د. هشام عوكلأستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفة عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.

1,156,548متابعًا عبر المنصات الرقمية
أحدث المحتوى

المقالات والدراسات

تظهر مقالات المدونة الحقيقية هنا تلقائيًا. في صفحة المقال، يظهر النص كاملًا ضمن مساحة قراءة واسعة ومريحة.

مقدمات قمة وارسو تكشف مستقبل الشرق الأوسط




دكتور هشام عوكل أستاذ العلاقات الدولية
والازمات الدولية -بلجيكا







تمهيد
هل قمة الرياض 2017 امتداد لقمة وارسو
   قمة الرياض هي سلسلة من ثلاث مؤتمرات عُقدت بين 20 و 21 مايو 2017 بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية، في أول رحلة خارجية له منذ توليه منصبه. وتضمنت القمة اجتماعا ثنائيا بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية واجتماعين آخرين، أحدهما مع دول مجلس التعاون الخليجي والآخر مع الدول العربية والإسلامية حيث وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صفقة أسلحة بقيمة 400 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية. وكانت الصفقة الأكبر في تاريخ العالم وشملت الصفقة طائرات ودبابات[1] وسفن قتالية وأنظمة دفاع صاروخي ورادارات وتكنولوجيا الاتصالات والأمن السيبراني. ووُصفت الصفقة من قبل وكالات الأنباء بأنها تطور "مهم" و"تاريخي" في علاقات الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية. القمة عقدت في مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات في الرياض، وشارك في القمة قادة وممثلون من 55 دولة إسلامية في القمة العربية الإسلامية الأمريكية مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. نتج عن القمة تأسيس مركز عالمي مقره الرياض لمواجهة الفكر المتطرف تحت اسم اعتدال، وظيفته تبادل المعلومات بشأن المقاتلين الأجانب وتحركات التنظيمات الإرهابية. و التزام الدول المشاركة بمحاربة الإرهاب بكل أشكاله، و الاتفاق بين الدول على التصدى للجذور الفكرية للإرهاب وتجفيف مصادر تمويله. مؤكدا على  المشاركة العمل مع الحكومة الشرعية والتحالف للتصدى للجماعات الإرهابية في اليمن، بتوفير 34 ألف جندي كقوة احتياط لدعم العمليات ضد الإرهاب في العراق وسوريا والسؤال: ماذا تحقق وماذا بقى..!؟
صفقة القرن و ثنائية قمة وراسو والرياض
لا شك بأن قمة وارسو قد عبرت عن مأزق سياسة الولايات المتحدة بقيادة ترامب اتجاه وجود حل متوازن لحل قضايا الشرق الأوسط تحديدا. لأنه من الغير المعقول ان تدعو ستون دول لآجل مواجهة دولة. واحدة(إيران) تحت مسمى محاربة الإرهاب والتطرف والتمدد إيراني بالمنطقة وأميركيا أكبر قوة عالمية دعمت غزو العراق بحشد ثلاث وثلاثون دولة الى العراق لتدميره. امريكا دمرت سوريا ولبيبا واليمن ونقلت السفارة أمريكية في تل ابيب الى القدس وافشلت الاتفاقيات بين الجانبيان إسرائيلي والفلسطيني . هل يمكن ان يكون شريك وراعي سلام ...!؟
يظهر أن الإدارة الأمريكية تسير نحو الكشف الرسمي عن بنود “صفقة القرن” خلال سنة 2019. وبالرغم من أن ما تسرَّب من هذه البنود لا يصل إلى الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به أي طرف فلسطيني، بمن في ذلك الأطراف المؤيدة لمسار التسوية السلمية، إلا أن الطرف الأمريكي سيسعى جاهداً إلى إيجاد ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي يجعل من رفض الصفقة أمراً متعذراً؛ بينما ستظل الاستجابة للمتطلبات والشروط الإسرائيلية هي جوهر الصفقة.
ومع ذلك، فإن الصفقة تواجه تحديات كبيرة، وإمكانات إفشال حقيقية، وعلى رأسها الرفض الفلسطيني لها، وتراجع البيئة الرسمية العربية الراغبة في التجاوب معها، وعدم حماسة المجتمع الدولي وخصوصاً الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا لها؛ بالإضافة إلى المشاكل الداخلية التي يواجهها ترامب، والمشاكل الداخلية التي يواجهها نتنياهو؛ مع احتمالات تصاعد المقاومة الفلسطينية، وحدوث انفجارات في البيئة الإقليمية التي تتميز بحالة من التوتر واللا استقرار.
منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 عن أن لديه “صفقة” لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، تتابعت النشاطات الأمريكية على الجبهات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية في هذا الإطار، دون الإعلان الرسمي عن “نص رسمي” لبنود هذا المشروع الذي أصبح معروفاً “بصفقة القرن ونتيجة لذلك، اعتمدت التحليلات السياسية لمشروع صفقة القرن، غير المعلن رسمياً حتى الآن، على بُعدين هما:
التسريبات الصحفية وبعض الإشارات العامة التي ترد على لسان الفريق السياسي الذي أوكل له ترامب جهود إدارة هذا المشروع.[2]
الممارسة السياسية الميدانية للولايات المتحدة في الشرق الاوسط. واعتبارها مؤشرا على المضمون الفعلي الذي ينطوي عليه ذلك المشروع
ويبدو أن إخفاء بنود الصفقة حتى الآن، على الرغم من مرور أكثر من سنتين على أول إشارة لها، يستهدف إيجاد بيئة سياسية مواتية في المستوى المحلي (الفلسطيني والإسرائيلي)، والمستوى الإقليمي
 (العربي بشكل خاص) والدولي (بشكل عام)، من خلال إقناع الأطراف بالبنود واحداً تلو الآخر، ثم الإعلان عن الصفقة بعد ضمان قدر كافٍ من الترويج لها بين القوى الأساسية في المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وتكشف تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن الترابط بين الظروف السياسية من ناحية وبين الإعلان عن الصفقة من ناحية أخرى، فقد ذكر في 23/1/2019 أنه لن يتم الإعلان عن بنود المشروع إلا بعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 9/4/2019.
أولا التسريبات الصحفية لبنود الصفقة:
يمكن تحديد البنود الأكثر ترداداً في التسريبات الصحفية أو الإشارات العامة التي ترد على لسان مسؤولين من ذوي العلاقة بالموضوع في البنود التالية
ترك موضوع إقامة دولة فلسطينية إلى جانب “دولة إسرائيل”، أو التوجه نحو دولة واحدة لطرفي النزاع ليقررا ما يناسبهما في هذا الشأن، أي عدم التمسك بالضرورة بحل الدولتين.
1. إن الكيان الفلسطيني، أياً كان شكله النهائي، سيقوم على مساحة تتراوح بين 40-60% من مساحة الضفة الغربية؛ غير أن تسريبات جديدة تحدثت مؤخراً عن 90% من مساحة الضفة.
2. أن تكون بعض ضواحي القدس الشرقية هي عاصمة للكيان الفلسطيني، بينما القدس بكاملها عاصمة لـ”إسرائيل”.
3. تقع مناطق المقدسات الإسلامية في القدس ضمن السيادة الإسرائيلية، على أن تترك “إدارتها” لدول إسلامية مثل الأردن وتركيا والسعودية.
4. يتم تقديم مساعدات دولية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي يتواجدون فيها، ومساعدة هذه الدول المضيفة للاجئين من خلال الاستثمارات[3] وغيرها من الأدوات الاقتصادية لتحسين فرص دمج هؤلاء اللاجئين في هذا الاتجاه.
5. ربط الأجزاء التي يقوم عليها الكيان الفلسطيني في الضفة الغربية بقطاع غزة، وتقديم مساعدات دولية لتحسين الظروف الاقتصادية في كل من شقَي الكيان الفلسطيني المقترح.
6. سيكون الكيان الفلسطيني المقترح منزوع السلاح ويقتصر على أجهزة أمنية بتسليح يتناسب مع مهمات الحفاظ على الأمن الداخلي.
7. ضم الكتل الاستيطانية الإسرائيلية الرئيسية في الضفة الغربية لـ”إسرائيل”، بينما يتم تفكيك المستوطنات “العشوائية” أو إخلائها أو خضوعها لسلطة الكيان الفلسطيني.
8. منح الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية التي سيتم ضمها لـ”إسرائيل” الجنسية الإسرائيلية.
9. تواجد عسكري إسرائيلي على طول نهر الأردن من الجانب الغربي للنهر.
10.     الاعتراف الفلسطيني بـ”إسرائيل” كـ”دولة يهودية”.

المنظور الأمريكي لتحقيق الصفقة:
يمكن تحديد عدد من المؤشرات التي تشكل البيئة التي يسعى الرئيس الأمريكي ترامب لصنعها لتوفر النجاح لمشروعه، وتتمثل هذه المؤشرات في جوهرها في إيجاد ميزان قوى محلي وإقليمي ودولي يجعل من رفض الصفقة أمراً متعذراً من ناحية، واعتبار الأمن الاسرائيلي هو الدالة المركزية للصفقة من ناحية ثانية.
ولضمان البُعدين السابقين (ميزان القوى والأمن الإسرائيلي) اعتمد ترامب على ما يلي:
أولاً: فريق الصفقة:
فقد تمّ اختيار فريق أمريكي للعمل يؤمن بالمبدأين السابقين ويعمل على صياغة وطرح وتنفيذ الصفقة، ويضم هذا الفريق كلاً من:
1. مايك بومبيو وهو أول شخص في التاريخ الأمريكي ينتقل من رئاسة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) (CIA) إلى منصب وزير الخارجية الأمريكي، ويتم تصنيفه بين صقور الإدارة الأمريكية الحالية، وهو من أكثر المسؤولين الأمريكيين انتقاداً لعمليات الطعن التي يقوم بها المقاومون الفلسطينيون في الضفة الغربية، وهو صاحب الدعوة الواضحة الأبعاد بأن تكون “إسرائيل” هي “النموذج المحتذى” لدول الشرق الاوسط. كما أنه الاكثر رفضاً بين المشرعين الجمهوريين لسياسة الرئيس السابق باراك أوباما تجاه إيران لا سيّما في موضوع الاتفاق النووي وكان من بين أكثر الدعاة لإبقاء سجن جوانتنامو مفتوحاً، وهو الأكثر دفاعاً عن استخدام السي آي إيه التعذيب.
2. جاريد كوشنير: على الرغم من أنه، طبقاً للصحافة الإسرائيلية، الأقل خبرة بالشرق الأوسط، فقد تمّ اختياره لمهمة تسوية الوضع في الشرق الاوسط، وتشير كل من صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية والأندبندنت البريطانية ووسائل إعلام غربية أخرى، إلى أن كوشنير ينتمي لأسرة يهودية قدمت مؤسساتها “الخيرية” 38 ألف دولار لمساعدة مستوطنة بيت إيل اليهودية في الضفة الغربية سنة 2013، وهي المستوطنة نفسها التي قدمت لها مؤسسة ترامب 10 آلاف دولار سنة 2003، ويحظى كوشنير بشعبية كبيرة بين المستوطنين في الضفة الغربية والقدس.
3. ديفيد فريدمان: السفير الأمريكي في “إسرائيل”، وهو يترأس مجموعة لمساندة مستوطنة بيت إيل السابقة الذكر وهي مجموعة الأصدقاء الأمريكيين لمؤسسات بيت ايل وكان مستشاراً لترامب في حملته الانتخابية، وهو أول من أعلن قبيل تنصيب ترامب رئيساً أن الولايات المتحدة لا تعتبر إقامة دولة فلسطينية مسألة حيوية للمصالح الأمريكية، وهي مسألة متروكة لتقديرات “إسرائيل”، كما أن ترامب لن يعارض ضم “إسرائيل” لأجزاء من الضفة الغربية لها، كما أن المصلحة الأمريكية هي ضمان أمن “إسرائيل”، وأي سياسة تؤثر سلباً على ذلك يجب[4] تجنبها، وهو يرى أن نموذج غزة وما آلت له الأمور فيها لا يشجع على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية
4. جيسون جرينبلات: وهو الممثل الخاص للرئيس في المفاوضات الدولية منذ كانون الثاني/ يناير 2017 (بما في ذلك الشرق الاوسط). وهو مستشار ترامب للشأن الإسرائيلي، وهو من خصوم أي دور للأمم المتحدة في فرض حلّ الدولتين ويدعو لترك ذلك للطرفين المعنيين، وهو لا يرى أن المستوطنات تشكل عائقاً أمام “السلام”، وهو يعارض قرارات اليونسكو الخاصة بالقدس،وتشير بعض المراجع أن مصادر معلوماته عن المنطقة والصراع العربي الإسرائيلي يتلقاها بشكل رئيسي من مصدرين هما رسائل البريد الإلكتروني القادم من اللوبي اليهودي المعروف بالآيباك ، وبرنامج إذاعي يشرف عليه رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية في أمريكا، وهو من المعتقدين أن أنسب طريقة لإعادة الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات هو الضغط الاقتصادي.
5. جون بولتون: وهو مستشار الأمن القومي الأمريكي منذ 2018، ويعد من أعتى صقور الإدارة الأمريكية الحالية، فهو معارض شرس لدور الأمم المتحدة في تسوية الصراع، كما أنه من معارضي حلّ الدولتين في الموضوع الفلسطيني، ناهيك عن تأييده لتغيير الأنظمة المعارضة بالقوة، وهو من أشد المؤيدين لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. كما أنه من دعاة إعادة قطاع غزة للسيادة المصرية والضفة الغربية للأردن.
إن ما تمّ عرضه من آراء الفريق الأمريكي الذي يتولى العمل على صياغة وطرح بنود “صفقة القرن” يدل على أنه فريق يتبنى أفكاراً تتسق والنقاط سابقة الذكر التي تسربت لوسائل الإعلام، وقد تظهر بعض الاختلافات في التفاصيل لكن جوهر الاتجاه العام للصفقة سيبقى هو ذاته، خصوصاً إذا اضفنا لها مواقف الرئيس الأمريكي ذاته لا سيّما نقله السفارة الأمريكية من تل أبيب و ربط عدم الاستقرار الإقليمي بالدور الإيراني، وليس بانعكاسات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وهو ما يتضح في تزايد التنسيق الأمريكي العربي ضدّ إيران على حساب التنسيق الإقليمي العربي ضدّ “إسرائيل”.
1. أولوية التطبيع العربي مع “إسرائيل” على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وهو ما تعززه وفود التطبيع وزيارات المسؤولين الإسرائيليين للدول العربية.
2. أولوية البُعد التجاري المالي على البعد السياسي في العلاقات مع الدول العربية.

ثانياً: تشكيل البيئة السياسية للصفقة قبل طرحها:
من الضروري العودة إلى التحليل النفسي لشخصية ترامب خصوصاً في أدائه التفاوضي، فقد أجمعت التقارير العلمية الأمريكية المتخصصة في هذا المجال على أن ترامب “شرس في توظيف كل أدوات القوة التي لديه من بداية التفاوض، ولا يعرف تأنيب الضمير لما يصيب الآخرين من خسائر في التفاوض”.
وتتجلى خطوات الإدارة الأمريكية الحالية في إعداد البيئة التفاوضية في عدد من المؤشرات التي سيكون لها انعكاسها على نتائج أي تفاوض:
1. تشكيل فريق تفاوضي أمريكي يتبنى توجهات الرئيس كما يتضح من المواقف التي أشرنا لها أعلاه[5].
2. الضغط الدبلوماسي والمالي المتواصل على كل من السلطة الفلسطينية وقطاع غزة، وهو ما يتجلى في الترتيبات التالية:
أ. إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. قطع المساعدات الأمريكية عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى الأونروا والتي بلغت 359.3 مليون دولار (سنة 2017) ثم تراجعت إلى 65 مليون دولار سنة 2018 قبل التوقف عن تقديمها، ووقف مساعداتها لمشروعات الوكالة والتي تصل الى 30% من مجموع مشروعات الوكالة في المنطقة.
ج. إعادة النظر في المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية في ضوء سلسلة من التشريعات التي أصدرها الكونجرس الأمريكي ومصادقة الرئيس ترامب عليها، وتشمل إعادة توجيه بعض المساعدات التي كانت تقدم للسلطة الفلسطينية إلى جهات أخرى، والعمل على منع وصول المساعدات لأيّ جهة أو فرد فلسطيني ممن لهم صلة بـ”الأرهاب” (أي تنظيمات المقاومة)، وحجب المساعدات عن أيّ حكومة وحدة وطنية تشارك فيها حركة حماس، وربط المساعدات بامتناع السلطة الفلسطينية عن التقدم بأيّ دعاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، وحجب المساعدات عن أيّ جهود تستهدف حصول السلطة على عضوية أي من وكالات الأمم المتحدة، ومنع المساعدات عن كل رجال السلطة العاملين في غزة، وعن هيئات الإعلام الفلسطيني، ناهيك عن مراقبة كل النشاطات المالية للسلطة، واستثنت كل هذه القرارات المساعدات الأمريكية ذات الصلة بنشاطات التنسيق الأمني بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية.
ترطيب الأجواء من خلال
1. تشجيع الدول العربية خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي على التحلل من ربط المقاطعة العربية لـ”إسرائيل” بتسوية الموضوع الفلسطيني، ولا يشترط قبول العرب للصفقة بل يكفي دعمهم ويقول حرفياً “أعتقد جازماً أن شركاءنا الإقليميين هم لاعبون أساسيون في جهودنا، وقد أجرينا معهم مشاورات مكثفة، ولدينا أمل في الاعتماد على دعمهم لنا، وأنا استعمل كلمة “دعمهمبدلاً من موافقتهم.
2. عرقلة القرارات الدولية في مجلس الأمن الدولي باستخدام الفيتو ضدّ القرارات التي تعترض عليها “إسرائيل” كما جرى في القرار الخاص بالقدس في 18/12/2017، والقرار الخاص بغزة والقدس في 1/6/2018.
3. تأجيل الكشف عن نصوص “الصفقة” إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في نيسان/ أبريل القادم لعدم التأثير على احتمالات فوز بنيامين نتنياهو بالسلطة مرة أخرى، خصوصاً إذا تضمنت الصفقة تنازلات “ما” من الطرف الإسرائيلي.
الآفاق المستقبلية للصفقة:
ثمة مجموعة من العوائق التي تواجه نقل الصفقة إلى حيز التطبيق:
1. المشكلات الداخلية التي يواجهها ترامب لا سيّما في ظلّ استئناف التحقيقات عن علاقات انتخابه بدور روسي وعن دور مهم لكوشنير في هذا الموضوع، خصوصاً في ظلّ التوتر القائم بينه وبين الكونجرس في موضوعات عديدة أخرى مثل موضوع الجدار مع المكسيك، وموضوع التحقيقات في علاقات مالية مشبوهة على إثر التحقيقات بموضوع الصحفي السعودي جمال خاشقجي
2. المشكلات الداخلية التي يواجهها نتنياهو (الفساد) إلى جانب ضعف الأغلبية له في الكنيست مقعد واحد فقط، ناهيك عن منافسين له أكثر يمينية منه في موضوع التسوية مع الفلسطينيين.
3. صعوبة قبول أي طرف فلسطيني بالمشاركة العلنية في التفاوض على هذا الأساس، بالإضافة إلى أن ثمة إجماع فلسطيني شعبي على رفضها. وقد تسعى الإدارة الأمريكية لإيجاد مخرج لهذا الموضوع إما بمفاوضات سرية أو تفاوض عربي بديل للفلسطينيين، خصوصاً أن رئيس السلطة الفلسطينية في وضع صحي “مقلق” من ناحية وفي وضع داخلي مأزوم بسبب مواقف أغلب التنظيمات الرئيسية من سياساته الداخلية والخارجية.[6]
4. احتمالات تفجر مواجهة اقليمية بين “إسرائيل” وإيران أو في غزة أو على الجبهة اللبنانية أو السورية.
5. الشقاق الداخلي في مجلس التعاون الخليجي يجعل الدور الخليجي أقل من المأمول أمريكياً، لا سيّما مع المشكلات الداخلية لدول الخليج وانشغالاتها المحلية.
6. عدم حماس المجتمع الدولي خصوصاً الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين لـ”صفقة القرن”، وهو ما اتضح في توجهات هذه القوى في الأمم المتحدة. موقف الاوروبي من اتفاق النووي مع ايران
وفي ضوء المنظور الواقعي الذي عبَّر عنه جرينبلات بضرورة التعامل على أساس الواقع القائم على الأرض لا على أساس “ما يجب أن يكون”، وهو ما يتبناه الفريق الأمريكي المسؤول عن إدارة الصفقة بمن فيهم الرئيس ترامب، يمكن تصور الملامح التالية:
1. العمل على استنساخ نموذج قطاع غزة في الضفة الغربية من ناحيتين:
‌أ. الانسحاب من أقل قدر من الأراضي بأكبر قدر من السكان الفلسطينيين، فالتخلي عن حوالي 365 كم2 (قطاع غزة) أدى للتخلص من قرابة 2 مليون نسمة، وعليه فإن صفقة ترامب ستحاول رسم خريطة تقوم على انسحاب إسرائيلي من الأراضي الأكثر كثافة سكانية فلسطينية في الضفة الغربية.
 ‌ب. استغلال موازين القوى المختلة لصالح الطرف الإسرائيلي؛ ويتضح هذا الاختلال في الانقسامات الفلسطينية وإمكانية استثمارها إسرائيلياً وأمريكياً، وفي التسلل العربي العلني والخفي باتجاه التطبيع مع “إسرائيل”، وفي النتائج الكارثية التي انتهت لها الاضطرابات السياسية العربية من نهاية 2010 إلى الآن.
1. إن نقل السفارة الأمريكية للقدس يعني أن موضوع القدس لم يعد مطروحاً على طاولة المفاوضات الأمريكية بل المطروح هو “بديل القدس”.
2. العمل على تطبيق الصفقة سواء شاركت السلطة الفلسطينية في التفاوض أم امتنعت عن المشاركة، أي تطبيق الصفقة من جانب واحد، وهو ما سيضطر الفلسطينيين للتعامل معه تدريجياً وتحويله فيما بعد لواقع قائم.
3. ثمة احتمالات ما تزال قيد الدراسة؛ وهو محاولة ربط غزة بمشروعات اقتصادية مع مصر، وإنشاء منطقة تجارة حرة بين الطرفين مع مشاركة بالدعم المالي من قبل دول الخليج.


الخلاصة:
يمكن القول بأن فرص نجاح ترامب في تطبيق صفقة القرن، لا سيّما إذا تمّ الكشف عن مضمونها بعد شهرين أو ثلاثة كما ذكرنا أعلاه، تبقى رهينة المتغيرات والمعوقات التي أشرنا لها سابقاً، مع ضرورة التنبه إلى أن الإعلان عنها والانتقال لتطبيقها قد يفصلهما فترة زمنية طويلة (على غرار اتفاق أوسلو الذي مضى على توقيعه قرابة ربع قرن ولم يتم تنفيذه)، وسيعمل ترامب على أن يحقق شيئاً ملموساً قبل انتهاء فترته الرئاسية في نهاية 2020 ليستثمر ذلك في حملاته الانتخابية إذا نجا من التحقيقات المختلفة الحالية.
ومن المرجح أن يتم الإعلان عن الصفقة قبل منتصف العام الحالي (2019)، لكن تطبيقها سيستغرق فترة طويلة ستعمل “إسرائيل” على تكييف مضامينها بأكبر قدر ممكن لصالحها، وهو ما قد يتعثر في حالة حدوث تحولات عميقة في دول الإقليم باتجاه مناهضة الوجود الإسرائيلي. ثم إن شبه الإجماع الفلسطيني على رفض الصفقة سيظل عقبة كأداء في وجه الصفقة وفي وجه “شرعنتها”.



[1] بيان القمة الإسلامية الأمريكية: 34 ألف جندى ضد الإرهاب بسوريا والعراق اليوم السابع، 21 مايو مصدر ويكبيديا
[2] مركز الزيتونة ملخص حول صفقة القرن 2019 بيروت الآفاق المستقبلية لـ”صفقة القرن“ الأمريكية

[3] وليد عبد الحي، مقالة علمية: جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية  وانعكاساتها المستقبلية، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 25/5/2017، في:بيروت
[4]  موقع "ميديل إيست آي" البريطاني،
[5] skynewsarabia تفاصيل صفقة القرن

[6] تبادل الأراضي بين فلسطين وإسرائيل للأراضي التي أقيمت عليها المستوطنات (دراسة منشورة بموقع الزيتونة )

قراءة المقال كاملاً ←

الشعبوية المتجددة في أوروبا



الشعبوية المتجددة في أوروبا

د.هشام عوكل أستاذ العلاقات الدولية و إدارة الازمات .
تمهيد
كان للشعبوية حضور واضح منذ أقدم العصورفي اليونان القديمة، فمع صعود الديماغوجيين من أمثال "كليون "، وانتكاس ديموقراطية أثينا، وما خَلّفَتْهُ من فوضى دفعتْ بأفلاطون وتلميذه أرسطو إلى نبذ والنظر بِدُونِيّةٍ إلى "جموع الرعاع"[1]، وما ينتج عنهم من "حكم الرعاع". وقد أثّرَ التخليط وعدم الوضوح في استخدام المصطلحات على مصطلح "الديموقراطية" الذي غدا سلبيَّ المضمون طيلة قرونٍ.


حيث شهدتِ الإمبراطوريةُ الرومانيةُ صعودَ أباطرةٍ و ضباطٍ شعبويين استخدموا قدراتهم الخطابية في تحريك "الجموع" عاطفياً، للوصول إلى مآربهم في التسلط الاستبدادي على الحكم. ويعتبر كل من "الأخوين غراكي " في روما ، و"يوليوس قيصر " من أبرز هؤلاء الشعبويين.
وفي منطقة الشرق الأوسط أخذ "الشعب" دور «الرعيّة»[2] وممارسة طقوس الطاعة والخضوع بإذعانٍ مطلقٍ للراعي/الحاكم، الذي يسعى بدوره إلى تعزيز تسلط نظام الحكم عبر استغلال البُنى التقليدية كالعشيرة والقبيلة، والإبقاء على الجهل في صفوف الشعب، والحفاظ على مزاجٍ سائدٍ يخضع للعادات والأعراف. واعتاد الكثير من المؤرخين على وصف الشعب بالرعاع أو السوْقة أو العوام أو الدُّون وغيرها من نعوت الازدراء التي توضَعُ في مقابل "النخب" من أهل الرياسة والسلطان والعلم والحلِّ والعَقْد. لكن هذا الأمر لم يكن خاضعاً لقواعد مؤسساتيةٍ ثابتةٍ كما كانتْ عليه الحال في أوروبا (نبلاء، كهنوت كَنَسِيّ، حرفيين، فلاحين...) بل كان مستنداً إلى اعتباراتٍ عائليةٍ وقبلية وطبقية.
ومع قدوم عصر النهضة والتنوير الأوروبي[3] وصعود الحداثة حَوَّلَتِ الثورة الفرنسية "عامة الشعب" من متفرجٍ إلى عنصرٍ فاعلٍ في المشهد العام. وعلى خلاف الثورات الأنكلوفونية في بريطانيا أو الولايات المتحدة التي حافظتْ على مُكَوِّنٍ برجوازيٍ مُتَرَابِطٍ ومُنْسَجِمٍ مع الثورة، فقد اتبعت الثورة الفرنسية مقاربةً راديكاليةً وشعبوية. ومع أنها أسّستْ لقطيعةٍ مهمةٍ مع الموروث الاجتماعي والفكري السائد في "النظام القديم" إلا أنها انزلقتْ في ممارساتٍ وسلوكٍ إقصائيٍّ وانتقاميٍّ فَقَدَ الكثيرون رؤوسَهُم بسببه، ما أفضى إلى عقودٍ من الاضطراب، وسمح بالنتيجة بظهور مستبدين جُدُد تسلّقوا على أكتاف "الشعب"، في عصر الجموع الذي تم فيه «انتزاعُ الحقِّ الإلهيِّ من المَلِكِ وإلباسُه "للشعب" ليُضْفِي على ما يقوله "الشعب"
ظهرت الشعبوية في ثلاثينات القرن العشرين وخاصة في أمريكا اللاتينية، حيث برزت الوجوه الأكثر شعبية نتيجة سياسات حكومات ضعيفة وفاسدة، والأكثر شهرة هي التجربة التي خاضها الزعيم خوان دومنغو بيرون والخطابات النارية لزوجته ايفيتا.
واستحكمت السياسات الشعبوية الجاذبة للجماهير في العالم العربي منذ أواخر الأربعينات ووصلت أعلى مستوى لها مع بروز الأيديولوجية الناصرية في مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر انجذب للناصرية الكثير من المثقفين بل وحتى رجال الأعمال أكثر من الجماهير الفقيرة.
توالت الحركات الشعبوية في سياق البيرونية ولكن باسم مبادئ متناقضة وصولا إلى الزمن الراهن: في الإكوادور حيث أقترح الرئيس عبد الله بوكرم بين 1996 - 1997 تشكيل "حكومة من الفقراء" وهو محاط بأكبر أثرياء البلاد، و أيضا مع الرئاسة "الاجتماعية" لهوغو شافيز في فنزويلا، فلقد نجح في توحيد وتوجيه موجة شعبية عاتية كانت ترفض فساد الطبقة السياسية وتتحرك للتغيير.

تكوين الخطاب الشعبوي
معاني الشعبوية متضاربةٌ، تتراوح بين الرومانسية الثورية والدُّونِيّة[4] السياسية، لكن ما يجمع معظم دُعاة الشعبوية: مقاربتهم التبسيطية في استخدامهم لمفردة "الشعب"، وادعاؤهم أنهم صوت وصدى وضمير هذا "الشعب"، فضلاً عن احتكارهم لتمثيله من دون مراعاة مفاهيم التفويض والتعاقد السليم، وتركيزهم على خطابٍ عاطفيٍّ يفتقر للرؤى الواضحة، مع ترويجهم، المباشر أو غير المباشر، لعداء الفكر .
ومن أكبر النتائج الكارثية للشعبوية هي قدرتها على اقناع عدد كبير من الشعب والخطاب الشعبوي والخطاب الشعبوي هو خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد أو يختاره صُنّاع الخطاب ليبدو على أنه سائد، من دون أن يفيد، من ناحيةٍ أخرى، في التعامل الجدّي والمسؤول مع المشاكل الواقعية. ويُكْثِرُ الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكلٍ مسرحيٍّ كرنفاليٍّ، مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلةٍ إيديولوجيةٍ ذات عمقٍ انفعالي.
ويرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه. ويقول الباحث أندريه تاغييف بأن للشعبوية عددا من الخصائص الأولية. أولها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وهي تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار. ويرى[5] تاغييف أن معظم جمهور الخطاب الشعبوي من الأميين والفقراء خصوصا في المناطق الحضرية، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بنبرته النخبوية المترفعة بـ «البروليتاريا الرثة» أو بقاع المجتمع

الشعبوية اليمينية المتعددة
الشعبوية اليمينية :هو الفكر السياسي الذي يجمع ما بين السياسة اليمينية والخطابات والمواضيع الشعبوية. غالبا ما تنزع الشعبوية اليمينية لمعارضة النخبوية والمؤسسة الحاكمة ويتمحور خطابها السياسي في التحدث عن عامة الشعب. يُستخدم تعبير «الشعبوية اليمينية» في أوروبا لوصف الجماعات والأحزاب السياسية المعروفة عموما بمعارضتها للهجرة ولا سيما تلك القادمة من العالم الإسلامي وتتصف في الكثير من الحالات بمواقفها .
الشكوكية الأوروبية [6]ترتبط الشعبوية اليمينية في العالم الغربي عموما حصرا بأيديولوجيات مثل القومية الجديدة ومناهضة العولمة، الأهلانية [7]الحمائية [8]ومعارضة الهجرة.
شهدت شعبية الحركات الشعبوية اليمينية مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، رابطة الشمال في إيطاليا، حزب من أجل الحرية في هولندا وحزب الاستقلال في المملكة المتحدة نموا منذ الركود الاقتصادي عام 2008 ويعود جزء كبير من ذلك لتزايد الأصوات المعارضة للهجرة الآتية من بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، والعالم الإسلامي  وتزايد الشكوكية الأوروبية والسخط من السياسات الاقتصادية التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي
الدِيماغُوجِيّة بجوار الشعبوية
يشير مصطلح الدِيماغُوجِيّة [9] إلى استراتيجية سياسية للحصول على السلطة وكسب القوة السياسية من خلال مناشدة التحيزات الشعبية بالاعتماد على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية باستخدام المواضيع القومية والشعبية ومحاولة استثارة عواطف الجماهير. أما اليوم فهي تدل على مجموعة الأساليب والخطابات والمناورات والحيل السياسية التي يلجأ إليها السياسيون في مواسم الانتخابات لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة وذلك ظاهرياً من أجل مصلحة الشعب، وعملياً من أجل الوصول إلى الحكم.[10]
وقد اعتاد الكثير من السياسيين اللجوء لاستخدام أساليب اللعب على مشاعر ومخاوف الشعوب، ويعتبر بعض السياسيين أفضل من غيرهم وربما محترفون في ذلك، وعليه فهي خداع الجماهير وتضليلها بالشعارات والوعود الكاذبة. والديماغوجية هي أحد الأساليب الأساسية في سياسة الأحزاب البرجوازية، وهي موقف شخص أو جماعة يقوم على إطراء وتملق الطموحات والعواطف الشعبية بهدف الحصول على تأييد الرأي العام استناداً على مصداقيته.
والديماغوجي هو الشخص الذي يسعى لاجتذاب الناس إلى جانبه عن طريق الوعود الكاذبة والتملق وتشويه الحقائق ويؤكد كلامه مستنداً إلى شتى فنون الكلام ، ولكنه لا يلجأ إلى البرهان أو المنطق البرهاني لأن من حق البرهان أن يبعث على التفكير وأن يوقظ الحذر، والكلام الديماغوجي مبسط ومتزندق، يعتمد على جهل سامعيه وسذاجتهم واللعب على عواطفهم، مثل قول البعض مخاطباً العامة "إني أحبكم"، "صدقوني إني أحبكم"... الديماغوجي يعتمد على غباء المتلقي بالمطلق.

محافظون أصليون
المحافظون الأصليون والقدامى (paleoconservatists في مقابل "المحافظين الجدد") هو مصطلح يدل على الحركة اليمينية ضد الشيوعية و ضد التسلط ظهرت في الولايات المتحدة والتي تأكد على التقاليد والمجتمع المدني ضد الفدرالي، والدين والهوية الإقليمية والوطنية و الغربية يعبرون عن الأصالة أي الشعور بالمكان و التاريخ الذاتي المستمد من الأسلاف والقرابة والثقافة والهوية الجماعية والشخصية دون أن يكون لهم انتماء حزبي محدد

سجال حول اليمنية السياسية و القومية الأنانية
ليز فيكيتي، مديرة معهد العلاقات العرقية ومؤلفة كتاب "خطوط الصدع في أوروبا العنصرية وصعود اليمين". تقول ان  تحول المجتمعات الأوروبية وخاصة منها المجتمع الألماني، والطرق التي تستخدمها الأحزاب اليمينية المتطرفة لتزيد شعبيتها. كحزب البديل الألماني اليميني المتطرف، مثلاً، أصبح اليوم حاضراً في برلمانات الأقاليم الستة عشر لهذا البلد.
"إنهم بارعون جداً جداً في استخدام قضيةِ حرية التعبير، وما يقومون به هو استخدام الحدود القصوى لحريةِ التعبير من أجل المجاهرة بالعنصرية وبالحض على كراهية الأجانب. في الواقع، الأطراف الانتخابية من اليمين المتطرف [11] جيدون جداً في ذلك. مشيره انظروا الى حزب البديل لألمانيا وتعاطيه مع بعض المواضيع التي أصبحت من المحرمات، ولان هذا الحزب عنصري بشكل علني، وينكر المحارق، فإنه لا يتوقف عن التشديد على ذلك طيلة الوقت. ويستخدم نوعاً من الانتماء القومي وأن الأمة وشعب الأمة أي الشعب الألماني هو ضحية نوع من سياسة حرية التعبير التي لا تقبل الصراحة".
مضيفة بقولها  "إنهم يقومون بذلك بطريقة متأنية. لذلك نعود الى وضع حيث أصبحت فيه الأفكار التي تحض على العنصرية مسموحة وتتحول الى عادية. هذا ما يتوجب علينا ان نتيقظ له وأن تتيقظ له وسائل الاعلام. فعليها ان تعيد مساءلة نفسها ايضاً. إن تبنت بعض الأطر، إن كانت ساذجة في تقديم اليمين المتطرف، فإنها مشاركة بنوع ما في نموه".
واستشهدت بانغيلا ميركل (المستشارة الألمانية) حين قالت إنه حين تموت الأجيال التي اختبرت المحارق، سنرى مدى قوة السياسيين وقدرتهم على معارضة الفاشية والاستبداد. إن لم يفهم حقاً السياسيون ما الذي يدفع لتصاعد الفاشية، إن لم يعودوا للتاريخ، وإن لم يخلقوا هيكليات وتيارات في التربية التي تعلم الشباب ما هي العوامل التي تتسبب بالفاشية والاستبداد، حينها من الواضح أن شعار "عدم التكرار أبداً" سيخسر معناه".

وعلى الضفة الأخرى من مدينة ستراسبورغ وفي كلمة أمام البرلمان الأوروبي قال الرئيس الفرنسي مكرون على الأجيال الشابة ألا ينساقوا وراء القومية بل أن يبنوا الاتحاد الأوروبي ليكون حصنا للديمقراطية الليبرالية من عالم فوضوي وخطير. وانتقد أيضا صعود “الديمقراطيات غير الليبرالية” حتى داخل الاتحاد الأوروبي. لكن النواب القوميين من فرنسا وبريطانيا ودول أخرى جلسوا صامتين. في إشارة واضحة لرئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي أعيد انتخابه لرئاسة المجر. مؤكد ا مكرون بقوله  لا يمكن أن يكون الرد من خلال الديمقراطية السلطوية بل من خلال سلطة الديمقراطية”.
هناك سمة رئيسية تميز أحزاب اليمين المتطرف وهي حشدها السريع لتأييد الجماهير على خلفية أزمة الهجرة، ولعل أفضل مثالين على ذلك ما حصل إثر الإنتخابات التشريعية في النمسا في 2017 وإيطاليا في 2018. في الأولى شهدت النمسا دخول حزب الحرية في إئتلاف مع يمين الوسط، حزب الشعب، وفي الثانية تشكيل ائتلاف حكومي بين اليمين الراديكالي (العصبة) وحركة النجوم الخمسة.
أما أحزاب اليسار الراديكالي[12] التي حققت اختراقات هامة في الانتخابات الوطنية فكان تكتل اليسار في البرتغال الذي رفع حصته بنسبة جيدة في الانتخابات التشريعية لعام 2015، كما لأحزاب أخرى مثل سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا اللذين حققا تقدماً برلمانياً لافتاً في العقد الماضي. ولكن يجب التشديد على أن هذا التقدم ليس شاملاً، إذ إن بعض هذه الأحزاب كان أقل حظاً من مثيله الأوروبي
والسؤال المهم في الحقيقة: ما هي العوامل التي توضح تقدم أحزاب اليمين الراديكالي في الانتخابات؟. هناك عاملان: الأول مرتبط باستراتيجية أحزاب اليمين المتطرف، إذ تبدو للناخب العادي بسيطة وواضحة بتركيزها المستمر على الهجرة وربطها بجميع المشكلات التي يعاني منها ذاك الناخب وعلى الامتعاض من بيروقراطية الاتحاد الأوروبي عموماً. والثاني هو تمتع اليمين الراديكالي بقاعدة انتخابية تستهدفها تلك الأحزاب بانتظام، وهي أوسع مما هو لدى أحزاب اليسار. وتظهر دلائل عدة على نجاح أحزاب اليمين في استقطاب الرأي العام الواسع، لا سيما الطبقة العمالية التقليدية أكثر من قدرة أحزاب يسار الوسط، وهذا يعود إلى براعتها المميزة في الاستخدام الفعال لسلاح الهجرة في عملية التعبئة العامة.

إذاً، البساطة والوضوح في رسالة اليمين الراديكالي إلى جماهير أوروبا هما مفتاح نجاح أحزابه. فهذه الرسالة تحمل دائما صور الوطن وثرواته الغنية والتاريخية في مواجهة مشكلات مصيرية تهدد الأمة ومستقبلها وفي مقدمها الهجرة. وتبين جميع البحوث كيف أن مصدر المخاوف الشعبية تسطرها خُطَبُ وبيانات اليمين الراديكالي. وما يميز هذه الرسالة أنها تتقدم كثيراً عن رسالة يسار الوسط وحتى يمين الوسط لسهولة وسرعة وصولها إلى الجمهور.

في المقابل وعلى النقيض من اليمين، لا يزال اليسار[13] بجميع أشكاله تقريباً مصدراً لأفكار يجد المواطن العادي صعوبة في فهمها، نظراً لتجريديتها وكونها تعكس مواقف سياسيين غير قادرين على الخروج من ثياب التنظير المبهم. فمثل هكذا أفكار يفشل سياسيو اليسار في ترجمتها إلى شعارات بسيطة تلامس مباشرة أحاسيس الجماهير العفوية. فشل اليسار الواضح في صوغ سياساته إزاء الأزمات الراهنة لا يساعد قضيته، وبخاصة عجزه عن تقديم تفسير مباشر ينافس ما يقدمه اليمين من رسائل تتناول الاقتصاد والهجرة. ويبدو اليسار الأوروبي في أحيان كثيرة وكأنه يتهرب من طرح إجابات عن أسئلة يومية ملحة، وذلك على عكس اليمين.

في كل الأحوال، يأتي اليمين الراديكالي في مقدمة معظم الأحزاب الاخرى في تقديمه رسالة شعبوية واضحة تتناول مسائل معقدة مثل جدوى الاتحاد الأوروبي وما تشكله الهجرة من تهديدات للقمة خبز المواطن، محققة بذلك مكاسب على صعيد الانتخابات. وما لم يبدأ اليسار ويسار الوسط بطرح خطاب أوضح للقضايا المعدة يلامس مصالح الجماهير مباشرة فلا مجال أمامه غير المزيد من التراجع وفقدان مركز التأثير في صنع القرار... ومن ثم الزوال







[1] «الشعبوية» من السياسة إلى الفقه الشرق الأوسط، علي إبراهيم، تاريخ الولوج 11 أكتوبر 2011 نسخة محفوظة 08 يناير 2014 على موقع واي باك مشين. الرِّعُاعُ من الناس : الغوغاءُ . نقلا عن  تعريف و معنى الرعاع في معجم المعاني الجامع

[2] رَعيّة : عامَّة النَّاس الذين عليهم والٍ يرعى مصالحهم وأمورهم كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِ نقلا عن  تعريف و معنى الرعاع في معجم المعاني الجامع
[3] مثقف مهزوم وحاكم أبله: السخرية هي السبب. أحمد شهاب الدين. مصر. موقع: منشور. نسخة محفوظة 20 أكتوبر 2017 على موقع واي باك مشين
[4] عُقدة الدُّونيّة : ( علوم النفس ) الشعور العميق والمستمرّ عند الفرد بدونيّته وعدم كفايته وانحطاط قدره ، وهي عقدة نفسيّة تنشأ عن الصّراع بين النُّزوع إلى التميُّز ، والخوف من التثبيط الذي كان الفرد قد عاناه في الماضي وفي حالات مماثلة
[5] بيير أندريه تاغييف (بالفرنسية: Pierre-André Taguieff) ‏ (مواليد 4 أغسطس 1946) فيلسوف وباحث سياسي فرنسي، وهو مؤرّخ للأفكار ويشغل منصب مدير للأبحاث في المركز
[6] .( هو مصطلح يصف رفض الأوروبانية، أي يرى تشكيل إتحادات سياسية بين الدول الأوروبية مثل الإتحاد الأوروبي هو مشروع فاشل،)
[7] الأهلانية هي نهج سياسي يقوم على حماية مصالح أهل البلاد الأصليين وتقديمها على مصالح المهاجرين. في الدراسات العلمية، تعد الأهلانية مصطلحًا تقنيًا. لكن أولئك الذين يحملون هذه النظرة السياسية، لا يقبلون عادة بهذه التسمية. كتب Dindar (سنة 2009): "لا يعتبر الأهلانيون أنفسهم أهلانيين. بالنسبة لهم هو مصطلح سلبي، بل يعتبرون أنفسهم "وطنيين".
ظهر هذا المصطلح لأول مرة في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية.

[8] الحِمائية (بالإنجليزية: Protectionism) هي السياسة الاقتصادية لتقييد التجارة بين الدول، من خلال طرق مثل رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، و تحديد كمياتها،والحصص التقييدية، ومجموعة متنوعة من غيرها من الأنظمة الحكومية المقيدة التي تهدف إلى تثبيت الواردات، ومنع الاجانب من الاستيلاء على الأسواق المحلية والشركات هذه السياسة هي تحالف وثيق مع المناهضة للعولمة، وتتناقض مع حرية التجارة، حيث الحواجز أمام التجارة والحكومة إلى أدنى حد. مصطلح يستخدم غالبا في سياق الاقتصاد، حيث يشير إلى السياسات الجمركية (حمائية) : حماية أصحاب الأعمال والعمال في بلد ما عن طريق تقييد أو تنظيم التجارة مع الدول الأجنبية. وهي تهدف إلى حماية السوق الداخلية من المنافسة الخارجية، وتشجع على استهلاك المنتوجات المحلية.
[9] الديماغوجية: كلمة في أصلها يونانية، وتتكون من مقطعين "ديموس"، وتعني الشعب و"غوجية" وتعني العمل. أما معناها فهي: كلام فضفاض لا منطق له، يحاول صاحبه أن يستميل إليه الجمهور بالإغراء، يتبعه السياسيون ظاهرياً للوصول للسلطة وخدمة مصالحهم. وهي استراتيجية لإقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكارهم المسبقة
[10] عين الجمهورية "، موقعٌ سياسي أخباري منقول عن ويكبيديا
[11] اليمين المتطرف مصطلح سياسي يطلق على التيارات والأحزاب السياسية لوصف موقعها ضمن محيطها السياسي ويطلق المراقبون السياسيون هذا المصطلح على الكتل الأحزاب السياسية التي لا يمكن اعتبارها من ضمن جماعات اليمين السياسية التقليدية التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليدية أو المعتدلة وبين المتطرفة أن الأخيرة تدعو إلى التدخل القسري واستخدام العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم ولذلك عادة ما ترفض تلك التيارات هذا النعت لأنها تزعم أنها تمثل الاتجاه العام وتنقل صوت الأغلبية.
[12] أقصى اليسار، اليسار المتطرف، اليسار الثوري، واليسار الراديكالي هي مصطلحات تعبر عن المواقف في يسار الجناح اليساري في الطيف السياسي. أقصى اليسار
[13] مستقبل أوروبا في قبضة الشعبوية :مصطفى كركوتي , http://www.alhayat.com/article/4603130


قراءة المقال كاملاً ←
ظهور إعلامي

المقابلات التلفزيونية

قسم مخصص لإضافة المقابلات المرئية: ضع رابط الفيديو أو ضمّنه داخل تدوينة تحمل تسمية «المقابلات التلفزيونية».

مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية

قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات

مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.

مشاهدة على YouTube ←
تحليل دولي
ظهور إعلامي

العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة

أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.

متابعة على Facebook ←
إدارة الأزمات
حوار متخصص

التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة

يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.

استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات

إصداراتي وكتبي

يمكن لاحقًا ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

استراتيجية إدارة الأزماتاستراتيجية إدارة الأزمات
التخطيط الاستراتيجيالتخطيط الاستراتيجي
التفاوض أثناء المواقف الطارئةالتفاوض أثناء المواقف الطارئة
المستقبل والحاضر في إدارة الأزماتالمستقبل والحاضر في إدارة الأزمات
أهمية التخطيط الاستراتيجيأهمية التخطيط الاستراتيجي
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزماتمدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات