د. هشام عوكلأستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفة عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.

1,156,548متابعًا عبر المنصات الرقمية
أحدث المحتوى

المقالات والدراسات

تظهر مقالات المدونة الحقيقية هنا تلقائيًا. في صفحة المقال، يظهر النص كاملًا ضمن مساحة قراءة واسعة ومريحة.

الشعبوية المتجددة في أوروبا



الشعبوية المتجددة في أوروبا

د.هشام عوكل أستاذ العلاقات الدولية و إدارة الازمات .
تمهيد
كان للشعبوية حضور واضح منذ أقدم العصورفي اليونان القديمة، فمع صعود الديماغوجيين من أمثال "كليون "، وانتكاس ديموقراطية أثينا، وما خَلّفَتْهُ من فوضى دفعتْ بأفلاطون وتلميذه أرسطو إلى نبذ والنظر بِدُونِيّةٍ إلى "جموع الرعاع"[1]، وما ينتج عنهم من "حكم الرعاع". وقد أثّرَ التخليط وعدم الوضوح في استخدام المصطلحات على مصطلح "الديموقراطية" الذي غدا سلبيَّ المضمون طيلة قرونٍ.


حيث شهدتِ الإمبراطوريةُ الرومانيةُ صعودَ أباطرةٍ و ضباطٍ شعبويين استخدموا قدراتهم الخطابية في تحريك "الجموع" عاطفياً، للوصول إلى مآربهم في التسلط الاستبدادي على الحكم. ويعتبر كل من "الأخوين غراكي " في روما ، و"يوليوس قيصر " من أبرز هؤلاء الشعبويين.
وفي منطقة الشرق الأوسط أخذ "الشعب" دور «الرعيّة»[2] وممارسة طقوس الطاعة والخضوع بإذعانٍ مطلقٍ للراعي/الحاكم، الذي يسعى بدوره إلى تعزيز تسلط نظام الحكم عبر استغلال البُنى التقليدية كالعشيرة والقبيلة، والإبقاء على الجهل في صفوف الشعب، والحفاظ على مزاجٍ سائدٍ يخضع للعادات والأعراف. واعتاد الكثير من المؤرخين على وصف الشعب بالرعاع أو السوْقة أو العوام أو الدُّون وغيرها من نعوت الازدراء التي توضَعُ في مقابل "النخب" من أهل الرياسة والسلطان والعلم والحلِّ والعَقْد. لكن هذا الأمر لم يكن خاضعاً لقواعد مؤسساتيةٍ ثابتةٍ كما كانتْ عليه الحال في أوروبا (نبلاء، كهنوت كَنَسِيّ، حرفيين، فلاحين...) بل كان مستنداً إلى اعتباراتٍ عائليةٍ وقبلية وطبقية.
ومع قدوم عصر النهضة والتنوير الأوروبي[3] وصعود الحداثة حَوَّلَتِ الثورة الفرنسية "عامة الشعب" من متفرجٍ إلى عنصرٍ فاعلٍ في المشهد العام. وعلى خلاف الثورات الأنكلوفونية في بريطانيا أو الولايات المتحدة التي حافظتْ على مُكَوِّنٍ برجوازيٍ مُتَرَابِطٍ ومُنْسَجِمٍ مع الثورة، فقد اتبعت الثورة الفرنسية مقاربةً راديكاليةً وشعبوية. ومع أنها أسّستْ لقطيعةٍ مهمةٍ مع الموروث الاجتماعي والفكري السائد في "النظام القديم" إلا أنها انزلقتْ في ممارساتٍ وسلوكٍ إقصائيٍّ وانتقاميٍّ فَقَدَ الكثيرون رؤوسَهُم بسببه، ما أفضى إلى عقودٍ من الاضطراب، وسمح بالنتيجة بظهور مستبدين جُدُد تسلّقوا على أكتاف "الشعب"، في عصر الجموع الذي تم فيه «انتزاعُ الحقِّ الإلهيِّ من المَلِكِ وإلباسُه "للشعب" ليُضْفِي على ما يقوله "الشعب"
ظهرت الشعبوية في ثلاثينات القرن العشرين وخاصة في أمريكا اللاتينية، حيث برزت الوجوه الأكثر شعبية نتيجة سياسات حكومات ضعيفة وفاسدة، والأكثر شهرة هي التجربة التي خاضها الزعيم خوان دومنغو بيرون والخطابات النارية لزوجته ايفيتا.
واستحكمت السياسات الشعبوية الجاذبة للجماهير في العالم العربي منذ أواخر الأربعينات ووصلت أعلى مستوى لها مع بروز الأيديولوجية الناصرية في مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر انجذب للناصرية الكثير من المثقفين بل وحتى رجال الأعمال أكثر من الجماهير الفقيرة.
توالت الحركات الشعبوية في سياق البيرونية ولكن باسم مبادئ متناقضة وصولا إلى الزمن الراهن: في الإكوادور حيث أقترح الرئيس عبد الله بوكرم بين 1996 - 1997 تشكيل "حكومة من الفقراء" وهو محاط بأكبر أثرياء البلاد، و أيضا مع الرئاسة "الاجتماعية" لهوغو شافيز في فنزويلا، فلقد نجح في توحيد وتوجيه موجة شعبية عاتية كانت ترفض فساد الطبقة السياسية وتتحرك للتغيير.

تكوين الخطاب الشعبوي
معاني الشعبوية متضاربةٌ، تتراوح بين الرومانسية الثورية والدُّونِيّة[4] السياسية، لكن ما يجمع معظم دُعاة الشعبوية: مقاربتهم التبسيطية في استخدامهم لمفردة "الشعب"، وادعاؤهم أنهم صوت وصدى وضمير هذا "الشعب"، فضلاً عن احتكارهم لتمثيله من دون مراعاة مفاهيم التفويض والتعاقد السليم، وتركيزهم على خطابٍ عاطفيٍّ يفتقر للرؤى الواضحة، مع ترويجهم، المباشر أو غير المباشر، لعداء الفكر .
ومن أكبر النتائج الكارثية للشعبوية هي قدرتها على اقناع عدد كبير من الشعب والخطاب الشعبوي والخطاب الشعبوي هو خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد أو يختاره صُنّاع الخطاب ليبدو على أنه سائد، من دون أن يفيد، من ناحيةٍ أخرى، في التعامل الجدّي والمسؤول مع المشاكل الواقعية. ويُكْثِرُ الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكلٍ مسرحيٍّ كرنفاليٍّ، مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلةٍ إيديولوجيةٍ ذات عمقٍ انفعالي.
ويرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه. ويقول الباحث أندريه تاغييف بأن للشعبوية عددا من الخصائص الأولية. أولها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وهي تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار. ويرى[5] تاغييف أن معظم جمهور الخطاب الشعبوي من الأميين والفقراء خصوصا في المناطق الحضرية، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بنبرته النخبوية المترفعة بـ «البروليتاريا الرثة» أو بقاع المجتمع

الشعبوية اليمينية المتعددة
الشعبوية اليمينية :هو الفكر السياسي الذي يجمع ما بين السياسة اليمينية والخطابات والمواضيع الشعبوية. غالبا ما تنزع الشعبوية اليمينية لمعارضة النخبوية والمؤسسة الحاكمة ويتمحور خطابها السياسي في التحدث عن عامة الشعب. يُستخدم تعبير «الشعبوية اليمينية» في أوروبا لوصف الجماعات والأحزاب السياسية المعروفة عموما بمعارضتها للهجرة ولا سيما تلك القادمة من العالم الإسلامي وتتصف في الكثير من الحالات بمواقفها .
الشكوكية الأوروبية [6]ترتبط الشعبوية اليمينية في العالم الغربي عموما حصرا بأيديولوجيات مثل القومية الجديدة ومناهضة العولمة، الأهلانية [7]الحمائية [8]ومعارضة الهجرة.
شهدت شعبية الحركات الشعبوية اليمينية مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، رابطة الشمال في إيطاليا، حزب من أجل الحرية في هولندا وحزب الاستقلال في المملكة المتحدة نموا منذ الركود الاقتصادي عام 2008 ويعود جزء كبير من ذلك لتزايد الأصوات المعارضة للهجرة الآتية من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، والعالم الإسلامي  وتزايد الشكوكية الأوروبية والسخط من السياسات الاقتصادية التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي
الدِيماغُوجِيّة بجوار الشعبوية
يشير مصطلح الدِيماغُوجِيّة [9] إلى استراتيجية سياسية للحصول على السلطة وكسب القوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية بالاعتماد على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية باستخدام المواضيع القومية والشعبية ومحاولة استثارة عواطف الجماهير. أما اليوم فهي تدل على مجموعة الأساليب والخطابات والمناورات والحيل السياسية التي يلجأ إليها السياسيون في مواسم الانتخابات لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة وذلك ظاهرياً من أجل مصلحة الشعب، وعملياً من أجل الوصول إلى الحكم.[10]
وقد اعتاد الكثير من السياسيين اللجوء لاستخدام أساليب اللعب على مشاعر ومخاوف الشعوب، ويعتبر بعض السياسيين أفضل من غيرهم وربما محترفون في ذلك، وعليه فهي خداع الجماهير وتضليلها بالشعارات والوعود الكاذبة. والديماغوجية هي أحد الأساليب الأساسية في سياسة الأحزاب البرجوازية، وهي موقف شخص أو جماعة يقوم على إطراء وتملق الطموحات والعواطف الشعبية بهدف الحصول على تأييد الرأي العام استناداً على مصداقيته.
والديماغوجي هو الشخص الذي يسعى لاجتذاب الناس إلى جانبه عن طريق الوعود الكاذبة والتملق وتشويه الحقائق ويؤكد كلامه مستنداً إلى شتى فنون الكلام ، ولكنه لا يلجأ إلى البرهان أو المنطق البرهاني لأن من حق البرهان أن يبعث على التفكير وأن يوقظ الحذر، والكلام الديماغوجي مبسط ومتزندق، يعتمد على جهل سامعيه وسذاجتهم واللعب على عواطفهم، مثل قول البعض مخاطباً العامة "إني أحبكم"، "صدقوني إني أحبكم"... الديماغوجي يعتمد على غباء المتلقي بالمطلق.

محافظون أصليون
المحافظون الأصليون والقدامى (paleoconservatists في مقابل "المحافظين الجدد") هو مصطلح يدل على الحركة اليمينية ضد الشيوعية و ضد التسلط ظهرت في الولايات المتحدة والتي تأكد على التقاليد والمجتمع المدني ضد الفدرالي، والدين والهوية الإقليمية والوطنية و الغربية يعبرون عن الأصالة أي الشعور بالمكان و التاريخ الذاتي المستمد من الأسلاف والقرابة والثقافة والهوية الجماعية والشخصية دون أن يكون لهم انتماء حزبي محدد

سجال حول اليمنية السياسية و القومية الأنانية
ليز فيكيتي، مديرة معهد العلاقات العرقية ومؤلفة كتاب "خطوط الصدع في أوروبا العنصرية وصعود اليمين". تقول ان  تحول المجتمعات الأوروبية وخاصة منها المجتمع الألماني، والطرق التي تستخدمها الأحزاب اليمينية المتطرفة لتزيد شعبيتها. كحزب البديل الألماني اليميني المتطرف، مثلاً، أصبح اليوم حاضراً في برلمانات الأقاليم الستة عشر لهذا البلد.
"إنهم بارعون جداً جداً في استخدام قضيةِ حرية التعبير، وما يقومون به هو استخدام الحدود القصوى لحريةِ التعبير من أجل المجاهرة بالعنصرية وبالحض على كراهية الأجانب. في الواقع، الأطراف الانتخابية من اليمين المتطرف [11] جيدون جداً في ذلك. مشيره انظروا الى حزب البديل لألمانيا وتعاطيه مع بعض المواضيع التي أصبحت من المحرمات، ولان هذا الحزب عنصري بشكل علني، وينكر المحارق، فإنه لا يتوقف عن التشديد على ذلك طيلة الوقت. ويستخدم نوعاً من الانتماء القومي وأن الأمة وشعب الأمة أي الشعب الألماني هو ضحية نوع من سياسة حرية التعبير التي لا تقبل الصراحة".
مضيفة بقولها  "إنهم يقومون بذلك بطريقة متأنية. لذلك نعود الى وضع حيث أصبحت فيه الأفكار التي تحض على العنصرية مسموحة وتتحول الى عادية. هذا ما يتوجب علينا ان نتيقظ له وأن تتيقظ له وسائل الاعلام. فعليها ان تعيد مساءلة نفسها ايضاً. إن تبنت بعض الأطر، إن كانت ساذجة في تقديم اليمين المتطرف، فإنها مشاركة بنوع ما في نموه".
واستشهدت بانغيلا ميركل (المستشارة الألمانية) حين قالت إنه حين تموت الأجيال التي اختبرت المحارق، سنرى مدى قوة السياسيين وقدرتهم على معارضة الفاشية والاستبداد. إن لم يفهم حقاً السياسيون ما الذي يدفع لتصاعد الفاشية، إن لم يعودوا للتاريخ، وإن لم يخلقوا هيكليات وتيارات في التربية التي تعلم الشباب ما هي العوامل التي تتسبب بالفاشية والاستبداد، حينها من الواضح أن شعار "عدم التكرار أبداً" سيخسر معناه".

وعلى الضفة الأخرى من مدينة ستراسبورغ وفي كلمة أمام البرلمان الأوروبي قال الرئيس الفرنسي مكرون على الأجيال الشابة ألا ينساقوا وراء القومية بل أن يبنوا الاتحاد الأوروبي ليكون حصنا للديمقراطية الليبرالية من عالم فوضوي وخطير. وانتقد أيضا صعود “الديمقراطيات غير الليبرالية” حتى داخل الاتحاد الأوروبي. لكن النواب القوميين من فرنسا وبريطانيا ودول أخرى جلسوا صامتين. في إشارة واضحة لرئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي أعيد انتخابه لرئاسة المجر. مؤكد ا مكرون بقوله  لا يمكن أن يكون الرد من خلال الديمقراطية السلطوية بل من خلال سلطة الديمقراطية”.
هناك سمة رئيسية تميز أحزاب اليمين المتطرف وهي حشدها السريع لتأييد الجماهير على خلفية أزمة الهجرة، ولعل أفضل مثالين على ذلك ما حصل إثر الإنتخابات التشريعية في النمسا في 2017 وإيطاليا في 2018. في الأولى شهدت النمسا دخول حزب الحرية في إئتلاف مع يمين الوسط، حزب الشعب، وفي الثانية تشكيل ائتلاف حكومي بين اليمين الراديكالي (العصبة) وحركة النجوم الخمسة.
أما أحزاب اليسار الراديكالي[12] التي حققت اختراقات هامة في الانتخابات الوطنية فكان تكتل اليسار في البرتغال الذي رفع حصته بنسبة جيدة في الانتخابات التشريعية لعام 2015، كما لأحزاب أخرى مثل سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا اللذين حققا تقدماً برلمانياً لافتاً في العقد الماضي. ولكن يجب التشديد على أن هذا التقدم ليس شاملاً، إذ إن بعض هذه الأحزاب كان أقل حظاً من مثيله الأوروبي
والسؤال المهم في الحقيقة: ما هي العوامل التي توضح تقدم أحزاب اليمين الراديكالي في الانتخابات؟. هناك عاملان: الأول مرتبط باستراتيجية أحزاب اليمين المتطرف، إذ تبدو للناخب العادي بسيطة وواضحة بتركيزها المستمر على الهجرة وربطها بجميع المشكلات التي يعاني منها ذاك الناخب وعلى الامتعاض من بيروقراطية الاتحاد الأوروبي عموماً. والثاني هو تمتع اليمين الراديكالي بقاعدة انتخابية تستهدفها تلك الأحزاب بانتظام، وهي أوسع مما هو لدى أحزاب اليسار. وتظهر دلائل عدة على نجاح أحزاب اليمين في استقطاب الرأي العام الواسع، لا سيما الطبقة العمالية التقليدية أكثر من قدرة أحزاب يسار الوسط، وهذا يعود إلى براعتها المميزة في الاستخدام الفعال لسلاح الهجرة في عملية التعبئة العامة.

إذاً، البساطة والوضوح في رسالة اليمين الراديكالي إلى جماهير أوروبا هما مفتاح نجاح أحزابه. فهذه الرسالة تحمل دائما صور الوطن وثرواته الغنية والتاريخية في مواجهة مشكلات مصيرية تهدد الأمة ومستقبلها وفي مقدمها الهجرة. وتبين جميع البحوث كيف أن مصدر المخاوف الشعبية تسطرها خُطَبُ وبيانات اليمين الراديكالي. وما يميز هذه الرسالة أنها تتقدم كثيراً عن رسالة يسار الوسط وحتى يمين الوسط لسهولة وسرعة وصولها إلى الجمهور.

في المقابل وعلى النقيض من اليمين، لا يزال اليسار[13] بجميع أشكاله تقريباً مصدراً لأفكار يجد المواطن العادي صعوبة في فهمها، نظراً لتجريديتها وكونها تعكس مواقف سياسيين غير قادرين على الخروج من ثياب التنظير المبهم. فمثل هكذا أفكار يفشل سياسيو اليسار في ترجمتها إلى شعارات بسيطة تلامس مباشرة أحاسيس الجماهير العفوية. فشل اليسار الواضح في صوغ سياساته إزاء الأزمات الراهنة لا يساعد قضيته، وبخاصة عجزه عن تقديم تفسير مباشر ينافس ما يقدمه اليمين من رسائل تتناول الاقتصاد والهجرة. ويبدو اليسار الأوروبي في أحيان كثيرة وكأنه يتهرب من طرح إجابات عن أسئلة يومية ملحة، وذلك على عكس اليمين.

في كل الأحوال، يأتي اليمين الراديكالي في مقدمة معظم الأحزاب الاخرى في تقديمه رسالة شعبوية واضحة تتناول مسائل معقدة مثل جدوى الاتحاد الأوروبي وما تشكله الهجرة من تهديدات للقمة خبز المواطن، محققة بذلك مكاسب على صعيد الانتخابات. وما لم يبدأ اليسار ويسار الوسط بطرح خطاب أوضح للقضايا المعدة يلامس مصالح الجماهير مباشرة فلا مجال أمامه غير المزيد من التراجع وفقدان مركز التأثير في صنع القرار... ومن ثم الزوال







[1] «الشعبوية» من السياسة إلى الفقه الشرق الأوسط، علي إبراهيم، تاريخ الولوج 11 أكتوبر 2011 نسخة محفوظة 08 يناير 2014 على موقع واي باك مشين. الرِّعُاعُ من الناس : الغوغاءُ . نقلا عن  تعريف و معنى الرعاع في معجم المعاني الجامع

[2] رَعيّة : عامَّة النَّاس الذين عليهم والٍ يرعى مصالحهم وأمورهم كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِ نقلا عن  تعريف و معنى الرعاع في معجم المعاني الجامع
[3] مثقف مهزوم وحاكم أبله: السخرية هي السبب. أحمد شهاب الدين. مصر. موقع: منشور. نسخة محفوظة 20 أكتوبر 2017 على موقع واي باك مشين
[4] عُقدة الدُّونيّة : ( علوم النفس ) الشعور العميق والمستمرّ عند الفرد بدونيّته وعدم كفايته وانحطاط قدره ، وهي عقدة نفسيّة تنشأ عن الصّراع بين النُّزوع إلى التميُّز ، والخوف من التثبيط الذي كان الفرد قد عاناه في الماضي وفي حالات مماثلة
[5] بيير أندريه تاغييف (بالفرنسية: Pierre-André Taguieff) ‏ (مواليد 4 أغسطس 1946) فيلسوف وباحث سياسي فرنسي، وهو مؤرّخ للأفكار ويشغل منصب مدير للأبحاث في المركز
[6] .( هو مصطلح يصف رفض الأوروبانية، أي يرى تشكيل إتحادات سياسية بين الدول الأوروبية مثل الإتحاد الأوروبي هو مشروع فاشل،)
[7] الأهلانية هي نهج سياسي يقوم على حماية مصالح أهل البلاد الأصليين وتقديمها على مصالح المهاجرين. في الدراسات العلمية، تعد الأهلانية مصطلحًا تقنيًا. لكن أولئك الذين يحملون هذه النظرة السياسية، لا يقبلون عادة بهذه التسمية. كتب Dindar (سنة 2009): "لا يعتبر الأهلانيون أنفسهم أهلانيين. بالنسبة لهم هو مصطلح سلبي، بل يعتبرون أنفسهم "وطنيين".
ظهر هذا المصطلح لأول مرة في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية.

[8] الحِمائية (بالإنجليزية: Protectionism) هي السياسة الاقتصادية لتقييد التجارة بين الدول، من خلال طرق مثل رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، و تحديد كمياتها،والحصص التقييدية، ومجموعة متنوعة من غيرها من الأنظمة الحكومية المقيدة التي تهدف إلى تثبيت الواردات، ومنع الاجانب من الاستيلاء على الأسواق المحلية والشركات هذه السياسة هي تحالف وثيق مع المناهضة للعولمة، وتتناقض مع حرية التجارة، حيث الحواجز أمام التجارة والحكومة إلى أدنى حد. مصطلح يستخدم غالبا في سياق الاقتصاد، حيث يشير إلى السياسات الجمركية (حمائية) : حماية أصحاب الأعمال والعمال في بلد ما عن طريق تقييد أو تنظيم التجارة مع الدول الأجنبية. وهي تهدف إلى حماية السوق الداخلية من المنافسة الخارجية، وتشجع على استهلاك المنتوجات المحلية.
[9] الديماغوجية: كلمة في أصلها يونانية، وتتكون من مقطعين "ديموس"، وتعني الشعب و"غوجية" وتعني العمل. أما معناها فهي: كلام فضفاض لا منطق له، يحاول صاحبه أن يستميل إليه الجمهور بالإغراء، يتبعه السياسيون ظاهرياً للوصول للسلطة وخدمة مصالحهم. وهي استراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة
[10] عين الجمهورية "، موقعٌ سياسي أخباري منقول عن ويكبيديا
[11] اليمين المتطرف مصطلح سياسي يطلق على التيارات والأحزاب السياسية لوصف موقعها ضمن محيطها السياسي ويطلق المراقبون السياسيون هذا المصطلح على الكتل الأحزاب السياسية التي لا يمكن اعتبارها من ضمن جماعات اليمين السياسية التقليدية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليدية أو المعتدلة وبين المتطرفة أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستخدام العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم ولذلك عادة ما ترفض تلك التيارات هذا النعت لأنها تزعم أنها تمثل الاتجاه العام وتنقل صوت الأغلبية.
[12] أقصى اليسار، اليسار المتطرف، اليسار الثوري، واليسار الراديكالي هي مصطلحات تعبر عن المواقف في يسار الجناح اليساري في الطيف السياسي. أقصى اليسار
[13] مستقبل أوروبا في قبضة الشعبوية :مصطفى كركوتي , http://www.alhayat.com/article/4603130


قراءة المقال كاملاً ←

أوروبا تأكل نفسها



دكتور هشام عوكل
أستاذ العلاقات الدولية وإدارة الازمات

مقدمة :
عند الحديث حول الهجرة، كثيرا ما نسمع بأن الدول الأوروبية تفتقر إلى الأيدي العاملة. كيف يمكن هذا علماً أن معدلات البطالة مرتفعة”؟  وهناك في أوروبا انخفاض في القوى العاملة.  وتفيد التقادير الاقتصادية الصدارة عن منظمة العمل الدولية في السنوات العشرين المقبلة، ستفقد أوروبا  حوالي اثنين وعشرين 22 مليون من العاملين، انخفاض القوى العاملة يعني إنتاجية ومنافسة أقل.
الشركات تقول إنها تفتقر إلى القوى العاملة، على الرغم من ارتفاع معدل البطالة، بسبب عدم وجود مرشحين وفقاً لمتطلاباتها .
وفقا لتقرير مهم نشر في الخريف الماضي 2018، بين 25 و 45٪ من العمال الأوروبيين، وفقا للبلد، لا يمتلكون المستوى المطلوب من قبل الشركات. وهذا يخلق الإحباط، وارتفاع قيمة التداول، وشركات منتجة أقل وأكثر إسرافاً.
لضمان عثور الموظفين على وظائف وفقاً لمستوياتهم ، يجب تحسين التدريب المهني لمواجهة هذه القلة في اليد العاملة وتقدير الحاجة مستقبلاً . مجتمعات الأوروبية بمعدل وسطي  مكونة  بنسبة 20٪ من كبار السن الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة. أي ما يعادل 100 مليون مسن، أعدادهم تفوق و بكثير أعداد الأطفال. تخيلوا أن تضل نسبة الولادات في إنخفاض و متوسط ​​العمر المتوقع في ارتفاع متزايد. هذا من شأنه أن يغير هرم الأعمار إلى الأبد.
قد يبدو هذا السيناريو غير محتمل و لكن في الواقع هذا ما ستكون عليه أوروبا بعد تسع سنوات. وبحلول عام 2060، سوف يبدأ عدد سكانها في الانخفاض. نعم، إنخفاض حقيقي! و ذلك رغم الأخد بعين الإعتبار الهجرة. و هذا يعني أنه لن يكون هناك عدد كاف من الناس يعملون لتمويل المعاشات، و أن النظام الصحي سيخضع لضغط هائل. ما العمل إذا

زيادة الولادات وبمنح مالية 

هناك حل بسيط، و ربما بسيط جدا : إنجاب المزيد من الأطفال. هذا ما تحاول المجر التركيز عليه. بل و تذهب إلى أبعد من ذلك، فهي تمنح ما يصل إلى 32000 € للعائلات التي تتعهد بإنجاب ثلاثة أطفال.
ولكن ماذا يحدث عندما يكون الاقتصاد في حالة سيئة، لدرجة أن الناس يعزفون عن إنجاب الأطفال، وعندما يعاني أصحاب المعاشات من أجل تغطية نفقاتهم؟ هذا هو الوضع الحالي في اليونان.
القنبلة الزمنية الديموغرافية التي تهدد أوروبا، من الإجراءات الأولية التي يجب القيام بها لمواجهة الشيخوخة في أوروبا بالإضافة  تأجيل  او رفع سن التقاعد. الى70  سنة كان لصوفي كلوديه رئيسة قسم السياسة الاجتماعية في منظمة التعاون والتنمية في باریس راي خاص .
الحل لمواجهة تحدي الشيخوخة في أوروبا سيرتكز على تدابير مختلفة و مركبة. ما نحتاجه أولا هو أن يعمل الناس لفترة أطول.حسب راي (لصوفي كلوديه)
في العديد من البلدان، لا يزال بعض يترك سوق العمل في وقت مبكر. ولأنهم يعيشون لمدة أطول و يتمتعون بصحة أفضل، أصبحوا مضطرين إلى العمل لمدة أطول لتمويل المعاشات. هذا هو واحد من الحلول لهذه المشكلة.
هناك حلول أخرى تتمثل في تعبئة جميع المواهب المتاحة و التي لا تستخدم اليوم بشكل كاف في أسواق العمل المختلفة في أوروبا. أحد الجوانب الهامة لهذه النظرية هو خلق قدر أكبر من المساواة بين الجنسين في هذه الأسواق. فيبلدان عديدة، العديد من النساء لا تعملن بدوام كامل، لأن لديهن صعوبات في إيجاد من يرعى أطفالهن، أيضا لأننا لا نقدم لهن، الفرص الكافية لشغل وظائف بدوام كامل. وبالتالي تعبئة حشد المواهب النسائية في سوق العمل هو استجابة هامة أخرى لمواجهة تحدي الشيخوخة. جعل الناس يعملون لمدة أطول، يحرم الشباب من فرص العمل. وهذا ليس ما نراه على أرض الواقع. وفي بعض البلدان مثل فرنسا يترك الناس في سوق العمل هم لا يزالوا صغار السن نسبيا بالمقارنة مع بلدان أخرى، رغم ذلك، و منذ مدة طويلة، معدل البطالة بين الشباب مرتفعة في فرنسا.



الدول التي تدير جيدا سوق العمل و الاقتصاد، توفر فرص عمل للشباب و أيضا لكبار السن، الأمر ليس فقط إعطاء وظائف المسنين للشاب . الوظائف التي يتم إنشاؤها لا تتطلب دائما نفس المهارات، لذلك لا يمكن فقط أن نحيل شخصا ما على التقاعد وبعد ذلك نفترض أن وظيفته ستشغل من قبل شخص أصغر سنا.
لذلك يجب أن يكون الهدف هو تعبئة الجميع، كبار السن و الشباب و النساء، والناس من بلدان القادمون من بلدان أخرى، والمهاجرون، لتكوين مجتمع شامل و نمو شامل. المسألة لا تتمثل فقط في أخذ الوظائف من كبار السن لإعطائها إلى الشباب.


تسهيل البيروقراطية  و شيخوشة متسارعة
اوروبا تشهد شيخوشة متسارعة و النساء ينجبن أقل و أقل. عدد سكان القارة سينخفض قريبا، الأنظمة الصحية و أنظمة المعاشات تواجه صعوبات متزايدة أمام هذا الوضع.
ولممارسة جاذبية على أشخاص لديهم تكوين أو مؤهلات خاصة عملت فرنسا قبل مدة قصيرة على إضفاء مزيد من الدقة في قانون الهجرة. والهدف هو تبسيط البيروقراطية. وفي حالة فرنسا ينطبق هذا بوجه خاص على موظفين في مستوى عال لدى شركات متعددة الجنسيات يتجاوز راتبهم الشهري 5000 يورو ـ وفي العادة يكون هؤلاء الأشخاص عادة من الباحثين أو من العاملين في قطاع الترفيه أو يعملون بشكل موسمي . والكثير من الأمور تبقى رهينة مدى استعداد أرباب العمل  للمخاطرة بتشغيل أشخاص بهذا النوع من التأشيرة. . علاوة  على وصول المهاجرين يمثل  بالطبع فرصة أخرى لمواجهة هذا التحدي. الكثير من الناس الذين يدخلون أوروبا حاصلون على تعليم جيد و لديهم كفاءات جيدة يمكن دمجهم في سوق العمل.
المانيا بحاجة الى 500 ألف مهاجر كل عام حتى عام 2050 لتستمر فيها الحياة :

مع استعداد جيل طفرة المواليد في ألمانيا للتقاعد، وتوقعات بانخفاض حاد في اليد العاملة ، تحتاج المانيا الي نصف مليون مهاجر سنويا لمدة 35 عاما، كما تطالب دراسة حديثة. وتحذر دراسة معهد برتلسمان أنه في غضون السنوات الخمسة عشر المقبلة، سوف يصبح نصف جميع العمال الألمان من المتقاعدين، و من دون الهجرة من المرجح ان يتقلص حجم اليد العاملة في المانيا من 45 مليون الي 29 مليون بحلول عام 2050. وحتي اذا تم تشجيع النساء الألمانيات علي العمل بنسبة تساوي الرجال وتم رفع سن التقاعد الي 70 سنة فلن يسهم ذلك الا بمقدار 4,4 مليون يد عاملة فقط.
وعلي الجانب الأخر يقول مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني انه في عام 2013 جاء ما يصل إلى 429.000 من المهاجرين إلى البلاد.وفي عام 2014 وصل عدد المهاجرين الي 470.000 , أي ان هناك وفرة من القادمين الأجانب الي البلاد. ولكن 25.000 فقط من المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي في 2013 قد وصلوا إلى ألمانيا للعثور على وظيفة، بينما تأتي الأغلبية إما للدراسة أو للانضمام إلى أسرهم أو كلاجئين.
وتزعم الدراسة أن اقتصادات جنوب أوروبا سوف تبدأ في التعافي الأمر الذي يعني أنها سوف تحتاج المزيد من العمال من مواطنيها الذين جاؤو الي ألمانيا للعمل ولذلك لايمكن لألمانيا بعد الأن الاعتماد علي هجرة من داخل الاتحاد الأوربي.وهكذا من المرجح ان تصل الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي في المستقبل إلى ألمانيا الي حوالي 70،000 سنويا.
وأوصت الدراسة ألمانيا باتخاذ التدابيرالتي تجعل من ألمانيا وجهة جذابة للمواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي. حيث ان عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، يمكن أن يسهل تدفق المهاجرين من خارج أوروبا الي ألمانيا في المقام الأول كأقوى اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.ولكن الخبراء يعتقدون أن ألمانيا تحتاج إلى سياسة هجرة جديدة، ونظام هجرة من شأنه أن يوضح للأجانب المؤهلين من خارج الاتحاد الأوروبي الحاجة إليهم في البلاد. وهذا يعني في المقام الأول، تغيير قانون الهجرة لتسهيل الحصول على الجنسية، وجعل برامج التجنيس جذابة، مثل تقديم برامج لتعلم اللغة الألمانية، ومنح حق الحصول على نظام الضمان الاجتماعي وتوفير الحماية من التمييز





الحكومة الألمانية اتخاذت قرار بشأن اقتراح يسهل على العمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي الانتقال إلى ألمانيا للعمل، في سعي منها لسد نقص حاد في الأيدي العاملة.
وكشف تقرير حكومي، أن لمثل هذه الخطط حساسية في بلد يسوده اتجاه مناهض للهجرة ساهم في حشد الدعم لحزب "البديل من أجل ألمانيا" المنتمي لليمين المتطرف، وفجر نزاعا بشأن سياسة الهجرة كاد أن يطيح بحكومة المستشارة أنغيلا ميركل في يوليو الماضي.
ويهدف الاقتراح الجديد بشكل أساسي إلى "تخفيف سياسة الهجرة للمتخصصين من خارج الاتحاد الأوروبي"، نظرا لأن مواطني دول الاتحاد يتمتعون بحرية الحركة والعمل داخل التكتل الأوروبي.
وتعلق الحكومة الألمانية آمالا على أكثر من ما يقارب مليون لاجئ وصلوا إليها في عام 2015، لسد الفجوات في القوة العاملة، لكن نقص العمالة الماهرة التي تتحدث الألمانية وفشل معظم اللاجئين في إثبات كفاءتهم أبطأ العملية.
وأشار مكتب العمل الاتحادي، إلى وجود ما يقارب المليون و200 ألف وظيفة ما زالت شاغرة في ألمانيا، فيما اتفقت وزارات الداخلية والعمل والاقتصاد الألمانية على توظيف المزيد من العمالة الأجنبية الماهرة في البلاد.
ويقترح التقرير أن تتخلى الحكومة عن إلزام الشركات بتفضيل المواطنين الألمان لملء الوظائف الشاغرة قبل البحث عن مواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي، كما ويقترح إتاحة فرصة للخريجين والعمال الحاصلين على تدريب مهني للقدوم إلى ألمانيا بحثا عن فرصة عمل في إطار فترة زمنية محددة إذا انطبقت عليهم شروط الكفاءة واللغة.
أمر واضح بالنسبة للقائمين على استصدار قانون لهجرة العمالة المتخصصة إلى ألمانيا. الأمر الواضح هو أن نسبة البطالة المنخفضة والسكان المتقدمون في السن في ألمانيا تجعل الأمر صعبا بالنسبة إلى الشركات لشغل أماكن العمل الشاغرة بعاملين مؤهلين. ويعترف المشرعون أيضا بأن توظيف مواطنين من الاتحاد الأوروبي لن يكون كافيا لتحقيق توازن في النقص المرتقب في اليد العاملة المتخصصة. ويرد في الوثيقة التي تم إعدادها لهذا الغرض أنه يجب على ألمانيا أن تحقق نجاحا أكبر في اكتساب يد عاملة مؤهلة، ويعني هذا كسب عمالة من خارج دول الاتحاد الأوروبي..

الدولة المحايدة
على رغم التشدد السياسي السويسري تجاه العمال المهاجرين وولادة أحزاب قومية صغيرة تدعو إلى طرد الأجانب من سويسرا، وتحديداً الإيطاليين المسيطرين بيدهم العاملة على كانتون تيتشينو جنوباً، لا تستطيع حكومة برن إلاّ الاعتراف بأهمية الأجانب الحيوية داخل أنسجتها الصناعية العاملة.
يُذكر أن تدفق العمال الأجانب إلى سويسرا بدأ عام 1964، وبعد أكثر من حركة مد وجزر بات عدد المواطنين السويسريين الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً، يزيد على عدد الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 20 و25 عاماً. ويتوقع الخبراء أن يتخطى عدد المتقاعدين السويسريين المليون في السنوات العشر المقبلة، ما يعني أن 25 في المئة من سكان سويسرا سيصبحون عاجزين عن العمل.
ويُعتبر القطاع الصحي الأكثر تحسساً في قضية المهــــاجرين، ولــــولاهم لكانت المستشفيات السويسرية غير قادرة على العمل كما يجب، لأن أكثر من 40 في المئــــة من الأطباء والجراحين العاملين في المستشفيات المحلية أجانب.
ويمكن اعتبار تجارة الأطباء والجراحين ناجحة جداً، إذ أن سويسريين كثراً لا يلتحقون بكليات الطب لأسباب مالية بحتة. لذا يشكل استيراد الطواقم الطبية من الخارج حلاً منخفض الكلفة بالنسبة إلى الحكومة.



نظام النقاط
وبخلاف بلدان مثل بريطانيا وكندا وأستراليا لا تعتزم الحكومة الألمانية تبني نظام النقاط لاستقطاب الكفاءات، لأن هذا الأخير يُخضع الراغبين في الهجرة لاختبار متعدد الدرجات. ويتم من خلال ذلك وبشكل أساسي تقييم التأهيل ومستوى الرفاهية والمعرفة اللغوية والفرصة في سوق العمل باعتماد نظام النقاط. ووفقا ذلك يحصل المشاركون على عدد من النقاط حسب مستوى تقييمهم. وإذا كان مستوى النقاط عاليا فإنهم يحصلون على تأشيرة. وفي حال عدم توفرهم على الحد الأدنى من النقاط يتم رفضهم.
وهذا النوع من نظام النقاط اقترحه الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ 2016، ورحبت به حينها أحزاب الوسط اليساري في ألمانيا. إلا أنه غير مطروح في الوثيقة الجديدة من مشروع القانون. وتتم في الحقيقة التوصية باختيار الأشخاص على أساس المعايير المذكورة، إلا أن المشرعين يريدون هنا الاستغناء عن نظام النقاط.
لكن ما ينقص في ألمانيا هم الأشخاص ذوي المؤهلات المتوسطة: ممرضات وعاملو رعاية صحية ومساعدون في روض الأطفال وحرفيون مثل الكهربائيون أو النجارون. جميع هذه المهن تتطلب تأهيلا عاديا وهي تغطي، حسب  قول توماس ليبيش الباحث في شؤون الهجرة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 60 في المائة من سوق العمل الألمانية. وإلى حد الآن وُجدت صعوبات في الاعتراف بهذه المؤهلات. وتجاوز هذه العقبة تعتبره وثيقة القانون الجديد " مفتاحا لاندماج ناجح في سوق العمل.
السؤال، كيف سيحصل التقييم تحت هذه الظروف؟ هذا ما يزال في الوقت الراهن غير واضح بالنسبة إلى الخبراء يقول توماس ليبيش،. " لا أعرف كيف يمكن التقييم بناء على هذه المعايير المختلفة بدون نظام نقاط  نحتاج من أجل ذلك إلى نظام نقاط ومشروع القانون الذي بلورته وزارة الداخلية وحولته إلى وزارة العمل والاقتصاد ووثيقة القانون الجديد لا تكشف عن الشروط الإضافية الضرورية مثل مستوى المعرفة بالألمانية التي يجب على المهاجر المحتمل البرهنة عليه. وهل يتوجب على المرشحين الحصول على عرض عمل من شركة ألمانية؟
ويبدو حاليا أن الحكومة الألمانية تعتزم إصدار تأشيرة لباحثين عن العمل من مستوى تأهيل متوسط. وهذه التأشيرة تأكد نجاحها في الدنمارك. وفي ألمانيا ليس هناك تجارب مع هذا النوع من التأشيرة حتى الآن.
أما السويد فتنهج في المقابل سياسة أكثر ليبرالية . " يمكن لك الذهاب إلى هناك مبدئيا من أجل أي عمل"، يقول ليبيش مضيفا أن "فرنسا تبقى إلى حد ما منغلقة، بينما تقع ألمانيا ما يبدو بين الطرفين".

نهاية المطاف

القارة الأوروبية تشهد تراجعا على المستوى العالمي من حيث النمو الاقتصادي وتعداد السكان، في وقت يثقل فيه كاهلها تدفق اللاجئين والأعباء المترتبة على ذلك.
جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية أشار  بكلمة ألقاها في مدريد إلى أن التراجع الاقتصادي في أوروبا، وتدني معدل الولادات، وصل إلى درجة عاد فيها بعض المراقبين والمحليين إلى وصف أوروبا بالقارة العجوز التي تحتضر.  
صحيفة "صنداي تلغراف البريطانية" لفتت النظر إلى ما حذر منه رئيس المفوضية، وأيدته فيما تشهده "القارة العجوز" من تدن اقتصادي وديمغرافي.
وكتبت الصحيفة بهذا الصدد: الأوروبيون لا يمثلون في الوقت الراهن سوى سبعة في المئة من سكان العالم، وهذه النسبة ستنخفض إلى 4 في المئة مع نهاية القرن.
واعتبرت الصحيفة أن يونكر كان محقا في تصريحه بأن اقتصاد أوروبا أيضا آخذ في التراجع، وأن مجد أوروبا الاقتصادي قد ولى. وأوضحت أنه ينبغي على بريطانيا الاستمرار في البحث عن فرص وشراكات خارجية على نطاق أوسع، وألا تكتفي بشراكات داخل الاتحاد الأوروبي مثل منطقة اليورو، وما شابهها من مشاريع تدل على العزلة.
تحذيرات يونكر هذه لم تكن الأولى من نوعها، حيث يؤكد الخبراء ومنذ أمد أن أوروبا بحاجة إلى استيعاب عشرات الملايين من المهاجرين لسد ثغرتها الديمغرافية، كما أن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها، وتدفق اللاجئين على خلفية الحروب والأزمات في العالم، زاد أعباء اقتصادها وأثقله.
وعليه، فقد كشفت دراسة أعدتها مكاتب الاتحاد الأوروبي المتخصصة مؤخرا عن أن أوروبا بحاجة إلى استقدام 90 مليون مهاجر من خارج الدول الأوروبية، وذلك خلال الفترة الممتدة حتى عام 2055 ، لتدارك الخلل الناجم عن الفارق الكبير في عدد السكان القادرين على العمل والمتقاعدين.  
وفي إطار مساعي ترميم الفجوات الاقتصادية والديمغرافية قررت غالبية الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة تمديد سن التقاعد إلى 65 أو 67 سنة، وهو ما أثار موجة احتجاج واسعة، وخصوصا في اليونان وفرنسا، اللتين كانت سن التقاعد فيهما هي الأخفض بين دول الاتحاد الأوروبي.
ونظرا لهذه التناقضات والمعضلات التي تواجهها أوروبا، ونتيجة للتطورات الأخيرة في العالم والسياسات الأوروبية المتمسكة بالقرار الأمريكي حتى ولو كان على حساب مصالحها الاقتصادية والديمغرافية، تتنامى التيارات العنصرية المعادية للمهاجرين ولسياسات استقدامهم واستضافتهم على حساب الاقتصادات الوطنية، وحساب دافعي الضرائب الأوروبيين.
. وإضافة إلى هذه الأعباء يعاني الاقتصاد الأوروبي كذلك أزمة اللاجئين واستمرار تدفقهم على دول الاتحاد، نظرا ليسر تشريعات الهجرة والامتيازات الاجتماعية المقدمة للمهاجرين واللاجئين. واستنادا إلى ما تقدم، يعيد الكثير من المراقبين، وخلافا لما كانوا يؤكدونه إبان طفرة الاقتصاد الأوروبي، النظر بالكثير من التنبؤات المتفائلة التي كانت تعد بمستقبل زاهر للاقتصاد الأوروبي بما يتمتع به من طاقات اقتصادية وموارد.
-----------------------
المصادر والمراجع
1.موقع الجزيرة نت
2.موقع الاتحاد الأوربي
3.موقع روسيا اليوم الاخباري 
4.موقع الاخباري يورونيوز
5.موقع DW  العربي 


































قراءة المقال كاملاً ←
ظهور إعلامي

المقابلات التلفزيونية

قسم مخصص لإضافة المقابلات المرئية: ضع رابط الفيديو أو ضمّنه داخل تدوينة تحمل تسمية «المقابلات التلفزيونية».

مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية

قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات

مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.

مشاهدة على YouTube ←
تحليل دولي
ظهور إعلامي

العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة

أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.

متابعة على Facebook ←
إدارة الأزمات
حوار متخصص

التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة

يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.

استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات

إصداراتي وكتبي

يمكن لاحقًا ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

استراتيجية إدارة الأزماتاستراتيجية إدارة الأزمات
التخطيط الاستراتيجيالتخطيط الاستراتيجي
التفاوض أثناء المواقف الطارئةالتفاوض أثناء المواقف الطارئة
المستقبل والحاضر في إدارة الأزماتالمستقبل والحاضر في إدارة الأزمات
أهمية التخطيط الاستراتيجيأهمية التخطيط الاستراتيجي
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزماتمدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات