
زاويةحادة المقال الاسبوعي
غزة خارج حسابات السلام
بقلم: د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية

يبدو أنّ العالم يستعد لمرحلة سياسية جديدة، لكنّ هذه المرحلة ما زالت تقف على الباب كأنّها تنتظر تحديد هوية جثّة مجهولة تعيق المرور. فالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق ترامب الثاني لم يتعطّل بسبب النزاعات الكبرى ولا بسبب العقد الاستراتيجية، بل لأنّ جثة واحدة وُجدت على الطريق، جثة لا نعرف إن كانت لإسرائيلي أم أجنبي أم مجرد عابر حظّه السيّئ قاده إلى الجغرافيا الخطأ. وكأنّ السياسة الدولية أصبحت أشبه بمسلسل طويل تُوقفه شخصية ثانوية، بينما القصة الكبرى تستمر خلف الكواليس. وفيما ينشغل العالم بجدل هوية الجثة، كانت أبوظبي تستضيف خلف الستائر السميكة جولة مفاوضات سرية بين روسيا وأوكرانيا، في محاولة لإنتاج سلام أسرع مما ينتجه الزمن نفسه. يدخل المفاوضون بوجوه ثابتة، ويخرجون بملفات لا يعرف أحد محتواها، بينما واشنطن تراقب المشهد ببرود مَن يعرف أنّ الحلقة التالية يجب أن تبدأ مهما كانت تكلفة الموتى في الحلقة السابقة.

لم يعد السر أنّ كييف اقتربت من لحظة الاستسلام السياسي أكثر مما تقترب من طاولة تفاوض متكافئة. فالحرب أنهكتها، والتوازنات الدولية دفعتها إلى القبول بصفقة لا تشبه أحلام البداية. لكن المدهش أنّ موسكو، رغم تفوقها الميداني، تتصرّف بقدر من التردد يوحي كأنها تخشى الظهور بمظهر من يحتاج الاعتراف أكثر مما يحتاج النصر. تريد روسيا رفع العقوبات وعودة العلاقات مع أوروبا وفتح خطوط الطاقة، لكنها لا تريد أن تبدو وكأنها جاءت تركض إلى المصالحة. أما واشنطن، فهي أكثر استعجالاً من الجميع، لأنها ببساطة لم تعد ترى في أوروبا أولوية. فالحسابات الأميركية اليوم تتجه نحو الشرق الأوسط، حيث يكبر النفوذ التركي، ويتشكل المشهد السوري، ويتأرجح استقرار إسرائيل، وتُعاد كتابة خرائط الطاقة والممرات البحرية. ولذلك فإن تسريع السلام في أوكرانيا ليس عملاً إنسانياً ولا حتى استراتيجياً لأوروبا، بل خطوة لإخلاء المسرح حتى تتفرغ واشنطن للجبهة التي تراها أهم: منطقتنا.

وعلى الضفة الأخرى، تواصل حماس إدارة مملكة الموز في قطاع غزة، مملكة بجباية وضرائب وأموال تُجمع تحت شعار الصمود، بينما الشعب الغلبان يفتش عن الكهرباء والدواء والماء. المفارقة أنّ الحركة، التي خاضت خمس حروب ودفعت غزة إلى مستوى غير مسبوق من الدمار، لم تُبدِ استعداداً لمراجعة خياراتها، بل ما زالت مصرّة على البقاء في الواجهة السياسية مهما كان الثمن. وخلال الأشهر الأخيرة، بدأت بعض كوادرها تطلب ضمانات لحماية عناصرها من الاغتيالات الإسرائيلية، فيما يبقى عموم الشعب الفلسطيني بلا حماية تُذكر، بين قصف من فوق وحصار من كل الجهات. هذه التناقضات ليست هجاءً لحماس، بل وصف لواقع تتداخل فيه الشعارات مع الحسابات، حتى أصبحت حياة الإنسان الفلسطيني أقل قيمة من ورقة التفاوض، وأقل أولوية من خطب المنصات.

وتأتي مفاوضات أبوظبي, ميامي امريكا لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ تبدو كأنها مشروع لإعادة ترتيب العالم بخطوط دقيقة لا يشارك الشرق الأوسط في رسمها، لكنه يدفع ثمنها مسبقاً. فواشنطن تريد إغلاق الجبهة الأوروبية لتتفرغ للشرق الأوسط، وروسيا تحصل على اعتراف ضمني بنصرها مقابل الالتزام بحدود نفوذ لا تتجاوزها، بينما أوروبا تجد في المصالحة طريقاً لإعادة فتح أنابيب الغاز والتجارة مع موسكو. أما المنطقة، فتجد نفسها مرة أخرى حقل التجارب الذي تُختبر فيه نتائج صفقات تجري بعيداً عنها، من جنوب سوريا إلى غزة، في وقت يبحث الناس فيه فقط عن حياة طبيعية، لا عن خرائط جديدة تُرسم فوق ركام بيوت مهدّمة.
زاوية حادة تسئل .........

وبعد كل هذا الدمار، وبعد أن تحوّل حلم الدولة الفلسطينية إلى مجرد طلب عربة سردين تُسمح بدخولها عبر معبر متعب، يبقى السؤال قائماً برصانة سياسية وبلمسة تهكم خفيفة تكشف التناقض دون أن تهاجم أحداً: هل يمكن لمنظومة تبحث عن حماية خاصة لصفّها الأول بينما يواجه عامة الناس قدرهم بلا حماية، أن تقود مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة بعد خمس حروب ودمار أصاب الحجر والبشر؟