د. هشام عوكلأستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفة عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.

1,156,548متابعًا عبر المنصات الرقمية
أحدث المحتوى

المقالات والدراسات

تظهر مقالات المدونة الحقيقية هنا تلقائيًا. في صفحة المقال، يظهر النص كاملًا ضمن مساحة قراءة واسعة ومريحة.

المفاوضات السعودية الإيرانية…أسباب الانسداد ودوافع الاستئناف

أعلنت الرئاسة الإيرانية أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أعلن خلال لقائه بمساعد الرئيس الإيراني للشؤون البرلمانية، سيد محمد حسيني، في البرازيل بداية الشهر الجاري، استعداد بلاده لاستئناف المفاوضات مع إيران، وقد جاءت هذه التصريحات بعد انقطاع المفاوضات بين البلدين، منذ نهاية الجولة الخامسة في أبريل/نيسان 2022.

يأتي هذا الإعلان متزامناً مع جملة من التطورات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية، كانسداد المعركة العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، وتوقف المباحثات النووية، والفتور في العلاقات السعودية الأمريكية، يقابلها اندلاع موجة احتجاجات شعبية غير مسبوقة في إيران، ومفاوضات مباشرة بين السعودية والحوثيين برعاية عمانية، وهدنة غير معلنة في اليمن، ويبدو أن لهذه الأحداث تأثيرها في الإعلان عن استئناف المفاوضات.

يبحث تقدير الموقف في سيرورة المفاوضات السعودية الإيرانية ودوافع الاستئناف وتحدياته.

أولاً: سيرورة المفاوضات السعودية الإيرانية
شهدت العلاقة السياسية بين الرياض وطهران انقطاعاً تاماً منذ العام 2016، نتيجة خلافات حادة بين الدولتين، تتعلق بتباين المقومات السياسية والفكرية وتنازع النفوذ السياسي والاقتصادي، وهو ما كان له انعكاسه على الأرض، وأدى إلى أزمات متجددة، بسبب التوسع الإيراني في المنطقة، وكان من آثار ذلك إحراق المحتجين الإيرانيين سفارة الرياض في طهران وقنصليتها في مشهد، على إثر إعدام السعودية لرجل الدين الشيعي، نمر النمر، في العام 2016، وهو ما أدى إلى سحب الرياض بعثتها الدبلوماسية من طهران، وقطع العلاقة بإيران.

بعد هذه الفترة من القطيعة السياسية والحرب بالوكالة، بدأت المفاوضات بين الرياض وطهران في أبريل/ نيسان 2021، برعاية عراقية ولقاء غير معلن بين وفدي البلدين في المنطقة الخضراء ببغداد، وقد كان لهذه الجولات خصائصها السياسية ونتائجها المحدودة.









1. خصائص الجولات السابقة

أجرت السعودية وإيران خمس جولات من المفاوضات، كان آخرها في أبريل/نيسان 2022. وقد اتسمت هذه الجولات بعدد من الخصائص، من أهمها:

 –   السرية في كثير من تفاصيل المفاوضات، حسب رغبة الطرفين، وهو ما أكده الناطق باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، بقوله: إن “اتفاقاتنا مع السعودية تنص على عدم الإفصاح عن تفاصيل المفاوضات”.

–   البطء الذي تسير به المفاوضات، وطول الوقت بين الجولات، وخصوصاً الجولة الرابعة والخامسة اللتين استمر التوقف بينهما سبعة أشهر، وهذا الأمر مؤشر على شدة تباين وجهات النظر.

–   بقاء تلك الجولات في المستوى الاستخباراتي والأمني، ويُتوقع أنَّ تنتقل الجولة السادسة إلى المستوى السياسي والدبلوماسي، ما يعني إمكانية توسع علنية المفاوضات.

–   التغيرات السياسية التي رافقت الجولات، سواء في إيران حيث تولى إبراهيم رئيسي الرئاسة الإيرانية بين الجولتين الثالثة والرابعة، أو في العراق بعد تولي محمد شياع السوداني رئاسة الوزراء خلفاً لمصطفى الكاظمي، الذي تولى التنسيق للمفاوضات السابقة، وعُرف عهده بالتقارب بين السعودية والعراق بعد سنوات من التوتر، هذه التغيرات السياسية يبدو أنها أثرت في سير المفاوضات.

–   تفاؤل الموقف الإيراني كثيراً، بخلاف الموقف السعودي، حيث يحرص الأول على إرسال رسائل تطمينية متكررة داخلية وخارجية بقرب التوصل إلى حلول للعلاقة بين البلدين، وإعلانه قرب موعد فتح السفارة الإيرانية في السعودية بحلول موسم الحج، هذا التفاؤل من طهران بخلاف موقف الرياض الذي وصف المفاوضات -تحديداً بعد الجولة الرابعة- بأنها لا تزال في مرحلتها الاكتشافية، ويؤيد هذا بيان القمة الخليجية الصينية في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، الذي دعا إيران “للتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتزامها بالطابع السلمي لبرنامجها النووي.. والتزام حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام استقلال الدول وسيادتها”، وكذلك بيان لجنة المتابعة والتشاور السياسي السعودية المصرية، في يناير/كانون الثاني الحالي، الذي رفض التدخلات الإيرانية بشؤون المنطقة العربية، وهذا معناه أنَّ الملفات الكبرى التي تسعى السعودية إلى تسويتها لم يتم البت فيها إلى الآن.

2. نتائج الجولات السابقة
أثمرت جولات المفاوضات السعودية الإيرانية نتائج محدودة، بعضها مباشرة وأخرى غير مباشرة، ومن أهم هذه النتائج:

 –   عودة إيران إلى منظمة التعاون الإسلامي، حيث أعلنت إيران، في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، وصول ثلاثة من دبلوماسييها إلى السعودية لتمثيلها في منظمة التعاون الإسلامي، وذلك للمرة الأولى بعد قطع العلاقة بين البلدين في العام 2016.

–   زيادة حصة الحجاج الإيرانيين، وتوقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين بشأن الحج، بعد زيارة وفد إيراني للسعودية، مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، وإجراء محادثات حول موسم الحج القادم.

–   الاتفاق على ترتيب إعادة فتح القنصليات، ويُذكر أنَّ الطرفين اتفقا على إرسال وفدين، للعمل على إعادة فتح القنصليات كخطوة أولى وتمهيدية لاستعادة فتح السفارات في كلا البلدين.

–   توقف الهجمات الحوثية على الرياض، وتأييد الجانبين لوقف إطلاق النار في اليمن، ودخول السعودية في مفاوضات مع الحوثيين بوساطة عمانية.

هذه الخصائص والنتائج توحي بأنَّ المفاوضات السعودية الإيرانية لم تتجاوز إجراءات بناء الثقة بين البلدين؛ لكونها لم تثمر سوى انفراجة محدودة في بعض الملفات، مع التعثر في الملفات الثنائية الكبرى فضلاً عن الملفات الإقليمية المشتركة، وهذا يعني أن ثمة انسداداً تعيشه المفاوضات، يؤكد ذلك طول مرحلة التفاوض، وتعثر عقد الجولة السادسة من المفاوضات إلى الآن، بعد الانتهاء من الجولة الخامسة في أبريل/نيسان 2022.

ثانياً: أسباب انقطاع المفاوضات السعودية الإيرانية
بعد ما يقارب السنتين من المفاوضات السعودية الإيرانية، انقطعت المفاوضات بشكل غير معلن، نتيجة للتباين- كما يظهر- في زوايا النظر وانسداد الحلول التوافقية للقضايا الإقليمية، ويبدو أنَّ من أهم أسباب هذا الانقطاع:

1. الخلاف حول طبيعة المفاوضات
الخلاف حول طبيعة المفاوضات يتعلق بأمرين مهمين؛ الأول أولوية التفاوض، والثاني علنية التفاوض وانتقاله للمستوى السياسي والدبلوماسي، حيث ترى طهران أن الملفات الثنائية، وخصوصاً الدبلوماسية منها، تشكل أولية، وتحرص على عودة السفارات أولاً، في حين ترى الرياض أن الملفات الإقليمية المشتركة هي التي يجب البدء بها وخصوصاً الملف اليمني، كما تسعى الرياض إلى علنية المفاوضات وانتقالها للمستوى السياسي والدبلوماسي.

2. اندلاع الاحتجاجات الإيرانية
مع اندلاع الاحتجاجات الإيرانية في سبتمبر/أيلول من العام الماضي زعمت إيران أنَّ للسعودية دوراً في التحريض على النظام الإيراني، وتتهمها بتمويل قناة “إيران إنترناشوينال” التلفزيونية التي قدمت تغطية مكثفة للاحتجاجات الإيرانية، إضافة إلى الاتهامات المتبادلة بينهما بدعم المعارضة، وهذا ما كان له أثره في انسداد المفاوضات السعودية الإيرانية.

3. تعقيدات الملف اليمني
يرى كثير من المراقبين أنَّ الملف اليمني العامل الأساس وراء طول المفاوضات، وضعف التوصل إلى نتائج كبيرة، حيث تقود الرياض التحالف العربي لدعم الحكومة المعترف بها دولياً، وترى أنَّ التدخلات الإيرانية هي السبب في تعقيد الملف اليمني، وأنَّ الهجمات الحوثية على السعودية تتم بأسلحة إيرانية.

في المقابل تقدم طهران الدعم السياسي والعسكري لجماعة الحوثي المتمردة على الحكومة الشرعية، وتتبنى الرواية الحوثية للصراع، وتسعى لتسويق الاعتراف بهم دولياً، وتطلب من السعودية الانسحاب الكامل من اليمن.

أمام ذلك يظهر أنَّ هناك انسداداً في التوصل إلى تفاهمات مشتركة مع الإيرانيين حول هذا الملف، كما يبدو أن السعودية ذهبت للتفاوض مع الحوثيين عبر وسطاء عمانيين؛ لقياس مدى جدية إيران في الضغط على الحوثيين للقبول بالتسوية السياسية وحل الملف اليمني.

ثالثاً: دوافع استئناف المفاوضات السعودية الإيرانية
1. دوافع مشتركة
يعيش الطرفان السعودي والإيراني حالة من الحرب بالوكالة حسب اتهامات كل منهما للآخر، فلإيران أدواتها المتعددة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وقد تمكنت خلال السنوات السابقة من تشكيل واقع سياسي في هذه البلدان تهيمن عليه إيران، وترى السعودية في هذه المكونات خطراً حقيقياً على أمن المنطقة، وتتهم الحرسَ الثوري الإيراني بدعم هذه المجموعات من أجل استهداف السعودية، في المقابل تتهم إيرانُ السعوديةَ بدعم فصائل من المعارضة الإيرانية سياسياً ومالياً.

هذا الشكل من الحرب استنزف الطرفين بشكل غير محدود، خصوصاً الهجمات الحوثية وهجمات الحشد الشعبي، كما مثلت حرب اليمن حالة من الاستنزاف الاقتصادي للمملكة، خصوصاً مع طول المعركة وتحديات الحسم العسكري، وهذا الأمر بقدر ما دفع الطرفين للتفاوض، فقد شكل كذلك أملاً لطهران في تسوية الأزمة اليمنية حسب شروطها.

كما يعول كل جانب على الآخر في الاتجاه نحو تفعيل الجولة السادسة من المفاوضات، والتفرغ للمشاريع الخاصة التي يطمحان إليها، ومواجهة التحديات المتعددة التي يواجهانها، يتزامن ذلك مع رغبة روسية وصينية تشجع الحلول الدبلوماسية لملفات المنطقة.

2. الدوافع السعودية
ترغب السعودية في حلحلة القضايا الإقليمية، مصحوبة بتراجع الثقة في علاقتها بالإدارة الأمريكية الحالية، وتنامي علاقتها الاقتصادية بالصين، إضافة إلى تداعيات الحرب في اليمن السياسية والاقتصادية، ورغبتها في الانفتاح على المشاريع الإقليمية المختلفة، وحرصها على التفرغ للمشروع التنموي المتمثل في رؤية 2030، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهذا ما يشجع الرياض على التقارب مع طهران.

3. الدوافع الإيرانية
تستثمر إيران في الفتور الحالي في العلاقات السعودية الأمريكية، وتخَفُّف الرياض من الضغوط التي تمارسها واشنطن، وتسعى للدفع نحو استئناف المفاوضات، أملاً في تحقيق اختراق سياسي جديد في المنطقة، والحد من توسع تداعيات التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي وتحييد الموقف السعودي فيما يتعلق بالملف النووي والعلاقة بالكيان الإسرائيلي.

كما أنَّ إيران تسعى للتخفيف من الضغط الدولي، بعد إخفاقها في التوصل لتسوية بخصوص الملف النووي، والتخفيف كذلك من تداعيات الأزمة السياسية الداخلية والخارجية التي تعيشها، والتي كان من نتائجها انفجار الاحتجاجات الأخيرة، وترغب في إنجاز تسوية ولو شكلية تساعدها في تسويق نفسها داخلياً وخارجياً.

كذلك تدرك إيران رغبة السعودية في تسوية أزمات المنطقة، وتسعى إلى تخفيف المشاكل الاقتصادية التي تعانيها، وتقليص حجم العقوبات الدولية، والاستفادة من الدعم السعودي للبنان والعراق.

رابعاً: تحديات التقارب السعودي الإيراني
تواجه العلاقات السعودية الإيرانية جملة من التحديات الثنائية والإقليمية والدولية، كانت حاضرة في تفاصيل المفاوضات السابقة ومؤثرة في سيرها، ومن المتوقع أنَّ تبقى حاضرة في الجولة السادسة المرتقبة، ومن أهم هذه التحديات:

1. تعقيدات الملفات الإقليمية المشتركة
سعت إيران إلى بناء تحالفات استراتيجية مع أدواتها في المنطقة، وتسعى من خلالهم لتحقيق طموحاتها الاستراتيجية، لا سيما في منطقة الخليج وما جاورها، انطلاقاً من فكرة “ولاية الفقيه” الإيرانية العابرة للحدود، هذا المشروع يقابله الأهمية السياسية والثقافية والاقتصادية للمملكة العربية السعودية، التي تؤهلها للاضطلاع بدور سياسي في المنطقة، ولهذا تتنافس الدولتان على الزعامة الدينية والسياسية في العالم الإسلامي.

في هذا الإطار تحضر الملفات الإقليمية المشتركة، وخصوصاً الملف اليمني، في جولات التفاوض، حيث تشترط الرياض لتطبيع العلاقة مع طهران احترام الأخيرة لسيادة السعودية، والكف عن تهديد أمنها الداخلي، والحد من التدخلات الإيرانية في المنطقة، فيما يظهر أن إيران غير مستعدة للتنازل عما تراه مكاسب لها في المنطقة، وتضغط نحو الاعتراف بالوقائع على الأرض، ويدل على ذلك استمرار تهريب الأسلحة الإيرانية إلى اليمن.

2. تحديات السلاح النووي الإيراني
يعد السلاح النووي أحد أهم نقاط الخلاف بين الجانبين؛ إذ ترى السعودية في امتلاك إيران للسلاح النووي خطراً يُهدد الاستقرار الإقليمي للمنطقة، ويؤدي إلى ترسيخ الخلل في موازين القوى الإقليمية، ويفوض إيران بفرض رؤيتها السياسية للأمن الإقليمي، ولهذا تتبنى السعودية وجوب منع إيران من تطوير قدراتها النووية، وإيقاف الأنشطة التي تهدد الاتفاق النووي، وتضغط في أن تكون طرفاً في الاتفاق النووي.

في المقابل تتهم إيران السعوديةَ بالسعي لعرقلة الاتفاق النووي،  وكانت السعودية من الدول التي أيدت الانسحاب الأمريكي الفردي من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018، والذي أدى إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على النظام الإيراني، ولما كانت إيران مستمرة في تطوير نشاطها النووي فإن موضوع تطبيع العلاقة بين البلدين كلياً قبل تسوية الملف النووي بتوافق مع السعودية يعد أمراً مستبعداً.

3. الموقف من الكيان الإسرائيلي
تعد دول الخليج إحدى ساحات التنافس الإقليمي بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي، ولهذا يسعى الكيان الإسرائيلي، وبدعم دولي، إلى تسويق نفسه خليجياً لمواجهة التهديدات الإيرانية، كما تسعى إيران إلى الحد من تداعيات التطبيع، وتخشى أن تُستخدم دول الخليج منصة للكيان الإسرائيلي في تهديدها، وترى أنَّ الكيان الإسرائيلي من القوى المهددة لها في الشرق الأوسط.

في المقابل هناك تشجيع دولي لانخراط دول الخليج في تحالف عسكري مع الكيان الإسرائيلي، لكن موقف الرياض لا يزال إلى الآن مرهوناً بحل القضية الفلسطينية التي تراها المدخل لاستقرار المنطقة، ويبدو أنَّ الرياض في موقع يمكنها من أداء أدوار مزدوجة، مقابل ذلك تتحرك إيران في ملف المفاوضات خشية أن يصب أي تراجع في مصلحة الكيان الإسرائيلي.

4. الموقف من الرؤية الأمريكية لأمن المنطقة
ترى إيران أن الموقف السعودي مرتبط بالمشروع الأمريكي في المنطقة، الذي يعتمد استراتيجية إقليمية لأمن الخليج تستبعد إيران، وتستوعب الدول المتخوفة من النفوذ الإيراني، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ولهذا ترى أنَّ أي اتفاق مع السعودية يتطلب موافقة الإدارة الأمريكية.

في هذا الإطار، يرتبط الحضور الأمريكي في المنطقة بمركزية دور المملكة العربية السعودية، نتيجة موقعها الجيوستراتيجي، ومكانتها السياسية والثقافية، وقدراتها الاقتصادية والنفطية، لكن هذا التأثير شهد تراجعاً بعد صعود الديمقراطيين، وخصوصاً التيار التقدمي منهم، حيث اختلفت رؤيته لأمن المنطقة في بعض تفاصيلها عن الرؤية السعودية.

هذا التراجع المحدود بين الرؤيتين الأمريكية والسعودية ربما يتغير نتيجة نقاط الاتفاق الكبرى التي تجمع بين الرياض وواشنطن وهذا ما تخشاه إيران، كما يظهر أنَّ الموقف الأمريكي يراقب بحذر مستجدات المفاوضات بين البلدين، وربما ليس من مصلحته توصل الرياض وطهران إلى حلول مستدامة.

خاتمة
بناء على المعطيات السابقة، من المتوقع عقد جولة سادسة من التفاوض الثنائي بين السعودية وإيران، خصوصاً بعد وساطات متعددة عراقية وروسية وصينية، ونظراً للدوافع التي يسعى إليها الطرفان، لكن نتائج هذه الجولة ربما لن تصل إلى حد التسوية المستدامة، ومن المرجح أن يبقى مستقبل العلاقة على المدى القريب يراوح مكانه في إطار الحلول الجزئية، سواء في الملفات الثنائية أو الإقليمية، نظراً لتعقيدات الأزمة بين الطرفين والتحديات الإقليمية والدولية التي تواجهها، ثم طبيعة إيران التفاوضية التي لا تقدم تنازلات بقدر ما تريد أن تُثبِّت مكاسبها على الأرض، وترى في السعودية عائقاً أمام ذلك، إضافة لضعف الوسيط، فالعراق الذي يمثل وسيطاً بين الطرفين، محسوب بشكل ما على إيران، وغير قادر على ممارسة ضغوط دبلوماسية قوية على أحدهما.
قراءة المقال كاملاً ←

غياب الحوكمة الرشيدة واحترام التعددية


الربيع العربي الجديد آتٍ؟

يبدو العالم العربي اليوم في أمسّ الحاجة إلى أدوات مختلفة لمجابهة التحديات المُحدقة واللحاق بركب التنمية الإنسانية. تعليق مروان المعشّر، نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

وفي حين حذّر البعض، وأنا منهم، من أن العملية التحولية التي يشهدها العالم العربي ستأخذ وقتًا طويلًا قبل أن تنضج، وقبل أن تتحوّل الاحتجاجات إلى بناء مؤسسي وتعددي مستدام للدولة الحديثة، فقد أعطت تونس حتى وقت قريب الأمل في إمكانية تحقيق نجاحات سريعة في مجال إرساء الدولة الديمقراطية المدنية، واختصار المسافات التي مرّت فيها دول ومناطق أخرى في العالم.

بعد مرور أكثر من عشر سنوات على هذه الثورات، يبدو أن العالم العربي ما زال يأبى أخذ العبر مما جرى، والتأسيس لمجتمعات حداثية مستقرة ومزدهرة، وما زالت أغلب النظم العربية ترفض اللحاق بباقي مناطق العالم، قياسًا بمؤشرات الحرية والمعرفة، مع ما يرافق ذلك من انحدار لا ترجى عواقبه في مستويات التنمية والحرية.

الحصاد المر للربيع العربي

إن أي جردة حساب لحال العالم العربي اليوم لا ترضي العدو قبل الصديق، فثمة دول عربية ليست بقليلة في طريقها إلى أن تصبح دولًا فاشلة، تمزقها الحروب الأهلية والإدارات المتهالكة من الداخل، وتنهش لحمها التدخلات الخارجية، وجلّها دول لم تحترم تعددية مكوناتها الداخلية. لبنان وليبيا واليمن وسورية والعراق هي اليوم نماذج لدول تمتلك الموارد البشرية والمالية والطبيعية، ولكنها تفتقر إلى الحد الأدنى من الحوكمة الرشيدة واحترام تعدديتها الإثنية والدينية والجندرية.

مظاهرة ضد سياسات الحكومة في لبنان Proteste gegen die Regierung im Libanon; Foto: Getty Images/AFP
الاحتجاج على نظام الجمود السياسي في لبنان: "إن أرادت الدول العربية أن تلحق بركب التنمية الإنسانية، لا بدّ لها من أن تدرك أنها بحاجة لأدوات جديدة، بل لتصورات كلية متكاملة لمعالجة تحدياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وأنه لا سلك الطرق السهلة، ولا الإصلاحات المتجزئة ولا التشبث في الماضي سيحصنها عن الحاضر والمقبل من التحديات"، وفق رؤية المحلل السياسي مروان المعشّر..

أما النموذج الآخر الماثل أمامنا فهو نموذج الدولة السلطوية، الذي كان ماثلًا قبل الثورات العربية في أغلب الدول العربية، والآخذ في التمادي في سلطويته اليوم، على الرغم من تردّي أوضاعه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. هذا النموذج عصيٌّ على التغيير، لأن قوى الوضع القائم فيه ما زالت تفضّل انتهاج الطريق الأسهل سياسيًا، وهو طريق الاعتماد على المساعدات الخارجية والدين العام والضرائب غير المباشرة، وارتفاع التضخم، عوضًا عن إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وذلك حمايةً لامتيازات شخصية ونظم ريعية بائدة.

وفي حين تشكل مصر أحد الأمثلة الواضحة على استمرار هذا النموذج، تنضم إلى هذا النادي تونس اليوم، ضاربةً عرض الحائط بكل مكتسباتها الديمقراطية في الفترة الماضية، وغير آبهة بتقديم أي تصور اقتصادي لمعالجة التحديات التي تواجهها البلاد.

وثمة النموذج الثالث الذي تمثّله أغلب النظم الملكية في العالم العربي، وهو النموذج الذي يقدّم إصلاحات صغيرة لإرضاء الشارع مرحليًا، مع التركيز على بعض الإصلاحات الاقتصادية والمجتمعية، من دون أن يترافق ذلك مع تصور متكامل لأركان الدولة الحداثية كافة، ولنظم حوكمة تعتمد الفصل والتوازن بينها، ولتنمية اقتصادية مستدامة تبتعد عن الريع وتعتمد الإنتاجية.

ما من شك في أن الكثير من دول الخليج العربي بدأت تدرك استحالة استمرار النظم القائمة على النفط، وتقطع اليوم أشواطًا مهمة في مجال التنمية الاقتصادية الجادة، وإن كانت بحاجة إلى قطع أشواط موازية في مجال الإصلاح السياسي.

تبدو التحديات التي تواجه المنطقة العربية كبيرة وقديمة، فاقم منها في السابق غياب نظم الحوكمة الرشيدة. وتواجه المنطقة اليوم تحديات جديدة عدا تداعيات الربيع العربي، وتدني سعر النفط، يتمثل جلّها بجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وإن كانت بطبيعتها عارضة، إلا أنها قد عمّقت تلك التحديات وأدت الى ارتفاعات خطيرة في مستويات البطالة والدين والتضخم وأسعار الغذاء.

"بات واضحًا أن أدوات الأمس، عالميًا وليس عربيًا فقط، لم تعد كافية لمجابهة تحديات اليوم"

ثمة تحدٍّ آخر جديد تجاهلته المنطقة حتى وقت قريب، وبدأت بالاهتمام به مؤخرًا، وهو التغير المناخي، فارتفاع درجات الحرارة بات يؤثر بشكل ملحوظ في تبخر المياه ونقص المخزون المائي وانحسار الأراضي المزروعة، وما الأزمة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة إلا دليل على أثر التغير المناخي في العلاقات بين الدول.

احتجاجات في طرابلس ضد قوات الجنرال خليفة حفتر. Proteste in TripoliS gegenTruppen des Warlords Khalifa Haftar ; Foto: picture alliance / AA | Hazem Turkia.
احتجاجات في طرابلس ضد قوات الجنرال خليفة حفتر: قلت حدة المواجهات العسكرية في ليبيا بعد خفضت الدول الإقليمية بشكل كبير الدعم العسكري واللوجستي للقائد العسكري الليبي خليفة حفتر. ومنذ مارس الماضي، تتصارع على السلطة في ليبيا حكومتان إحداهما برئاسة فتحي باشاغا وكلفها مجلس النواب والثانية معترف بها من الأمم المتحدة وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة الذي يرفض تسليم السلطة إلا لحكومة يكلفها برلمان جديد منتخب. ولحل هذه الأزمة، أطلقت الأمم المتحدة قبل شهور مبادرة قادت إلى تشكيل لجنة مشتركة من مجلسي النواب والأعلى للدولة للتوافق على قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات.

وتُضاف إلى ذلك أزمة اللاجئين في المنطقة العربية، بعد أن أصبحت تؤوي أكثر من نصف لاجئي العالم أجمع، وهي أزمة لها تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية، فضلًا عن تأثيرها في هويات الدول المضيفة. بتنا نعيش اليوم في منطقة تتلاحق بها الأزمات، والكثير منها عالمي التأثير وصعب التنبؤ به. وقد بات واضحًا أن أدوات الأمس، عالميًا وليس عربيًا فقط، لم تعد كافية لمجابهة تحديات اليوم، فما بالك إن عجزت هذه الأدوات عن حل التحديات الماضية؟

هذه ليست صرخة يأس من المستقبل، وقد لا يملك أحد ان يستسلم لواقع الحال، من دون أن ينتج عن هذا الاستسلام تداعيات مستقبلية خطيرة، لكن الواجب الوطني والعربي يستدعي أن نبقى ندق ناقوس الخطر من استمرار الوضع القائم.

إن أرادت الدول العربية أن تلحق بركب التنمية الإنسانية، لا بدّ لها من أن تدرك أنها بحاجة لأدوات جديدة، بل لتصورات كلية متكاملة لمعالجة تحدياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وأنه لا سلك الطرق السهلة، ولا الإصلاحات المتجزئة ولا التشبث في الماضي سيحصنها عن الحاضر والمقبل من التحديات.

أما مع الاستمرار في التغاضي عن كل هذه التحديات، فأخشى أننا قد نكون مقبِلين على مرحلة من الاحتجاجات العربية المتجددة قد تكون أقل سلمية من الماضي، وقد تنتج عنها تداعيات كبيرة ليست من مصلحتنا جميعًا.

 

مروان المعشّر

حقوق النشر:  كارنيغي 2022

قراءة المقال كاملاً ←

سياقات الاحتجاجات في إيران الى اين






سياقات الاحتجاجات في إيران
تعد الاحتجاجات ظاهرة حاضرة في المشهد الداخلي لإيران، سواء لتحسين الأوضاع المعيشية أو للمطالب الاجتماعية والسياسية الأخرى. وقد برزت احتجاجات متنوعة على الساحة الإيرانية، منها ما أصبحت تعرف بالثورة الخضراء، التي انطلقت فور إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية في العام 2009، كما اندلع عدد من الاحتجاجات المتتابعة ما بين 2017 و2021، كانت تحمل مطالب سياسية متنو، السبت، مدينة زهدان الإيرانية، التي كانت مسرحا لحملة قمع دامية الشهر الماضي على دمار جديد، حسبما أظهر التلفزيون الرسمي، وذلك بعد اندلاع توترات في اليوم السابق.

 في جنوب شرقي البلاد ويقطنها أغلبية من عرقية البلوش،  شهدت احتجاجات عقب صلاة الجمعة، نجم عنها تدمير وتخريب في المتاجر وبعض الممتلكات العامة. وتضررت كذلك أجهزة الصراف الآلي، في حين خرجت طواقم التنظيف لإزالة آثار الخراب والفوض

تشهد المدن الإيرانية احتجاجات شعبية متواصلة منذ السادس عشر من سبتمبر/أيلول الماضي، على إثر مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميري، شملت 140 مدينة وقرية إيرانية، وطالبت بإسقاط النظام وإنهاء الحكم المذهبي، وهو ما جعل الاحتجاجات تشكل تحدياً حقيقياً للنظام الحاكم في إيران.

يحاول تقدير الموقف البحث في سياقات الاحتجاجات الإيرانية على المستويين الداخلي والخارجي، مع التركيز على الأبعاد المختلفة لهذه الاحتجاجات، كما يحاول تقديم سيناريوهات تستشرف مآلات هذه الاحتجاجات وتأثيرها في النظام الحاكم في إيران.

عة.

وفي الـ16 من سبتمبر/أيلول الماضي اندلعت موجة من الاحتجاجات بعد تشييع جنازة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني، التي قُتلت على يد شرطة الأخلاق الإيرانية، بحسب الرواية التي تداولها المحتجون عن ذويها. وقد تزامنت هذه الاحتجاجات مع جملة من السياقات الداخلية والخارجية:






السياقات الداخلية
جاءت الاحتجاجات الإيرانية متزامنة مع حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الداخل الإيراني، وهو ما أدى إلى ارتفاع سقف المطالب، حيث رأت الأقليات العرقية والمذهبية في الاحتجاجات القائمة فرصة للتعبير عن رأيها في النظام الحاكم، حيث تشكل العرقيات المختلفة في إيران (الأهواز والأكراد والبلوش والتركمان وغيرهم) جزءاً كبيراً من الحراك الشعبي، إذ ترى الأقليات القومية في الاحتجاجات الجارية فرصة للضغط على النظام لتحقيق مطالبها القومية وتحسين أوضاعها، ومنحها مزيداً من الصلاحيات في إدارة شؤونها الذاتية.

وقد أدى القمع الشديد الذي تمارسه السلطات الإيرانية على مناطق الأقليات على مدى عقود ماضية إلى زيادة كثافة الاحتجاجات في تلك المناطق، لتصبح منطلقاً لحراكٍ شعبيٍّ أكثر غضباً وأوضح تعبيراً في مطالبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يُلاحظ في الاحتجاجات الجارية أن جميع القوميات متضامنةً معاً، بل إن القومية الفارسية (القومية الأساسية في إيران) تأثرت بحراك الأقليات، ووصلت الاحتجاجات إلى مدينة “قم” نفسها.

وتتميز الاحتجاجات الحالية عن سابقاتها، التي كانت ترفع شعارات بمطالب اقتصادية، في كونها احتجاجات شعبية ترفع شعارات بمطالب اجتماعية تتعلق بمسألة الحريات، فضلاً عن رفعها سقف المطالب السياسية لتتجاوز بذلك مسألة الإصلاحات إلى مسألة الإطاحة بالنظام، نظام ولاية الفقيه والنظام الحاكم الذي يراه المحتجون تابعاً لأوامر المرشد.

السياقات الخارجية
تتداخل الاحتجاجات الحالية في إيران مع عدد من الملفات المرتبطة ذات السياق الخارجي، ومن أهم تلك الملفات:

–   الحرب الروسية الأوكرانية والاتهام الغربي لإيران بدعم روسيا: وعلى الرغم من النفي الإيراني المستمر بشأن تزويد موسكو بالمسيرات، فإن واشنطن تصرح أن العلاقات الروسية الإيرانية في الوقت الحالي تتحول نحو “شراكة دفاعية كاملة“.

–   توقف المفاوضات النووية: إن التصريحات الرسمية الإيرانية التي تتهم أطرافاً خارجية بدعم الاحتجاجات ربما تأتي في إطار التغطية على تعثر المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، فقد جُمِّدت المباحثات بشأن الملف النووي الإيراني منذ أشهر، وأشارت تصريحات وزير خارجية إيران، حسين عبد اللهيان، في لقاء صحفي عقب القمة الإقليمية التي يستضيفها الأردن في شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري، إلى أن الولايات المتحدة اتخذت “إجراءات محتالة بشأن الاتفاق النووي تعارض تصريحاتها السابقة خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الماضية“.

 ويعد هذا أحدث تصريح إيراني رسمي بشأن مباحثات الملف النووي في ظل تعثر المباحثات بشأنه، نتيجة العثور على آثار مواد نووية في ثلاثة مواقع إيرانية غير معلنة، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة مؤشراً على عدم وفاء إيران بالتزاماتها بالاتفاق النووي. وفي المقابل، فإن الأوضاع المتأزمة داخل إيران تتيح استغلالها من قبل القوى المشاركة في المباحثات النووية للضغط على الحكومة الإيرانية للقبول بالاتفاق النووي والموافقة على مطالب القوى الغربية في الاتفاق، وعلى رأسها المطالب الأمريكية.

–   توقف المباحثات الدبلوماسية الإيرانية السعودية: إذ زعمت طهران أن السعودية لها دور في التحريض على الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الحاكم في إيران، وهو ما انعكس سلباً على محاولات تحسين العلاقات بين طهران والرياض التي شهدها العام الماضي بعد محادثات مباشرة بين الجانبين بوساطة عراقية. وربما تكون طهران قد اختارت التصعيد ضد السعودية سواء عبر المباحثات الدبلوماسية أو عبر تحركات ميدانية.

وهذا الأمر ربما تتصاعد آثاره بين الجانبين، فقد ذكر موقع “بوليتيكو” عن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، “أن إيران تخطط لشن هجوم على السعودية لاستهداف البنية التحتية للطاقة في المملكة على الأرجح“. وقبل ذلك نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في ذات الشهر، عن مسؤولين سعوديين وأمريكيين أن واشنطن حذرت الرياض من هجوم إيراني وشيك على أهداف سعودية، وهو ما نفته طهران.

أبعاد الاحتجاجات في إيران
يشير أحد أبرز المظاهر العلنية في الاحتجاجات الأخيرة في إيران إلى أن الخوف لم يعد موجوداً في أوساط الفئات المختلفة للمحتجين، وعكست فجوة كبيرة تعيشها إيران بين النظام الحاكم المعتمد على الهوية المذهبية والبعد العرقي والقمع الشديد للمخالفين، وبين المجتمع الإيراني وفئاته المختلفة المتطلعة إلى تغيير أفضل في الحياة العامة وانفتاح أكثر على شروط الثقافة العالمية.

ومن أهم الأبعاد المرتبطة بالاحتجاجات في إيران الآتي:

الأبعاد السياسية
تعيش السلطات الحاكمة في إيران تحدياً حقيقياً وإن كان غير معلن بشأن خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، فالرجل الذي مكن نفسه من رأس السلطة في البلاد واستخدم سياسة تهميش معظم منافسيه، أصبح كبيراً الآن، ويعاني عدة أمراض، وهو ما جعل من اختيار بديل له أزمة تهدد نظام حكم رجال الدين القائم في البلاد منذ عام 1979.

إذ ليس هناك اتفاق بشأن شخصية تخلف خامنئي وتكون قادرة على الحفاظ على النظام والثورة، فضلاً عن تنامي حالة الرفض والمعارضة من قبل عدد من الشخصيات المتدينة والبارزة في الثورة الإيرانية، ومن أمثال هؤلاء آية الله محمود أمجد، أحد رجال الدين البارزين والمعروف بهويته الإصلاحية في إيران، والذي قال إن خامنئي هو المسؤول عن إراقة الدماء في إيران منذ 2009.

وقد أثارت حالات إعدام المحتجين الأخيرة تصريحات لعدد من مرجعيات حوزة قم، ومنها التصريحات التي عارض فيها مرتضى مقتدائي، أحد أعضاء جمعية مدرسي الحوزة العلمية ورئيس سابق للمحكمة العليا، أحكام الإعدام، وتصريحات محسن كديور، وهو مفكر ديني ومعارض شديد لعقيدة حكم رجال الدين في إيران، التي أشار فيها إلى أن الإعدامات في إيران يديرها بشكل رئيسي خامنئي، إضافة إلى تصريحات بدري حسيني خامنئي، شقيقة علي خامنئي، في 8 ديسمبر/كانون الأول، بعد الحكم على ابنتها فريدة مرادخاني بالسجن 15 عاماً. وتكشف كل هذه التصريحات عن مشكلة تواجه نظام حكم رجال الدين في إيران، وهو ما قد يساهم في استمرار زخم الاحتجاجات وتوسع رقعتها.

وقد رجح تقرير لموقع “إنترسيبت” الأمريكي أن “الأزمة يمكن أن تؤدي إلى زيادة دور الحرس الثوري الإسلامي، وربما القيام بدور مباشر في حكم البلاد“؛ وذلك نظراً لأن الحرس الثوري – وفق ما وصفه التقرير – هو الجهة الوحيدة التي تمتلك عناصر القوة للقيام بدور مباشر في السياسة الإيرانية في حال وفاة خامنئي، وضعف السلطات الدينية في الوقت الحالي عن إجراء إصلاحات حقيقية تلبي طموحات المحتجين.

أما بالنسبة للسلطة السياسية القائمة التي جاءت في أغسطس/آب 2021 فقد بدت عاجزة عن الوفاء بوعودها الانتخابية، وغير قادرة على التعامل مع الأزمات الداخلية، وهو ما استغله التيار المعارض لها (التيار الإصلاحي في إيران)، بعد أن وجه للتيار المحافظ عدداً من الاتهامات، أبرزها اعتماد سياسة خاطئة في مواجهة المطالب الشعبية، وهو ما قاد البلاد إلى سلسلة من الأزمات المتلاحقة، وكذلك اتهم التيار الإصلاحي الحكومة الحالية بقلة الخبرة في التعاطي مع الملفات الخارجية، لعل أهمها الملف النووي الإيراني.

ويحاول الإصلاحيون من توجيه الانتقادات للمحافظين الحصول على دعم شعبي أكبر لهم، واستعادة مكانتهم على الساحة السياسية بعد التهميش الذي وقع بهم، وعدم تمكنهم من التقدم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مطلع 2020؛ نتيجة قرارات المحافظين برفض آلاف طلبات الترشح لعدد كبير من المعتدلين والإصلاحيين. ومن ثم فإن التيار الإصلاحي يسعى إلى استثمار الاحتجاجات الحالية لتدعيم موقفه في الانتخابات القادمة، وتحقيق أهدافه المستقبلية بشأن الحكم في البلاد.

إلا أن الاحتجاجات الحالية لا تزال غير متبلورة في رؤية واضحة وهيئة ثورية واحدة، ولا تزال متنوعة في إداراتها لدرجة تكون أقرب إلى الثورة الشعبية غير المنظمة، وهو ما يصعب رغبة التيار الإصلاحي في استثمار الاحتجاجات الجارية.

الأبعاد الاقتصادية
أدت العقوبات الأمريكية طوال السنوات الماضية إلى سوء الأحوال المعيشية للطبقة الوسطى والفقيرة في المجتمع الإيراني، وقد فاقمت جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية الضغوط الاقتصادية على المجتمع الإيراني، الذي أضحى يعيش وضع اقتصادياً متردياً يزداد سوءاً يوماً بعد آخر، وهو ما شكل نقطة مركزية يلتقي حولها المحتجون باختلاف قطاعاتهم.

وتأتي إيران الثالثة عالمياً في نسب التضخم لأسعار المواد الغذائية، حيث بلغت- بحسب التقريرالأخير للبنك الدولي – حوالي 84%، كما أن عموم فئات الشعب الإيراني تعاني سوء الخدمات الأساسية، وشحها في أحيان كثيرة، لا سيما خدمات الماء والكهرباء، التي شهدت انقطاعات طويلة في الفترة الأخيرة، وهو ما أدى إلى إطلاق احتجاجات على سوء الخدمات الحكومية في أعوام 2019 و2021 و2022.

الأبعاد الأمنية
صرح الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في 10 ديسمبر/ كانون الأول،  أن “أحداث الشغب الأخيرة في إيران لها عدة أبعاد؛ منها البعد الأمني الذي تمكنت الجهات الأمنية من ضبطه”؛ أي إن السلطات الرسمية في إيران ترى في التحركات الشعبية أحداثَ شغب يجب التعامل معها بشدة، ولعل المحافظات الكردية في شمال غرب البلاد كانت الأكثر تعرضاً للقمع، بل إنها تحولت إلى ساحات معركة، بعد أن أرسلت السلطات الإيرانية قوات حربية إلى هناك، ومنعت من إيصال الدم إلى مستشفيات المدن، وقصفت الأحياء السكنية، واستخدمت الرشاشات ضد المحتجين، فضلاً عن قيامها بحملات المداهمة لاعتقال المحتجين في بيوتهم، وتم تبرير القصف العسكري على القرى الكردية أحياناً بمحاربة الإرهاب أو محاربة القوى الانفصالية.

وقد أشارت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، يوم السبت الموافق 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري، إلى ارتفاع عدد قتلى الاحتجاجات إلى 469 شخصاً، بينهم 51 طفلاً و21 امرأة، منذ انطلاق الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول، وهو ما يشير إلى معضلة حقيقية تواجهها السلطات الإيرانية بشأن الحراك الشعبي المتزايد، وتفضيل استخدامها للقمع الشديد بناء على أن الاحتجاجات أعمال عنف لا بد من إنهائها، إلا أن ذلك ربما لن يؤدي إلى وضع مستقر في إيران، نظراً لكون الحراك الاحتجاجي لا ينتهي إلا بتحقق مطالبه، وأن القمع يجعل تلك الاحتجاجات تتوقف مؤقتاً ثم تعاود الظهور مجدداً إلى السطح.

إضافة إلى ذلك، رافق الاحتجاجات في إيران عدد من التصريحات التي هاجمت فيها السلطات الإيرانية عدداً من الدول، واتهمتها بدعم الاحتجاجات الشعبية، فعلى سبيل المثال اتهمت إيران، على لسان القائد العام للحرس الثوري الإيراني حسين سلامي، خمس دول بعينها بدورها في تأجيج الفتنة ضد الشعب الإيراني، وأوضح سلامي، في 16 ديسمبر/كانون الأول الجاري، أن “الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية شاركوا في مواجهة الجمهورية الإسلامية“.

ويبدو أن طهران تستهدف من تلك التصريحات التوجه نحو سياسة تصدير أزمة الاحتجاجات إلى الخارج، واتهام أطراف دولية بتحريك الاحتجاجات، وهو ما قد يحمل أبعاداً مرتبطة بإيجاد مبررات ضد الاحتجاجات تحت مظلة حماية الأمن القومي، ومن ثم تضعف تحركات المحتجين عن طريق القمع الشديد، وكذلك تصرف أنظار المواطنين المؤيدين للسلطة نحو اعتبار الاحتجاجات الخطر الذي يهدد الدولة والأمة الإيرانية ووجودها.

وفي المقابل، يشير حرص القوى الغربية على الدعم الرسمي للاحتجاجات الشعبية وفرض عقوبات مختلفة على قوى النظام ورموزه إلى المساعي الغربية في ضمان الحصول على الضغط الكافي لإجبار النظام الإيراني على القبول بالشروط الغربية، سواء فيما يتعلق بالمفاوضات النووية أو بالملفات الإقليمية الأخرى التي تنشط فيها الخارجية الإيرانية. ولكن لا يعني ذلك أن الرغبة الغربية- لا سيما الأمريكية- تسعى إلى إسقاط النظام في إيران، لكون ذلك مرتبطاً بالمعادلة الأمريكية للمسألة الإيرانية، والتي ربما لا تريد أن يكبر النظام الإيراني فوق ما هو عليه، ولا تريده أن يسقط تمامًا حتى يستمر بقاؤه فزاعة في المنطقة.

السيناريوهات
من أبرز السيناريوهات المحتملة لمآل الاحتجاجات ومصير النظام الحاكم في إيران:

سيناريو استمرار النظام وقمع الاحتجاجات
ويدعم هذا السيناريو:

–   اتباع سياسة القمع الشديد لتجاوز مطالب المحتجين، فضلاً عن امتلاك النظام خبرة واسعة في التعامل مع قمع الاحتجاجات ومحاصرتها.

–   التصريحات الحكومية شديدة اللهجة ضد المحتجين، واعتبارهم مثيري الشغب والمهددين للأمن القومي، ورفض الاعتراف بمطالبهم أو بوجود مظالم تستوجب المعالجة على الأقل.

–   فرض رقابة صارمة على وسائط الإنترنت، ولم تخفَّف حتى الآن.

–   حالات الإعدام التي وصلت إلى إمكانية تعرض 39 متظاهراً على الأقل لخطر الإعدام منذ سبتمبر/أيلول الماضي، وهو ما يشير إلى استمرار النظام الحاكم في إيران في استخدام سياسة التخويف بالإعدام والأحكام الشديدة لقمع المحتجين.

ويضعف هذا السيناريو:

–   الأحوال الاقتصادية والمعيشية السيئة التي تزيد من الحراك الشعبي وتحول دون استقرار الحكومة والنظام الحاكم.

–   المساعي الغربية لفرض ضغوط على إيران للاستجابة للاتفاق النووي عبر دعم الاحتجاجات وفرض عقوبات ضد رموز الثورة والنظام تحت مبررات تتعلق بحقوق الإنسان.

سيناريو تقليص صلاحيات المرشد
يرى هذا السيناريو أن استمرار الاحتجاجات القائمة واتساع رقعتها قد يؤدي إلى إمكانية حدوث تغييرات في صلاحيات المرشد، وذلك بهدف تهدئة الاحتجاجات المستمرة، وتوحيد الصف الديني بعد تباين مواقف كثير منهم بشأن الأحداث الأخيرة.

ويدعم حصول هذا السيناريو:

–   إيران مقبلة على اختيار مرشد جديد للبلاد، ويُحتمل أن يكون من الصف الحديث للثورة الإيرانية لا من المشاركين الأوائل فيها.

–   هناك جدل داخل الحوزة الدينية في قم بشأن الاحتجاجات، وبدأت أصوات عدد من المراجع الدينية تتعالى بضرورة العودة إلى أهداف الثورة الإيرانية، وعدم استخدام العنف وتركز جميع السلطات بيد المرشد.

–   الدعم الغربي للاحتجاجات وفرضه العديد من العقوبات على رموز النظام والثورة في إيران، واستمرار الاحتجاجات تحت مطلب “الموت للديكتاتور”.

ويضعف العمل بهذا السيناريو:

–   صعوبة أن تتنازل السلطة الدينية ورموزها (المرشد) عن تمركز السلطة بيديها، بعد وضع استقر لمصلحتها أكثر من خمسين عاماً.

سيناريو فشل النظام الحاكم في معالجة الوضع وتوسع الاحتجاجات

يرجح هذا السيناريو استمرار الاحتجاجات وتوسع زخمها، دون أن تؤدي التحركات الرسمية لمعالجة الأوضاع المشتعلة في البلاد إلى أي نتيجة لإيقاف الاحتجاجات، والتي ربما ينتج عنها تغيرات في بنية النظام القائم في البلاد منذ 1979.

يدعم هذا السيناريو:

–   حالة الاحتقان الشعبي المتزايد على خلفية الأزمات الاقتصادية والمعيشية المستمرة منذ مدة دون إيجاد حلول بشأنها، وإخفاق الحكومة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية.

–   استمرار ارتفاع مستويات التضخم وتفشي البطالة بمعدلات كبيرة دون انخفاض، والتي ربما تستمر في الارتفاع مع عودة الولايات المتحدة إلى تشديد العقوبات على إيران نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي.

–   الانتقادات الموجهة للنظام من قبل التيار الإصلاحي وبعض الرموز الدينية يزيد من الحراك الشعبي.

ويضعف العمل بهذا السيناريو:

–   القمع الشديد الموجه ضد المحتجين قد يؤدي إلى ضعف مطالبهم وخفوتها مثل ما حدث في احتجاجات سابقة في إيران.

الخاتمة
أظهرت الاحتجاجات في إيران وجود تحدٍّ حقيقي من جانب المواطنين ضد السلطات الحاكمة في إيران، وتشير التصريحات، سواء المناوئة للنظام أو المؤيدة له، إلى نشوء حالة من القلق والاضطراب التي تشهدها إيران حالياً. وعلى الرغم من محاولات السلطات الحاكمة امتصاص الغضب المتزايد للمحتجين عبر إغلاق شرطة الأخلاق، ومساعيها لتصوير الاحتجاجات على أنها ضد شرطة الأخلاق التي قتلت “مهسا أميني”، لم تنخفض الاحتجاجات أو تَخفَّ مطالبها.

ومن الصعب توقع مصير الأوضاع الجارية في إيران وما ستؤول إليه، لكون الأحداث الجارية عبارة عن تحركات شعبية تتغير أحوالها بين حين وآخر، فضلاً عن عدد من العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في مسار الاحتجاجات، ولكن يمكن القول إن المشهد الداخلي لإيران بعد تأثير الاحتجاجات الحالية لن يكون كما كان عليه في السابق.

الكلمات المفتاحية : 

الاحتجاجات في إيران, المرشد علي خامنئي, النظام السياسي, مهسا أميني., نظام حكم رجال الدين
قراءة المقال كاملاً ←

انعكاسات زيارة الرئيس الصيني المرتقبة على العلاقات الخليجية الصينية



أعلن‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السعودي‭ ‬الأمير‭ ‬فيصل‭ ‬بن‭ ‬فرحان،‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬أكتوبر‭/‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬الماضي‭ ‬عن‭ ‬زيارة‭ ‬مرتقبة‭ ‬للرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬‮«‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬وأعلن‭ ‬أيضاً‭ ‬إمكانية‭ ‬عقد‭ ‬‮٣‬‭ ‬قمم‭ ‬صينية‭ (‬سعودية،‭ ‬وخليجية،‭ ‬وعربية‭) ‬خلال‭ ‬الزيارة،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬تطور‭ ‬العلاقات‭ ‬التاريخية‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬ونموها‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬متقدمة‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬تردد‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الزيارة‭ ‬منذ‭ ‬مارس‭/‬آذار‭ ‬الماضي،‭ ‬عبر‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‮»‬‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وأكدته‭ ‬كذلك‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الغارديان‮»‬‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭ ‬الماضي‭.‬

تتزامن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬مع‭ ‬التوترات‭ ‬الأمريكية‭ ‬السعودية‭ ‬بشأن‭ ‬‮«‬أوبك‭ ‬بلس‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬الخليجية‭ ‬تجاه‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬خصوصاً،‭ ‬والغربية‭ ‬عموماً،‭ ‬واتخاذها‭ ‬مواقف‭ ‬جديدة‭ ‬بشأن‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القضايا‭.‬

يحاول‭ ‬تقدير‭ ‬الموقف‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬مرتكزات‭ ‬العلاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية،‭ ‬ومدى‭ ‬انعكاس‭ ‬الزيارة‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬ومستقبل‭ ‬تطورها‭.‬

مرتكزات‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية
مع‭ ‬توسع‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬للصين‭ ‬سعت‭ ‬لتعزيز‭ ‬علاقتها‭ ‬أكثر‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬نظراً‭ ‬لموقع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬وأهميتها‭ ‬النفطية‭ ‬وعمقها‭ ‬الثقافي،‭ ‬ويظهر‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المرتكزات‭ ‬الرئيسة،‭ ‬من‭ ‬أهمها‭:‬

التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المنفعة‭ ‬المتبادلة‭ ‬
يعد‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتجاري‭ ‬الأرضية‭ ‬الصلبة‭ ‬المشتركة‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية،‭ ‬فالتبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬قرون‭ ‬طويلة‭ ‬سبقت‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬للدول‭ ‬الخليجية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬وحلفائها‭. ‬وقد‭ ‬حافظ‭ ‬الجانبان‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتجارية‭ ‬متوازنة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاج‭ ‬الصين‭ ‬سياسة‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬واتجهت‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬تأثيرها‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المشاريع‭ ‬التنموية‭ ‬ودعم‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬تحت‭ ‬قاعدة‭ ‬المنفعة‭ ‬المتبادلة‭.‬

الاحترام‭ ‬السياسي‭ ‬المتبادل‭ ‬ورفض‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية
انسجمت‭ ‬أيديولوجية‭ ‬الصين‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وبناء‭ ‬الشراكات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬العقيدة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬تفضل‭ ‬بقاء‭ ‬شؤونها‭ ‬الداخلية‭ ‬المحلية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التأثير‭ ‬الخارجي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وجدته‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬ترفع‭ ‬شعار‭ ‬النأي‭ ‬بالنفس‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬الداخلية‭.‬

الاحتياج‭ ‬الخليجي‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬الصينية‭ ‬مقابل‭ ‬الحاجة‭ ‬الصينية‭ ‬للنفط‭ ‬الخليجي
مع‭ ‬توسع‭ ‬نفوذ‭ ‬الصين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬كانت‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأهداف‭ ‬لديها،‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الأسباب،‭ ‬ومن‭ ‬أهمها‭ ‬الحاجة‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬النفط‭ ‬الخليجي‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬المشاريع‭ ‬الصينية،‭ ‬ولذلك‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬علاقات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬واتجهت‭ ‬إلى‭ ‬استيعاب‭ ‬حاجة‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الصناعية‭ ‬المدنية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬مقابل‭ ‬الاستفادة‭ ‬الخليجية‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الصينية‭ ‬المتطورة‭ ‬في‭ ‬مشاريعها‭ ‬وخططها‭ ‬التنموية‭.‬

الانعكاسات‭ ‬المحتملة‭ ‬للزيارة‭ ‬الصينية‭ ‬المرتقبة‮ ‬





جاءت‭ ‬التصريحات‭ ‬السعودية‭ ‬بشأن‭ ‬الزيارة‭ ‬الرئاسية‭ ‬للصين‭ ‬ضمن‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬التصريحات‭ ‬الداعمة‭ ‬لتعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬كافة،‭ ‬ومؤكدة‭ ‬موقف‭ ‬المملكة‭ ‬الثابت‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬الصين‭ ‬الواحدة‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لم‭ ‬تعلق‭ ‬الخارجية‭ ‬الصينية‭ ‬أو‭ ‬سفارتها‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬على‭ ‬خبر‭ ‬الزيارة،‭ ‬واكتفت‭ ‬وزارة‭ ‬خارجيتها‭ ‬بالقول‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬لديها‭ ‬معلومات‭ ‬لتقديمها‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬تصريح‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬خبر‭ ‬الزيارة،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬التصريحات‭ ‬الصينية‭ ‬السابقة‭ ‬المؤكدة‭ ‬للتنسيق‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الثنائية،‭ ‬ودعم‭ ‬استقرار‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وخطط‭ ‬التنمية‭ ‬القائمة‭ ‬فيها،‭ ‬فإن‭ ‬احتمالية‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬واردة‭.‬

بناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الزيارة‭ ‬الصينية‭ ‬المحتملة‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬انعكاسات‭ ‬مختلفة‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الأخبار‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬الاستعدادات‭ ‬السعودية‭ ‬للزيارة،‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مقاربة‭ ‬لبروتوكولات‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حفاوة‭ ‬الاستقبال‭ ‬وضخامة‭ ‬التجهيزات‭ ‬ونوعية‭ ‬الحاضرين،‭ ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬ستكون‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭: ‬

الانعكاسات‭ ‬السياسية
ربما‭ ‬تعزز‭ ‬الزيارة‭ ‬المحتملة‭ ‬للرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬حالة‭ ‬التناغم‭ ‬السياسي‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬سابقاً‭ ‬تجاه‭ ‬بعض‭ ‬الملفات‭ ‬الخليجية‭ ‬والصينية،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬الجانبان‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬تبادلاً‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬الدعم‭ ‬والتأكيد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مصالح‭ ‬مشتركة،‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬دعمت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬موقفها‭ ‬الرافض‭ ‬لزيارة‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬نانسي‭ ‬بيلوسي،‭ ‬لتايوان‭ ‬مطلع‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭ ‬الماضي،‭ ‬واتضح‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تصريحات‭ ‬عديدة‭ ‬دعمت‭ ‬فيها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مبدأ‭ ‬الصين‭ ‬الواحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الصين‭ ‬تبادل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الموقف‭ ‬ذاته‭ ‬بشأن‭ ‬حماية‭ ‬سيادتها‭ ‬الوطنية‭ ‬وحدودها‭ ‬القومية‭.‬

الانعكاسات‭ ‬الداخلية
إن‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬الدعم‭ ‬المتبادل‭ ‬للسياسات‭ ‬الداخلية‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ -‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬السابقة‭ ‬للزيارة‭ ‬المرتقبة‭- ‬يوحي‭ ‬بإمكانية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإدارة‭ ‬شؤونهما‭ ‬الداخلية‭ ‬أو‭ ‬تنسيق‭ ‬علاقاتهما‭ ‬الثنائية‭.‬

ولعل‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السعودي،‭ ‬فيصل‭ ‬بن‭ ‬فرحان،‭ ‬عند‭ ‬إعلان‭ ‬خبر‭ ‬الزيارة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السعودية‭ ‬تسعى‭ ‬دائماً‭ ‬لتنسيق‭ ‬المواقف‭ ‬حيال‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬البلدين،‭ ‬وتؤكد‭ ‬على‭ ‬موقفها‭ ‬الثابت‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬موقف‭ ‬الصين‭ ‬الواحدة‭ ‬ورفض‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول‭ ‬وتسييس‭ ‬موضوعات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‮»‬،‭ ‬لعلها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬سعي‭ ‬الجانبين‭ ‬لتطوير‭ ‬التعاون‭ ‬المتبادل‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الداخلية‭.‬

ولما‭ ‬كانت‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬المرتقبة‭ ‬إلى‭ ‬الرياض‭ ‬تعد‭ ‬الزيارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأولى‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬والأولى‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جدد‭ ‬ولاية‭ ‬حكمه‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬لفترة‭ ‬ثالثة،‭ ‬فذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬قراره‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية‭ ‬لدى‭ ‬الصين،‭ ‬تتمثل‭ ‬ربما‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬ولايته‭ ‬الجديدة‭ ‬عبر‭ ‬عقد‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بضمان‭ ‬استقرار‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬طويل‭. ‬كذلك،‭ ‬تحمل‭ ‬الزيارة‭ ‬المرتقبة‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬خليجية؛‭ ‬فاختيار‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬للزيارة‭ ‬الأولى‭ ‬للرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬دليل‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬والصين‭.‬

الانعكاسات‭ ‬الخارجية‮ ‬
قد‭ ‬تبدو‭ ‬التصريحات‭ ‬الرسمية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حول‭ ‬الإعلان‭ ‬السعودي‭ ‬بشأن‭ ‬الزيارة‭ ‬الصينية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬التبرير‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الذرائع‭ ‬والمسوغات‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬والصرامة‭ ‬في‭ ‬موقفها‭ ‬الرسمي‭. ‬حيث‭ ‬صرح‭ ‬نيد‭ ‬برايس،‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحفي‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭/‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬الجاري‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬دولة‭ ‬أخرى،‭ ‬وأن‭ ‬هدف‭ ‬واشنطن‭ ‬هو‭ ‬‮«‬منح‭ ‬الدول‭ ‬خياراً،‭ ‬وجعل‭ ‬اختيار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وما‭ ‬تطرحه‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬جاذبية‮»‬‭.‬

بناء‭ ‬عليه،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الزيارة‭ ‬ستعزز‭ ‬أكثر‭ ‬حالة‭ ‬الرغبة‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توازن‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬الأخرى،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬ربما‭ ‬تؤدي‭ ‬زيادة‭ ‬التعاون‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والصين‭ ‬إلى‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬أمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬واشنطن‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬تجاه‭ ‬الصين،‭ ‬التي‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬التحدي‭ ‬الأمني‭ ‬الأكبر‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬‮«‬هيمنة‭ ‬بكين‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬رئيسية‮»‬‭.‬

كذلك،‭ ‬فإن‭ ‬انتهاج‭ ‬الصين‭ ‬سياسة‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬وتطور‭ ‬علاقاتها‭ ‬المختلفة‭ ‬مع‭ ‬منافسين‭ ‬إقليميين‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬يجعل‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬بشأن‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‭ ‬للإقليم‭ ‬غير‭ ‬واضح‭. ‬فالدعم‭ ‬الصيني‭ ‬لإيران،‭ ‬والتوسع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الصين‭ ‬بالكيان‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬قد‭ ‬يؤخر‭ ‬كثيراً‭ ‬التفاهمات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والصين،‭ ‬وربما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انعكاسات‭ ‬غير‭ ‬إيجابية‭ ‬للزيارة‭ ‬المقبلة‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬سقف‭ ‬الطموحات‭ ‬المشتركة‭. ‬

الانعكاسات‭ ‬الاقتصادية
تعد‭ ‬الملفات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أجندات‭ ‬الزيارة‭ ‬وضوحاً،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬نيوم‮»‬‭ ‬إحدى‭ ‬محطات‭ ‬زيارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني،‭ ‬وهذا‭ ‬يعزز‭ ‬بالأساس‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بشكل‭ ‬محوري‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭.‬

لذلك‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تناقش‭ ‬الزيارة‭ ‬المسائل‭ ‬الخاصة‭ ‬بالتجارة‭ ‬والنقل‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وجلب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وغيرها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬التنسيق‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتجاري‭ ‬بينهما‭. ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬بند‭ ‬يُتوقع‭ ‬إنجازه‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬هو‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬المفاوضات‭ ‬بشأنها‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬الاتفاق‭ ‬بشأنها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المشاورات‭ ‬الثنائية‭ ‬المستمرة‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص،‭ ‬وآخرها‭ ‬كانت‭ ‬المباحثات‭ ‬التي‭ ‬أجراها‭ ‬المسؤولون‭ ‬الخليجيون‭ ‬أوائل‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أثناء‭ ‬زيارتهم‭ ‬إلى‭ ‬بكين‭.‬

وفي‭ ‬حال‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والصين‭ ‬فمن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬الجانبان‭ ‬انعكاسات‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬اقتصادهما‭ ‬المحلي،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬امتلاكهما‭ ‬مقومات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيضاف‭ ‬إلى‭ ‬بنك‭ ‬الأهداف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المشتركة‭ ‬لكلا‭ ‬الجانبين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للصين‭ ‬وتنمية‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للدول‭ ‬الخليجية‭.‬

الانعكاسات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية
تعد‭ ‬الملفات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية‭ ‬أقل‭ ‬بروزاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعلاقات‭ ‬الثنائية،‭ ‬فهي‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأساسية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬الداعمة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬خلو‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬من‭ ‬تنسيق‭ ‬مشترك‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأمن،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬القطاع‭ ‬العسكري‭ ‬لدى‭ ‬الصين؛‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬الصناعات‭ ‬العسكرية‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬تكنولوجية‭ ‬عسكرية‭ ‬متقدمة‭ ‬ومتفوقة‭.‬

لذلك‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬الزيارة‭ ‬توسيع‭ ‬التجارة‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الأسلحة‭ ‬المتطورة‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬الصين،‭ ‬مثل‭ ‬الأسلحة‭ ‬الحربية‭ ‬ذات‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬والأسلحة‭ ‬الليزرية‭ ‬والأسلحة‭ ‬فوق‭ ‬الصوتية‭ ‬والمدافع‭ ‬الكهرومغناطيسية‭ ‬والروبوتات‭ ‬الذكية‭ ‬والمضادات‭ ‬للهجمات‭ ‬الجوية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬التقنيات‭ ‬المتقدمة‭.‬

وتتنامى‭ ‬أهمية‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬زيادة‭ ‬مطالبة‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشأن‭ ‬خفض‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إلغاء‭ ‬صفقات‭ ‬السلاح‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬عقد‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الأمنية‭ ‬خلال‭ ‬الزيارة‭ ‬الصينية‭ ‬المرتقبة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ربما‭ ‬يشكل‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والصين،‭ ‬وسيؤدي‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬تأزم‭ ‬العلاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

محددات‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية
أدت‭ ‬حالة‭ ‬التأزم‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬وتأزم‭ ‬علاقة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬السعي‭ ‬الرسمي‭ ‬الخليجي‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬الخليجية‭ ‬موقفاً‭ ‬سياسياً‭ ‬متوازناً‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬أطراف‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كون‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬عليها‭ ‬ويمنحها‭ ‬فرصاً‭ ‬لتأمين‭ ‬استقرارها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حالة‭ ‬التغيرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬العالمية‭ ‬والهشاشة‭ ‬الأمنية‭ ‬الإقليمية‭. ‬

بناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬تتبنى‭ ‬الصين‭ ‬دبلوماسية‭ ‬مرنة‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬التطلعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬وقد‭ ‬تؤدي‭ ‬الزيارة‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المحددات‭ ‬التالية‭:‬

السعي‭ ‬الخليجي‭ ‬لخلق‭ ‬علاقة‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬الدولية
تسعى‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬علاقتها‭ ‬بالصين‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬منهجية‭ ‬تنويع‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬وعدم‭ ‬حصر‭ ‬علاقاتها‭ ‬في‭ ‬حليف‭ ‬وحيد،‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬تحاول‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يتصادم‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬نظراً‭ ‬للعلاقة‭ ‬التاريخية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬بينهما،‭ ‬وأي‭ ‬تعزيز‭ ‬للعلاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬بالصين‭ ‬ربما‭ ‬لن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

مدى‭ ‬الاستجابة‭ ‬الصينية‭ ‬لمخاوف‭ ‬دول‭ ‬الخليج




إن‭ ‬محافظة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬النأي‭ ‬بالنفس‭ ‬عن‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية،‭ ‬ودعم‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬الخليجية،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬المبادرات‭ ‬السياسية‭ ‬لتخفيف‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة‭ ‬كالأزمة‭ ‬اليمنية‭ ‬والسورية،‭ ‬قد‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬العلاقات‭ ‬ونموها‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ملامح‭ ‬السياسة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬استيعاب‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬لدى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متأخرة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الإيرانية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يجعله‭ ‬محدداً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬استشراف‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية‭ ‬المستقبلية‭.‬

إذ‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬وضوح‭ ‬السياسات‭ ‬الصينية‭ ‬تجاه‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬للخليج،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمشروع‭ ‬الإيراني،‭ ‬وتحديد‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الصينية‭ ‬المتبعة‭ ‬بشأن‭ ‬ذلك،‭ ‬إلى‭ ‬تطور‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬النهج‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬ذاته،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬عن‭ ‬إيران،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬العلاقات‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية،‭ ‬لكن‭ ‬ربما‭ ‬لن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬انهيارها؛‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرص‭ ‬الخليجي‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬استفادة‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬من‭ ‬الآخر‭.‬

الحضور‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج
يُتوقع‭ ‬ألا‭ ‬تتنازل‭ ‬واشنطن‭ ‬عن‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الحليف‭ ‬الأمني‭ ‬الأول‭ ‬للدول‭ ‬الخليجية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يلاحظ‭ ‬من‭ ‬التصريحات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشأن‭ ‬مخاوفها‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المزعومة‭ ‬للسعودية،‭ ‬وأنها‭ ‬لن‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬الرد‭ ‬إذا‭ ‬لزم‭ ‬الأمر،‭ ‬حسب‭ ‬تعبيرها،‭ ‬وقد‭ ‬صرحت‭ ‬واشنطن‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬نوفمبر‭/‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الزيارة‭ ‬الصينية‭ ‬إلى‭ ‬الرياض،‭ ‬وفي‭ ‬7‭ ‬نوفمبر‭/‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬ذكرت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬واشنطن‭ ‬بوست‮»‬‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الوسطى‭ ‬أطلقت‭ ‬مقاتلات‭ ‬باتجاه‭ ‬إيران‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬التأهب‭ ‬الشاملة‭ ‬للقوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬السعودية‭.‬

ربما‭ ‬تشير‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬إلى‭ ‬المساعي‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإعادة‭ ‬مراجعة‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬بعد‭ ‬خفوت‭ ‬الحضور‭ ‬مؤقتاً‭ ‬والانشغال‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الآسيوي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬الصينية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الملفين‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني،‭ ‬مرهونة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بمدى‭ ‬تقدم‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشأن‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭.‬

التغيرات‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬
يشهد‭ ‬الهيكل‭ ‬العام‭ ‬للنظام‭ ‬العالمي‭ ‬تطورات‭ ‬كبيرة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تغيرات‭ ‬جوهرية‭ ‬فيه،‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬بروز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التعددية‭ ‬القطبية‮»‬‭ ‬وهبوط‭ ‬مركز‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬العالمي،‭ ‬وظهور‭ ‬القوتين‭ ‬الصينية‭ ‬والروسية‭ ‬كحليفين‭ ‬رئيسيين‭ ‬لمواجهة‭ ‬هيمنة‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬التغيرات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬هيكلة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬تفاعل‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬معها،‭ ‬والتي‭ ‬ربما‭ ‬تحتم‭ ‬عليها‭ ‬إيجاد‭ ‬موقع‭ ‬متوازن‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية،‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحلفاء‭ ‬التقليديين‭.‬

الخاتمة
يبدو‭ ‬أن‭ ‬الزيارة‭ ‬الصينية‭ ‬المحتملة‭ ‬للخليج‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬بعض‭ ‬التطلعات‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها‭ ‬الجانبان،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تواجه‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الزيارة‭ ‬وتوقيتها‭ ‬الحساس،‭ ‬أو‭ ‬التحديات‭ ‬الأخرى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بطبيعة‭ ‬العلاقة،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬فإن‭ ‬التفاؤل‭ ‬الخليجي‭ ‬والصيني‭ ‬المشترك،‭ ‬قد‭ ‬يعجلان‭ ‬موعد‭ ‬الزيارة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدوافع‭ ‬الخليجية‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬والدوافع‭ ‬الصينية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالطاقة‭ ‬واستثمار‭ ‬العلاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتحييدها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬تؤسس‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭.‬


والمراجع 
المصدر 

https://fikercenter.com/
قراءة المقال كاملاً ←

التصعيد الأمريكي الصيني في تايوان وأثره على الملفات الأمنية المشتركة

وصلت رئيسة مجلس الكونجرس الأمريكي نانسي بيلوسي، مساء يوم الثلاثاء الموافق 2 أغسطس/آب، إلى تايوان المتنازع بشأنها مع الصين. وعُدت هذه الزيارة حدثاً تاريخياً في العلاقات الأمريكية-الصينية؛ نظراً لكونها أول زيارة لمسؤول أمريكي رفيع المستوى إلى الجزيرة منذ خمسة وعشرين عاماً.

وتأتي الزيارة في ظل سلسلة من الأحداث الدولية، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية، والتضخم العالمي، وأزمة إمدادات الطاقة، وغيرها، وقد تعد هذه الزيارة حدثاً فارقاً- شأنها شأن الأحداث الأخرى-في حال كان لها انعكاسات أمنية وسياسية على المستوى الإقليمي والدولي.

يحاول تقدير الموقف البحث في دوافع التصعيد الأمريكي الصيني بشأن تايوان، وانعكاسات هذا التصعيد على الملفات الأمنية المشتركة، بالإضافة إلى تقدير السيناريوهات المتوقعة للتصعيد بين واشنطن وبكين.

سيرورة الصراع بين الصين وتايوان

تقع تايوان في شرق بحر الصين، وتبعد حوالي 140 كيلومتراً عن مقاطعة فوجيان الصينية، وتتكون من عدد كبير من الجزر تُشكل أرخبيلاً يطل على المحيط الهادي، وأكبر هذه الجزر هي تايوان، التي أطلق اسم أرخبيل الجزر على اسمها.







وأما عن تاريخ الصراع الصيني التايواني فإنه يعود إلى القرن السابع عشر، بعد أن سيطرت الصين على الجزيرة واستولت سلالة تشينغ الصينية على حكم الجزيرة لقرون تالية. ولكن بعد خسارة الصين في الحرب الصينية اليابانية الأولى تخلت سلالة تشينغ عن إدارة شؤون الجزيرة، وأصبحت الجزيرة مستقلة عن الصين في 1895.

عاودت الصين السيطرة مجدداً على تايوان في عام 1945 بعد خسارة اليابان الحرب العالمية الثانية. وفي ذات الفترة بدأت الحرب الأهلية في الصين بين مناصري النظام الشيوعي ومناصري النظام الجمهوري، وانتهت الأحداث بسيطرة الشيوعيين على بكين عام 1949، وفَرَّ الجمهوريون بقيادة تشيانغ كاي شيك ومن بقي معه من الحزب القومي بما يعرف بـ(الكومينتانغ) إلى جزيرة تايوان.

أسس الشيوعيون المنتصرون جمهورية الصين الشعبية، في حين حصل الكومينتانغ على حكم تايوان، وأعلن كل من الفريقين أنهما الممثلان الرسميَّان للأراضي الصينية كلها. استمر حال العداء بين الجانبين إلى أن أعلنت تايوان إنهاء الحرب مع الصين في “البر الرئيسي” عام 1991، ودون أن تتنازل عن رغبتها في الاستقلال عن الصين، وهو ما يعد أمراً مرفوضاً بالنسبة للصين التي تصر على مبدأ الصين الواحدة، ولهذا الغرض أقرت، عام 2004، قانون مناهضة الانفصال، الذي يتيح للصين استخدام الوسائل العسكرية ضد أي مشروع للانفصال تطرحه تايوان.

دوافع الصراع الصيني الأمريكي بشأن تايوان

في عام 1979 أعلنت الولايات المتحدة التزامها بسياسة الصين الواحدة، ولكن الإعلان الأمريكي لم يشمل التعاون العسكري والاقتصادي مع تايوان، الذي كان معمولاً به منذ الحرب الكورية (عام 1950). وفي عام 1995، بدأت الولايات المتحدة تتخذ موقفاً آخر، وذلك عندما قرر رئيس تايوان، لي تين هوي، الذي كان يرغب في إعلان استقلال تايوان، زيارة الولايات المتحدة بقصد زيارة الجامعة التي تخرج فيها، وهو ما عدَّته الصين تجاوزاً لسياسة الصين الواحدة.

أجرت الصين حينها عدداً من تجارب إطلاق الصواريخ بالقرب من المياه المحيطة بتايوان، وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إرسال حاملتين للطائرات لمنع الصين من الاستمرار في إجراء التجارب الصاروخية بالقرب من تايوان. وفي 1996 زار أول وفد أمريكي رفيع المستوى جزيرة تايوان، وقاد الوفد رئيس مجلس النواب الأمريكي يوت غينغريتش، لتعد تلك الزيارة أول خطوة أمريكية لتطبيع العلاقات السياسية مع تايوان.

وبعد فوز ترامب بحكم الولايات المتحدة أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيسة تايوان، تساي إنغ ون، الساعية لمشروع الانفصال عن الصين. وقد أثار الاتصال الرئاسي الأمريكي مخاوف الصين، ليدخل التوتر الصيني التايواني مرحلة جديدة، ويصبح العنوان الرئيسي لعدد من ملفات التنافس والتوتر بين الصين والولايات المتحدة.

الدوافع الأمنية والعسكرية

تَعُدُّ الولايات المتحدة الأمريكية نفسها منذ الحرب العالمية الثانية في حرب مفتوحة مع الشيوعيين، بهدف فرض الهيمنة الأمريكية. ولهذا السبب انضمت الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية في حربها مع كوريا الشمالية بعد أن أعلنت، في عام 1950، نيتها ضم الجزء الجنوبي بالقوة. أصبحت تايوان في تلك المرحلة حليفة للولايات المتحدة إلى جانب كوريا الجنوبية، في حين دعمت الصين كوريا الشمالية، وترتب على الدعم الصيني لكوريا الشمالية انقلاب في موازين المعركة، وانسحب الجنود الأمريكان من الأماكن التي سيطروا عليها في كوريا الشمالية عام 1951.

وفي الآونة الأخيرة، ارتبط الوجود العسكري للولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادي الآسيوي بالرغبة الأمريكية في ترسيخ وجودها في تلك المنطقة وتقوية دورها، وذلك لمواجهة الصين وطموحاتها في النفوذ إقليمياً وعالمياً.

من جانبها، تحاول العاصمة التايوانية، تايبيه، من خلال إعلان تحالفها مع واشنطن، ضمان مصالحها العسكرية والأمنية في حال تعرضها لأي تحرك عسكري صيني ضدها، فضلاً عن حصولها على حماية أمنية أمريكية عن طريق الوجود العسكري الأمريكي المنتشر في المحيط الهادي الآسيوي، وهو ما يشكل تحدياً أمنياً للصين المشتركة مع تايوان بمضيق مائي ضيق.

الصين بدورها تسعى إلى ضم تايوان بأي وسيلة كانت، لتأمين حدودها من أي عدو خارجي يهدد استقرارها، فضلاً عن رغبتها في أن تصبح القوة العسكرية الأولى في منطقة بحر الصين والمحيط الهادي الآسيوي، وهو ما تعرقله واشنطن بأنشطتها الداعمة لتايوان وتحركاتها العسكرية في المنطقة. وربما تتحقق لبكين رغبتها إذا ما أظهرت قوتها العسكرية في تايوان، وربما احتلالها، لتسريع الهيمنة الصينية على المجال الإقليمي.

الدوافع السياسية والاقتصادية

حاولت الولايات المتحدة منذ اللحظة الأولى التي هرب فيها الكومينتانغ إلى تايوان، الاستفادة من حالة العداء بين الجانبين لإضعاف موقف الصين الداخلي. فعلى الرغم من إقامة واشنطن لعلاقات دبلوماسية مع الصين، واعترافها بسياسة الصين الواحدة عام 1979، فإن ذلك لم يمنعها من تطوير علاقاتها مع تايوان، وذلك بهدف استخدامها ورقة لأغراض ومصالح أمريكية خاصة.

ولمدة طويلة استخدمت واشنطن ورقة تايوان للتأثير في السياسات الصينية الداخلية والخارجية، ولهذا نجد الطرفين يستخدمان نفس الأساليب الدبلوماسية؛ فالسكوت الأمريكي عن التلويح باستخدام ورقة استقلال تايوان، كان مقابل السكوت الصيني على قضايا دولية عديدة، مثل قضية غزو العراق وغيرها من القضايا.  وقد طورت الولايات المتحدة التعاون التقني والاستثمارات المالية الضخمة مع تايوان، وربما هدف ذلك إلى التغلغل في السوق الإقليمية، والتأثير على الصناعات الصينية، ومن ثم إنشاء يد طولى على الصين وعلى المنطقة المحيطة بها.

أما بالنسبة للصين فتتمثل الدوافع السياسية في حرص بكين على المحافظة على موقعها الإقليمي والعالمي، وإظهار الصرامة الدبلوماسية في عدم التجاوب مع أي قضية لا تتوافق مع الرؤية الصينية، وهو أمر بدأ يتصاعد كثيراً في الفترة الأخيرة. إذ إنه مع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وضعف الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، تزايدت بوادر ظهور النظام العالمي متعدد الأقطاب، وبدأت الصين التوسع في نفوذها وتأثيرها، ومن ثم فإن الإصرار الصيني على عدم استقلال تايوان يأتي في سبيل تحقيق الأطماع الصينية المستقبلية، وأن استقلال تايوان ربما يهدد وحدة الصين ككل بشكل عام.

الانعكاسات الأمنية على الملفات المشتركة

أقامت الولايات المتحدة الأمريكية علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الصين، إذ نجد الاستثمارات الصينية في أدوات الدين الأمريكية هي أضخم الاستثمارات الأجنبية حتى عام 2020، بعد أن عطلها ترامب، وفي المقابل نجد استثمارات أمريكية هائلة في الصين؛ إذ أظهرت بيانات شركة روديوم جروب للأبحاث أن الاستثمارات الأمريكية في أسهم الشركات الصينية بلغت حوالي 1.1 تريليون دولار في نهاية 2020، أي نحو خمس مرات أكثر من  211 مليار دولار ظهرت في البيانات الرسمية الأمريكية المعلنة في سبتمبر/أيلول 2020.

هذه العلاقة تتراجع تدريجياً، خصوصاً منذ تغيير المسارات الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية التي بدأت تتجه نحو الشرق عوضاً عن مناطق النفوذ الأخرى، وهو ما جعل الصين تتخذ القرار ذاته بالتوجه نحو مناطق جديدة لبناء شركة علاقات ونفوذ تدعم توجهات الصين الحديثة، وتعد المنطقة العربية ودول إفريقيا ساحة رئيسية للاستثمار السياسي والدبلوماسي الصيني، وهو ما يُظهر تحولاً في شبكة العلاقات والمصالح الدولية الجارية، التي قد تُؤثر في شكل التحالفات المستقبلية لأعضاء المجتمع الدولي.

لذلك نجد أن الحالة الأمنية والسياسية بين الصين والولايات المتحدة تظهر حالة من الاستفزاز المتبادل، وهو ما يعطي احتمالية قرب انتهاء مفعول الورقة التايوانية التي تستخدمها واشنطن، ودخول العلاقات المشتركة في مرحلة جديدة.

ملف الوجود الأمريكي في منطقة المحيط الهادي الآسيوي

اتجهت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة إلى توسيع علاقاتها مع دول منطقة المحيط الهادي الآسيوي، وذلك بهدف تنفيذ الاستراتيجية الخاصة بالأمن القومي الأمريكي، فقد عقدت معاهدات تعزيز شراكات أمنية وعسكرية مع حلفائها في المنطقة مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، فضلاً عن عقد شراكات جديدة مع دول مثل الفلبين وماليزيا وإندونيسيا، وكل ذلك بهدف تحقيق الرغبة الأمريكية في محاصرة الصين.

وقد تؤدي زيادة التصعيد الأمريكي الصيني حول تايوان إلى رفع مستويات التأهب الأمريكي في المنطقة وزيادة النشاط الأمريكي الدبلوماسي والعسكري، وربما الاعتماد على حلفائها لتشكيل خط دفاعي أمامي لمصالحها الاستراتيجية في مياه المحيط الهادي الآسيوي، وهو ما قد تواجهه الصين بالمثل؛ بتشديد مراقبتها الأمنية، وزيادة درجة التأهب العسكري لديها.

ملف التصنيع الحربي الصيني

استخدمت الصين خلال مناورتها العسكرية حول تايوان أسلحة برية وبحرية وجوية متطورة، وبعضها استخدِم أول مرة، وهو ما يظهر الاستعراض الصيني لما توصلت إليه من تقنيات عسكرية متطورة. وبالطبع لم تظهر الصين كل تقنياتها العسكرية؛ لكونها تدرك حجم التجسس الخارجي وجمع المعلومات الاستخباري بشأنها.

إلا أن السلاح العسكري الصيني الذي اطلعت عليه أغلب الوسائل الإعلامية العالمية ربما يساهم في زيادة مبيعات السلاح الصيني، التي بدأت مؤخراً بالصعود، خاصة مع ظهور تقنيات تكنولوجية حديثة ربما تضاهي التقنية الأمريكية والأوروبية السائدة.

في المقابل قد تتجه واشنطن إلى توسيع قراراتها بفرض عقوبات على الشركات الصينية المرتبطة بالتصنيع الحربي، وربما تلجأ إلى دفع حلفائها في الغرب إلى اتخاذ القرار ذاته لتصبح جملة عقوبات غربية على الشركات التي ترتبط بعلاقة مع الجيش الصيني أو جهازه التصنيعي.

ملف الحرب الروسية –الأوكرانية

تظهر التصريحات الصينية الأخيرة أنها تدافع عن حقها المصيري في أمنها والسيادة على أراضيها، وهي تصريحات تكاد تكون شبيهة بالتصريحات الروسية قبل بدء حربها مع أوكرانيا. إذ يرى كل من الجانبين الروسي والصيني أنهما يدافعان عن مصالحهما في وجه الهيمنة الغربية، وهو ما يستوجب التعاون المشترك بينهما، وتدعيم رؤيتيهما من خلال التصريحات الرسمية التي يؤيد بها كل طرف الآخر.

وفي حال تطور التصعيد الأمريكي الصيني في تايوان نحو المواجهات أو المناوشات المباشرة بين الصين وتايوان، فإن المواقف الداعمة بين الصين وروسيا قد تتحول إلى تحالفات عسكرية علنية، وربما ينعكس ذلك على الاستقرار العالمي نتيجة تصاعد الأحداث في بؤرتين للصراع؛ إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب.

السيناريوهات

استكملت إدارة بايدن ما قدمته إدارة ترامب من معونات عسكرية وعلاقات دبلوماسية متطورة مع تايبيه، وهو ما أثار غضب بكين المتصاعد ورفع من حدة تصريحاتها الرسمية وتحركاتها العسكرية في المنطقة المحيطة بتايوان. واعتبرت زيارة بيلوسي لتايبيه بمنزلة تصعيد في المواقف الأمريكية، وهو ما جعل الصين تلجأ إلى مزيد من التشدد في المسألة التايوانية، وإظهار القوة العسكرية الصينية وسيلةً للتهديد والوعيد.

ومن أبرز السيناريوهات المتوقعة:

سيناريو تفاقم الأزمة

يتوقع هذا السيناريو أن تتجه الأحداث نحو التصعيد في المنطقة المحيطة بتايوان، وذلك لعدم وجود تنسيق دبلوماسي إيجابي مع واشنطن بشـأن تايوان، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث مواجهات غير مباشرة أو مواجهات محدودة.

ويدعم هذا السيناريو:

– بقاء عناصر التصعيد حول تايوان؛ فلا تزال الصين تجري مناوراتها العسكرية التاريخية حول تايوان، وكل ذلك بغرض الضغط على تايوان لعدم التحرك نحو إعلان الاستقلال.

– حالة التأهب العسكري في المنطقة رداً على التدريبات العسكرية الصينية، إذ نجد المناورات العسكرية التي أجرتها تايوان، في 9 أغسطس/آب، والتي حاكت فيها الدفاع عن الجزيرة في حال هجوم صيني محتمل، وكذلك التدريبات العسكرية التي أجرتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الحليفة في إندونيسيا، يوم الجمعة الموافق 12 أغسطس/آب، وهي تدريبات عسكرية سنوية، ومع ذلك صرح قائد القوات الأمريكية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال جون أكويلينو، أن الأعمال المهددة للاستقرار من قبل الصين في المنطقة هو ما تحاول الولايات المتحدة تجنبه، وهو ما قد يشير إلى حالة التأهب العسكري القصوى التي تعيشها المنطقة.

بينما يضعف تحقق هذا السيناريو أن:

حجم المناورات العسكرية الضخمة التي تجريها الصين يدل على عزمها على استخدام القوة في حال الضرورة القصوى، وهو ما قد يجعل واشنطن تتريث في اتخاذ قرار دعم استقلال تايوان، لا سيما في ظل استمرار الحرب الأوكرانية-الروسية، والإنفاق العسكري الذي تبذله واشنطن في دعم كييف.

سيناريو المراوحة

يُرجح هذا السيناريو أن يراوح التوتر في منطقة تايوان وما حولها، دون أن تتجه الأحداث نحو التصعيد.

يدعم هذا السيناريو:

– تاريخ التوتر الصيني الأمريكي بشأن تايوان، والتهديدات الصينية السابقة بشأن استخدام القوة لكبح استقلال تايوان دون أن تتجه إلى مثل هذا التصعيد مطلقاً.

– الإجراءات التأديبية التي اتخذتها الصين ضد تايوان. فقد اكتفت بكين بإصدار عدد من الإجراءات التأديبية، وقد تكتفي بها كرد على زيارة بيلوسي، مثل حظر تصدير مواد التصنيع الخام إلى تايوان، وفرض عقوبات على بعض المؤسسات التايوانية نظراً لدورهم في الأنشطة “الانفصالية” حسب التعبير الصيني.

ويضعف هذا السيناريو:

زيادة حالة التوتر بين الصين وتايوان منذ تولي رئيسة تايوان الحالية، تساي إينج وين، إدارة البلاد، التي يحمل حزبها التقدمي الديمقراطي ميولاً استقلالية، فضلاً عن عدم تجاوب الولايات المتحدة مع تهديدات الصين بالتوقف عن الدعم المستمر لتايوان بالاستقلال.

سيناريو التهدئة

يفترض هذا السيناريو أن يؤول مسار الأحداث نحو التهدئة في منطقة تايوان وما حولها، وأن تتوصل كل من الصين والولايات المتحدة إلى تفاهمات متبادلة تحول دون تصعيد الأوضاع.

يدعم هذا السيناريو:

– الحالة الاقتصادية العالمية، وارتفاع مستويات التضخم، قد تكون عاملاً في الحد من التوتر، والاكتفاء بمراوحة التوتر مكانه.

ويضعف الأخذ بهذا السيناريو:

– تواتر إجراءات التصعيد من قبل الصين، وهو ما يظهر جدية موقفها في عدم السماح لأي جهة بالنيل مما حققته، وعدم تقديم تنازلات بشأن إضعاف موقفها الإقليمي والدولي، وهو ما يرسل إشارات بصعوبة حالة التهدئة في الوقت الحالي.

الخاتمة

يسعى كلا الجانبين الأمريكي والصيني إلى جعل نتائج التوتر بشأن المسألة التايوانية لمصلحته، وإرسال رسائل ضمنية للآخر، ويبدو أن الصين التي تصاعد نفوذها الاقتصادي العالمي بدأت تتخذ خطوة نحو الأمام فيما يتعلق بقوتها العسكرية واستخدامها لتثبيت مصالحها القومية.

لكن، من الصعب الجزم باحتمالية حدوث تصعيد مباشر بين الولايات المتحدة والصين، ولعل تبعات الحرب الروسية الأوكرانية خير شاهد على ذلك، فالحرب لم تؤد إلى صدام أمريكي مع روسيا على الرغم من التهديد الروسي للمصالح الأمريكية هناك. إضافة إلى أن تايوان جزيرة لا يعترف عالمياً باستقلالها سوى 16 دولة، ولذلك يبدو أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تدخل في مواجهات عسكرية مباشرة مع الصين، ولكنها ربما تحاول إشغال الصين عن تطوير توسعها الإقليمي والعالمي، فهل تتجه الصين إلى استخدام القوة لإنهاء المسألة التايوانية أم تتجه إلى مفاوضات حاسمة مع تايوان لإغلاق ملف الجزيرة تماماً؟

قراءة المقال كاملاً ←
ظهور إعلامي

المقابلات التلفزيونية

قسم مخصص لإضافة المقابلات المرئية: ضع رابط الفيديو أو ضمّنه داخل تدوينة تحمل تسمية «المقابلات التلفزيونية».

مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية

قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات

مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.

مشاهدة على YouTube ←
تحليل دولي
ظهور إعلامي

العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة

أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.

متابعة على Facebook ←
إدارة الأزمات
حوار متخصص

التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة

يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.

استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات

إصداراتي وكتبي

يمكن لاحقًا ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

استراتيجية إدارة الأزماتاستراتيجية إدارة الأزمات
التخطيط الاستراتيجيالتخطيط الاستراتيجي
التفاوض أثناء المواقف الطارئةالتفاوض أثناء المواقف الطارئة
المستقبل والحاضر في إدارة الأزماتالمستقبل والحاضر في إدارة الأزمات
أهمية التخطيط الاستراتيجيأهمية التخطيط الاستراتيجي
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزماتمدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات