د. هشام عوكلأستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفة عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.

1,156,548متابعًا عبر المنصات الرقمية
أحدث المحتوى

المقالات والدراسات

تظهر مقالات المدونة الحقيقية هنا تلقائيًا. في صفحة المقال، يظهر النص كاملًا ضمن مساحة قراءة واسعة ومريحة.

الأزمة بين روسيا وأوكرانيا قراءة في الأسباب وسياقات التطور المستقبلية








دكتور هشام عوكل استاذ ادارة الازمات والعلاقات الدولية

I. الأزمة بين روسيا وأوكرانيا: قراءة في الأسباب
كانت العلاقات بين روسيا وأوكرانيا طويلة المدى تعرف بالتوترات التي غالبًا ما تنشأ بسبب الخلافات الجغرافية والتاريخية بين البلدين.

ما هي أسباب الأزمة بين روسيا وأوكرانيا؟
السياسة: تُعَدّ الصراعات السياسية أحد العوامل الرئيسية في الأزمة بين روسيا وأوكرانيا. فمنذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي في عام 1991، شهدت أوكرانيا اضطرابات سياسية وتراشقًا بالاتهامات مع روسيا. ظهرت توترات إقليمية في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، وهو ما تسبب في تفاقم الأزمة.

الثقافة والهوية: تعد العلاقات الثقافية والهوية أيضًا جزءًا هامًا من الأزمة. وتشير بعض التوترات إلى الخلافات بين الرؤى السياسية والثقافية للبلدين. هذه الاختلافات تزيد من التباعد بين البلدين وتؤثر على العلاقات الثنائية.

التوترات الجغرافية والتاريخية بين روسيا وأوكرانيا

القرم: انضمت شبه جزيرة القرم إلى روسيا في عام 2014 بعد استفتاء أجرته، وهو الأمر الذي أثار جدلًا دوليًا وتفاقم الأزمة الروسية الأوكرانية. يعتبر القرم محورًا جغرافيًا واستراتيجيًا للصراعات بين البلدين.

شرق أوكرانيا: خلق الصراع في شرق أوكرانيا على خلفية غضب بعض السكان الروس في المنطقة من سياسات الحكومة الأوكرانية. ومنذ ذلك الحين، لا تزال التوترات قائمة وتؤثر سلبًا على العلاقات الروسية الأوكرانية.

باستمرار التوترات بين روسيا وأوكرانيا، فإن فهم الأسباب والسياقات المتعلقة بالأزمة من شأنه تسهيل بحث وتطبيق حلول تساهم في تحقيق الاستقرار والتنمية الإقلي

سياقات التطور المستقبلية للأزمة
تأثير الأزمة على العلاقات الدولية
تشتد الأزمة بين روسيا وأوكرانيا تأثيرها على العلاقات الدولية، حيث تنفذ العديد من الدول اجراءات وعقوبات قاسية ضد روسيا. من المحتمل أن تتصاعد حدة التوترات الثنائية والتوترات الإقليمية بين روسيا وأوكرانيا. قد تُقوض جهود الدول الأوروبية والأمريكية في معالجة الأزمة وتحقيق استقرار المنطقة. يجب على الدول المعنية أن تتعاون وتعمل بشكل مشترك للتصدي للتحديات الناشئة وللحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي.

التحديات المستقبلية في التسوية السياسية
من المهم أن تتعاون روسيا وأوكرانيا، وكذلك الدول الأخرى المعنية، في سبيل التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة. يتعين على الأطراف المشاركة أن تتحلى بالحوار والتفاهم وتجاوز الخلافات القائمة. يجب أن تتوفر الإرادة السياسية لإيجاد حل سلمي وعادل يلبي مصالح الجميع. قد تتضمن التحديات المستقبلية في التسوية السياسية تحقيق التحكم في الأراضي المتنازع عليها وضمان حقوق القوميات والأقليات وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة. يتطلب تحقيق التسوية السياسية تعاون جميع الأطراف المعنية ورغبتها الصادقة في التوصل إلى حل سلمي ودائم لهذه الأزمة.

III. تطور الأزمة والتداعيات
التدخل العسكري والاشتباكات المسلحة
تتفاقم الأزمة بين روسيا وأوكرانيا مع وجود تدخل عسكري واشتباكات مسلحة. منذ بداية الأزمة في عام 2014، احتلت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمت الانفصاليين في شرق أوكرانيا. تواصلت الاشتباكات في المنطقة بين القوات الروسية والأوكرانية، مما أدى إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة.

أثر الأزمة على المدنيين واللاجئين
تعاني الأزمة بين روسيا وأوكرانيا من تداعيات سلبية على المدنيين واللاجئين. يتم نزوح العديد من السكان في المناطق المتضررة نتيجة الاشتباكات المسلحة والقصف العشوائي. يواجه اللاجئون صعوبات في الحصول على المأوى والمساعدة الإنسانية الأساسية. هذا يؤثر بشكل كبير على الظروف المعيشية والصحية للمتأثرين.

باستمرار التوترات بين البلدين، من المهم العمل على تهدئة الأوضاع وإيجاد حلول سلمية للأزمة. يجب أن تلتزم الأطراف المعنية بحقوق الإنسان وحماية المدنيين، وتعزيز الجهود الدولية للمساعدة الإنسانية وتقديم الدعم للمناطق المتضررة.

الأزمة بين روسيا وأوكرانيا قراءة في الأسباب وسياقات التطور المستقبلية

بينما يتصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا، من المهم فهم أسباب هذه الأزمة وتطوراتها المستقبلية. تُعد قضية الوساطة الدولية والمبادرات السياسية عناصر حاسمة لفهم حل الأزمة.

جهود الوساطة لحل الأزمة
هناك توجه دولي للوساطة في حل الأزمة بين روسيا وأوكرانيا. منظمات دولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة الاتصال الثمانية قد تدخلت للجمع بين الأطراف المتنازعة وتوفير حل سلمي. ومع ذلك، فإن تحقيق التوافق بين الأطراف المتنازعة ما زال تحدياً كبيراً.

تأثير العوامل الدولية على الوساطة
إن العوامل الدولية تؤثر على جهود الوساطة في حل الأزمة. على سبيل المثال، العلاقة بين روسيا والدول الغربية والتدخل الخارجي لبعض القوى الإقليمية يمكن أن يؤثر على فرص نجاح الوساطة في تحقيق تسوية سلمية.

بشكل عام، فإن الأزمة بين روسيا وأوكرانيا مستمرة وتتطلب جهودًا كبيرة لحلها بشكل دبلوماسي وسلمي. من المهم مواصلة العمل على تحقيق التوافق بين الأطراف المتنازعة من خلال الوساطة والمبادرات السياسية.

V. الإنعكاسات والتأثير الاقتصادي
تأثير الأزمة على الاقتصاد العالمي
بسبب الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، من المحتمل أن يعاني الاقتصاد العالمي من بعض الآثار السلبية. على سبيل المثال، قد تتأثر أسواق المواد الخام مع تراجع إمدادات النفط والغاز من روسيا، مما يؤدي إلى زيادة في أسعار هذه المواد وتأثيرها على العديد من الصناعات العالمية.

بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي تدهور العلاقات التجارية بين روسيا وأوكرانيا إلى تقليص حجم التبادل التجاري بينهما، مما يؤثر على الشركات والصناعات في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي العام في المنطقة وحتى في العالم بشكل عام بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

تداعيات الأزمة على الأمن الإقليمي
تتسبب الأزمة بين روسيا وأوكرانيا في تهديد الأمن الإقليمي. قد يزداد التوتر الحدودي وزيادة في النشاط العسكري في المنطقة، مما يثير المخاوف من حدوث تصعيد عسكري ونزاعات أخرى في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي الأزمة إلى تدهور العلاقات بين روسيا ودول أخرى في المنطقة وخارجها، مما يؤثر على التوازن الجيوسياسي في المنطقة وقدرة الدول على التعاون وحل النزاعات بصورة سلمية.

بشكل عام، يمكن أن تكون الأزمة بين روسيا وأوكرانيا لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي، ويجب توخي الحذر والعمل على إيجاد سبل للتوصل إلى حل سلمي ومستدام لهذه الأزمة
قراءة المقال كاملاً ←

هل يصح  ان نقول " ربيع افريقي "قد بدأ


هشام عوكل   أستاذ إدارة الازمات والعلاقات الدولية






تزايد عدم الاستقرار السياسي والأمني في القارة السمراء بالسنوات الأخيرة شهدت افريقيا العديد من النزاعات المسلحة، مثل النزاع في دارفور، والنزاع في بوركينا فاسو، والنزاع في مالي، والصراع في الصومال وتشاد و الغابون و بوركينا فاسو  أدت هذه النزاعات إلى تفاقم عدم الاستقرار السياسي والأمني بالقارة، مما مهد الطريق للانقلابات العسكرية
ضعف المؤسسات الاجتماعية والسياسية والمالية ادى بالمقابل لفساد كبير بالنظام الانتخابي، واستقلال القضاء، وحرية التعبير. واتساع رقعة الفقر، والبطالة، وعدم المساواة الاجتماعية .  أدى هذا الضعف إلى شعور المؤسسة العسكرية بالثقة بقدرتهم على إدارة البلاد بشكل أفضل من المدنيين.

تقاسم النفوذ
تسعى روسيا إلى زيادة نفوذها في أفريقيا، من خلال تقديم دعماً لوجستياً وعسكريا حيث
تنتشر قوات فاغنر بالعديد من الدول الأفريقية، بما في بجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي وليبيا والسودان وبوركينا فاسو.
تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا. كانت فرنسا القوة الاستعمارية المهيمنة في أفريقيا لفترة طويلة، ولا تزال تلعب دوراً مهماً بالقارة من خلال قواتها المسلحة وعملياتها العسكرية. ومع ذلك، فقد تراجع النفوذ الفرنسي في السنوات الأخيرة، مما فتح المجال للقوى الأخرى، مثل الصين ورسيا وحتى الولايات المتحدة للاعادة التموضع ، للتدخل في أفريقيا.

انقلاب في مالي
في أغسطس 2020، أطاح انقلاب عسكري بحكومة رئيس مالي إبراهيم بوبكر كيتا. حيث استولى المتمردون على القصر الرئاسي ومطار باماكو، وألقوا القبض على كيتا والعديد من المسؤولين الآخرين. أعلن المتمردون أنهم سيشكلون حكومة انتقالية جديدة،
جاء الانقلاب بعد أشهر من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في مالي. كانت الاحتجاجات مدفوعة بمجموعة من العوامل، بما في ذلك الفساد المستشري والأداء الضعيف للحكومة في مواجهة الصراع المستمر في شمال مالي. وعلى الفور فرض الاتحاد الأوروبي وفرنسا عقوبات على المتمردين.
لا يزال من غير الواضح ما ستكون عواقب الانقلاب على مالي. هناك مخاوف من أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في البلاد، والتي تعد بالفعل واحدة من أفقر دول العالم.
تفاصيل الإضافية حول الانقلاب:
قاد الانقلاب مجموعة من الضباط العسكريين الشباب، بقيادة الكولونيل أسيمي جويتا.
وقع الانقلاب بعد يوم واحد من انتخابات رئاسية مبكرة، فاز فيها كيتا بولاية ثانية.
حيث اعلن  المتمردون أنهم سيشكلون حكومة انتقالية جديدة لمدة 18 شهرًا، بقيادة جويتا.
تم الإفراج عن كيتا من السجن في 29 مارس، لكنه لا يزال قيد الإقامة الجبرية.
من المرجح أن يؤدي الانقلاب إلى تعطيل جهود السلام في شمال مالي، حيث يقاتل المتمردون الإسلاميون الحكومة منذ عام 2012.
انقلابات في بوركينا فاسو
كان هناك انقلابان في بوركينا فاسو في عام 2022.
وقع الانقلاب الأول في 23 يناير 2022، عندما قامت مجموعة من الجنود المتمردين باعتقال الرئيس روك مارك كريستيان كابوري وحل الحكومة. وبحسب ما ورد كان الدافع وراء الانقلاب هو فشل الحكومة في وقف انتشار العنف من قبل المتشددين الإسلاميين في البلاد. أنشأ المتمردون المجلس العسكري ووعدوا بإجراء انتخابات في غضون عام.

ووقع الانقلاب الثاني في اغسطس 2021، عندما أطاحت مجموعة من الجنود بقيادة المقدم بول هنري سانداوجو داميبا بالمجلس العسكري الذي استولى على السلطة في يناير. ووعد داميبا باستعادة النظام الدستوري ومكافحة الإرهاب.
وأدى الانقلابان إلى دخول بوركينا فاسو في اضطرابات سياسية وأمنية. وتواجه البلاد الآن تهديداً خطيراً من المتشددين الإسلاميين، ويكافح الجيش للحفاظ على سيطرته. وأدان المجتمع الدولي الانقلابات ودعا إلى استعادة الديمقراطية في بوركينا فاسو.

وفي عام 2015، بدأت موجة من أعمال العنف من قبل المتشددين الإسلاميين في بوركينا فاسو. وقتل المسلحون منذ ذلك الحين آلاف الأشخاص وشردوا الملايين.
وفي عام 2020، أعيد انتخاب الرئيس كابوري بانتصار ساحق. ومع ذلك، فقد واجه انتقادات متزايدة بسبب تعامله مع الوضع الأمني.
وفي يناير 2022، اعتقل الجنود المتمردون الرئيس كابوري وحلوا الحكومة. لقد أنشأوا المجلس العسكري ووعدوا بإجراء انتخابات في غضون عام.


وفي سبتمبر 2022، أطاحت مجموعة من الجنود بقيادة المقدم بول هنري سانداوجو داميبا بالمجلس العسكري الذي استولى على السلطة في يناير. ووعد داميبا باستعادة النظام الدستوري ومكافحة الإرهاب.
وكان للانقلابات تأثير مدمر على بوركينا فاسو. وتواجه البلاد الآن تهديداً خطيراً من المتشددين الإسلاميين، ويكافح الجيش للحفاظ على سيطرته. وأدان المجتمع الدولي الانقلابات ودعا إلى استعادة الديمقراطية في بوركينا فاسو.

انقلاب تشاد عام 2021
وقع انقلاب عسكري في تشاد في 11 أبريل 2021، أسفر عن الإطاحة بالرئيس إدريس ديبي. وقد قاد الانقلاب عناصر من جبهة التغيير والوفاق في تشاد (FACT) بقيادة محمد مهدي عدوي، والذي أعلن في بيان عن حل الحكومة ووقف العمل بالدستور وإغلاق الحدود.
وقد أثار الانقلاب ردود فعل غاضبة من المجتمع الدولي، حيث أدانت العديد من الدول والهيئات الدولية الانقلاب وطالبت بعودة الديمقراطية إلى تشاد
الأسباب التي أدت إلى الانقلاب في تشاد:
الفساد: اتهم الرئيس ديبي بالفساد واستغلال السلطة.
المطالبة بالإصلاحات السياسية: طالب العديد من التشاديين بإجراء إصلاحات سياسية، بما في ذلك إصلاح القضاء وتعزيز حقوق الإنسان.
الانتخابات الرئاسية لعام 2021: اتهمت المعارضة ديبي بالتزوير في الانتخابات الرئاسية لعام 2021، مما أثار المزيد من الاستياء الشعبي

انقلاب عسكري في غينيا
في 5 سبتمبر 2021، أسفر عن الإطاحة بالرئيس ألفا كوندي. وقد قاد الانقلاب عناصر من وحدة المهام الخاصة في الجيش بقيادة مامادي دومبوي، والذي أعلن برسالة مسجلة عن حل الحكومة ووقف العمل بالدستور وإغلاق حدود البلاد.
وقد أثار الانقلاب ردود فعل غاضبة من المجتمع الدولي، حيث أدانت العديد من الدول والهيئات الدولية الانقلاب وطالبت بعودة الديمقراطية إلى غينيا. وقد فرضت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة دول غرب إفريقيا (إيكواس) عقوبات على قادة الانقلاب.
وبعد أكثر من عام من الانقلاب، لا يزال الوضع السياسي في غينيا غير مستقر. وقد تعهد قادة الانقلاب بإجراء انتخابات في غضون فترة انتقالية مدتها 36 شهرًا، ولكن لم يتم تحديد موعد محدد للانتخابات حتى الآن.
الأسباب التي أدت إلى الانقلاب في غينيا:

الفساد: اتهم الرئيس كوندي بالفساد واستغلال السلطة.
المطالبة بالإصلاحات السياسية: طالب العديد من الغينيين بإجراء إصلاحات سياسية، بما في ذلك إصلاح القضاء وتعزيز حقوق الإنسان.
الانتخابات الرئاسية لعام 2020: اتهمت المعارضة كوندي بالتزوير في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، مما أثار المزيد من الاستياء الشعبي.

انقلاب النيجر

 هو انقلاب عسكري وقع في 3 أغسطس 2023، أطاح فيه المجلس العسكري الأعلى بقيادة المقدم محمد بيلو، بالرئيس محمد بازوم والحكومة المنتخبة ديمقراطيًا. وسيطر المجلس العسكري على القصر الرئاسي، وأعلن حالة الطوارئ، وفرض حظر التجول.

وجاء الانقلاب بعد تصاعد التوترات السياسية في النيجر، بسبب الأداء الاقتصادي السيء، وتصاعد الإرهاب في شمال البلاد. وتعهد المجلس العسكري بإجراء انتخابات جديدة في غضون 18 شهرًا.

ورفضت منظمة دول غرب أفريقيا (إيكواس) الانقلاب، وطالبت بالإفراج الفوري عن بازوم والمسؤولين الحكوميين الآخرين المحتجزين. كما حذرت إيكواس من عواقب وخيمة للانقلاب، بما في ذلك فرض عقوبات على النيجر.

ورفضت الجزائر وتشاد التدخل العسكري في النيجر، ودعت إلى حل الأزمة سلمياً. وأعربتا عن دعمهما للشعب النيجري، والتزامهما بوحدة وسيادة البلاد.

ولا يزال من غير الواضح ما هي العواقب طويلة المدى للانقلاب على النيجر. فهناك مخاوف من أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتفاقم الإرهاب في شمال البلاد

انقلاب في الغابون
وقع انقلاب عسكري في الغابون في 30أغسطس 2023، أسفر عن الإطاحة بالرئيس علي بونغو. وقد قاد الانقلاب ضباط من الجيش الغابوني بقيادة الجنرال بريس أوليغي نغيما، والذي أعلن في بيان عن حل الحكومة ووقف العمل بالدستور وإغلاق الحدود.
وقد أثار الانقلاب ردود فعل غاضبة من المجتمع الدولي، حيث أدانت العديد من الدول والهيئات الدولية الانقلاب وطالبت بعودة الديمقراطية إلى الغابون. وقد فرضت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة دول غرب إفريقيا (إيكواس) عقوبات على قادة الانقلاب.

لا يزال الوضع السياسي في الغابون غير مستقر. وقد تعهد قادة الانقلاب بإجراء انتخابات ولكن لم يتم تحديد موعد محدد للانتخابات حتى الآن.

تفاصيل الانقلاب

الفساد: اتهم الرئيس بونغو بالفساد واستغلال السلطة.
المطالبة بالإصلاحات السياسية: طالب العديد من الغابونيين بإجراء إصلاحات سياسية، بما في ذلك إصلاح القضاء وتعزيز حقوق الإنسان.
الانتخابات الرئاسية لعام 2023: اتهمت المعارضة بونغو بالتزوير في الانتخابات الرئاسية لعام 2023، مما أثار المزيد من الاستياء الشعبي.

أعلن الجنود في بيان أن الرئيس علي بونغو قد تم وضعه قيد الإقامة الجبرية، وأن الحكومة قد تم حلها، وأن الدستور قد تم تعليقه.
عين الجنود الجنرال بريس أوليغي نغيما رئيسًا مؤقتًا للبلاد.
حيث فرضت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة دول غرب إفريقيا (إيكواس) عقوبات على قادة الانقلاب.
بعض التوقعات بشأن مستقبل الغابون:
من المرجح أن يواجه قادة الانقلاب ضغوطًا من المجتمع الدولي لإعادة الديمقراطية إلى البلاد.
قد يواجه قادة الانقلاب أيضًا معارضة داخلية من قبل المعارضة والمواطنين الغابونيين.
من المرجح أن تستمر الأزمة السياسية والاقتصادية في الغابون في الفترة المقبلة

الخاتمة
ربما فاجأ انقلابات بالقارة الافريقية على نحو أخص فرنسا وهي التي لم تخرج بعد كذلك من صدمة موجة الانقلابات في مالي وبركينا فاسو والنيجر في غرب افريقيا المنطقة التي تشكل فضاء المصالح والنفوذ الفرنسي المتجدر في الحقبة الاستعمارية ليست فرنسا وحدها قلقة بل الاتحاد الأوروبي بدرجات متفاوتة المستعمرات الفرنسية السابقة قد تحتاج إلى نظره يخرج الظاهرة من تلك المقاربة فلكثيرين من الشعوب الافريقية المحرومة من التمتع بخيرات بلادها ومنها الغابون الدولة الغنية بالنفط وعضو مجموعة الدول المصدرة الأوبك ستبدو الانقلابات محاولة لاستكمال معنى الاستقلال والانفكاك من الهيمنة الفرنسية فأكثر من ثلثي سكان المستعمرات الفرنسية السابقة يعيشون تحت خط الفقر كما ترتفع معدلات البطالة إلى أكثر من 33% تجربة فرنسا في مستعمراتها السابقة في افريقيا من ايام الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول الى الرئيس ايمانويل ماكرون تبدو غير معنية برفاه الانسان الافريقي عنايتها بضمان بقاء المستعمرات السابقة تدور في فلكها اقتصادي وسياسي والإنساني رغم أن الرئيس الفرنسي كان قد ألمح إلى ضرورة مراجعة السياسة الفرنسية في أفريقيا بقوله إن عهد فرنسا الأفريقية قد انتهى وذلك أثناء زيارته للغابون في مارس آذار الماضي2023 فإن فرنسا حين دهمتها الانقلابات تباعا في مالي بوركينا فاسو والنيجر ومالي وغينيا وتشاد ثارت غاضبة ومتوعدة بتدخل عسكريا لكن مما بات واضحا ان الانقلابات تحظى بتأييد شعبي سواء لتلك التي وقعت في غرب افريقيا داخل مجموعة اكواس اول انقلاب الغابون وربما لأن معظم الناس في هذه البلدان لم يروا خلف القناع الديموقراطي أحدا غير فرنسا يبدو من المبكر الحكم على انقلاب الغابون ففرنسا التي تبكي على ضيع الديموقراطية في بعض البلدان الأفريقية لها تاريخ أيضا في تخطيط الانقلابات وتنفيذها مما تقول به سيرتها في أفريقيا وربما عند الصباح فقط سيعرف الناس ان كان انقلاب الغابون لهم ام عليهم
مصدر ..موقع ويكبيديا ..الجزيرة …بي بي سي
قراءة المقال كاملاً ←

بعد زيارة الرئيس التركي للخليج…أبعاد العلاقة ومستقبلها

أنهى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في منتصف شهر يوليو/ تموز الماضي، جولة خليجية شملت ثلاث دول خليجية هي السعودية وقطر والإمارات، وخلال الجولة وقعت تركيا مع البلدان الثلاثة عدداً من الاتفاقيات التي شملت مجال الطاقة والصناعات الدفاعية والسياحة والبناء والبنية التحتية. وتأتي الجولة ضمن مساعي تعزيز العلاقات التركية مع عواصم البلدان الثلاثة، وتأسيس مرحلة جديدة من التعاون بين الجانبين.

وقد جاءت جولة أردوغان الخليجية عقب عدد من الأحداث التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة؛ أهمها فوز الرئيس التركي بولاية رئاسية جديدة في انتخابات حاسمة، بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وموجة التضخم العالمية، وتراجع الدور الأمريكي في المنطقة مقابل توسع النفوذ الصيني.

يبحث تقدير الموقف في دوافع تعزيز العلاقات الخليجية التركية، وفي أبعاد الزيارة بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والأمنية، بالإضافة إلى محددات مستقبل العلاقات الخليجية التركية.

دوافع تعزيز العلاقات الخليجية التركية
شهدت المنطقة في الفترة الأخيرة سلسلة من المصالحات بين دولها، على رأسها المصالحة الخليجية، والمصالحة التركية مع السعودية ومصر والإمارات، والحوار السعودي الإيراني، والمصالحة القطرية المصرية. وشكلت هذه المصالحات دافعاً لتحقيق مزيد من التهدئة في المنطقة، وداعماً لزيادة الحوار بين القوى الإقليمية. وقد جاءت الجولة الخليجية لتركيا في سياق التوافق العام الجاري في المنطقة، وهو ما كان له أثر في طبيعة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المتفق عليها.

الدوافع الخليجية

تتفاوت الدوافع الخليجية في التوقيع على الاتفاقيات الثنائية مع الجانب التركي في أثناء زيارة أردوغان الأخيرة، إلا أنها جميعها تشترك في تحصيل منفعة خاصة في ظل مناخ إقليمي ساعد على التقريب بين القوى الإقليمية المختلفة.

الدوافع السعودية
تنتهج المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة سياسة حماية مصالحها القومية أولاً، فضلاً عن سعي الرياض إلى تنويع حلفائها وشراكاتها الاستراتيجية الإقليمية والدولية.

وفي الزيارة التركية الأخيرة للرياض اتفق الجانبان على خطة تنفيذية للتعاون في مجالات القدرات والصناعات الدفاعية والأبحاث والتطوير. إضافة إلى الاتفاق على استحواذ وزارة الدفاع السعودية على طائرات مسيَّرة لشركة “بايكار” للصناعات الدفاعية، وهو ما يُمكن الرياض من امتلاك أسلحة دفاعية ذات فعالية عالية وتكلفة مناسبة.

تستهدف الرياض تنويع الشراكات الأمنية والواردات الدفاعية بما يؤهلها لتوطين صناعاتها الدفاعية على المدى البعيد، وقد أنشأت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (سامي) لتحقيق هذا الغرض. وإذ لم تجد السعودية لدى الشركاء الغربيين ما يمنحها تحقيق هذا الهدف فقد ساعد التعاون والاستثمار الدفاعي مع تركيا على تجاوز عقبات الاحتكار والشروط السياسية ونقل التكنولوجيا التي يفرضها المورد الغربي، خاصة أن تركيا لديها قيود أقل بمسألة نقل التكنولوجيا الدفاعية.

الدوافع الإماراتية
هيمنت الاتفاقيات التجارية والاستثمار الصناعي على أغلب الاتفاقيات الموقع عليها في الجولة الخليجية لأردوغان، فالاستثمارات الإماراتية في السوق التركية كانت هدفاً جوهرياً لكلا الجانبين، لا سيما مع تسهيل الاستثمار في السوق التركية، فقد جرى التوقيع على اتفاقية بشأن التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات، واتفاقية إطارية للشراكة الاستراتيجية بشأن تطوير مشاريع الطاقة والموارد الطبيعية، ومذكرة تفاهم في مجال تمويل ائتمان الصادرات، وأخرى للتمويل عن طريق الصكوك المالية للإغاثة من الزلازل، وغيرها. وربما الدافع الأساسي لتوقيع الإمارات لهذه الاتفاقيات والمذكرات هو الحصول على أرباح من الأنشطة الاستثمارية الخارجية لدولة الإمارات.

الجانب الأمني كان حاضراً في المذكرات المشتركة بين الجانبين، وهو ما يشير إلى الرغبة الإماراتية في استغلال التفاهمات الجارية مع تركيا بما يمنحها الحصول على أهداف أمنية خاصة بها، سواء في مذكرة تبادل المتهمين أو مذكرة إنشاء لجنة استراتيجية عليا أو مذكرة التعاون الاستراتيجي في مجال الصناعات الدفاعية.

الدوافع القطرية
تتميز العلاقات القطرية التركية بتعاون وتنسيق مشترك حافظ على زخمه طوال الفترة الماضية على الرغم من كل التقلبات والأزمات التي شهدتها الساحة السياسية للمنطقة، وقد أرادت الدوحة في زيارة أردوغان الأخيرة أن تؤكد استمرار الرغبة في تعميق التعاون الثنائي والتعاون المشترك بينهما بما يكسب الطرفين وزناً فاعلاً على الساحة الإقليمية والدولية، وهو ما تمثل في البيان المشترك للبلدين لمرور 50 عاماً على العلاقات الدبلوماسية المشتركة بينهما.

الدوافع التركية
أشارت تصريحات أردوغان عقب انتهائه من جولته الخليجية إلى الحرص التركي على تعزيز علاقاته مع الجانب الخليجي وبما يعود بالنفع على مصلحة تركيا الداخلية في مجالات النفط والطاقة. كذلك صرح أردوغان أن تركيا اعتمدت على مبدأ أربح/تربح في تعزيز العلاقات الثنائية مع دول الخليج، وهو ما يعني أن تركيا ستسعى لجني الأرباح والعوائد المادية والمعنوية من الجولة الخليجية التي أجراها أردوغان.

ولما كان تراجع الالتزام الأمريكي بالأمن الخليجي محركاً أساسياً للتوجه الخليجي نحو تنويع الشراكات الخارجية، فإن ذلك قد شجع تركيا على تقديم نفسها شريكاً جديداً للدول الخليجية يمكن الاعتماد عليه، ولا سيما أن تركيا قوة فاعلة إقليمياً ودولياً، وتملك قدرات دفاعية عسكرية ذاع صيتها في الفترة الأخيرة، لا سيما في الحرب الروسية الأوكرانية، ومن ثَم تحاول تركيا الاستفادة من هذه الميزة في جذب الاهتمام الخليجي للاستثمار فيها أو في غيرها من القطاعات الأخرى.

 ولعل الملف الاقتصادي ذو أهمية قصوى بالنسبة لأنقرة في مرحلة ما بعد الانتخابات، وبناء عليه حرصت أنقرة على جذب الاستثمارات الخليجية على وجه التحديد؛ نظراً لكونها من أهم الاستثمارات الخارجية بالنسبة لتركيا. وقد ركزت جولة أردوغان على العامل المالي والاستثماري بهدف إنعاش الاقتصاد التركي الذي يشهد تراجعاً قياسياً في قيمة الليرة، ويعاني من زيادة حادة في التضخم، ومشاكل اقتصادية أخرى في مختلف الأصعدة.

أبعاد العلاقات الخليجية التركية
جاء قرار أنقرة بإجراء جولة خليجية في بداية ولاية أردوغان الرئاسية الجديدة مؤكداً لأهمية العلاقات الخليجية بالنسبة لتركيا في المرحلة المقبلة، وأنها تحرص على بناء تفاهمات سياسية مشتركة، لا سيما فيما يتعلق بالملفات الإقليمية، أو بالعلاقات العربية التركية، أو بملفات الاستثمار التجاري بين الجانبين. وتتمثل أبعاد الزيارة التركية للعواصم الخليجية في الآتي:

الأبعاد السياسية
شكّل تراجع حضور وأهمية الملفات الخلافية المرتبطة بالثورات والثورات المضادة عاملاً رئيسياً لزيادة التقارب الخليجي التركي، ولا سيما مع عدم قدرة أي من الطرفين على إلغاء الطرف الآخر في التنافس الجيوسياسي في المنطقة. وقد حرص الرئيس أردوغان على جعل الدول الخليجية على رأس قائمة زياراته الرئاسية بعد فوزه في ولاية الجديدة؛ لأن أنقرة تسعى إلى تعزيز علاقاتها بالدول الخليجية بما يساعدها على التخفيف من الاضطرابات الاقتصادية التي تشهدها البلاد.

فالجولة الخليجية سبقتها زيارة ولي عهد أبو ظبي في ذلك الحين، محمد بن زايد، إلى أنقرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وزيارة ولي العهد السعودي في يونيو/حزيران 2022، وتبادل البعثات الدبلوماسية رفيعة المستوى بين الجانبين. وقد أشارت هذه التحركات إلى تغير في السياسة الخارجية التي جمعت الجانبين ومساع إلى احتواء ملفات الخلاف وبؤر الصراع التي أثرت في العلاقات الثنائية.

في المقابل، تحرص الرياض وأبو ظبي بشكل متزايد على الاستثمار في القوة الاقتصادية الناعمة بما يدفع إلى بناء تفاهمات إقليمية مشتركة. فالدور التركي البارز في الإقليم، سواء في سوريا أو ليبيا أو العراق، يجعل التعاون الخليجي معه أمراً ضرورياً لاستقرار الإقليم ولزيادة التأثير الخليجي في ملفات الإقليم التي تشترك تركيا فيها.

ومن الممكن أن تتوسع الاتفاقيات الخليجية التركية متجاوزة بذلك البعد الاقتصادي إلى العمل المشترك في مختلف المجالات؛ السياسية والأمنية وغيرها، ويمكن أن تتأسس تفاهمات مشتركة بشأن معالجة عدد من ملفات الصراع في المنطقة؛ كالملف السوري أو الليبي أو غيرها من الملفات. كذلك فإن التفاهمات الخليجية التركية يمكن أن تساعد في تقليص وجود القوى الدولية والإقليمية الأخرى في المنطقة، كالوجود الروسي أو الإيراني؛ لما قد ينتج عن هذه التفاهمات من خلق توازن إقليمي عموده الفقري التنسيق بين دول الخليج وتركيا.

الأبعاد الاقتصادية
تمكنت تركيا، في إطار مساعيها لتحسين اقتصادها والتخفيف من وطأة المشاكل المالية التي تعاني منها، من الحصول على وعود خليجية باستثمارات اقتصادية بتريليونات الدولارات، لا سيما من السعودية، فضلاً عن التوقيع على اتفاقيات ومذكرات تفاهم بأكثر من 100 مليار دولار. وقد تنوعت مجالات الاستثمارات الموقع عليها بين الجانبين، فعلى سبيل المثال وقعت الرياض مع أنقرة على اتفاقيات في مجالات الاستثمار المباشر، والصناعات الدفاعية، والطاقة، والدفاع، والاتصالات، بملايين الدولارات، فضلاً عن الإعلان المشترك للرياض وأنقرة بأهمية تفعيل مجلس التنسيق السعودي التركي. ويُؤمل من هذه الاتفاقيات أن تساعد أنقرة على تأمين تمويل طويل الأجل لها، والحصول على الاستثمارات السعودية الدولية بما يخفف من معدلات التضخم العالية في اقتصادها.

أما أبو ظبي فقد وقعت مع أنقرة عدداً من الاتفاقيات التجارية تقُدر قيمتها بـ50.7 مليار دولار، إضافة إلى الإعلان عن إنشاء لجنة استراتيجية عليا بين البلدين تنسق مسائل التعاون التجاري والاستثمار الاقتصادي بين البلدين. وقد صرح وزير التجارة التركي، عمر بولات، أن الاتفاقيات الموقعة مع الإمارات ستساعد التجار في الجانبين على ممارسة الاستثمار بمنفعة أكبر، وأنها ستساعد الشركات الإماراتية على دخول سوق الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية الاتحاد الجمركي لتركيا.

وفي زيارته لقطر أكد الرئيس أردوغان وأمير قطر تميم بن حمد الرغبة القوية في تعزيز التعاون الثنائي والتبادل التجاري والاقتصادي.

كل هذه الاتفاقيات قد تساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين الجانبين، فتحصل تركيا على ما يدعم خططها الاقتصادية الجارية، وتتمكن الدول الخليجية من الاستثمار في إحدى أقوى الأسواق الناشئة في المنطقة، وفي حال استمر التعاون الاقتصادي بنسب نمو مطردة فإن ذلك قد ينعكس على خلق تفاهمات شراكة طويلة الأمد في مختلف المجالات الحيوية، كالطاقة والبنية التحتية والإعمار والصناعات الكهربائية وصناعات الطاقة النظيفة.

أيضاً، تشجع الرؤى التنموية لدول الخليج على خلق التفاهمات الاقتصادية مع تركيا، ولا سيما أن تركيا تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وتمتلك تقنيات عالية في العديد من الصناعات، ومن ثم تُعدُّ بيئة واعدة بالاستثمار، وهو ما قد يدفع المستثمر الخليجي إلى الاستثمار في قطاعات الصناعة والتجارة والبنى التحتية التركية.

الأبعاد الأمنية والعسكرية
مثلت الاستثمارات الدفاعية جانباً مهماً في الاتفاقيات الموقعة، خاصة أن تركيا أصبحت قادرة على الترويج لصناعاتها الدفاعية والعسكرية. فقد كان من ضمن الاستثمارات السعودية في القطاع الدفاعي التركي أن تستحوذ وزارة الدفاع السعودية على طائرات مسيرة لشركة بايكار التركية، والهدف الأساسي من هذا هو رفع جاهزية القوات المسلحة، وتعزيز قدرات المملكة الدفاعية والتصنيعية، حسب ما صرح به وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان. وعلى ما يبدو فإن الاستثمارات قد تتوسع بين الجانبين؛ نظراً لكون كل جانب يحقق أهدافه الخاصة في هذا النوع من الاستثمار. إلا أن نوعية الاستثمار، سواء من حيث نوع الطائرات أو المعدات العسكرية، ربما تظل مرهونة بمدى التفاهمات التي يتفق عليها الجانبان سواء بالزيادة أو النقصان.

كما أن توقيع أنقرة مع أبو ظبي على اتفاقية تبادل المطلوبين بينهما قد يشير إلى تعاون أمني، فضلاً عن إمكانية تحسن العلاقات المطرد بينهما، وتجاوز الخلافات السابقة بين البلدين.

محددات مستقبل العلاقات الخليجية التركية
القدرة على تجاوز الخلافات وتعزيز المصالح الاقتصادية استراتيجياً
شكلت المصالح الاقتصادية أغلب بنود الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، والتي تمثل الوضع الراهن للاتفاق الثنائي بينهما، وفي حال استمر الاستثمار في المصالح الاقتصادية المشتركة ضمن استراتيجية طويلة الأجل، فإن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من التعاون السياسي في المستقبل، ويُعزز من تعميق الشراكات الاستراتيجية بين الجانبين.

مقاربة الملفات الخارجية المشتركة
حملت الجولة الخليجية التي قام بها أردوغان دلالات تشير إلى أن التنافس الجيوسياسي المباشر قد يتوقف إلى حد ما، ولكن الجولة والتقارب السريع الذي جمع بين الأطراف الخليجية بتركيا قد ترك التوترات السابقة دون حل جذري أو تفاهم تام ينهي كل الملفات الخلافية، أبرزها ملف ليبيا وملف سوريا وملف التنقيب في البحر المتوسط، وغير ذلك من الملفات. وفي حال تم الاتفاق على معالجة التوترات الكامنة لا سيما في شقها السياسي، فإن ذلك سيساعد على تعزيز التعاون المشترك وزيادة التفاهمات طويلة الأمد بين الجانبين.

العنصر الغربي في التقارب الخليجي التركي
يساهم التقارب الخليجي التركي في منح الجانبين نقاط قوة لهما بحيث يستفيد كل منهما في التنسيق المشترك للمصالح الخاصة والإقليمية وتعزيز التوازنات الدولية في المنطقة. ولكن ربما يؤدي التقارب الخليجي التركي إلى نوع من الندية في العلاقات التركية الغربية، لكون تركيا الآن تستعيد قوتها الاقتصادية في مجال الطاقة تحديداً بفضل الدول الخليجية الغنية بموارد الطاقة، ومن ثم ربما تحاول الدول الغربية جذب الاستثمارات الخليجية وتسهيل التنسيق السياسي والأمني معها، وهو ما يؤثر سلباً في التطور الإيجابي في العلاقات الثنائية الخليجية التركية.

الخاتمة
جاءت جولة أردوغان الخليجية ضمن سياق بناء تفاهمات إقليمية مشتركة، ولعل العنصر الأساسي في مسار التفاهمات الجديد هو الاستثمار التجاري والأمني، الذي تعول عليه أنقرة وكذلك العواصم الخليجية لطي صفحة من الخلافات وتأسيس مرحلة تعاون جديدة. ومن الممكن أن تكون هناك عودة للعلاقات التكاملية بين الجانبين، وتجاوز التنافس فيما بينهم في المنطقة، بحيث يكون هناك تبادل في المنافع بين الدولة القوية من حيث الصناعات العسكرية والعضو في حلف الناتو، وبين دول الإقليم الغنية بموارد الطاقة والنفط وذات الأهمية المحورية في المنطقة، ولكن هذا يتوقف على العوامل الداخلية والخارجية لجميع الأطراف في العلاقات الثنائية.

الكلمات المفتاحي
قراءة المقال كاملاً ←

هل تسمح امريكا للقارة الاوروبية ببناء استراتيجية الأمن الاقتصادي بمعزل عن الصين وروسيا "دكتور هشام عوكل "

 





مقدمة
ما يقلق أوروبا في الوقت الراهن هو توسع الحجم التجاري لبكين وتمدد السلع الصينية في السوق الأوروبية مقارنة بصادراتها للصين، وما يمثله ذلك من تداعيات خطرة على مستقبل الصناعة في أوروبا وتنافسيتها في الأسواق المحلية مقارنة بالبضائع الصينية الرخيصة وتأثير ذلك المباشر على ارتفاع البطالة
حسب إحصائيات "يورو ستات" الأخيرة بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي للصين في العام الماضي 2022، نحو 230 مليار يورو تقريباً، وذلك بزيادة حوالي 7 مليارات يورو عن العام 2021.
وبهذا الرقم سجل الاتحاد الأوروبي عجزاً تجارياً يزيد عن 365 مليار يورو مع الصين
ويلاحظ أن المتغيرات الجيوسياسية الكبرى التي حدثت في الآونة الأخيرة، وعلى رأسها الحرب الروسية في أوكرانيا أبرزت ضعف أوروبا في تحقيق "أمن الطاقة" لمواطنيها واعتمادها الكامل على روسيا، كما أبرزت جائحة كورونا في عام 2020 اعتماد الصناعات الأوروبية، على سلاسل الإمداد الصينية، خاصة صناعة السيارات في كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
وتتخوف الدول الأوروبية من التقدم الذي تحدثه الصين في مجال السيارات الكهربائية على مستقبل صناعة السيارات في أوروبا.
من هذا المنطلق يرى اقتصاديون، أن هنالك ضرورة لوضع استراتيجية واضحة المعالم للأمن الاقتصادي الأوروبي
حيث أطلقت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء، الموافق 20/06/2023مبادرة  استراتيجية جديدة للأمن الاقتصادي، في ظلّ سياق من التوترات الجيوسياسية الدولية.  والسؤال المطروح  ما الذي دفع التكتل الأوروبي إلى إقرار هذه الاستراتيجية؟ وهل هي موجهة لكبح دولة معينة؟ ماذا عن الصين وروسيا؟ وما هي النقاط الأساسية التي تطرقت إليها؟
في هذا الصدد يقول الاقتصادي بمعهد بروغيل للدراسات في بروكسل،" أندريه سابير "من الواضح أن تعريف الأمن الاقتصادي الأوروبي بات بالغ الأهمية لأوروبا ويجب ألا يمثل منعطفاً أيديولوجيا في سياسة أوروبا تجاه الصين، ولكنها خطوة لحماية المصالح الاقتصادية للكتلة من الابتزاز التجاري والاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية
رجا المرزوقي، أستاذ الاقتصاد المشارك وكبير المستشارين الاقتصاديين بوزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية،
خلال محاضرة في معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية بالرياض، بعنوان «الأمن الاقتصادي وأهميته في الأمن الوطني في ظل التغيرات الدولية»، إن تلك المخاطر تتمحور حول الملكية والتجسس والوصول إلى المواقع الحساسة والمعلومات، ومخاطر التخريب، والكوارث الطبيعية، والاعتمادية غير المتوازنة بين الدول، واستغلال السلطة، والفساد والاحتيال، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.
مضيفا بأن تلك  المخاطر تحمّل اقتصاد الدول تكاليف اقتصادية وتؤثر سلباً في نموه، كما يتم تحميلها في نهاية المطاف على المستهلك، سواء جزء منها أم كلها بناء على معامل المرونة للقطاع. وان المتغيرات الدولية بمفهوم  العلاقات الدولية بين دول العالم من خلال نظام النقد الدولي قد تغير ، والاستثمارات الدولية وحركة رأس المال، وكذلك حركة رأس المال البشري وتنامي التجارة الدولية، اخذت منحى تصاعدي  موضحاً أن العولمة أدت إلى تلاشي الحدود الاقتصادية، والاعتمادية المتبادلة، ودوام البحث عن الكفاءة، وتسارع النمو في تجارة السلع الوسيطة (سلسلة القيمة المضافة، سلسلة العرض)
حاولت أوروبا خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية فصل سياستها التجارية الليبرالية عن السياسة الخارجية ولكن الصعود الاقتصادي والتجاري الصيني وتراجع أسواق الشركات الأوروبية في العالم مقابل نظيراتها الصينية فرض واقعاً جديداً على القوى السياسية في بروكسل



حماية القطاع العسكري والأمن السيبراني

أن الدول التي ركزت على تحسين التنافسية والانفتاح على الاقتصاد العالمي حققت مكاسب اقتصادية في رفع مستوى الدخل لأفرادها وانخفاض البطالة والفقر، وارتفع نصيبها من الدخل العالمي الإجمالي، وزادت نسبة مساهمتها في الاقتصاد العالمي، وبالمقابل انخفضت نسبة مساهمة الدول المتقدمة اقتصادياً لصالح الدول الصاعدة والنامية، بفضل لمس  متغيرات مهمة للأمن الاقتصادي، وهي استهلاك الغذاء، وإنتاج الغذاء، ومستوى المعيشة والدخل، وقدرة منظمات المجتمع المدني والحكومة لتلبية احتياجات الناس، ومدى قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من الطعام والسكن والخدمات الصحية والتعليمية بشكل مستمر وآمن.
لذا ترى بروكسل التأكد من أن عدداً معيّناً من التكنولوجيات الأوروبية لن تسهم في تعزيز القدرات العسكرية لبعض  التي تؤمنها كشركتا "هواوي و زيد" الذين يشكلون  خطراً على الأمن القومي الأوروبي
وتريد بروكسل المضي في نهج تجاه بكين يوازن بين المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على الصين مع الحفاظ على العلاقات التجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم و مواجهة ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية
و أنّ المفوضية ترغب عبر الاستراتيجية الجديدة في معالجة المخاطر الأمنية التي تشكلها الاستثمارات الخارجية بتعزيز ضوابط التصدير على السلع التي لها استخدامات مدنية وعسكرية
ومن بين التكنولوجيات التي تذكرها الوثيقة الحوسبة الحكومية، الذكاء الاصطناعي، الجيل السادس من الاتصالات، والتكنولوجيا الحيوية، الرقائق الدقيقة المتقدمة، والروبوتات.
والاستراتيجية التي كُشف عنها من المرجح أن تمنع الشركات الأوروبية من إنتاج عدّة أنواع من التكنولوجيا في بلدان مثل الصين وروسيا
ولا تذكر الوثيقة الصين بالاسم،  لم تسمِّ تلك البلدان، ولكنها قالت إن الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة لا تستهدف بلداً واحداً٫.
وتخشى بعض دول التكتل من إثارة عداء الصين وبدء حرب تجارية، بينما تعتبر دول أخرى أن الوقت قد حان للتحرك لحماية الأمن الاقتصادي للاتحاد
الخامس عشر من شهري ماي 2023، قالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية مارغريت فيستاغر "إذا ما قيّمنا المخاطر من منظور أوروبي، ستُرسم خطوط التقسيم إمّا في بكين أو في واشنطن"
يجدر التذكير أن الكشف عن هذه الاستراتيجية يأتي في ظلّ سعي أوروبي لتعزيز القطاعات الدفاعية الأوروبية، يقوده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
حيث دعا الرئيس الفرنسي  إلى «صدمة تمويل عام» لمواجهة الفقر والاحتباس المناخ، أمام نحو 40 رئيس دولة وحكومة مجتمعين في باريس لمحاولة إعادة صياغة النظام الاقتصادي العالمي، إن الدول لا ينبغي أن تُوضع أمام خيار محاربة الفقر أو مكافحة تغير المناخ، مضيفاً: «علينا أن نُحدِث صدمة تمويل عام، ونحتاج إلى المزيد من التمويل الخاص في مكافحة تغير المناخ وتزايد الفقر وعدم المساواة. وتعهّد أن يكون «هذا الاتفاق المالي الجديد أكثر احتراماً لسيادة» كل الدول.

من جهتها، قالت إستير دوفلو، الحائزة جائزة نوبل في الاقتصاد، خلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية: «تُفرض تكلفة باهظة على أفقر البلدان من خلال الطريقة التي نقرر أن نعيش بها اليوم».
والهدف من القمة هو تجديد الهيكل المالي الدولي المنبثق عن اتفاقات «بريتون وودز» في عام 1944 مع إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتقول الدول النامية: إن الحصول على تمويل من المؤسستين صعب، في حين أن حاجاتها هائلة لمواجهة موجات الحر والجفاف والفيضانات، وأيضاً للخروج من الفقر مع التخلص من الوقود الأحفوري والحفاظ على الطبيعة.
ومن أجل تحقيق ذلك؛ سيتعين على الدول النامية باستثناء الصين إنفاق 2400 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، وفق تقديرات مجموعة من الخبراء تحت رعاية الأمم المتحدة، وكذلك زيادة إنفاقها على الوقود غير الأحفوري من 260 مليار إلى نحو 1.9 تريليون دولار سنوياً على مدى العقد، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية
 
دعوة لتفهم المتغيرات في أوكرانيا والهجرة والتكنولوجيا الاستراتيجية

أشارت رئيسة أكبر سلطة تنفيذية في الاتحاد الأوروبي إلى أنه من المهم جداً حماية وتعزيز والتشارك في المشروع الاقتصاد الأوروبي موضحة أن الاتحاد سيطلب 66 مليار يورو إضافية من الدول الأعضاء لمراجعة الموازنة التي تغطي 4 سنوات حتى 2027.
وتطرّقت فون دير لايين إلى ثلاث نقاط أساسية تتحدث عنها "استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبي" وقالت إن بروكسل أضافت ثلاث أولويات إلى الأولويات السابقة وهي
أوكرانيا
أزمة المهاجرين
المنافسة في القطاع التكنولوجي الاستراتيجية
بخصوص النقطة الأولى، وحتى العام 2027، أعلنت المفوضية أنها طلبت من الدول الـ27 الأعضاء تقديم مبلغ إضافي قدره 50 مليار يورو يضاف إلى ميزانية 2021-2027 لدعم أوكرانيا.
ويجب أن توافق الدول الـ27 بالإجماع على المطلب قبل أن تتم المصادقة عليه في البرلمان الأوروبي ليصبح ساري المفعول
أما مسألة الهجرة، فأعلنت بروكسل تخصيص 15 مليار يورو لها خلال أربع سنوات و10 مليارات لمسألة المنافسة
التكنولوجية
قالت فيستاغر إن روسيا ألهمت المخاوف المتعلقة بالطاقة عندما غزت أوكرانيا في نهاية شباط/فبراير 2022، بينما تثير الصين مخاوفَ بشأن إنتاج التكنولوجيا وأمن التقنيات.
الاتحاد الأوروبي سيحظر التعاقد مع العملاق الصيني هواوي لمد شبكة ج ي5
بعد "قطرغيت" مقترح لإنشاء هيئة جديدة لتعزيز الأسس الأخلاقية في الاتحاد الأوروبي
وأشارت فيستاغر إلى أن القوة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي تعتمد على سوق واحدة والتجارة العالمية المفتوحة القائمة على القواعد ومع ذلك، فإن التغيرات الجيوسياسية الحالية وسريعة
وأضافت يتطلب ذلك ... منّا موقفاً متوازناً: يجب علينا الحفاظ على أمننا الاقتصادي، مع ضمان استمرار الاستفادة من اقتصاد عالمي مفتوح
تستمر أوروبا والولايات المتحدة في قطاع صناعة الرقائق وشبه الموصلات لتقليل الاعتماد على الصين


تصريح "عكس التيار" من برلين

بموازاة كل ذلك، دعا رئيس الوزراء الصيني، لي تشيانغ، ألمانيا الثلاثاء إلى تعزيز التعاون مع بكين لدعم النمو مع افتقار التعافي الاقتصادي العالمي إلى الزخم
وقال لي في مؤتمر صحافي في برلين "يفتقر التعافي الاقتصادي العالمي إلى ديناميكية النمو. وينبغي على الصين وألمانيا، كبلدين كبيرين ومؤثرين، العمل بشكل وثيق معاً من أجل السلام والتنمية العالميين".
من جانبه قال المستشار الألماني أولاف شولتس إن ألمانيا تسعى إلى بناء علاقات تجارية "متوازنة" مع دول آسيوية وألا تحصر نفسها مع شريك واحد.


قراءة المقال كاملاً ←

كيف توظف الدول الشباب في بناء القوة الخارجية؟



.يوسف ورداني 
مصدر مركز المستقبل

تصدرت فئة الشباب أخيراً الاهتمام الدولي على نحو غير مسبوق، وانعكس ذلك على تصاعد الاهتمام الأكاديمي بدراسة الأدوار المحتملة لتلك الفئة المؤثرة فضلاً عن انخراط الشباب بصورة عملية في السياسة الخارجية بشكل أو بآخر. فعلى المستوى الأكاديمي، تبلور عدد من الاتجاهات النظرية التي ركزت على دور الشباب في المجالات المتعلقة بحقوق الإنسان وبناء السلام والعدالة الاجتماعية، وعلى دور الحركات الاجتماعية الشبابية في تشكيل العلاقات الدولية والسياسة الخارجية خاصة في مجال تغير المناخ وتعزيز المساواة بين الجنسين، وعلى مشاركة الشباب في عمليات صنع القرار على مستوى المنظمات الإقليمية والدولية، وفي الهياكل المؤسسية لصنع السياسة الخارجية على المستوى الوطني. وتجلى ذلك الاهتمام في تنظيم الجمعية الأوروبية للعلوم السياسية ورشة عمل دولية متخصصة عن "الشباب في العلاقات الدولية" في مايو 2023.

 أما على المستوى العملي، فقد تزايد دور الشباب في المشاركة في مؤتمرات القمم الدولية التي تعقدها المنظمات الدولية والإقليمية خاصة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتولي عدد من الأدوار القيادية بداخلها، وقيادة الفعاليات المرتبطة بالدعوة إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة ومواجهة التحديات العالمية خاصة تلك المرتبطة بالبيئة، وانتقاد بعض السياسات غير العادلة للشركات متعدية النشاط، وأيضاً في تحريك بعض الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية ضد النظم الحاكمة.

في ضوء ذلك، اختلفت الرؤى تجاه تزايد دور الشباب على المستوى الدولي، ففي حين رآهم البعض "مزعزعين للاستقرار الوطني ومهددين للنظام العالمي"، نظر إليهم كثيرون على أنهم فرصة أخفقت بعض الدول في استغلالها لإحداث تنمية حقيقية.

أسباب الاهتمام المتصاعد:

1. تداعيات اللحظة التاريخية، حيث يشهد العالم حالياً تركز أكبر جيل من الشباب في تاريخه مع وجود 1.2 مليار شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يمثلون حوالي 16% من سكان العالم، يعيش قرابة 90% منهم في البلدان النامية. ومن المتوقع أن ترتفع نسبة الشباب لتبلغ 23% من إجمالي سكان العالم في 2030. على أن تبدأ بالانخفاض إلى ما دون 20% بحلول عام 2075. وتزيد هذه النسبة في الدول النامية التي توسع من تعريف سن الشباب ليصل في بعض الأحيان إلى 35 أو 40 سنة، وذلك لتبلغ نسباً تتراوح من 40 إلى 50% من إجمالي عدد السكان. 

وتزداد أهمية هذه اللحظة مع معاناة دول القارة الأوروبية من انخفاض في معدلات الخصوبة وارتفاع في معدلات الشيخوخة أو ما يُطلق عليه "الشتاء الديمغرافي"، وما يفرضه ذلك من آثار على معدلات النمو الاقتصادي، ومن جدل حول كيفية تحقيق الموازنة بين تنظيم سياسات الهجرة إلى دول الاتحاد والمحافظة على هويته الثقافية والدينية.

2. تزايد تأثيرات الطفرة الشبابية في المجتمعات النامية على معدلات الاستقرار السياسي والاجتماعي، فيؤدي تزايد نسبة الشباب إلى إجمالي السكان إلى ما يقرب من النصف في هذه المجتمعات إلى احتمالية زيادة مظاهر العنف غير المحسوبة فيها، والتي غالباً ما يكون لها تداعيات إقليمية ودولية. ويعزز ذلك عدم نجاح سياسات هذه الدول في مواجهة تأثيرات هذه الطفرة من حيث ازدياد حجم الضغوط على الخدمات العامة، وانخفاض معدلات التنمية البشرية، وارتفاع معدلات البطالة، وتفضيل الشباب لخيار الهجرة. 

3. تزايد معاناة شباب العالم من وتيرة الصراعات والنزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الناتج عنهما، فوفقاً للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل في ديسمبر 2022، فإن هناك 600 مليون شاب وفتاة يعيشون في السنوات الأخيرة في صراعات أو أوضاع هشة حول العالم. ويؤدي ذلك الوضع إلى ازدياد عدد اللاجئين من دول الصراع على نحو ما برز في حالة الأزمة السورية والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع محاولات الهجرة غير الشرعية خاصة عبر شواطئ البحر المتوسط.

4. تزايد تحمل الشباب لآثار التحديات العالمية الناشئة، ويشمل ذلك على سبيل المثال تأثيرات تغير المناخ أو التدهور البيئي والآثار الناتجة عن جائحة "كوفيد19" على الصحة النفسية للشباب، وعلى اضطراب أوضاع حياتهم المعيشية. 

5. ما كشفته الخبرة التاريخية من تحول الشباب إلى "عامل ضغط" على السياسات الخارجية للدول في حال معارضتهم لتوجهات الدولة الخارجية بصرف النظر عن قدرتهم على تغيير هذه السياسات، وذلك على النحو الذي برز في رفض الشباب الأمريكي الانخراط في حرب فيتنام خلال ستينيات القرن العشرين، وتظاهره ضد قرار الحرب الأمريكية على العراق في 2003. وكذلك في حالة ضعف الدولة وانكشافها، ولجوء القوى الدولية الكبرى إلى التنسيق المباشر مع "النشطاء الشباب" وتوفير فرص تدريب لهم على نحو ما ظهر في السنوات القليلة السابقة لقيام ما أُطلق عليه ثورات وانتفاضات "الربيع العربي". 

جهود التمكين الدولية:

في هذا السياق، تبرز المؤشرات التالية على زيادة التوجه العالمي نحو استخدام الشباب كإحدى أدوات السياسة الخارجية للدول والمنظمات الإقليمية والدولية:

1. تعيين مبعوثين دوليين لقضايا الشباب: فقد استحدث الأمين العام للأمم المتحدة في يناير 2013 منصب مبعوث الأمين العام لشؤون الشباب، وشغله للمرة الأولى أحمد الهنداوي من الأردن في يناير 2013 ثم السيدة جاياتما ويكراماناياكي من سريلانكا في يونيو 2017. وجاء هذا المنصب انسجاماً مع خطة بان كي مون لولايته الثانية، والتي أعلن من خلالها عن جعل العمل مع ومن أجل المرأة والشباب أحد الأهداف الاستراتيجية لخطته، وليكون المبعوث "حلقة الوصل بين الأمم المتحدة وشباب العالم". وفي إبريل 2014 استحدثت المنظمة الأممية منصب المبعوث الخاص للأمين العام المعني باللاجئين الشباب والرياضة.

وعلى المستوى الإفريقي، دعا تقرير اجتماع اللجنة الفنية المتخصصة الثانية لثقافة الشباب والرياضة (STC-YCS 2) إلى "تعيين مبعوث شباب للاتحاد الإفريقي للمساعدة في الدفاع عن قضايا تنمية الشباب في إفريقيا". ووفقاً لذلك، شغل المنصب كل من السيدة آية الشابي من تونس في نوفمبر 2018 ثم شيدو كليوباترا مبيمبا من زيمبابوي بدءاً من يناير 2022. 

2. تبني مجلس الأمن القرار رقم 2250 لسنة 2015 بعنوان "الشباب والأمن والسلم"، والذي أتى استكمالاً للجهود التي بدأها الأمير الحسين بن عبدالله الثاني (21 سنة وقتها)، خلال رئاسته جلسة النقاش المفتوحة في مجلس الأمن حول "دور الشباب في مجابهة التطرف العنيف وتعزيز السلام" في 23 إبريل من العام نفسه. وحث القرار الصادر في ديسمبر الدول الأعضاء على "النظر في السبل الكفيلة بزيادة التمثيل الشامل للشباب في عمليات صنع القرار على جميع المستويات لمنع نشوب النزاعات وحلها"، واهتم بخمسة محاور لتنشيط دور الشباب في بناء السلام وحفظ الأمن، هي: المشاركة والحماية والوقاية وبناء الشراكات والتسريح وإعادة الإدماج.

3. اعتماد المفوضية الأوروبية والممثل السامي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية خطة عمل الشباب في العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي للفترة 2022 إلى 2027، والتي تُعد أول إطار سياسي على الإطلاق لشراكة استراتيجية للاتحاد مع شباب العالم. وبناءً عليه، ووفقاً لجوتا أوربيلينن مفوضة الشراكة الدولية بالاتحاد سوف يلتزم الاتحاد بوضع الشباب في قلب عمل سياساته على المستوى الخارجي.

وتشمل محاور خطة العمل ثلاث ركائز أساسية، هى: التزام الاتحاد بزيادة أصوات الشباب في السياسات وصنع القرار في جميع أنحاء العالم، وذلك على جميع مستويات الحكم، من السياسة الداخلية إلى المنتديات متعددة الأطراف، وداخل عمليات صنع السياسات في الاتحاد الأوروبي. والشراكة من أجل التمكين ومكافحة أوجه عدم المساواة عبر زيادة فرص الشباب في التعليم والفرص الاقتصادية والمساهمة في عملية التنمية المستدامة ودفع التحولات الخضراء والرقمية، وذلك بالإضافة إلى الاستثمار في صحة الشباب وسلامتهم العقلية والبدنية وحصولهم على الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية. وأخيراً تعزيز الفرص المتاحة للشباب للتواصل والتبادل مع أقرانهم على المستوى العالمي مع إيلاء اهتمام خاص لإزالة الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والفجوة الرقمية والمخاطر المتصلة بالمعلومات المضللة.

4. بروز قضية التمكين السياسي والاقتصادي للشباب كإحدى القضايا التي تتم مناقشتها في المحافل الدولية والإقليمية، والتي يتم تبني استراتيجيات جماعية في التعامل معها وتتم ترجمتها في بعض الأحيان إلى سياسات وطنية على مستوى كل دولة على حدة. وشمل ذلك إطلاق استراتيجية الأمم المتحدة للشباب 2030 في سبتمبر 2018، وإطلاق الاستراتيجية الأوروبية للشباب 2019-2027، وإعلان عام 2022 عاماً أوروبياً للشباب، وتأكيد الاتحاد الإفريقي في "رؤية 2063: إفريقيا التي نريد" دعم الشباب كمحرك لنهضة إفريقيا من خلال "الاستثمار في صحته وتعليمه وحصوله على التكنولوجيا والفرص ورأس المال..."، وتخصيص الفترة من 2018 إلى 2027 عقداً إفريقياً للتدريب الفني والمهني والريادي وتوظيف الشباب. وعلى مستوى جامعة الدول العربية، إعلان عام 2023 عاماً للشباب العربي.

أشكال وخبرات التوظيف:

يُمكن للدول توظيف الشباب في علاقاتها الخارجية على النحو التالي:

1. إكساب العلاقات الخارجية للدول بعداً "شبابياً" من خلال الاهتمام بقضايا الشباب في علاقات الدولة بغيرها من الفاعلين الدوليين، وإبراز الخطاب الدبلوماسي الخارجي أهمية دور الشباب وعلاقته بالقضايا الكبرى التي تهتم بها الدولة، ودمج العناصر الشبابية في مؤسسات صنع السياسة الخارجية، وفي الوفود الرسمية والاجتماعات الحكومية الدولية، والعمل على إطلاق شبكات دولية وإقليمية متخصصة للمهنيين الشباب في القطاعات المختلفة. ويسهم ذلك في تأكيد البعد الحداثي للدولة خاصة عند تعاملها مع دول يتولى فيها الشباب أدواراً رئيسية في منظومة الحكم.

2. تبني أجندة دولية وإقليمية نشطة في مجال الشباب. ويشمل ذلك التوسع في تنظيم المنتديات والمؤتمرات وورش العمل الدولية والإقليمية في مجال الشباب مع التركيز على العناصر الشبابية المؤثرة والموضوعات الجديدة المُثارة على المستوى العالمي، وتفعيل المشاركة في المؤسسات الإقليمية المنضمة لها الدولة بما يتيح للشباب فرصة أكبر للمشاركة بصورة مؤسسية في صنع السياسات والقرارات.

وتوجد تجارب عربية ناجحة يُمكن البناء عليها، مثل الأردن التي قادت الجهد الدولي في مجال إصدار قرار مجلس الأمن حول الشباب والسلم والأمن في عام 2015، ومصر التي نظمت أكثر من دورة لمنتديات شباب العالم في مدينة شرم الشيخ بحضور رئيس الدولة، ودولة الإمارات التي احتلت المركز الأول عالمياً في توفير المناخ الجاذب للشباب لتأسيس وبدء الأعمال التجارية وإقامة مشروعاتهم الريادية المبتكرة وفقاً لتقرير ريادة الأعمال العالمي لعام 2023، ووفرت 100 ألف إقامة ذهبية للمبرمجين الموهوبين من دول العالم.

3. تعزيز التواصل مع الجاليات الشابة في الخارج، والتي تشمل شبكات الدارسين والمبتعثين في الجامعات والمعاهد الأجنبية، والمهنيين الشباب في التخصصات المختلفة حيث يلاحظ ارتفاع نسبة المهاجرين العرب الذين لديهم شهادات تعليم جامعي فما أعلى. ويلزم لذلك إعداد قواعد بيانات مدققة عن هذه الفئات واهتماماتها، وضمهم لشبكات خريجين عامة ومتخصصة تتيح التواصل المستمر معهم، ودعوتهم بصورة دورية لزيارة دولهم واللقاء مع صناع القرار ومتخذيه فيها.

وتبرز هنا خبرة دولة الإمارات العربية المتحدة التي أنشأت في عام 2017 مجلسين للشباب في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بما يتيح الفرصة للشباب الإماراتي المبتعث في الخارج "نقل أفضل الممارسات في كافة المجالات الموجودة في الخارج إلى داخل الدولة ليتم تطبيقها تحت رعاية مجلس الإمارات للشباب والجهات المعنية".

4. تبني استراتيجية التأثير في القطاعات الشبابية في الدول الأخرى التي ترتبط معها الدولة بعلاقات شراكة وتحالف. وعادة ما يتم ذلك من خلال برامج التبادل الطلابي التي ينفذها العديد من الدول الغربية مع الدول النامية، أو المنح الدراسية، أو برامج الزائر الدولي، أو رعاية المبادرات الخاصة بخلق أطر للتفاعل بين الدبلوماسيين الشباب حول قضايا محددة. ويسهم ذلك في بناء وتعزيز وعي النخب الشابة الحالية والمستقبلية بتعقيدات صنع القرار واتخاذه في هذه الدول، وجعلهم أكثر استعداداً للتعاون معها في مجالات عملهم المهني أو السياسي.

ومن أمثلة برامج التبادل الشبابي برامج الزائر الدولي التي تنظمها وزارة الخارجية الأمريكية منذ عام 1940، والبرامج المماثلة التي تنفذها دول مثل هولندا وسويسرا وفرنسا، وسفينة شباب العالم التي تنظمها اليابان مرة كل عامين، وسفينة جنوب شرق آسيا واليابان للشباب. ويمكن أن يتم تنظيم هذه البرامج بشكل فردي لمجموعة من الشباب النشط من دولة واحدة أو لشباب منتمٍ إلى أكثر من دولة.

5. تعزيز مشاركة شباب دول المنطقة في برنامج الأمم المتحدة للمندوبين الشباب، وذلك إعمالاً لنص القرار رقم 64/ 130 في عام 2009، والذي حث الدول الأعضاء على ضم ممثلين للشباب إلى وفودها في الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ولجانه الفنية ومؤتمرات الأمم المتحدة ذات الصلة. ويختص هذا المندوب بتقديم العون في المسائل المتصلة بالشباب خاصة خلال اجتماعات اللجنة الثالثة للجمعية العامة المختصة بمناقشة القضايا الاجتماعية والثقافية، ويقوم بحضور الاجتماعات والمفاوضات غير الرسمية، وتقديم المساعدة في تغطية المناقشات العامة وصياغة مشاريع التقارير، وكذلك القيام بتبادل المعلومات وإطلاع المندوبين الشباب الآخرين على وجهة نظر شباب دولته بشأن القضايا العالمية سواءً من خلال اللقاءات الثنائية أو الأحداث الجانبية التي يتم تنظيمها للوفود الأخرى. وحالياً تشارك 12 دولة فقط في هذا البرنامج، هي: أستراليا وبلجيكا والمكسيك وهولندا والنرويج وسريلانكا وكوريا وتايلاند وأوكرانيا وأوغندا والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية.

6. توعية الشباب المشارك في برامج التبادل والبعثات الخارجية التي تنظمها أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني بشأن أولويات الأمن القومي، والقضايا التي تشغل صناع القرار الخارجي في الدولة، وموقفها من التعامل مع المستجدات العالمية.

يترتب على ما سبق أهمية قيام الدول الوطنية بإدراج الشباب كإحدى أدوات قوتها الخارجية الذكية، مع ما يتيحه ذلك من زيادة شرعيتها في أوساط هذه الفئة الناشئة، ومن استخدام أفضل لأحد أهم عناصر رأس المال الاجتماعي الذي تزخر به، ومن آلية مستحدثة لجذب التمويل من المؤسسات الدولية المانحة. 


قراءة المقال كاملاً ←

الخيارات الخليجية والنظام الدولي…بين الأحادية القطبية والمشاريع الصاعدة


وحدة الرصد والتحليل 
يمر النظام الدولي بفترة مفصلية أشبه ما تكون بالمرحلة الانتقالية، نتيجة عدد من المتغيرات العالمية على رأسها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والانسداد في كثير من الملفات الدولية، وتراجع النظام الاقتصادي العالمي، الأمر الذي يجعل العالم في ترقب لمآلات هذه الأحداث وانعكاساتها على مستقبل النظام الدولي، بحيث قد تؤدي إلى تغير شكله الحالي من الواحدية، إلى شكل آخر يقترب من التعددية القطبية. في ظل هذه التغيرات تبقى دول الخليج في حالة من التقرب والاستعداد لنتائج هذه الأحداث، مع الموازنة في خيارات التعامل بين النظام الدولي الحالي والقوى الصاعدة.

يبحث تقدير الموقف في مؤشرات التغير العالمي وأثرها على النظام الدولي، وأهمية الخليج في النظام الدولي، ودوافع وتحديات التعامل مع الشكل التعددي المحتمل للنظام الدولي الجديد.

أولاً: مؤشرات التغير العالمي
الولايات المتحدة: بين التشتت الخارجي والضعف الداخلي
منذ تفكك الاتحاد السوفييتي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القطب الأول في العالم، وبات العالم خاضعاً للهيمنة الأمريكية، ولا سيما منطقة الخليج باعتبارها أكبر منتج للنفط، لكن، وبعد تخفيض الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، شعرت دول الخليج بأنَّ هذا قد يعد تخلياً عن التعهدات الأمريكية تجاه أمن حلفائها، رافق ذلك توجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو الشرق، للتخوف من تنامي المشروع الصيني كقوة دولية منافسة، ودعم أوكرانيا في الحرب مع روسيا، وقد كان من المفترض أن تعيد زيارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” للسعودية في مايو 2022 ترتيب ملف العلاقات الخليجية الأمريكية، لكن يبدو أن ثمة تشتتاً ملحوظاً في الأولويات السياسية للولايات المتحدة.





يرافق هذا التشتت الخارجي تراجع سمعة أمريكا الأخلاقية، بفعل سياستها المتخبطة في ملفات الحرب على الإرهاب وغزو أفغانستان والعراق، وعملياتها العسكرية في اليمن وباكستان والصومال، وفضائح سجون أبو غريب وغوانتانامو وباغرام، مما انعكس سلباً على سمعة أمريكا الداخلية والخارجية، هذا بالإضافة إلى الضعف الاقتصادي الذي تمر به، إذ تستمر حصيلة البنوك الأمريكية المنهارة لتعادل ثلاثة بنوك في أقل من شهرين، بالإضافة إلى الحديث عن أزمة بنكية قد تصيب الاقتصاد الأمريكي بالركود في العام الحالي، مع ارتفاع مستوى التضخم والدين العام ونسب البطالة. هذا التشتت والضعف للقوة العالمية الأولى في العالم قد ينذر بحالة من التغير في ملامح النظام الدولي.

توسع منظمة “شنغهاي” وتحالف (البريكس)
تسعى منظمة “شنغهاي” للتعاون منذ تأسيسها في يونيو 2001م إلى دعم تعددية النظام الدولي، وينظر إليها الغرب بمثابة حلف دولي جديد في مواجهة حلف شمال الأطلسي، وتعد المنظمة أضخم تحالف سياسي في العالم، إذ يشكل أعضاؤها ما يقرب من نصف العالم، خصوصاً بعد انضمام السعودية وإيران إليها، وهذا التوجه يوضح الرغبة الصينية والروسية في توسيع أشكال التحالفات السياسية، أملاً في تكوين فواعل دولية جديدة.

كما تدير الصين مجموعة “بريكس” وهي تضم خمسة اقتصادات ناشئة، وهي: الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، وتدرس الصين انضمام السعودية وإيران والجزائر والإمارات والبحرين؛ لتكون بذلك منافساً لمجموعة الدول السبع التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتضم بريطانيا وفرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا واليابان، بناء عليه، من المتوقع تراجع الكتلة التي تقودها أمريكا بحلول العام 2028، وأن تشكل مجموعة السبع 27.8 في المائة من الاقتصاد العالمي، فيما ستشكل بريكس 35 في المائة. ويبدو أن كثيراً من الدول ترى في هذا الشكل الاقتصادي متنفساً لها بعد عجز النموذج الغربي عن تقديم حل للمشكلات الاقتصادية العالمية، وإجبار الدول على تبني نموذج واحد للتنمية والسياسة المالية. وهذا التنامي الصيني والروسي في توسيع التحالفات السياسية والاقتصادية بالتزامن مع التراجع الغربي من المتوقع أن يكون له أثره المباشر على شكل النظام العالمي الجديد، فمن خلال تنامي هذه المنظمات يتراكم وعي عالمي مغاير للشكل الحالي للنظام الدولي.

تنامي الحضور الصيني في المنطقة
تتنوع المشاريع الصينية في المنطقة ما بين مشاريع اقتصادية وثقافية وبوادر مشاريع سياسية وأمنية، تسعى من خلالها الصين لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، المتمثلة في الحد من الاحتكار الأمريكي للمنطقة، وموازنة الحضور الغربي، وإيصال رسائل ناعمة للتشكيك في جدية الموقف الغربي، وتحميله بطريقة غير مباشرة مسؤولية الأزمات التي تعيشها المنطقة، وتسويق الصين بأنها تسعى لتعزيز السلام العالمي، وعلى المستوى الإقليمي تهدف الصين إلى الاستفادة من الأهمية الاقتصادية والسياسية لدول الخليج، ومحاولة كسب ثقة الأطراف الإقليمية المتناقضة، سعيًا لتبني مواقف سياسية لتسوية أزمات المنطقة.

بناء على ذلك، نجحت الصين في كسب رضى بعض المشاريع الإقليمية خصوصًا المتصارعة، كالمملكة العربية السعودية وجمهورية إيران، ورعت الاتفاق الموقع بين الدولتين في السادس من إبريل/ نيسان الماضي، ويعد هذا الاتفاق بمنزلة الإعلان الأول للحضور الصيني الأمني في الشرق الأوسط، وهو أول تدخل منفرد لترتيب ملفات المنطقة من قبل قوة كبرى غير الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة 1990، كما يعد تجاوزاً صينياً للملفات الاقتصادية إلى الملف الأمني الذي كان مسؤولية أمريكية حصرية. ويأتي هذا الاتفاق أيضاً في إطار تفعيل مبادرة الأمن الدولي التي أطلقتها الصين، ورغبتها في المحافظة على المصالح الصينية مع القوى النفطية في المنطقة. ويبدو أنَّ بكين حريصة على تسويق الدبلوماسية الصينية بأنها تعتمد الأدوات الأكثر استقراراً، مقارنة بالدور الأمريكي الذي تصفه بالعسكري، وهذا الأمر سيتيح للصين حضورًا سياسيًا في النظام الدولي القادم.

الحرب الروسية الأوكرانية وتداعيات الاستقطاب الدولي الحاد
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 يعيش العالم استقطاباً حاداً فرضته تداعيات الحرب وانعكاساتها على الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري، إذ يتضح من تداعيات الأحداث أنها حرب بالوكالة بين روسيا والغرب، فكما تسعى الإدارة الأمريكية إلى كبح التطلعات الروسية، فقد عززت الحربُ القناعاتِ الروسية بضرورة خروج النظام الدولي من شكله الحالي، باعتبار أمريكا مصدر تهديد وجودي لروسيا، وعليه، فإنَّ لهذه الحرب انعكاساتها على الواقع الدولي، فالصين ترى أن الاستنزاف الغربي في أوكرانيا سيكون لصالحها، كما ساعدت هذه الأحداث تركيا في تحسين موقعها الجيوسياسي، ووثقت الحرب العلاقات الروسية الإيرانية، في المقابل أظهرت دول الخليج سياسة مرنة في التعاطي مع الأحداث، فضلت من خلالها البقاء على الحياد، والتصرف في مواردها بما تمليه المصلحة الداخلية وإن تعارضت مع بعض أطراف الحرب، وهو موقف استثنائي انتهجته دول الخليج ربما يعود لإدراكها أنَّ ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية لن يكون كما قبلها.

الانسداد السياسي في ملفات الصراع الدولية
تواجه كثير من الملفات الدولية الكبرى حالة من الانسداد السياسي، بعد العجز عن التوصل لتسوية بين الأطراف المتنازعة، يصاحبه تحشيد عسكري من أطراف النزاع واستقطاب دولي حاد، ومن أهم هذه الملفات:

–   ملف “تايون”، الذي تتصاعد حوله التوترات العسكرية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهناك استعداد من الطرفين لخوض معركة قادمة، وقد نشرت مجلة إيكونوميست الأمريكية، أن هناك استعدادات أمريكية وصينية للحرب في تايون، خصوصاً مع رفض الصين قرار المحكمة الدولية، والذي يرى أن المطالبة الصينية ببحر الصين الجنوبي ليس لها أساس قانوني، والسعي الصيني التدريجي لإحكام السيطرة على “بحر الصين الجنوبي”.

–   التوتر بين الكوريتين، إذ تتهم الصينُ الولاياتِ المتحدة الأمريكية باستثمار التوترات الكورية في تعزيز تحالفها المناهض لبكين، وفي الوقت الذي تعزز فيه أمريكا علاقتها بكوريا الجنوبية تتطلع الصين إلى مستوى أعلى من العلاقات مع كوريا الشمالية، وتحتفظ الكوريتين بتاريخ ملئ بالصراع والحرب والانقسام، تعيش معه حالة من الاحتقان العسكري المصحوب بالتهديدات والمناورات، تغذيه حالة الاستقطاب الدولي بين أمريكا من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى.

–   على المستوى الروسي، تشهد العلاقات الروسية اليابانية تأزماً فيما يتعلق بجزر “الكوريل” التي سيطرت عليها روسيا أعقاب الهزيمة اليابانية في الحرب العالمية الثانية، ولا تعترف اليابان بالسيادة الروسية على “كوريل”، وتطالب بدعم من أمريكا باستعادة السيادة على الأرخبيل، ومؤخراً انضمت اليابان للعقوبات الغربية ضد روسيا، كما أعلنت روسيا إلغاء مفاوضات السلام مع اليابان بشأن الجزر.

تراجع عملية التطبيع وتنامي المشاريع الإقليمية في المنطقة
يستثمر الكيان الإسرائيلي في الخطر الإيراني على دول الخليج من جهة، وتقليص أمريكا لعناصرها ومعداتها في المنطقة من جهة أخرى؛ ويسعى لتقديم نفسه على أنه صمام أمان للمنطقة؛ لأن ذلك في نظره يمكن أن يعزز فرص التقارب بينه وبين الدول الخليجية، وخصوصاً السعودية؛ لأن التطبيع معها سيخلق أكثر من فرصة؛ نظراً لمكانة السعودية العربية والإسلامية، ولهذا يُراد للتطبيع أن يتجاوز البعد السياسي إلى التحالف العسكري والأمني، وإدماج الكيان الإسرائيلي في المنطقة، لكن يبدو أن ثمة تراجعاً في مشروع التطبيع، بفعل الشروط التي تتمسك بها الدول العربية المستهدفة، إضافة إلى توجهات بعض الدول الإقليمية كالسعودية وتركيا إلى تحقيق الاكتفاء الأمني الذاتي، وهذا الأمر قد يُضعف مستقبلاً عملية الارتهان الكلي على القوى الدولية.

بناء على ذلك، يظهر أنَّ هناك حالة من الانسداد في كثير من الملفات الدولية، ووصولها إلى ذروة التصعيد السياسي والاستقطاب الدولي الحاد، الذي قد يؤدي لمواجهات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة، أو الدخول في تحشيد سياسي وعسكري يؤدي إلى توازن الرعب، وكلا الاحتمالين قد يعيد تشكيل النظام الدولي بطريقة مغايرة عما هي عليه الآن.

ثانياً: أهمية الخليج في النظام الدولي
أهمية الخليج السياسية
تتمتع منطقة الخليج بأهمية سياسية كبيرة، وقد عُرفت سابقاً بأنها الطريق الحيوي للبريطانيين والشريان الذي يربط بين أوروبا وآسيا براً وبحراً وجواً، كما تقع على الحدود ما بين المنطقة العربية والفارسية، وتعد مركزاً للمشرق العربي، وتشرف على مجموعة مائية كبيرة من المحيطات والبحار والممرات البحرية، وتتوسط الخطوط البحرية الرئيسة، وتستقل بأهم دور العبادة، وتتميز بتعدد المصادر الطبيعية والمعدنية وتنوع المناخ، كما ترتبط أهمية دول الخليج بمضيق هرمز الذي يعد أهم المضائق المائية العالمية، وهو خاضع لقواعد المرور الدولية، بإشراف إقليمي عماني إيراني. هذه الأهمية جعلت من دول الخليج ساحة تنافس دولي، في الماضي، بين البريطانيين والفرنسيين، ثم في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ومؤخراً بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى، حيث لا يمكن لأي قوة كبرى أن يكون لها حضور دولي بارز ما لم يكن لها نفوذ في هذه المنطقة.

الأهمية الاقتصادية للخليج
تعد منطقة الخليج أكبر منتج للنفط، وتمتلك أكبر مخزون احتياطي للنفط والغاز، وتضم عدداً من الموانئ ومحطات الوقود لوسائل النقل الكبرى كالطائرات والسفن والمركبات الدولية، وتحظى بأهمية اقتصادية متعددة، لا سيما بعد إعلان الرؤى التنموية، 2030 السعودية والإماراتية والقطرية، و2035 الكويتية، و2040 العمانية، وتعتمد هذه الرؤى التحول الذكي في إدارة الدولة، وبناء المدن الذكية، التي ستكون بحاجة للتوسع في الاقتصاد الرقمي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات النانوية، والحوسبة الكمومية (الكوانتية)، وتحليل محتوى البيانات العملاقة، والحوسبة السحابية، هذه الفرص تجعل من منطقة الخليج محل جذب للاستثمارات الدولية، وخصوصاً الصين،  كونها أصبحت شريكًا مأمونًا لدول الخليج بعد سنوات التجريب التي مرت بها، وخصوصًا في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا الرقمية والسلع والخدمات، وهذا ما يعزز حالة التنافس الكبير بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي ظلت لسنوات تحتكر الفرص الاقتصادية الخليجية.

الأهمية الأمنية للخليج
نظراً للأهمية السياسية والاقتصادية لدول الخليج، فإنها تعد ساحة للصراع الدولي، ومركزًا لتحديد المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، وسابقاً كانت فكرة تأمين المنطقة من الأفكار التي تبناها النظام الدولي، وحشد لها كافة الإمكانات، تحت مظلة تأمين النفط باعتبارها سلعة استراتيجية للأمن والسلم العالميين، وفقًا لمبدأ جيمي كارتر (الرئيس الأمريكي 1977- 1981) الذي يجيز للولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في المنطقة، ومع تقليص الولايات المتحدة قوتها العسكرية في الخليج، والتراجع الأمريكي عن موقفهم المؤيد للسعودية في اليمن، والتلويح بفتح المساءلة تجاه عدد من الملفات الخاصة بالمملكة، يتضح أن مستوى ثقة دول الخليج ولا سيما المملكة بالإدارة الأمريكية شهد تراجعاً، إذا تنظر الرياض بأنها من أكبر حلفاء واشنطن في المنطقة، وأن المحافظة على أمن المنطقة هو في الأساس محافظة على الأمن والسلم الدولي، وأن السعودية أسهمت في التمكين السياسي والعسكري والاقتصادي لأمريكا، وترى أن هذه الجهود يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل إدارة الرئيس الأمريكي “بايدن”.

ثالثاً: الخيارات الخليجية في ظل المتغيرات العالمية: الدوافع والتحديات
يبدو أن دول الخليج تفضل التعددية القطبية بدلاً من هيمنة القطب الواحد، وذلك لأن انفراد القطب الواحد لم يخدم الاستقرار العالمي السياسي والاقتصادي، وفَرَض حالة من التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما أدى إلى الاختناق السياسي الذي تبحث معه الدول الحليفة لأمريكا عن متنفس، ويبدو أنَّ الحضور الصيني والروسي يمثل أحد هذه النوافذ، بناء على ذلك، فإن طريقة التعاطي الخليجي مع هذه المتغيرات ستكون في إطار هذه الخيارات:

الخيار الأول: الشراكات الاستراتيجية الشاملة مع القوى الصاعدة.
يتطلب هذا الخيار مضي دول الخليج في عقد شراكات استراتيجية شاملة سياسية وأمنية واقتصادية مع القوى الصاعدة كالصين وروسيا، مع المحافظة على العلاقة الاستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية، ودوافع هذا الخيار:

–  تفضل الصين وروسيا التعامل مع دول الخليج دون التدخل في شؤونهم الداخلية مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الدافع يمثل إغراء لدول الخليج.

–  يوفر هذا الخيار نوعاً من الاستقلالية لدول الخليج في تبني مواقف خاصة بعيداً عن ضغط الأطراف الدولية.

–  المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية للصين تجاوزت البحث عن المصلحة الصينية الخاصة إلى إشراك الدول في المنفعة، بينما توصف الولايات المتحدة بأنها تأخذ أكثر مما تعطي.

وعليه، يبدو أنَّ هذا الخيار مطروح لكنه يواجه جملة من التحديات منها:

–  صعوبة إقناع واشنطن بجدوى الشراكات الاستراتيجية الشاملة مع روسيا والصين، مع احتمالية تعثر علاقة دول الخليج بواشنطن، خصوصاً أنَّ روسيا خصم تاريخي للولايات المتحدة، والصين منافس صاعد، وأي شراكة مع هذه القوى الصاعدة قد تُحسب توجهاً بديلاً وليس موازياً.

–  لا تمتلك الصين ولا روسيا الإمكانيات والقدرات والقواعد العسكرية في الخليج لتعويض حالة التراجع الأمريكي، ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بجزء كبير من قواتها في المنطقة، وتتمتع بخبرة استراتيجية في إدارة أزمات المنطقة، وتبرر تقليص قوتها العسكرية بأنه تكتيك مرحلي.

–  الوعي الخليجي مرتبط بالنموذج الغربي الأمريكي والبريطاني، في السياسية والتعليم والاقتصاد والإعلام، وأي شراكة استراتيجية بقوى أخرى ستجد وقتاً كبيراً في استيعابها.

–  العلاقة التي تربط كلا من روسيا والصين بإيران، لا يزال معها التخوف الخليجي حاضر، خصوصاً أن إيران تلقت دعماً سياسياً روسياً وصينياً في تطوير برنامجها النووي.

الخيار الثاني: شراكات تكتيكية محدودة مع القوى الصاعدة، مع المحافظة على الشراكة الاستراتيجية بواشنطن.
يفترض هذا الخيار مضي الدول الخليجية في عقد شراكات تكتيكية محدودة مع القوى الصاعدة، لا ترقى إلى المستوى الاستراتيجي الشامل، في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، مع المحافظة في الوقت نفسه على العلاقة الاستراتيجية بواشنطن، وفرص هذا الخيار:

–  تَفَهُّم روسيا والصين للشراكة الاستراتيجية بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، وتفهم أمريكا للعلاقة الاقتصادية الخليجية الصينية، باعتبار أمريكا نفسها تربطها علاقة اقتصادية بالصين.

–  يتيح هذا الخيار الفصل بين المصالح الاقتصادية والمواقف السياسية، والتخفف من الابتزاز الغربي.

–  يمكن أن يمثل هذا الخيار فرصة لدول الخليج في إدارة حالة من إدارة التواصل بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين روسيا والصين وغيرها من المشاريع الإقليمية، وهذا الأمر يعزز أكثر من المكانة الخليجية، خصوصاً بعد نجاح قطر في إدارة الاتفاق بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية، ونجاح سلطنة عمان في إبرام عدة صفقات بين الولايات المتحدة وإيران.

يبدو أنَّ هذا الخيار هو الآمن على مدى العشر السنوات القادمة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة الأمريكية ستبقى حاضرة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً كأحد الأقطاب الفاعلين، لكن هذا الخيار هو كذلك يواجه عدة تحديات على رأسها الحسابات الأمريكية الدقيقة، فالتعامل الخليجي مع روسيا والصين قد يأتي بنتائج غير متوقعة، خصوصاً مع التوجه السعودي نحو التصنيع العسكري وتطوير البرنامج النووي.

الخيار الثالث: توسيع التحالفات العربية لبناء قطب إقليمي
التحولات المتسارعة في سير الأحداث السياسية العالمية، واشتداد المنافسة بين القوى الدولية الكبرى، قد تجعل أنماط النظام الدولي المتوقع مختلفة عن الشكل الشامل، وعليه قد تتيح هذه الحالة بناء قطب إقليمي، إذ يفترض هذا الخيار أن تسعى دول الخليج لتذويب الخلافات البينية، وتوسيع التحالفات لبناء قوة ذاتية، ووحدة عربية شاملة، ودوافع هذا الخيار:

–  مقومات المنطقة السياسية وموقعها الجغرافي الهام، الذي تستطيع أن تتحول من خلاله من ساحة للتنافس الدولي إلى متحكم بعملية التنافس.

–  القدرات الاقتصادية والنفطية الخليجية التي تتيح لدول الخليج تحويلها إلى أوراق ضغط بطريقة غير مباشرة.

–  المشاريع التنموية الناشئة التي تجعلها لاعباً مهماً، خصوصاً أنَّ المشاريع الاقتصادية الواعدة لا تقل أهمية عن مشاريع النفط.

هذا الخيار ربما يبدو بعيداً على المدى المنظور، لكنه مقبول على المدى الاستراتيجي، إذ قد تتيح عملية التوازن تحقيق الأهداف الاستراتيجية المستقلة، من خلال الاستفادة من المتاحات وإتقان لعبة التوازنات في تحقيق المكاسب. وهذا الخيار على طموحه لكنه يواجه تحديات عدة منها:

–  حالة عدم الاستقرار التي تعيشها عدد من الدول العربية، والصراع السياسي والعسكري والضعف الاقتصادي.

–  التخبط العربي وتشتت الأهداف الأمر الذي يؤثر على أي توجه داخلي لبناء قوة ذاتية.

–  الثغرات السياسية والأمنية التي سمحت بحضور المشاريع الدولية والإقليمية.

–  السعي الغربي لعرقلة المشاريع العربية الصاعدة.

خاتمة
بناء على ما سبق، يبدو أنَّ الخيار الخليجي الأنسب حالياً هو عقد شراكات تكتيكية محدودة مع القوى الدولية الصاعدة، مع المحافظة في الوقت نفسه على العلاقة الاستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية، وإدارة حالة من التوزان تضمن نجاح العلاقة مع الأطراف الدولية المتنافسة، مع العمل الاستراتيجي لبناء قوة ذاتية. في هذا الإطار لن يكون لدى الولايات المتحدة الأمريكية مبرراً لدفع شركائها في الخليج للمفاضلة بينها وبين الصين وروسيا، لأن هذا الخيار قد لا يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه يبدو أن البدائل الاقتصادية الأمريكية محدودة مقارنة بالصين وهذا ما يضطر واشنطن للتماهي مع الخيارات الخليجية
https://fikercenter.com
قراءة المقال كاملاً ←

السعودية والنظام السوري...تحديات المقاطعة ودوافع العودة


السعودية والنظام السوري…تحديات المقاطعة ودوافع العودة
وحدة الرصد والتحليل

عقب الزَّلْزال الذي ضرب تركيا وسوريا فجر 6 فبراير/شباط 2023 بادر كثير من الدول لتقديم المساعدة العاجلة للبلدين، وكان من الدول التي قدمت مساعدات لسوريا المملكة العربية السعودية. وقد أسهم تقديم هذه المساعدات في كسر حالة العزلة المفروضة على النظام السوري، كما أنه حمل في طياته إمكانية التقريب بين المملكة العربية السعودية والنظام السوري.

يبحث تقدير الموقف في دوافع التقارب بين حكومة المملكة العربية السعودية والنظام السوري، وما هي التحديات التي تواجهه، بالإضافة إلى تركيزه على السيناريوهات الممكنة لحدوث مثل هذا التقارب.

أولًا: مؤشرات التقارب
على الرغم من الأضرار التي تحملها الكوارث، فإن لها القدرة على تحفيز جملة من التغييرات التي ربما لم تكن لتتحقق أو ستأخذ وقتاً طويلاً لو لم تقع كارثة، وهكذا جاء الزلزال ليمهد لمسألة التقارب بين السعودية والنظام السوري، خصوصاً أن هناك تحركات سابقة نحو استعادة العلاقات وإن كانت بشكل جزئي، ومن أبرز المؤشرات التي تؤكد وجود هذه الرغبة:

1. التصريحات الرسمية
خلال عقد القمة السعودية-الصينية في 20 يناير/كانون الثاني 2022 صرح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، برغبة الرياض في البحث عن طريقة للتواصل مع حكومة النظام السوري، كما أن رفع علم النظام السوري في القمة السعودية-الصينية، وما أعقبه من رفع للحظر عن البضائع السعودية من قبل دمشق، ربما أثار عدداً من التساؤلات عن إمكانية عودة العلاقة.







وفي 19 يناير/كانون الثاني 2023، قبل حدوث الزلزال، قال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، في تصريحات على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن الرياض تعمل مع شركائها لإيجاد طريقة للتواصل مع الحكومة في دمشق، على نحو يؤدي إلى تحركات ملموسة باتجاه حل سياسي. وعلى هامش مؤتمر ميونخ للأمن، الذي عقد في 19 فبراير/شباط 2023، أشار وزير الخارجية السعودي إلى وجود إجماع “بدأ يتشكل في العالم العربي على أنه لا جدوى من عزل سوريا، وأن الحوار مع دمشق مطلوب في مرحلة ما حتى تتسنى على الأقل معالجة المسائل الإنسانية، بما في ذلك عودة اللاجئين”.

2. الجهود الدبلوماسية
وضمن جهود التقارب شهدت الدبلوماسية السعودية حراكاً مكثفاً تجاه الملف السوري، منها لقاء وزير الخارجية السعودي مع  مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا غيربيدرسن، إضافة إلى لقاء وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، عادل الجبير، مع مبعوثة فرنسا الخاصة إلى سوريا، بريجيت كورمي، وقد بحث اللقاءان المستجدات على الساحة السورية. وأعلنت لجنة المتابعة والتشاور السياسي السعودية المصرية، التي عُقدت بالرياض في 12 يناير/كانون الثاني 2023، دعم البلدين لـ “الحل السياسي في سوريا وفق القرار 2254. وكان من الاتفاقات التي خرجت بها اللجنة ضرورة دعم الحفاظ على استقلال سوريا ووحدة أراضيها، ومكافحة الإرهاب، وعودة اللاجئين والنازحين، والتوصل لحل سياسي للأزمة القائمة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254“.

ثانياً: دوافع التقارب
ترتبط هذه المؤشرات بوجود دوافع محركة للطرفين في إحداث تقارب بينهما، وتتجلى هذه الدوافع في النقاط التالية:

 1. الدوافع السعودية
رغم وجود تصريحات وجهود دبلوماسية لإحداث تقارب بين السعودية وبين النظام السوري، لم تتخذ السعودية خطوة واضحة إلا عقب الزلزال، وذلك من خلال إطلاقها لمنصة “ساهم”، في 8 فبراير/شباط 2023، وهي منصة عنيت بجمع التبرعات لضحايا زلزالي تركيا وسوريا. هذه التبرعات وإن كان أغلبها ذهب لمناطق المعارضة فإن بعضها الآخر ذهب إلى مطارات حلب، بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوري، وهي خطوة لها دلالاتها السياسية، ومؤشر على إمكانية التقارب المدفوع بعدد من المعطيات، أبرزها:

–    تخفيف التوتر في المنطقة
إذ تعيش المنطقة عموماً وعلى مدار عقد حالة من الفوضى والاحتراب الداخلي الذي جعلها عرضة بشكل أكبر لانتشار الجماعات المتطرفة، وللتدخل الخارجي. وبشكل خاص تكررت حالات الاستفزاز والتوتر بين الكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران وميليشياتها من جهة أخرى، على الأرض السورية، وفي حال استمرت فقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات موسعة قد تتحول لحرب إقليمية ليست في مصلحة المنطقة. ويمكن حلها عن طريق استعادة الأمن في سوريا، وإخراج القوات الأجنبية والميليشيات منها، وهو أمر يصب في مصلحة المنطقة عموماً والرياض خصوصاً.

–    تحجيم الدور الإيراني في سوريا
ويعد هذا أحد الدوافع الرئيسية التي تحرك السعودية للتقارب مع النظام السوري، الذي أصبح مستلباً بالكامل لإيران وروسيا، لتصبح في الوضع الحالي رهينة لاعتبارات إقليمية ودولية لا تراعي بالأساس المصلحة السورية بقدر ما تراعي مصالح الأطراف المتدخلة. ومن خلال تقاربها مع دمشق تحاول الرياض مواصلة نهجها الجديد في مساومة إيران عبر تطبيع العلاقات مع حلفائها في المنطقة.

–    التفاعل مع المتغيرات الإقليمية
شهدت المنطقة تغيرات جمة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها وجود مساعٍ لإعادة العلاقات التركية السورية نتيجة ضغط ملف اللاجئين على السياسة الداخلية التركية. ففي 28 يناير/كانون الثاني 2022، وبعد قطيعة دامت 11 عاماً، اجتمع في موسكو وزيرا الدفاع التركي والسوري بحضور ومشاركة نظيرهما الروسي. وقالت المصادر إن الوزراء اتفقوا على تأسيس لجان مشتركة من مسؤولي الدفاع والمخابرات في الفترة المقبلة ستبدأ في موسكو، تعقبها اجتماعات في أنقرة ودمشق. وهي خطوات تأتي ضمن اتفاقات استراتيجية تجمع بين هذه الأطراف. هذه التحركات تعزز الدوافع السعودية نحو تفعيل دورها والتعاطي مع التغيرات الإقليمية القائمة من أجل حماية مصالحها.

–    إعادة ترتيب البيت العربي
من الواضح أن الزلزال منح غطاء لتسريع خطوات ترميم العلاقة بين دول عربية ودمشق. حيث زار أعضاء البرلمان العربي دمشق، كما زار وزير الخارجية المصري دمشق ضمن المساعي المصرية الحثيثة لإعادة دمشق للجامعة العربية، وقبل ذلك استعادت الإمارات علاقتها بالنظام السوري منذ 2018. مثل هذه الخطوات قد تسهم في إحداث تقارب جزئي مع النظام السوري، كما أن لها دلالاتها السياسية المتمثلة في رفع الحرج عن السعودية في حال أقدمت على تبني مقاربة جزئية مع النظام السوري. ومن هنا تأتي جهود السعودية ربما ضمن رغبتها في استعادة توازن المنطقة وتفعيل دورها الإقليمي وإعادة النظام السوري ضمن اشتراطاتها السابقة التي لا تغفل حقوق اللاجئين وضرورة أخذ ملف المعارضة السورية في الحسبان.

2. دوافع النظام السوري
على مدار عقد عانى النظام السوري من عزلة خانقة أثرت في مختلف مناحي الحياة، ويمثل الزلزال فرصة سانحة لتحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إمكانية تقاربه مع المملكة العربية السعودية، ومن أبرز الدوافع المحركة لهذا التقارب:

–    كسر العزلة الإقليمية وتسريع عملية التطبيع للعودة إلى جامعة الدول العربية
يعاني نظام الأسد من عزلة دولية لا تقتصر على محيطه العربي بل تشمل دولاً كبرى ومختلف المؤسسات الدولية، هذه العزلة حجَّمت قدرته على التأثير في محيطه، فضلاً عن قدرته على حماية نفسه من ضربات الكيان الإسرائيلي أو التدخلات الخارجية، وهو أمر لطالما مثل هاجساً ودفع النظام السوري إلى المحاولة جاهداً لتطبيع علاقته مع دول العالم، واستعادة مقعده في الجامعة العربية؛ من أجل تحسين اقتصاده والحصول على دعم عربي، خصوصاً مع تأثير العقوبات عليه وعلى داعمتيه روسيا وإيران. ويحرص النظام على تقاربه مع السعودية لأنها تمثل جسراً يمكن أن يحسن علاقته بالدول العربية، خصوصاً أن كثيراً من الدول العربية قطعت علاقتها بدمشق بعد تعليق عضويتها في جامعة الدول العربية منذ 2012. من جهة أخرى يمكن أن يكون للسعودية دور مهم في عودة النظام السوري إلى المنظمات والمحافل الدولية.

–    استعادة شرعيته في مناطق المعارضة
تلقف النظام السوري الفرصة التي خلقها الزلزال ليحسن صورته أمام العالم، إذ رغم حصره مسألة إيصال المساعدات في الحكومة، صرح بموافقته على تسهيل إيصال المساعدات إلى جميع المناطق، ومن ضمنها تلك التي تقع خارج سيطرته. ورغم وجود قطيعة دولية وعربية، وقائمة من العقوبات الاقتصادية والمساءلات والتقارير والاتهامات ضد مؤسسات وشخصيات سورية، قد تسهم الاتصالات والزيارات الرسمية العربية مع النظام السوري في إضفاء مرونة للتقريب بينه وبين السعودية وتركيا وبعض الدول التي نسق معها لإيصال المساعدات. هذه المرونة قد تسهل في وقت لاحق دور السعودية لإحداث تقريب بينه وبين الفصائل المعارضة السورية.

–    تحييد الدور السعودي الداعم للمعارضة
عقب انتفاضة الشعب السوري في 2011 سارعت السعودية إلى طرد السفير السوري في 2012، وعملت على دعم المعارضة بشكل كبير، ورغم ابتعادها عن الملف السوري بعد اندلاع حرب اليمن، فإنها لم تتخذ أي خطوات داعمة للنظام السوري، بل على العكس؛ استمرت في دعم المعارضة السورية سياسياً، ولكن بشكل أقل، خصوصاً مع التغيرات الدولية وتدخُّل روسيا عسكرياً لمصلحة النظام السوري، وهو ما حقق له تقدماً عسكرياً على حساب الفصائل المحسوبة على الثورة. ومن خلال تقارب دمشق مع الرياض تحاول تحييد دور السعودية، وهو أمر يعزز من قوة النظام السوري ويقلل من إمكانيات مواجهته ولو في المستقبل.

ثالثاً: تحديات التقارب
على الرغم من تعدد الدوافع المحركة للتقارب بين البلدين بسبب الضغوط التي تفرضها التغيرات الدولية والإقليمية، فإن مسألة عودة العلاقات بين البلدين تواجه مجموعة من التحديات، منها:

1. اختلاف طبيعة النظامين ووجود عداءات قديمة
الخلاف بين البلدين ليس مرده إلى قطع العلاقات منذ 2012، بل له جذوره التاريخية النابعة من اختلاف طبيعة النظامين ابتداءً، وأسلوب تعاملهما مع مختلف ملفات المنطقة، وخارطة التحالفات التي يتحرك من خلالها النظامان في مجاليهما الحيويين، بالإضافة إلى وجود تنافس استراتيجي يعزز من صعوبة تقريب وجهات النظر والتوصل إلى حلول استراتيجية مشتركة.

2. النفوذ الإيراني الروسي في سوريا
من أكبر التحديات التي قد تعيق أي عملية تقارب وجود نفوذ إيراني وروسي عميق فيها، وهذا يعني أنه ليس من السهولة فصل النظام السوري عن إيران، لأن التحالف بينهما أصبح استراتيجياً، خصوصاً أنها انخرطت في الحرب الأوكرانية إلى جانب روسيا الداعم العسكري للنظام السوري. ولذا حتى وإن تقاربت السعودية مع النظام السوري فسيكون من الصعب الوصول إلى تفاهمات حول ملف النفوذ الإيراني في سوريا، ولكن قد يؤجل نقاشه إلى وقت لاحق.

3. الاشتراطات الأمريكية والعقوبات الدولية
العقوبات المفروضة على دمشق ذات بعد دولي، بمعنى ليس من السهولة تجاوزها من قبل الدول العربية وعلى رأسها السعودية، إذ ترتبط العقوبات المتعلقة بقانون قيصر- المدعوم أوروبياً- بالانتهاكات الجسيمة التي مارسها النظام السوري ضد الشعب السوري، وتوجد كذلك عقوبات فرضت على النظام السوري نتيجة تقاربه مع إيران وروسيا اللتين تعانيان من وطأة العقوبات الدولية نتيجة الملف النووي بالنسبة لإيران، وغزو أوكرانيا بالنسبة لروسيا. والحديث عن أي تقارب بين الرياض ودمشق لا يمكن أن يكون إلا وفق الخطوط الحمراء التي تتضمنها العقوبات، والتي قد لا يقبل بها النظام السوري، إذ إن من أبرز دوافعه من التقارب مع السعودية كسر عزلته الدولية بالأساس.

رابعاً: مستقبل العلاقة
أمام ضغط التحديات القائمة يتراوح الحديث عن مسألة التقارب بين البلدين بين ثلاثة سيناريوهات أساسية:

1. سيناريو العودة الجزئية
يشير كثير من التقديرات إلى أن المؤشرات الحالية الذاهبة نحو التقارب قد تتطور مستقبلاً لتشمل ملفات أخرى. ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً؛ لأنه حتى إن وجدت عوامل أكثر للتقريب بين وجهة نظر النظام السوري والسعودية لا يمكن أن تتحقق العودة الشاملة للعلاقة بين البلدين، بسبب طبيعة الخلافات القائمة بين البلدين من جهة، ولأن العودة الجزئية تعطي مساحة أوسع للمناورة لكلا الطرفين، من جهة أخرى.

يعزز من إمكانية تحقق هذا السيناريو:

–  مسارعة السعودية إلى إرسال مساعدات لسوريا للمنكوبين، سواء للمناطق الواقعة في مناطق المعارضة، أو مناطق النظام السوري.

–  تفاعل واستجابة النظام السوري لمختلف الجهات التي هبت للمساعدة في تجاوز أثر الكارثة، وتبنيه خطاب “الأشقاء العرب” في محاولة لتمرير رسائل تمهد لإمكانية خلق مساحات اتفاق أوسع بينه وبين الدول العربية، ومن ضمنها السعودية.

يضعف من إمكانية تحقق هذا السيناريو:

–  اعتبار الزلزال بمنزلة ضوء أخضر للسعودية لتمرر المساعدات الإنسانية رغم وجود عقوبات دولية مفروضة على النظام السوري، لكن لا أحد يجزم بإمكانية أن تستمر هذه العودة.

–  تمسك السعودية باشتراطاتها القديمة المتمثلة في ضرورة تطبيق حل سياسي يشمل التعامل مع المعارضة السورية بالإضافة إلى ملف اللاجئين.

–  ارتهان النظام السوري للنفوذ الإيراني والروسي يجعل من الصعب رفع سقف العودة الجزئية للعلاقات بين السعودية والنظام السوري دون الأخذ في الحسبان مصالح واشتراطات هذه الدول، وهو أمر يصعب من مسألة استمرار العودة الجزئية للعلاقات بين الطرفين.

2. سيناريو استمرار القطيعة
يرجح هذا السيناريو استمرار القطيعة بين السعودية والنظام السوري، ويعتبر أن المساعدات الإنسانية هي مجرد حدث طارئ يتوافق مع طبيعة التحدي الذي فرضه الزلزال.

يعزز من إمكانية تحقق هذا السيناريو:

–  تمسك السعودية باشتراطاتها السابقة، وهو أمر يتضح من خلال تصريحاتها الرسمية، وفي حال لم تستجب دمشق لتلك الشروط – وهو أمر وارد- يمكن أن تعود السعودية لحالة القطيعة السابقة.

–  تمكن النظام السوري من البقاء طيلة عقد من القطيعة، وتعميقه لعلاقته بإيران وروسيا كحلفاء استراتيجيين يجعله غير قادر على تجاوز مصالحهما.

يضعف من إمكانية تحقق هذا السيناريو:

–  أثيرت مسألة تطبيع العلاقة بين الرياض ودمشق حتى قبل الزلزال من خلال التصريحات الرسمية السعودية، بالإضافة إلى وجود تحركات عربية مهدت لظهور مثل تلك التصريحات ابتداءً، وإمكانية تحولها إلى جهود على أرض الواقع في وقت لاحق، ومن ثم لا يمكن الحديث عن استمرار قطيعة بعد تلك التصريحات.

–  وجود دوافع إقليمية تستدعي التقارب مع النظام السوري، للتخفيف من حدة النفوذ الإيراني في المنطقة. وهناك كذلك جهود روسية مستمرة وحثيثة لإحداث مثل هذا التقارب؛ من أجل تخفيف حدة العقوبات على حليفها السوري، خصوصاً أن روسيا منهمكة في حربها مع أوكرانيا.

3. سيناريو العودة الشاملة  
يفترض هذا السيناريو إمكانية أن تسهم التصريحات الرسمية، والجهود المبذولة في الجانب الإنساني حالياً، في التقريب بشكل كبير بين السعودية والنظام السوري، تقارب يمكن من خلاله تجاوز كثير من الاشتراطات السابقة، لتجاوز التحديات التي تفرضها التغيرات الإقليمية والدولية.

يعزز من إمكانية تحقق هذا السيناريو:

–  اتخاذ دول عربية كثيرة خطوات فعلية في التطبيع مع النظام السوري، وفي حال تأخرت السعودية عن اتخاذ خطوات مماثلة فقد يختل تأثيرها في بعض ملفات المنطقة.

–  حاجة النظام السوري إلى الدعم السعودي ليخفف من معاناته الاقتصادية، وليتمكن من حسم مسألة عودته لجامعة الدول العربية.

–  رغبة السعودية في تخفيف النفوذ الإيراني في المنطقة عموماً، وفي سوريا خاصة.

يضعف من إمكانية تحقق هذا السيناريو:

–  العودة الشاملة للعلاقات بين البلدين تتعارض مع كثير من بنود العقوبات الموجهة ضد دمشق، ولا يمكن للسعودية المجازفة بتعميق علاقتها بدولة تشترك معها في منافسة وخصومة استراتيجية.

–  لا يمكن أن توافق إيران على خسارة مكتسباتها في المنطقة، خصوصاً في سوريا، ومسألة عودة العلاقات الشاملة بين النظام السوري والسعودية لا يصب البتة في مصلحتها، ومن ثم يمكنها أن تستخدم نفوذها لتحد من إمكانية الوصول إلى مثل هذا التقارب.

 خاتمة
التغيرات الإقليمية واستمرار حالة الفوضى في كثير من الدول العربية تجعل من الضرورة بمكان محاولة تقريب وجهات النظر، وتخفيف حدة الخلافات البينية من أجل تجنب مزيد من الصراعات، التي قد تفضي إلى مزيد من التدخلات الخارجية. تقارب السعودية مع النظام السوري أصبح ربما ملحاً أكثر من أي وقت، خصوصاً أن دولاً أخرى كالإمارات وسلطنة عمان والأردن ومصر اتخذت هذه الخطوة، لكن موقف السعودية يختلف عن هذه الدول بسبب مكانتها الإقليمية وإمكانياتها في التأثير على الأوساط العربية، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى تخوفها من تبعات تبني خطوة تطبيع العلاقة تماماً مع عدم وجود ضامن لتحقق اشتراطاتها السابقة. ولذا يبقى من الوارد الحديث عن وجود مساعٍ للتقارب بين البلدين قد تؤدي مستقبلاً للتقارب الجزئي، لكن من المبكر توقع مساحاته وتأثيراته.

 

مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات المصدر 
قراءة المقال كاملاً ←
ظهور إعلامي

المقابلات التلفزيونية

قسم مخصص لإضافة المقابلات المرئية: ضع رابط الفيديو أو ضمّنه داخل تدوينة تحمل تسمية «المقابلات التلفزيونية».

مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية

قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات

مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.

مشاهدة على YouTube ←
تحليل دولي
ظهور إعلامي

العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة

أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.

متابعة على Facebook ←
إدارة الأزمات
حوار متخصص

التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة

يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.

استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات

إصداراتي وكتبي

يمكن لاحقًا ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

استراتيجية إدارة الأزماتاستراتيجية إدارة الأزمات
التخطيط الاستراتيجيالتخطيط الاستراتيجي
التفاوض أثناء المواقف الطارئةالتفاوض أثناء المواقف الطارئة
المستقبل والحاضر في إدارة الأزماتالمستقبل والحاضر في إدارة الأزمات
أهمية التخطيط الاستراتيجيأهمية التخطيط الاستراتيجي
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزماتمدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات