1- الأبعاد النفسية. 2- الأبعاد الاقتصادية والسياسية. 3- الأبعاد الاجتماعية. وهذه الأبعاد تثبت أن إدارة الأزمات ليست علمًا مستقلاً بذاته، وإنما يتحرك في إطار العلوم الاجتماعية بأكملها، بما في ذلك علما الاجتماع والسياسة.
البيروقراطية والديمقراطية
وتتبنى المؤلفة في هذا الجانب مبدأ أرساه عدد من الآباء الأوائل لعلوم الإدارة والاجتماع الإنساني، وهو أنه كلما ازدادت بيروقراطية التنظيم؛ قلت درجة الديمقراطية في داخله، مع تعارض الديمقراطية كمبدأ وقيمة يسعى البعض إلى تطبيقها مع البيروقراطية التي هي عبارة عن أمر واقع قائم داخل المؤسسة تسعى قيادات المؤسسة إلى الحفاظ عليه.وترتبط عملية إدارة الأزمات داخل المؤسسات العامة والتنظيمات الإدارية بشكل عام، بعدد من القضايا ذات الأهمية، ومن بينها مستوى الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة.
وترتبط هذه المسألة بعملية صناعة القرار داخل المؤسسة، وخصوصًا في الأوقات التي تواجه فيها المؤسسة أزمة من نوع ما؛ فمواجهة الأزمات تتطلب مشاركة من مختلف الأطراف المعنيين داخل المؤسسة، ومن ثَمَّ؛ فإنه يجب أن تكون هناك درجة من درجات الديمقراطية في المؤسسة، وكلما طغت الممارسة الديمقراطية في عملية صناعة وأخذ وتنفيذ القرار على اعتبارات البيروقراطية؛ زادت قدرة المؤسسة على مواجهة الأزمات التي قد تواجهها. وتتقاطع مسألة ديمقراطية التنظيم وبيروقراطيته هذه مع قضية أخرى، وهي التغيير ودور القيادات فيه داخل المؤسسات، باعتبار أنه من بين أهم العوامل التي تقي التنظيمات الإدارية من الوقوع في أزمات مزمنة. وتؤكد الكاتبة في هذا الإطار أنه من الأهمية بمكان العمل على تغيير القيادات داخل المؤسسات من آن لآخر، باعتبار أن ذلك يعني الإتيان بفكر جديد للعمل داخل المؤسسة، بما يخلق المزيد من القدرة على الإبداع، وخصوصًا في مواجهة الأزمات التي يمكن أن تواجه المؤسسة في أي مرحلة من مراحل عملها. إلا أنها تميز في هذا الإطار بين التغيير الفعلي للقيادات بناء على معايير الكفاءة والفاعلية في الأداء، والتغييرات التي تتم في بعض المؤسسات العامة بناء على اعتبارات سياسية؛ حيث لا تأتي بكفاءات بقدر ما تأتي بعناصر كل مقوماتها ارتباطها بصناع القرار والسياسيين. وتقول إن التغييرات في القيادات داخل المؤسسات العامة بناء على اعتبارات سياسية لا تؤدي إلى النتائج المرجوة فيما يخص إدارة المؤسسة، وتحسين مستوى قدرتها على إدارة الأزمات التي تواجهها، أو إدارة نفسها بشكل عام. غياب التخطيط وتقول الأكاديمية الجزائرية مرباح مليكة -في موضع آخر من كتابها- إن الأزمات تحدث في المؤسسات نتيجة غياب التخطيط الجيد والتوقع المستقبلي بناء على المقاييس والمعايير العلمية، وترتبط بهذا مشكلة أخرى، وهي مشكلة ثقافة العمل داخل المؤسسة؛ حيث لا يكون لقواعد الإدارة الرشيدة أي اعتبار داخل العمل، ويكون هذا العمل مجرد تأدية واجب وفق نظرة ضيقة لا تتجاوز محيط المهمة المكلف بها هذا الموظف أو هذا المسؤول. وتقول إن الارتجالية والعشوائية في التخطيط يترتب عليهما وقوع المؤسسات في أزمات، وهذه الأزمات غالبًا ما يترتب عليها العديد من الآثار الاجتماعية، ومن بين ذلك الحالات التي تؤدي فيها الأزمة إلى تقليص أنشطة المؤسسة أو إغلاقها؛ حيث يترتب على ذلك تسريح العمالة التي كانت فيها. وفي ظل غياب سياسة رسمية حكيمة في مجال إدارة المؤسسات العامة، تتكرر مثل هذه المشكلات. وبالتالي؛ فإن ذلك يساهم في مفاقمة مشكلة البطالة. ولا يتوقف الأمر على ذلك فحسب؛ حيث إن الحكومات التي تدير المؤسسات العامة على هذه الصورة تتجاهل هذه الأبعاد، ولا تكون حاضرة في أولوياتها، ومن ثَمَّ تزداد حدة هذه المشكلات، وما يرتبط بها.
الخبرة الجزائرية
حيث إن المؤسسات العامة أو العمومية في الجزائر في الوقت الراهن تشكلت نتيجة تراكم خبرات الجزائر المؤسساتية منذ الحقبة الاستعمارية وحتى الوقت الحاضر، ومرت هذه المؤسسات العامة في الجزائر بمراحل عديدة، وهي:واهتم الجانب التطبيقي من الكتاب بالحالة الجزائرية، من خلال مجموعة من الأدوات البحثية التاريخية والوصفية، وخلصت الكاتبة -من خلال أدوات البحث والتحليل التي استخدمتها- إلى أن المؤسسات الجزائرية تعاني من العديد من المشكلات فيما يخص قدرتها العامة على الأداء، وبالتالي قدرتها على مواجهة الأزمات التي يمكن أن تواجهها. - المؤسسات العامة الموروثة منذ العهد الاستعماري، وكان عددها 20 مؤسسة ورثتها الجزائر عن الاستعمار الفرنسي حتى عام 1945.
- مرحلة ما بعد قرارات الإصلاح الاقتصادي؛ حيث أثرت التحولات التي تبنتها الدولة على فكر العمل المؤسسي في المجال العام، وخصوصًا المؤسسات الخدمية العامة في مجال المرافق والخدمات المقدمة للمواطن. ومن خلال ما تناولته الكاتبة من ظواهر الحالة المؤسسية في الجزائر، فإن هناك مجموعتَيْن أساسيتَيْن من المشكلات التي تواجه المؤسسات العامة في الدولة الجزائرية، المجموعة الأولى منها هي مشكلات ذات الطابع المؤسسي أو الإداري البحت، والتي نتجت عن غياب الفكر المؤسسي السليم وتبني القواعد العلمية في العملية الإدارية على مستوى مؤسسات الدولة. أما المجموعة الثانية، فهي مشكلات تتعلق بطبيعة النظام السياسي القائم، والعقلية التي يدير بها المؤسسات العامة، والتي أفضت إلى العديد من الظواهر المؤسسية السلبية داخل الهيكل الإداري الحكومي في الجزائر، والمؤسسات العامة فيه، من بينها العجز الكامل عن إدارة الأزمات داخلها، وهو ما رتب أبعادًا اجتماعية عديدة، ليست البطالة هي الوجه الوحيد لها. فمن بين أبرز الظواهر التي رافقت هذه المشكلات في إدارة المؤسسات العمومية في الجزائر، عجز هذه المؤسسات عن أداء الخدمات للمواطنين. ومن ثَمَّ، فقد أنشأت مشكلات اجتماعية أمام المواطن، كما في حالة الشركة الوطنية للكهرباء والغاز (سونلغاز) التي تأسست عام 1947، وتحولت في عام 2002 من مؤسسة ذات طابع صناعي وتجاري إلى شركة مساهمة تحوز الدولة رأسمالها. وفي المجمل العام، فإن الكتاب يتناول قضية شديدة الأهمية تعتبر من بين أكبر أوجه النقد الموجهة إلى الدولة الحديثة في العالم العربي، وهي عدم قدرتها على إدارة الأزمات داخلها وداخل مؤسساتها، وهو ما يرتب الكثير من المشكلات على المواطنين، ويعوق حركة التقدم والتنمية فيها. |
منصة فكرية عربية متخصصة
د.هشام عوكل
دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفية عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.
أحدث المحتوى
المقالات والدراسات
تحليلات معمّقة في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي.
ظهور إعلامي
المقابلات التلفزيونية
حوارات ومقابلات متخصصة على المنابر الإعلامية العربية والدولية.
مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية
قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات
مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.
مشاهدة على YouTube ←تحليل دولي
ظهور إعلامي
العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة
أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.
متابعة على Facebook ←إدارة الأزمات
حوار متخصص
التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة
يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.
استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات
إصداراتي وكتبي
يمكن لاحقاً ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

التخطيط الاستراتيجي في إدارة الأزمات
التفاوض أثناء المواقف الطارئة
إدارة المستقبل والحاضر بقواعد فن إدارة الأزمات
فوائد التخطيط الاستراتيجي في قطاع الأعمال
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات