د. هشام عوكلأستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
منصة فكرية عربية متخصصة

د.هشام عوكل

دراسات وتحليلات في إدارة الأزمات والعلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي، ضمن مساحة معرفة عربية تهتم بالقراءة العميقة وصناعة القرار.

1,156,548متابعًا عبر المنصات الرقمية
أحدث المحتوى

المقالات والدراسات

تظهر مقالات المدونة الحقيقية هنا تلقائيًا. في صفحة المقال، يظهر النص كاملًا ضمن مساحة قراءة واسعة ومريحة.

| مفاوضات عمان.. من يفاوض من؟


 المقال الاسبوعي  زواية حادة  


بقلم د. هشام عوكل أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
1. ترامب.. السمسار الذي يساوم لا يفاوض
اللقاء غير المباشر الذي جمع إيران والولايات المتحدة في سلطنة عمان لم يكن لقاء دبلوماسيًا تقليديًا بل انعكاس لنمط سياسي جديد يرعاه رجل لا يؤمن بالقيم بل بالصفقات ترامب الذي يجلس اليوم في البيت الأبيض لا يفاوض كقائد بل يساوم كسمسار من الصين إلى إيران يعيد نفس الأسلوب تهديد فمساومة ثم تراجع مفاجئ حديثه عن ضرائب تفوق المئة بالمئة على البضائع الصينية لم يكن سوى عرضًا استعراضيًا انتهى بهدوء بعد أن تجاهلت بكين التهديد وردت بالاقتصاد لا بالكلام والآن يمارس ذات الأسلوب مع إيران مهلة شهرين إما اتفاق أو مواجهة لكن هذه المهلة لا تستند إلى تقدير أمني أو إجماع دولي بل إلى قناعة شخصية بأن الضغط الاقتصادي كفيل بصناعة القرار السياسي ترامب لا يقرأ التاريخ ولا يحترم الجغرافيا كل ما يهمه هو من يدفع أكثر ومن يوقع أسرع لكن إيران هذه المرة ليست الخصم السهل فهي تترنح اقتصاديًا نعم لكنها تعرف متى تناور ومتى تتراجع اللقاء في سلطنة عمان جاء بطلب إيراني غير مباشر لكنه يحمل في داخله رسائل واضحة مفادها أن طهران مستعدة للحوار لكن دون أن تبدو مستسلمة بينما ترامب يحاول أن يُلبس الحوار ثوب النصر الانتخابي لا أحد في العالم اليوم يأخذ تهديدات ترامب بجدية لا أوروبا ولا الصين ولا حتى دول الخليج التي بدأت تبحث عن معادلات أمن جديدة بعيدًا عن تقلبات المزاج الأمريكي
2. إيران تفقد أذرعها.. والشرق الأوسط يقاوم العودة
الحديث عن قلق روسي من تقارب أمريكي إيراني لا يستقيم مع ما يجري فعليًا على الأرض لأن إيران لا تعود بل تنسحب لا تتمدد بل تتراجع الخريطة التي كانت تُرسم بلون طهران قبل سنوات بدأت تتلاشى عاصمة تلو الأخرى خرجت من دمشق تحت ضغط التفاهمات الدولية وتراجع دورها العسكري وتحولها إلى عبء أمني خفي وفي لبنان يعيش حزب الله أسوأ حالاته من ناحية التمويل والتأييد الشعبي وخسارة الحاضنة الإقليمية أما في غزة فإيران لم تعد قادرة على تمويل حماس ولا تغطية تبعاتها الدولية بعد ٧ أكتوبر وهنا في اليمن لم يبقَ لطهران سوى الورقة الحوثية لكنها باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى الضغط الأمريكي في البحر الأحمر لا يستهدف فقط حماية الملاحة بل يفتح الباب أمام تدخل بري محدود وهو ما تلوّح به واشنطن ضمنيًا كأداة ضغط إضافية على طهران لإجبارها على إغلاق ملف اليمن بالكامل إيران التي لطالما تفاخر إعلامها بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية تفقد الآن آخر ما تبقى من تلك الخيوط الملف الحوثي لم يعد ورقة تفاوض بل ورقة ابتزاز فاشل يتم استنزافها يومًا بعد يوم الحشد في العراق أيضًا لم يعد يد إيران كما كان بعد أن تحوّلت بعض فصائله إلى عبء أمني على الحكومة العراقية نفسها وكل هذا يجعل من إيران قوة متراجعة في الإقليم لا تبحث العواصم عن دور لها بل تدير ظهرها لمشروعها القديم لأن منطق الميليشيا لم يعد يصلح في زمن التوازنات الصلبة وفي ظل كل هذه الخسارات أدركت إيران أن المرحلة القادمة ستكون أكثر قسوة وأن الضربة القادمة لن تطال أذرعها فقط بل رأسها مباشرة لذلك بدأت بمحاولة تبريد الأجواء مع الولايات المتحدة على أمل إعادة رسم مستقبل جديد لها في المنطقة محاولة استباقية لفهم أن الضربة القاسمة  القادمة  او اعادة تدوير الزاويا الخفية 
3. الصين وموازين الطاقة.. الحذر قبل العاصفة
الصين تراقب مفاوضات واشنطن وطهران من زاوية مختلفة كليًا فهي لا تهتم كثيرًا بجوهر التفاهم النووي بقدر ما يقلقها تأثير أي اتفاق على موازين الطاقة والعبور التجاري في المنطقة أي رفع للعقوبات عن إيران سيعني تحرير ملايين البراميل من النفط الخام الذي كان محتجزًا في الداخل الإيراني وهذا سيُحدث ارتباكًا في السوق التي كانت بكين تهيمن عليها عبر عقود٫ طاقة مريحة مع دول معزولة وضعيفة مثل إيران الصين كانت ترى في طهران حليفًا مضطرًا يعتمد عليها في كل شيء لكن الانفتاح الأمريكي يعني أن إيران قد لا تعود بحاجة ماسة لبكين وقد تفضل عقودًا مع أوروبا أو حتى شركات أمريكية إذا فُتحت لها الأبواب وهذا يربك استراتيجية الصين التي قامت على بناء نفوذ اقتصادي صامت عبر السيطرة على خطوط الإمداد وتأمين احتياجاتها بأسعار تفضيلية كما أن دخول إيران مجددًا إلى السوق العالمي يعيد تشكيل مشهد الموانئ وممرات العبور من الخليج إلى آسيا الوسطى وهذا ما لا يناسب بكين التي تريد استقرارًا في الظل لا تغيرات في العلن الصين إذًا لا تخشى الاتفاق ذاته بل تخشى أن تفقد إيران كحليف مرن ومضطر وتتحول إلى لاعب مستقل يناور شرقًا وغربًا وهذه الخسارة قد تكون الأثقل في حسابات بكين الجيوسياسية
4. ويتكوف وبوتين.. ما هو أبعد من أوكرانيا
اللقاء الأخير بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكن لقاءً عابرًا هدفه إنهاء الحرب في أوكرانيا كما أراد البعض أن يصوّره بل كان أوسع من ذلك بكثير الملف الأوكراني كان الحاضنة لكنه لم يكن المحور المحادثات شملت بوضوح مستقبل الحضور الروسي في فلكها التقليدي موسكو في دمشق موسكو في طهران موسكو في بكين موسكو في شرق أوروبا موسكو وهي تتعامل مع تصدّع دوائرها الاستراتيجية تحاول أن تضمن بقاء موطئ قدم في عواصم بدأت تنفلت من قبضتها سوريا اليوم لم تعد كما كانت قبل خمس سنوات هناك تنسيق خليجي تركي روسي لا يسمح بعودة الفوضى الإيرانية وإيران نفسها التي كانت تلعب دور الوكيل أصبحت عبئًا على موسكو سياسيًا واقتصاديًا وفي الصين تبحث روسيا عن تنسيق أمني اقتصادي مشترك لا عن تحالف متين وهي في ذلك تحاول تحييد بكين عن التمدد الأمريكي عبر ملفات الطاقة أما في أوروبا الشرقية فإن روسيا تشعر أن طوق الحصار يضيق حولها وأن أي تفاهم أمريكي إيراني سيجعلها  أكثر  حزم بالملف اواكرانيا  فلذلك فإن اللقاء بين ويتكوف وبوتين قد يكون الخطوة الأولى نحو ترسيم نظام دولي جديد يتوزع فيه النفوذ لا بالانتصار ولا بالهزيمة بل عبر المقايضة٫ روسيا قد تتخلى عن بعض الأوراق بشرط أن تبقى لاعبًا في طاولة القرار وهو ما تحاول أمريكا رسمه عبر تهدئة مع إيران من جهة وضغط استراتيجي على موسكو من جهة ثانية٫
في عالم السياسة لا شيء ثابت خصوصًا حين يكون السمسار هو من يزعم قيادة دولة عظمى حين تصبح المبادئ سلعة والعلاقات الدولية مزادًا مفتوحًا من يدفع أكثر ومن يتنازل أكثر تضيع البوصلة وتتيه الدول بين الخرائط القديمة والواقع الجديد
في زاوية حادة لا نصدق ما يُقال بل نراقب ما يُخفى وما يُساوم عليه
قراءة المقال كاملاً ←

ما نحتاجه ليس فائض قوة، بل فائض وعي.

المقال الأسبوعي زاوية حادة
ما نحتاجه ليس فائض قوة، بل فائض وعي.
بقلم: د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
في سباقها التاريخي نحو تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، سعت تل أبيب إلى تثبيت مشروع توسّعي من "النيل إلى الفرات"، لكن الواقع الميداني اليوم لا يشي إلا بانكماش استراتيجي، وانكشاف أخلاقي، وهشاشة داخلية غير مسبوقة.
فمنذ السابع من أكتوبر، تواجه إسرائيل أزمة مركّبة لم تفلح ترسانتها العسكرية، ولا دعمها الدولي، في تحويلها إلى نصر سياسي أو ميداني.
لكن المفارقة ليست فقط في تراجع المشروع الإسرائيلي، بل في حالة الغرق التدريجي في قطاع غزة، حيث القوة لم تنتج إلا الدمار، والردع تحوّل إلى مأزق طويل الأمد.
إسرائيل التي أرادت فرض سيطرتها المطلقة، تجد نفسها اليوم أمام مشهد يُشبه المستنقع: كلما تقدمت خطوة، غرقت أكثر في وحول الخسارة المعنوية والسياسية.







في المقابل، يقف الفلسطينيون اليوم في لحظة حرجة لا تقل تعقيداً. فالدمار الشامل في غزة، والانقسام السياسي، والجمود في القيادة، جعل القضية الفلسطينية رهينة فصائلية وغياب المشروع الوطني الجامع. وهنا، لا بد من الاعتراف بأن حماس، رغم مشروعها المقاوم، أصبحت عبئاً سياسياً على الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة.
إن ما جرى في 7 أكتوبر، بصرف النظر عن دوافعه، فرض على الشعب الفلسطيني أثماناً غير مسبوقة. ولذلك، فإن السؤال لم يعد إن كانت حماس قد "انتصرت" أو "هُزمت"، بل الأهم:
هل كان ذلك قراراً فلسطينياً خالصاً؟
أم أنه تسرّب من صراعات إقليمية؟
أم أنها لحظة عبثية انفجرت في توقيت خاطئ ومكان أكثر خطورة؟
وقد يكون من الضروري الإشارة هنا إلى أن هذا الحدث أيضاً يعكس انزلاق الصراع الفلسطيني نحو محاور إقليمية متشابكة، تفقد معه المبادرة الفلسطينية استقلالها وقدرتها على ضبط التوقيت والسياق.
بعيداً عن هذه الأسئلة التي يجب أن يُترك جوابها للتاريخ والتحقيق، آن الأوان أن نتحرك في الاتجاه المعاكس للفوضى والانفراد.
المطلوب اليوم إعادة الاعتبار للممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني: منظمة التحرير الفلسطينية، عبر إعادة تفعيل مؤسساتها، وتوسيعها، واستعادة دورها في توحيد الصف الفلسطيني.
وفي المرحلة الراهنة، فإن تشكيل حكومة تسيير أعمال فلسطينية من التكنوقراط أصبح ضرورة ملحّة، لوقف النزيف السياسي والاجتماعي، والتفرغ لإدارة مرحلة إعادة الإعمار، وضمان وحدة القرار تحت مظلة وطنية جامعة لا فصائلية.
ولا يعني ذلك نزع شرعية المقاومة أو إقصاء أحد، بل إعادة ضبط المسار السياسي ضمن مؤسسة وطنية تستند إلى الشرعية الجماعية لا الأحادية.
ولا يمكن لهذا المشروع أن يكتمل دون دور عربي محوري تقوده مصر، الأردن، والسعودية، لدعم صيغة سياسية واضحة تشمل إعادة إعمار غزة، وإنهاء حالة العزل، وتوفير ضمانات إقليمية ودولية بعدم تكرار سيناريوهات الانفجار.
من "غزة إلى الغرق"، هذه هي المعادلة التي يجب أن نواجهها بواقعية. لم تعد القضية تحتمل المزيد من الإنهاك الفصائلي، ولا صراعات "الشرعيات المتوازية"، ولا مقامرة جديدة بمصير شعب كامل.
الوطن ليس منصّة تجريب، والمقاومة لا تعني الاستفراد بالقرار، والتمثيل لا يمكن أن يُمنح بقوة السلاح فقط.
ما نحتاجه ليس فائض قوة، بل فائض وعي.
ليس احتكار البطولة، بل توسيع دوائر القرار.
ليس تصفية طرف، بل إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني.
اللحظة التاريخية التي نعيشها تتطلب شجاعة كبرى للخروج من سرديات الخسارة والنصر، والانتقال نحو مشروع سياسي شامل يعيد للشعب الفلسطيني صوته، ولمشروعه التحرري مكانته، في زمن تتآكل فيه الجغرافيا، ويتفكك فيه المعنى.
ربما لم نكن نملك خيار 7 أكتوبر، لكننا اليوم نملك خيار ما بعده
قراءة المقال كاملاً ←

عنوان المقال غزة بعد الرهائن... نحو تهدئة أم تصفية؟


المقال الأسبوعي – زاوية حادة

عنوان المقال غزة بعد الرهائن... نحو تهدئة أم تصفية؟
د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية



في عالم يتفنن في صناعة الأوهام، يبدو أن واشنطن وتل أبيب وجدا أخيراً الوصفة السحرية لحل القضية الفلسطينية: حفنة رهائن مقابل عشرات الآلاف من الشهداء، وتسليم السلاح، وخروج قادة المقاومة... باختصار: هدنة مقابل الاستسلام.

خمسون ألف شهيد، وأكثر من مئة ألف جريح، ومدينة كاملة مسحت عن وجه الأرض، كل ذلك يُختزل اليوم بمفاوضات تُدار على طاولة باردة، تُناقش تفاصيل "ما بعد حماس". من يملك الجرأة أن يسأل: ماذا بعد الشعب؟

الطرح الذي يُطبخ حالياً ليس مجرد تسوية، بل محاولة تفكيك جذور الصراع الفلسطيني عبر مسكنات قصيرة الأمد. يُطلب من حماس أن تلقي سلاحها، أن تغادر غزة، أن تُسلم رقبتها في مشهد يبدو أنه مستوحى من نهاية عصابات في أفلام مافيا رديئة الإنتاج، لا من حركة سياسية عمرها أكثر من ثلاثة عقود، تحكم أكثر من مليوني إنسان.

لكن السؤال الأعمق: هل السابع من أكتوبر كان صدفة؟ أم مؤامرة؟ أم كلاهما؟ هل فتح حماس للجبهة كان قراراً مستقلاً؟ أم جرى دفعها نحوه بذكاء شيطاني؟ تبدو العملية الآن وكأنها مصيدة نُصبت بعناية: فخ عسكري قاد لغزو كامل، وفخ سياسي يراد له أن ينهي القضية برمتها.

لا أحد يملك بعد المفاتيح الكاملة لهذا اليوم. حتى من خطط له، ربما لم يتوقع النتائج الكارثية بهذا الحجم. إسرائيل بدت وكأنها تلقت الضربة، ثم نهضت بتأييد دولي غير مسبوق، واستخدمت الحدث كذريعة لتدمير غزة، و"إعادة تشكيلها".

وفي خلفية المشهد، تظهر الولايات المتحدة، لا كوسيط، بل كطرف أصيل. تضغط على الفلسطينيين، على العرب، على الجميع، لترتيب المنطقة بما يناسب مصالحها. التهدئة المطروحة الآن ليست إلا خطوة نحو فرض أمر واقع جديد: غزة بدون مقاومة، وربما لاحقاً بدون هوية.

لكن الغريب، أن العالم لا يسأل عن غزة المحروقة، بل عن الرهائن. لا يتساءل كيف يُقتل المدنيون تحت الركام، بل متى تخرج حماس؟ هنا بالضبط تدخل الكوميديا السوداء: شعب يُباد أمام كاميرات العالم، والمجتمع الدولي يناقش تفاصيل خروج قيادي أو تسليم بندقية.

هل يقبل الفلسطيني بهذا النوع من الحلول؟ ربما تُفرض عليه، كما فُرضت أوسلو قبلاً. لكن ما لم يفهمه صناع القرار في واشنطن وتل أبيب، أن الفلسطيني لا يستسلم، حتى لو صمت مؤقتاً. غزة ليست فقط مكاناً، بل فكرة، والفكرة لا تموت.

قد تكون الهدنة قريبة، وقد يُفرج عن بعض الرهائن، وقد يُدفع ببعض القادة للخروج... لكن من يخرج من ذاكرة الناس؟ من يخرج من وجدان أمة تُشاهد المجازر على الهواء مباشرة؟

السابع من أكتوبر كان صدمة... لكن الأهم، هو ما بعده. وما بعده يبدو حتى الآن أكثر رعباً من كل ما سبقه.

وفي نهاية هذا المشهد، تطل فكرة كانت قد طُرحت علناً خلال فترة إدارة ترامب: التهجير الجماعي لغزة. فهل ما زال هذا المشروع حيّاً؟ أم أن التهجير أُعيدت صياغته بشكل أكثر "أناقة"، عبر تهجير القادة لا السكان؟ وهل الهدف من الضغط الحالي هو خلق واقع جديد يتم فيه استبعاد حماس، مقابل الحفاظ على سكان غزة، ولكن تحت إدارة جديدة؟

تُطرح اليوم عدة سيناريوهات: هل ستُعاد غزة إلى السلطة الفلسطينية؟ أم تُدار من قبل لجنة عربية؟ أم توضع تحت إشراف دولي؟ أم تُسلم لحكومة تكنوقراط محايدة؟ كل هذه الاحتمالات تعكس تخبطاً في الرؤية، لا مشروعاً واضح المعالم.

غزة بعد التبادل، بعد مسلسل الرهائن، بعد الهدنة... إلى أين؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح الآن، لا فقط متى تخرج حماس، بل ماذا يدخل مكانها؟

قراءة المقال كاملاً ←

اللقاء الأمريكي - الحمساوي: تسوية منتظرة أم فخ سياسي منسّق؟

المقال الأسبوعي – زاوية حادة
عنوان المقال: اللقاء الأمريكي - الحمساوي: تسوية منتظرة أم فخ سياسي منسّق؟
د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
في ظل تصاعد الحرب على قطاع غزة، جاء اللقاء الذي جمع ممثلين عن حركة "حماس" مع مسؤولين أمريكيين كمفاجأة سياسية غير متوقعة، خاصة أنه تزامن مع حراك إقليمي ودولي لإيجاد مخرج للأزمة الإنسانية والأمنية المتفاقمة. اللقاء، رغم غموض تفاصيله، اعتبره كثيرون بمثابة فرصة لإعادة خلط الأوراق، وفتح نافذة تفاوضية قد تؤدي إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد، أو على الأقل، هدنة تسمح بإدخال المساعدات وإعادة ترتيب الأولويات السياسية في القطاع.
فرصة سياسية لحماس أم نافذة تكتيكية؟
تعاملت حركة حماس مع هذا اللقاء كفرصة لكسر العزلة السياسية، وتثبيت حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات قادمة تخص غزة. رأت في هذا الانفتاح الأمريكي – ولو غير مباشر – احتمالاً لتغيير في المزاج الدولي، أو على الأقل، إقرارًا بواقع ميداني لا يمكن تجاهله. كما دعم هذا الشعور حديث بعض الأطراف العربية عن خطط لإعادة الإعمار وفتح المعابر، مما أعطى انطباعًا أوليًا بأن هناك توافقات إقليمية تُبنى بصمت.
رد إسرائيلي حاسم: قصف ومعابر مغلقة

إسرائيل سارعت لاستباق نتائج اللقاء بخطوات ميدانية مباشرة: قصف مكثف، إغلاق شامل للمعابر، ووقف فوري لدخول المساعدات الإنسانية. هذا الرد أُدرج ضمن سياسة إسرائيلية تقليدية تعتمد على تعطيل أي مسار تفاوضي خارج سيطرتها، وتوظيف الحصار كأداة ضغط ثابتة ضمن معادلة العقاب الجماعي التي تُمارسها منذ سنوات على سكان القطاع.
المبعوث الأمريكي ويدكوف: عرض مرفوض وخط أحمر معلن
ستيفن ويدكوف، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، قدّم عبر وسطاء مقترحًا لحماس خلال القمة العربية تضمن إشراكها في إدارة مؤقتة للقطاع ضمن ترتيبات عربية. إلا أن الحركة رفضت هذا العرض في اليوم التالي، معتبرةً إياه مساسًا بشرعيتها. ليرد ويدكوف بعدها بتصريح واضح: "عودة حماس إلى حكم غزة خط أحمر". رغم الهدوء الذي ميّز خطابه، فإن الموقف الأمريكي يعكس توجهًا ثابتًا لإعادة تشكيل إدارة غزة من دون حماس، تحت إشراف السلطة الفلسطينية، وبرعاية عربية ودولية، وربط ملف الإعمار بهذه المعادلة الجديدة.
نتنياهو والمكاسب السياسية من التصعيد
في خلفية المشهد، يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كأكثر المستفيدين من استمرار التوتر. فبين أزمات داخلية، وانقسامات سياسية، وضغوط من عائلات المحتجزين، يشكل التصعيد المستمر أداة لتأجيل الاستحقاقات، وإعادة تصدير نفسه كقائد أمني يواجه "التهديدات الوجودية". ليس مستبعدًا أن يواصل هذا النهج حتى موعد الانتخابات المقبلة أو لإفشال أي مبادرات دولية لا تحقق له مكاسب سياسية واضحة.
خاتمة: بين انسداد الأفق وتآكل الخيارات
"تحدث بلطف، واحمل عصاً غليظة"
"Speak softly and carry a big stick."
وبما أن هذا المفهوم ينطبق بشكل مباشر على السياسة الأمريكية في عهد ترامب – التي جمعت بين دبلوماسية مباشرة ولكن مشروطة بالتهديد بالعقوبات أو القوة يُضيف بعدًا استراتيجيًا واضحًا
اللقاء الذي بدأ كفرصة لتخفيف التصعيد وفتح أفق تفاوضي، انتهى إلى مزيد من الغموض والتعقيد. حتى الجانب الأمريكي، الذي سعى من خلال هذا الحوار إلى تحقيق اختراق إنساني محدود عبر الإفراج عن رهائنه من أصحاب الجنسيات المزدوجة، لم يفلح في ذلك. وبقي ملف تبادل الأسرى والرهائن معلّقًا على هامش التفاوض، بلا تقدم يُذكر. كما أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق – التي تتضمن وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار وتوسيع نطاق المساعدات – لا يزال في عالم الغيب، رهينة الحسابات السياسية والأمنية المتضاربة.
وفي خضم هذا الانسداد، يبرز السؤال الكبير: هل تموت فلسطين وتبقى حماس؟ وهل تدرك الحركة أن الرأي العام الدولي – وعلى رأسه الولايات المتحدة والدول الغربية – لا يمكن أن يدعم أي خطة لإعادة الإعمار أو إدارة سياسية للقطاع في ظل وجودها؟ لماذا تصر حماس على البقاء في المشهد السياسي، ولو على حساب أرواح الآلاف من الشهداء الذين سقطوا في غزة؟ هل وصلت الحركة إلى مرحلة ترى فيها أن الغياب عن السلطة يُساوي الفناء؟
لماذا هذه المقامرة المفتوحة من حماس؟ ولماذا لا تُراجع حساباتها في ظل الإجماع الدولي، وحتى العربي، على ضرورة إدارة جديدة للقطاع؟ إلى متى ستبقى الحركة تتمسك بخيارات تُكلّف الشعب الفلسطيني المزيد من الدماء والدمار؟ على ماذا تراهن حماس اليوم؟ هل تملك فعلاً أوراقاً قادرة على تغيير المعادلة، أم أن رهاناتها قد استُهلكت بالكامل في واقع سياسي بات يرفضها من كل الجهات: صديقًا، وقريبًا، وعدوًا؟
ربما حان الوقت لتساؤل أكثر عمقًا داخل الحركة ذاتها: هل أصبحت حماس جزءًا من المشكلة بدلًا من أن تكون جزءًا من الحل؟ وإذا كان المستقبل لا يقبل بها كفاعل سياسي، فهل ستقبل بدور وطني مختلف، أم ستواصل سياسة "إما نحن أو لا أحد"؟
أسئلة مفتوحة، لكن الزمن وحده لم يعد كافيًا للإجابة. الزمن في غزة بات يُقاس بالدم
قراءة المقال كاملاً ←

نهج ترامب، وإعادة توزيع النفوذ الدولي بالشرق

ة
المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
عنوان المقال:  نهج ترامب، وإعادة توزيع النفوذ الدولي بالشرق 
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
إذا كان التاريخ يعيد نفسه، فإن الشرق الأوسط لا يسمح له بذلك دون تعديلات جذرية. كلما استقرت خريطة النفوذ، تدخلت قوى جديدة لتعيد رسم المشهد وفق مصالحها الخاصة. اليوم، لا تتغير الخرائط بالحروب المباشرة، بل عبر الضغوط الاقتصادية، والمناورات السياسية، واتفاقيات غير معلنة تُبرم خلف الأبواب المغلقة.
الشرق الأوسط يشهد مرحلة إعادة ضبط واسعة: إيران تتراجع، روسيا تحاول الحفاظ على موقعها، الولايات المتحدة تعيد فرض استراتيجيتها بضغط أكبر، وتركيا تترقب لتوسيع نفوذها حيثما أمكن. أما إسرائيل، التي لطالما كانت لاعبًا أساسيًا في أي تحول استراتيجي، فقد وجدت نفسها خارج بعض المعادلات، لكنها لا تزال قادرة على استغلال الفوضى لصالحها
في هذا السياق، تُطرح أسئلة أساسية:
هل نحن أمام شرق أوسط جديد يُرسم وفق رؤية ترامب أم وفق فوضى لا أحد يسيطر عليها؟
هل الهدف من الحصار الأمريكي لإيران هو إخضاعها بالكامل، أم أنها مجرد ورقة في صفقة أكبر؟
وأخيرًا، هل الاتفاق بين إسرائيل وحماس في مرحلته انقلالية  الثانية يخدم نتنياهو، أم أنه محاولة لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأوراق؟

(1) سوريا: مسرح القوى المتصارعة لكن بلا تأثير إسرائيلي
بعد سنوات من الصراع، لم تعد إيران لاعبًا مؤثرًا في سوريا. انسحابها لم يكن مجرد قرار، بل نتيجة لضغوط مركّبة سياسية وعسكرية واقتصادية جعلت وجودها غير قابل للاستمرار. لم تعد دمشق جزءًا من مشروعها الإقليمي، ولم يعد لها نفوذ يمكن الحديث عنه بعد تقلص دور حزب الله وفقدان السيطرة على الميليشيات الموالية لها.
اليوم، المشهد السوري يُعاد تشكيله بين موسكو وواشنطن وأنقرة، لكن لا يمكن اعتبار إسرائيل جزءًا من هذه اللعبة. صحيح أن تل أبيب تشن ضربات جوية من وقت لآخر، لكنها لا تؤثر فعليًا على الوضع الاستراتيجي داخل سوريا. الضربات التي تنفذها إسرائيل ليست محاولة لإعادة ترتيب المشهد، بل مجرد عمليات أمنية لضمان عدم تشكل تهديدات مستقبلية من الأراضي السورية.
إذا كان هناك من يعيد رسم خطوط النفوذ داخل سوريا، فهو ليس إسرائيل، بل روسيا التي تحاول إدارة علاقتها المعقدة مع تركيا والولايات المتحدة، بينما تحاول الحكومة المؤقتة في دمشق أن تجد لنفسها موقعًا ضمن هذه التوازنات دون امتلاك القدرة الحقيقية على فرض أي معادلة مستقلة بسب من تركة نظام الاسد من فاسد مدمر بكل موسسات الدولة السورية ٫
(2) حصار إيران: الاستسلام أم جزء من صفقة أكبر؟
الولايات المتحدة لم تختر فقط الضغط على إيران، بل تنفيذ استراتيجية حصار كامل أزالت فيه آخر مواقع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
في لبنان، لم يعد حزب الله بنفس القوة، بسبب الأزمة الاقتصادية والضغوط الخارجية.
في سوريا، خرجت إيران بالكامل من المشهد.
في فلسطين، لم تعد إيران قادرة على تقديم الدعم كما في السابق.
في اليمن، الضربات الجوية الأمريكية على الحوثيين تستهدف إضعاف آخر أذرع إيران العسكرية في المنطقة.
السؤال هنا:هل هذه الاستراتيجية تهدف إلى إجبار إيران على الخضوع بالكامل؟ أم أن الضغط الأمريكي هو مجرد ورقة في صفقة أخرى أكبر لم تُعلن بعد؟
واشنطن لا تمانع التفاوض مع طهران، لكن بشروطٍ قاسية: وقف دعم الفصائل المسلحة، الانسحاب من الأزمات الإقليمية، والتخلي عن أي طموح نووي أو استراتيجي مستقل. لكن هل إيران مستعدة للخضوع لهذه الشروط؟ أم أنها ستحاول البحث عن طرق أخرى للمناورة، مثل التقارب مع أوروبا، أو حتى إعادة ترتيب علاقتها مع بعض القوى الإقليمية؟
بعض العواصم الأوروبية تبحث عن حلول بديلة ردًا على الضغوط الأمريكية.
استمرار الضغط الأمريكي قد يؤدي لتغير غير متوقع في العلاقات الأوروبية-الإيرانية، مما يعيد التوازن في المنطقة.
(3) أوكرانيا: الفخ الذي وقع فيه الجميع!
الحرب الروسية-الأوكرانية لم تكن مجرد صراع إقليمي، بل كانت كمينًا استراتيجيًا نُصب لأوروبا أكثر مما كان موجهًا لروسيا. واشنطن، التي لطالما أرادت إبقاء أوروبا تحت المظلة الأمريكية، وجدت في هذه الحرب فرصة ذهبية لربط القارة العجوز بها من جديد.
النتيجة؟ أصبحت أوروبا أكثر ارتهانًا للولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا، وأصبح القرار الأمني الأوروبي يُصاغ في البيت الأبيض أكثر مما يُصاغ في بروكسل. أما روسيا، فرغم العقوبات والضغوط، لم تنهَر كما توقع البعض، بل وجدت في هذه الحرب فرصة لتعزيز نفوذها في مناطق أخرى، وربما للمساومة لاحقًا مع واشنطن على ملفاتٍ أكثر أهمية من أوكرانيا نفسها.
أمريكا بلا ناتو؟ هل أصبح كل شيء ممكناً؟
وهنا نأتي إلى الفكرة الأكثر جنونًا على الإطلاق: إيلون ماسك، الرجل الذي يريد إرسال البشرية إلى المريخ، يُقال إنه همس في أذن ترامب بأن الولايات المتحدة قد تكون أقوى لو انسحبت من الناتو أو حتى الأمم المتحدة. بعبارة أخرى، "لماذا نتبع القوانين الدولية بينما يمكننا أن نصنع قوانيننا الخاصة؟"
السؤال هنا: هل يمكن لأمريكا أن تصبح دولة "خارج القانون"، تتصرف كما يحلو لها بلا أي قيود؟ أم أن خروجها من هذه المنظمات سيجعلها تفقد نفوذها تدريجياً لصالح قوى أخرى مثل الصين وروسيا
في هذا السياق، تُطرح أسئلة أساسية:
هل نحن أمام شرق أوسط جديد يُرسم وفق رؤية ترامب أم وفق فوضى لا أحد يسيطر عليها؟
(4)  تشتيت للأزمة أم تمهيد لصفقة أكبر؟
إذا نظرنا إلى المشهد العام، نرى أن ما يجري الآن قد يكون أكثر من مجرد تفاهمات محلية، بل قد يكون جزءًا من تحولات أوسع تهدف إلى ضبط الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في إطار جديد.او كأداة تكتيكية لكسب الوقت؟
ما هو واضح أن الجميع يناور، ولا أحد يريد أن يحسم الأمور بشكل نهائي. لا واشنطن مستعدة لمواجهة مفتوحة مع الفلسطينيين  بسبب ارتقاء الموقف العربي الرسمي ، ولا إسرائيل قادرة على إدارة حرب طويلة دون غطاء دولي، ولا حماس مستعدة للتخلي عن أوراقها دون مقابل واضح بالوقت الحالي .
الخاتمة: من يرسم ملامح المرحلة المقبلة؟
نحن اليوم أمام شرق أوسط يُعاد ترتيبه وفق حسابات دقيقة، حيث لم تعد القوة العسكرية هي المحدد الوحيد، بل أصبحت المصالح والصفقات أكثر تأثيرًا.
قراءة المقال كاملاً ←

عنوان المقال: الوجة الاخر لحركة حماس والكلمة السحريه


المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
عنوان المقال: الوجة الاخر لحركة حماس والكلمة السحريه 
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
في العالم المثالي، يفترض أن تكون الحروب لحظات استثنائية، كالعواصف التي تأتي فجأة ثم تزول. لكن في غزة، الحرب ليست استثناءً، بل هي الأصل، والاستثناء الوحيد هو تلك الدقائق النادرة التي يتنفس فيها الفلسطيني دون أن يسقط عليه سقف بيته أو تمزقه شظية. في هذا المشهد العبثي، ظهرت المبادرة المصرية كحبل نجاة في بحر الدم، فيما كانت إسرائيل تجهّز خطتها الجديدة لكسر حماس، بعد أن التقطت أنفاسها على جبهة الشمال، وانتعشت خزائنها بالسلاح الأمريكي الطازج.
"الهدنة".. الكلمة السحرية التي تعني الاستعداد لجولة جديدة
تبدأ القصة بمبادرة مصرية تحاول، للمرة الألف، إقناع إسرائيل أن بإمكانها أن تفكر بشيء آخر غير القتل. المبادرة، بحكم التجارب السابقة، تعلم أن إسرائيل لا تفهم إلا منطق القوة، لكن لا بأس من المحاولة، فربما يلتقط العالم صورة جميلة لوزير خارجية يقف بجانب وزير آخر، يبتسمان كأن غزة ليست جحيماً متفحماً. مصر، رغم معرفتها بأن إسرائيل لا تحترم المواثيق، اقترحت حلاً من ثلاث مراحل: تهدئة إنسانية، تبادل للأسرى،     ثم وقف إطلاق نار شامل. وانتقال لتشكيل هكيل سياسي فلسطيني  يقنع العالم المنافق  في  ادارة  قطاع غزة من اجل اعادة بناء القطاع  وليس الاعمار لان غزة دمرت كاملا 
لكن مهلاً، إسرائيل ليست في مزاج للسلام. لماذا تهدأ والدم ما زال دافئاً في الشوارع؟ لماذا تتوقف والسماء لا تزال تتسع لطائرات الـ F-35 التي لم تختبر بعد كل أسلحتها الذكية على الأحياء الفقيرة؟ إسرائيل، التي أنهكتها جبهة الجنوب، وجدت نفسها في راحة غير متوقعة على جبهة الشمال، بعد أن قرر حزب الله، فجأة، أن يأخذ استراحة. استراحة المحارب؟ لا نعلم، لكن في تل أبيب، الأريكة أصبحت مريحة أكثر، والأوامر العسكرية يمكن أن تعود إلى غزة حيث "الموت أرخص والتبرير أسهل".
خططٌ جديدة.. ونفسٌ جديدٌ للمجزرة. 





صحيفة وول ستريت جورنال لم تكن بحاجة إلى الكثير من العناء لتكشف عن الخطة الإسرائيلية القادمة
1. إغلاق المعابر ووقف دخول البضائع والمساعدات، لأن الجوع كان دائمًا سلاحًا فعالًا ضد الشعوب المحتلة.
2. قطع الماء والكهرباء، فربما يدرك الفلسطيني أخيرًا أن القهر ليس تجربة مؤقتة، بل هو نظام حكم.
3. قصف جديد.. واحتلال جديد.. ودم جديد، لأن إسرائيل، مثل شركة تجارية ضخمة، لا تستطيع أن تترك أسلحتها في المخازن دون تجربة دورية.
في السيناريو الإسرائيلي، غزة ليست سوى مختبر تجارب للأسلحة، والاتفاقيات ليست سوى حبرٍ على ورقٍ يتمزق مع أول قذيفة. أما المبادرة المصرية، فهي تبدو كأنها دعوة للرقص في جنازة، فإسرائيل تتعامل مع هذه المقترحات كما يتعامل الجلاد مع توسلات الضحية: يستمع قليلاً، ثم يضغط على الزناد.
عندما يخذل العالم غزة، ويشاهد المذبحة بصمتٍ منحاز
العالم، في هذه المهزلة،  لا يريد أن يتسخ بدماء الضحايا. أمريكا، كعادتها، ترسل بيانات "قلقة"، لكنها لا تتوقف عن تزويد إسرائيل بالقنابل الذكية، لتضمن أن القتل سيتم بكفاءة هندسية. أوروبا، تلك القارة التي أعطتنا فلسفات حقوق الإنسان، تبدو وكأنها أُصيبت بالعمى والصمم، مكتفية بعبارات خشبية عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها
الأمر هنا يتعدى مجرد مراجعة المبادئ أو إعادة تقييم القيم الأمريكية. إنه تجسيد لـ"أجندة اللحظة"، حيث يتم ترتيب الأولويات حسب ما يخدم المصالح الفورية. وحماس، التي كانت تُعتبر عدوًا ينبغي القضاء عليه، أصبحت طرفًا يمكن التفاوض معه، فقط لأن رهائن أمريكيين وإسرائيليين باتوا في قبضة بعضهم. فهل أصبح مفهوم الإرهاب في السياسة الأمريكية مجرد أداة تُستخدم عندما تقتضي الحاجة؟
"الخطة الواقعية الوحيدة: صمودٌ في وجه الموت"
لكن ما تجهله إسرائيل، وما لا تفهمه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، هو أن غزة لا تموت. غزة تقتل لكنها لا تُقتل، تهدّها القنابل لكنها تُعيد بناء نفسها بين الركام، تُحاصر لكنها تُبدع في الحياة، تُجوّع لكنها تجد طريقًا لتقتسم كسرة الخبز بين آلاف الجوعى.
الخطة الإسرائيلية، ككل الخطط السابقة، ستسقط أمام هذه الحقيقة. المبادرة المصرية، حتى لو لم تحقق الكثير، ستبقى شهادة على أن هناك من حاول إيقاف المجزرة. أما العالم، فهو سيستمر في مراقبة المشهد بصمته المخزي، إلى أن يأتي يوم تُقلب فيه الطاولة، ويُعاد ترتيب الأوراق، ليس وفق قوانين القوة، بل وفق قوانين العدالة التي لم تمت،لكنها ما زالت تنتظر لحظة الانتصار
قراءة المقال كاملاً ←

عنوان المقال: زيلينسكي في واشنطن: صفقة بلا توقيع… وسلام بلا ملامح

في عالم ترامب، لا شيء يُمنح بالمجان، ولا شيء يُوقع قبل أن يُحدد الجميع موقفهم بوضوح. جاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن حاملاً قلمه، لكنه عاد به إلى كييف دون أن يخط به حرفًا واحدًا. لم يكن ذلك لأن الصفقة لم تكن جاهزة، بل لأن مفهوم "السلام" كان غائبًا عن الطاولة.

"هل تعرف ماذا يعني السلام؟"

عندما جلس زيلينسكي أمام ترامب، لم يكن هناك مجاملات دبلوماسية. لم يسأله ترامب عن عدد الضحايا أو عن حجم الدمار، بل واجهه بالسؤال الأهم: "ما هو السلام الذي تريده؟"

بالنسبة لترامب، السلام ليس وثيقة رومانسية تتحدث عن "الحق والعدل"، بل هو معادلة قائمة على الوقائع الميدانية. الأراضي التي تحتلها روسيا الآن؟ تبقى تحت سيطرتها. وقف إطلاق النار؟ يجب أن يكون فوريًا. وبعد ذلك، يبدأ الحديث عن صيغة تضمن أن الحرب لن تعود، وليس عن عودة الأراضي.

لكن زيلينسكي لم يكن يحمل خطة سلام، بل كان يحمل فقط رغبة في توقيع اتفاقية استثمار المعادن النادرة مقابل تخفيف عبء الفاتورة الباهظة التي قدمتها واشنطن لأوكرانيا: 350 مليار دولار.

"لا توقيع بلا رؤية"


هنا اصطدم الزعيم الأوكراني بحقيقة بسيطة: ترامب ليس من النوع الذي يكتب الشيكات دون شروط. لم يكن يريد اتفاقًا اقتصاديًا فقط، بل كان يريد معرفة إن كان زيلينسكي يفهم القواعد الجديدة للعبة. لا انسحابات روسية، لا شروط مستحيلة، فقط الاعتراف بالواقع الجديد.

لكن زيلينسكي، الذي لطالما راهن على الدعم الغربي، لم يكن مستعدًا للحديث بهذه الطريقة. لم يكن يملك إجابة واضحة، ولم يكن يملك خيارًا أفضل، لذا قرر العودة إلى كييف… دون توقيع أي شيء.

أوروبا بين المطرقة والسندان

ما حدث في واشنطن لم يكن مجرد فشل لزيلينسكي، بل كان رسالة غير مباشرة لأوروبا. ترامب لا يرى القارة العجوز شريكًا بل منافسًا مضاربًا يجب أن يبقى تحت الضغط. رفع الضرائب على الصين والمكسيك وكندا كان البداية، والآن جاء دور أوروبا.

من خلال إبقاء روسيا قوية، يريد ترامب أن تبقى أوروبا في حالة خوف، تعتمد على واشنطن في أمنها، وتدفع أكثر مقابل كل شيء، من الغاز إلى الأسلحة. يريدها سوقًا مضطربة تحتاج إلى الحماية الأمريكية، وليس قوة مستقلة يمكنها فرض شروطها الخاصة.

واشنطن لا تنتظر أحدًا

بينما غادر زيلينسكي واشنطن دون توقيع، كان ترامب قد حسم موقفه: "من لا يعرف ماذا يريد، لا يستحق أن يحصل على شيء". لم يكن هذا مجرد لقاء عادي، بل كان درسًا قاسيًا في السياسة الدولية، حيث لا مكان للضعف، ولا مكافآت تُمنح مجانًا.

أما زيلينسكي؟ فهو الآن في كييف، يفكر في خطوته القادمة، محاولًا فهم ما إذا كانت واشنطن ما زالت تدعمه… أم أنها ببساطة تنتظر اللحظة المناسبة لبيع "السلام" وفق الشروط الأمريكية وحدها.

هل هذا الدرس حصري لأوكرانيا؟ أم أن الجميع مطالبٌ بفهم "مدرسة ترامب"؟

السؤال الآن: هل كان هذا الاستعراض الترمبي مجرد توبيخ دبلوماسي لأوكرانيا، أم أنه رسالة لكل دولة تحاول أن تخرج عن "السرب الترمبي"؟

ما فعله ترامب بزيلينسكي قد يكون نموذجًا جديدًا للمعادلات السياسية في عهده، حيث لم يعد هناك شيء اسمه "حلفاء مجانًا". فهل ستفهم العواصم التي تعتقد أن لها "خصوصية" أنها في النهاية ستجلس على الطاولة ذاتها، أمام الحاسبة ذاتها، وتُسأل السؤال ذاته: "ما الذي ستدفعه؟"

في العالم العربي، لطالما كانت السياسة لعبة مصالح وصفقات، حيث القواعد لا تُفرض دائمًا وفق منطق واحد. لكن مع ترامب، الجميع سيواجه نفس المعادلة: "إما تدفع، أو تنتظر دورك في طابور الفاتورة!".

فهل سنعيش أربع سنوات من "صفقات ترامب"، حيث يكون الرابح الوحيد هو ترامب نفسه؟ أم أن بعض الدول ستنجح في قلب المعادلة، وإيجاد صيغة "رابح-رابح" بدلاً من أن تتحول إلى مجرد حلقة جديدة في سلسلة الفواتير الترمبية المتراكمة؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن من المؤكد أن الصفقة القادمة، أياً كانت، لن تأتي مجانًا
قراءة المقال كاملاً ←

حماس... ماذا بعد التبادل؟

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
عنوان المقال: حماس... ماذا بعد التبادل؟
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
انتهت صفقة التبادل، وعادت الأسماء إلى القوائم، ولكن السؤال الذي يهرب منه الجميع: هل ستصمت إسرائيل بعد أن مُرّغت كرامة جيشها في الوحل؟ هل ستقبل بأن يُكتب في تاريخها أن فصيلاً محاصراً أذلّها بهذا الشكل؟
حماس، أنتم تعلمون جيداً أن إسرائيل لا تترك ثأرها، وأنه بعد كل صفقة تبادل تأتي مرحلة استعادة "الهيبة"، فماذا أعددتم لما بعد ذلك؟ هل ما زالت لديكم أوراق؟ أم أن كل ما تملكونه الآن هو انتظار الجولة القادمة، بينما الاحتلال يعيد ترتيب أوراقه، ويمهد لمرحلة جديدة من العقاب الجماعي؟
السياسة ليست مجرد تبادل أسرى، بل استراتيجية طويلة الأمد، فهل نحن مستعدون لما هو قادم؟
الفرصة لا تأتي كل يوم، والتاريخ لا يرحم الأغبياء!
دكتور هشام عوكل 

 غزة تنزف، وأهلها يدفعون أثمانًا باهظة، فيما تستمر المعادلات الدولية في التغير لصالح العدو. لم يعد الوقت مناسبًا للمكابرة أو العناد السياسي، ولم يعد هناك متسع للمغامرات التي تضع القضية الفلسطينية في مهب الريح. اليوم، نشهد حملة تهجير ممنهجة لشعب غزة، ومساعٍ إسرائيلية لضم الضفة الغربية، وسط انشغال العالم الغربي وأزماته الداخلية، وفي ظل إدارة أمريكية لا تخفي دعمها الكامل لمخططات الاحتلال
حماس، لحظة صدق مطلوبة!
نحن في لحظة حرجة، والعالم الآن يتعامل مع "الأزمات الكبرى"، منها أزمة أوكرانيا، والاقتصاد العالمي المتهاوي، والصراع الأمريكي الصيني، وانهيار الثقة في الديمقراطيات الغربية. لكن، وبين كل هذه القضايا، هناك مكان لقضيتنا، نعم! لأول مرة منذ عقود، أصبحت فلسطين قضية رئيسية على الطاولة الدولية، لكن بشرط واحد: أن نتحدث بصوت واحد، لا أصوات متضاربة تجعلنا نبدو كفرقة موسيقية تعزف كل آلة بمزاجها الخاص.
لم يعد بإمكان الفلسطينيين تحمّل المزيد من الانقسام، ولم يعد هناك مجال للمزايدات السياسية أو الأدوار الإقليمية التي لم تجلب سوى الويلات للقضية الفلسطينية. المطلوب اليوم موقف تاريخي حقيقي من حماس، موقف يرتقي إلى حجم المأساة التي يعيشها شعبنا. فهل ترتقي حماس إلى هذه اللحظة؟ هل تتخذ قرارها الشجاع بالتنازل عن خطها السياسي غير المنسجم مع الظروف الدولية 
 لعبة "الدهاء السياسي 
إن التضحية الحقيقية اليوم ليست فقط في مقاومة الاحتلال، بل أيضًا في اتخاذ القرارات الصعبة التي تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني ككل. فلنجعل كرامة شهدائنا وأطفالنا هي البوصلة، ولنتحرك جميعًا نحو الوحدة الوطنية الحقيقية. الآن، وليس غدًا. ونصحح جمعيا مسار منظمة التحرير  الفلسطينية 
ونخرج من لعبة الفصائل إلى لعبة "الدهاء السياسي"؟ و ندير ظهورنا لكل مشاريع الاستنزاف، ونتجه إلى مشروع "الإحراج الدولي"؟ الغرب  يدّعي أنه حامي الديمقراطية، فلتكن فلسطين هي الاختبار الحقيقي له. نحن نطالب بدولة فلسطينية حديثة، ديمقراطية، موحدة، ونريد أن نحرج الجميع بمشروع لا يمكن لأحد أن يعارضه إلا إذا كان يريد أن يظهر كأنه مع الاحتلال 
الوضع الداخلي الفلسطيني  منهار اقتصاديًا، غزة أشبه بكوكب آخر معزول عن الكرة الأرضية، والضفة الغربية تحت رحمة الحواجز والجرافات، والقيادات الفلسطينية تعيش في حالة إنكار تام، وكأنما "النكبة" هي مجرد فصل آخر من مسلسل تركي طويل.
حماس: بين المقاومة والمقامرة
هنا يأتي دور حماس، التي نوجه لها خطابنا اليوم: شكرًا لكم على الصمود، ولكن كفى! لنكن صريحين، المقاومة ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي استراتيجية تحتاج إلى عقل بارد وإدارة حكيمة. فكيف نقاوم والناس لا تجد قوت يومها؟ ؟
إن غزة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل ساحة تجارب لكل السيناريوهات الممكنة، والناس فيها يدفعون الثمن الأكبر. والضفة الغربية ليست في وضع أفضل، حيث أصبح الاحتلال  عند الحواجز  بين كل شارع وشارع جنين  طولكرم ومخيمها ا  مدينة اشباح ! وفي كل هذا، ما زلنا نناقش من الأحق بالتمثيل، ومن الأجدر بالكلمة الأخيرة، وكأنما نمتلك رفاهية الوقت والمزايدات
الفرصة الأخيرة
هذه لحظة تاريخية لا تتكرر. العرب متفقون – ولو مؤقتًا. العالم يراقب. ترامب يحاول أن يعيد الكابوس إلى الواجهة، والاحتلال يسرّع من خططه وكأنه يختبر مدى غبائنا الجماعي. إذا لم نتوحد الآن، فمتى؟ إذا لم نلقِ بالخلافات جانبًا الآن، فمتى؟
حماس، عليكم أن تكونوا جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة. انضموا إلى منظمة التحرير، دعونا نتحدث بصوت واحد، دعونا نواجه العالم بوجه فلسطيني موحد، فقد سئمنا أن نكون مجرد "فريقين في مباراة بلا حكم". دعونا نضع فلسطين أولًا، لا الحزب، لا الفصيل، لا الممول، بل فلسطين فقط.
حماس، أنتم أمام فرصة تاريخية، فإما أن تكونوا جزءًا من الحل، أو ستبقون في زاوية من التاريخ تتآكل مع الزمن. العالم تغير، فهل تغيرتم أنتم
قراءة المقال كاملاً ←

""حيرة أوروبا: من تختار، الدب أم ترامب؟

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
 ""حيرة أوروبا: من تختار، الدب أم ترامب؟
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
عندما استيقظت أوروبا صباح اليوم التالي لفوز دونالد ترامب، لم يكن صباحًا عاديًا. القهوة كانت مرة أكثر من المعتاد، واليورو ارتجف في جيوب البورصات  في واشنطن، كان ترامب يحدّق في خريطة العالم كما يفعل صياد محترف أمام بركة أسماك منهكة. أوروبا؟ مجرد سمكة سمينة لا تزال تسبح في فلكه، تنتظر مصيرها بين شبكة الضرائب والعقوبات
الحرب الأوكرانية: فخ أمريكي أم سوء تقدير أوروبي؟
منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، كان واضحًا أن الولايات المتحدة لا تبحث عن حل بقدر ما تبحث عن مهرجان استنزاف. فخٌ محكم: يد الغرب تمسك بالمدفع، وأوكرانيا تسدد الفاتورة، وروسيا تمارس هوايتها المفضلة في تحويل الخرائط إلى لوحات زيتية حمراء. أما أوروبا، فلا تزال عالقة في المنتصف، مثل طفل بين والدين متخاصمين، تُرغَم على الاختيار لكنها في الحقيقة لا تملك أي خيار.



دكتور هشام عوكل 


حاولت بعض العواصم الأوروبية التلويح بشعارات الاستقلالية والوساطة، لكن ترامب كان له رأي آخر: "لا حل إلا المواجهة!"، وهكذا وجدت أوروبا نفسها متورطة أكثر فأكثر، تدفع بسخاء في حرب لا تملك فيها سوى دور المتفرج الممول. المثير للسخرية أن الدول التي طالما تباهت بمبادئ الديمقراطية والسلام أصبحت مصانع أسلحة مفتوحة على مدار الساعة، بينما المواطن الأوروبي يحدق في فاتورة الكهرباء كما لو كانت رسالة تهديد من المافيا
الضرائب الأمريكية: رصاصة أخرى في القدم الأوروبية
لأن الاستنزاف العسكري لم يكن كافيًا، قرر ترامب أن يضيف لمسته السحرية: ضرائب مرتفعة على الصادرات الأوروبية. في لحظة، أصبحت المصانع الألمانية تئن، والفرنسيون يتبادلون اللعنات، والإيطاليون يفكرون جديًا في العودة إلى نظام المقايضة. لم يكن الهدف اقتصاديًا بقدر ما كان رسالة سياسية واضحة: أوروبا ليست أكثر من تابع اقتصادي، وإذا فكرت في التمرد، فهناك ألف طريقة لمعاقبتها.
بريطانيا، وكعادتها، خرجت مبكرًا من هذا المشهد، تلوّح بكوب شاي بارد، تراقب القارة العجوز وهي تغرق ببطء في بحر التعقيدات الأمريكية. أما دول شرق أوروبا، فتبدو سعيدة بدور المشجع الصاخب، تقفز كلما صرخ ترامب، خوفًا من أن تكون الضحية التالية
سيناريو التصعيد النووي: بين العبث والواقع
وسط هذا المشهد السوداوي، يبرز السؤال الذي يخشاه الجميع: هل يمكن أن ينتهي كل هذا بحرب نووية؟ الواقع يقول إن أوكرانيا لم تعد تملك ما يكفي من القوة لاستعادة الأراضي التي خسرتها، والغرب يعلم أن التصعيد مع روسيا قد يفتح أبواب الجحيم. لكن في عالم تحكمه الأوهام، لا شيء مستبعد.
هل يجرؤ بوتين على استخدام السلاح النووي؟ ربما لا. لكنه بالتأكيد يعرف كيف يلعب بورقة التهديد به ليجعل الجميع يركضون بحثًا عن حلول وسط. أوروبا، التي كانت تأمل أن تكون الحكم في هذا الصراع، وجدت نفسها مجرد لاعب ثانوي، يصفق كلما أعلن البيت الأبيض عن حزمة عقوبات جديدة، حتى لو كانت تلك العقوبات تؤذيها أكثر مما تؤذي موسكو.
القضية الفلسطينية: الهروب المستحيل من قبضة واشنطن
وهنا يأتي السؤال الأكثر تعقيدًا: هل يمكن لأوروبا أن تستغل هذا الضغط الأمريكي لتنفض يديها من الهيمنة الإسرائيلية، وتتجه لدعم القضية الفلسطينية بشكل أكثر جرأة؟ في عالم مثالي، ربما. لكن في عالم تحكمه الحسابات الباردة، فإن كل إدانة خجولة للاستيطان الإسرائيلي تقابلها عاصفة غضب أمريكية.
أوروبا تعرف أنها ليست مستعدة لدفع ثمن القطيعة مع واشنطن، ولذلك فإن أقصى ما يمكنها فعله هو تقديم "الدعم المعنوي"، وهو نوع من الدعم لا يطعم جائعًا ولا يحمي منزلاً من القصف. ومع استمرار ترامب في خنقها اقتصاديًا، ستجد أوروبا نفسها أكثر عجزًا من أي وقت مضى، مجرد ظل باهت يتلاشى خلف القرارات الأمريكية.
الخاتمة: أوروبا… رهينة بين قوتين لا ترحم
في نهاية المطاف، يبدو أن أوروبا ليست سوى بيدق في رقعة شطرنج أكبر منها. واشنطن تلعب بها كيفما تشاء، وموسكو لا تزال تراقب، تنتظر اللحظة المناسبة لإعادة رسم قواعد اللعبة. في هذه الفوضى، لا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور. لكن المؤكد أن القارة العجوز لم تعد تتحكم في مصيرها، وأن مستقبلها بات مرهونًا بقرارات تُتخذ في أماكن أخرى، بينما هي تكتفي بالمشاهدة… ودفع الثمن
قراءة المقال كاملاً ←

الصراحة راحة يا "بن غفير

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
الصراحة راحة يا "بن غفير  "
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في مشهد يعيد إلى الأذهان صفحات التاريخ الأكثر ظلامًا،  دونالد ترامب يحرج  الدول العريبة  المطبعة في الشرق الاوسط   بتهجير الفلسطينيين من غزة في خطوة تعكس الطبيعة الحقيقية للنهج الإمبريالي الذي تتبناه الولايات المتحدة واخرها طرح  الاراضي السعودية وطن بديل  . ولكن على عكس ما قد يبدو للبعض من تشاؤم وإحباط، ربما علينا أن نفرح لهذا الجنون، ليس لأنه يمثل كارثة إنسانية فحسب، بل لأنه قد يكون المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية الأمريكية التي اعتلت العرش العالمي منذ القرن العشرين، متغنية بأنها زعيمة الديمقراطية وحامية حقوق الإنسان.
إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي المستقيل، انتقد حكومة نتنياهو معتبراً أن إسرائيل أصبحت "أضحوكة الشرق الأوسط". أبدى استياءه من المساعدات الإنسانية لغزة ودعا لتعزيز "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين، مشدداً على ضرورة اتخاذ خطوات لتدمير حركة حماس للعودة إلى الحكومة.
ترامب.. الهادم الأكبر للإمبراطورية الأمريكية





لطالما قدمت الولايات المتحدة نفسها على أنها القائد الأخلاقي للعالم، المدافع عن المظلومين، والحامل لمشعل الديمقراطية. لكن مجيء ترامب، بتهوره غير المسبوق وسياساته التي لا تخضع حتى لأدنى درجات الدبلوماسية، كشف للعالم زيف هذه الصورة. من المكسيك إلى البرازيل، من بنما إلى الصين، دنمارك ٫ من روسيا إلى الدول العربية وانسحاب من كل الاتفاقيات الدولية  واخرها رفع الدعم على محكمة الجنائية الدولية ، لم يترك ترامب عدوًا إلا وخلقه أو عززه. فكيف يمكن لرئيس دولة يُفترض أنها الأعظم في العالم أن يخوض معركة ضد الجميع في وقت واحد؟
الأمر ليس جديدًا على الإمبراطوريات الكبرى، فالتاريخ يخبرنا أن كل إمبراطورية وصلت إلى قمة قوتها، سرعان ما أصيبت بجنون العظمة الذي قادها إلى اتخاذ قرارات متهورة أدت إلى سقوطها المدوي. الولايات المتحدة اليوم ليست استثناءً، ومشروع ترامب لتهجير الفلسطينيين من غزة ما هو إلا استمرار لنهج طويل قائم على اقتلاع السكان الأصليين من أرضهم، وهو تكرار لما فعله المستعمرون الإنجليز بالسكان الأصليين في أمريكا، والذين انتهى بهم الحال في محميات معزولة بعد أن سُلبت أراضيهم وهُدمت حضارتهم.
العالم يرفض ترامب.. والولايات المتحدة تواجه عزلتها
للمرة الأولى منذ عقود، نشهد إجماعًا عالميًا ضد الطرح الأمريكي. حتى الحلفاء التقليديون لواشنطن يجدون أنفسهم مضطرين للنأي عن هذه السياسات المتهورة. الاتحاد الأوروبي يعارض، روسيا والصين تستغلان الفرصة لكشف نفاق أمريكا، والدول العربية – حتى تلك التي كانت حليفة لواشنطن – تدرك أن سياسة الابتزاز التي ينتهجها ترامب لم تعد مستدامة.
أما داخل الولايات المتحدة نفسها، فإن الخطاب الترامبي الاستفزازي لم يعد يحظى بالقبول ذاته. فبينما يعتقد ترامب أنه يستطيع مواصلة سياساته القائمة على الاستفزاز والعنصرية وفرض الإملاءات بالقوة، فإن الرأي العام الأمريكي، الذي يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، قد بدأ يدرك أن عدوهم ليس في الخارج بل في الداخل، وأن زعيمهم يقود البلاد نحو عزلة دولية خطيرة
نهاية الإمبراطوريات تبدأ من لحظات الجنون
لا يمكن لأي إمبراطورية أن تستمر إلى الأبد. روما سقطت عندما وصلت إلى ذروة توسعها، والإمبراطورية البريطانية انهارت عندما حاولت السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه، والاتحاد السوفيتي انهار بعد أن فقد شرعيته الأخلاقية أمام العالم. الولايات المتحدة اليوم تسير في نفس الاتجاه، وترامب هو التجسيد الحي لنهايتها الوشيكة.
ما يفعله ترامب ليس مجرد نزوة عابرة، بل هو تسريع لعملية انهيار بدأت منذ زمن. فكلما ازداد تعنت الإدارة الأمريكية، وتمادى زعماؤها في سياساتهم الاستعمارية، كلما اقتربت لحظة السقوط الحتمي. مشروع التهجير الذي يقترحه ترامب لن يمر، ليس لأنه يفتقر إلى الأسس الأخلاقية فقط، بل لأنه يواجه مقاومة عالمية غير مسبوقة.
التاريخ يعيد نفسه.. والنتيجة محسومة
كما انتهى مصير المستوطنين الأوروبيين الأوائل بإبادة السكان الأصليين، معتقدين أنهم سيؤسسون حضارة تدوم للأبد، فإن ترامب اليوم يكرر نفس الخطأ التاريخي، متجاهلًا أن من سبقوه انتهوا في مزبلة التاريخ. الفرق الوحيد هو أن العالم اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على المواجهة، وأكثر استعدادًا لكشف زيف الإمبراطوريات التي تتغنى بالديمقراطية وهي في الواقع تمارس أعتى أنواع النازية الجديدة.
لن يستطيع ترامب أن يفرض مشروعه على العالم، ولا أن يفرض واقعًا يتجاهل حقوق الشعوب. بل على العكس، كل خطوة يتخذها بهذا الاتجاه تعجل بنهاية الإمبراطورية التي اعتبرت نفسها القوة العظمى المطلقة. وتمامًا كما بدأت، سينتهي هذا العصر الأمريكي بنفس الطريقة التي انتهت بها كل الإمبراطوريات قبله: بانفجار داخلي، ومعارضة عالمية، ورفض قاطع لسياسات الهيمنة والاضطهاد.
لكن الشيء الوحيد المضمون في التاريخ أن الطغاة لا يدومون، وأن الإمبراطوريات لا تعيش للأبد، وأن الرجال الذين يعتقدون أنهم فوق القانون، ينتهون غالبًا في زاوية النسيان، تمامًا كما حدث لكل من ظن نفسه خالدًا. لذلك، بدلاً من أن نحزن على تهور ترامب، ربما علينا أن نحتفل، لأنه، كما يقول المثل، "حين يريد الله أن يهزم ظالمًا، يرسل له جنونه ليقوده بنفسه إلى الهاوية
قراءة المقال كاملاً ←

المقال الأسبوعي " زاوية حادة " "قارئة الفنجان " د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
"قارئة الفنجان "
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في هذه اللحظات، تعيش المنطقة على وقع صفقة تبادل الأسرى بين الجانب الفلسطيني، ممثلًا بحركة حماس والجهاد الاسلامي ، وإسرائيل. مشهد تاريخي يعيد إلى الأذهان الصفقات السابقة، لكنه هذه المرة يأتي في سياق مختلف تمامًا، حيث تبدو إسرائيل وكأنها تتعامل مع الصفقة كمرحلة مؤقتة، بانتظار اللحظة المناسبة لقلب الطاولة رأسًا على عقب.
بالنسبة لإسرائيل، إطلاق سراح الأسرى ليس تنازلًا بقدر ما هو خطوة محسوبة ضمن مخطط أكبر. فهي ترى أن الوقت ليس في صالح الفلسطينيين، وأن عملية التبادل قد تكون مجرد استراحة قصيرة قبل العاصفة. بينما تتابع الأنظار مشهد عودة الأسرى الفلسطينيين إلى بيوتهم، ربما يكون هناك سيناريو أكثر قتامة يُرسم في الكواليس، حيث تستعد إسرائيل لاجتياح كامل الضفة الغربية وقطاع غزة، متذرعة بأي ذريعة ممكنة، سواء كانت أمنية أو عسكرية أو حتى سياسية.
هل هي صفقة حرية أم تمهيد لإعادة الاحتلال؟ هذه هي المفاجأة الكبرى التي قد لا ينتبه لها الكثيرون: أن إسرائيل قد لا تكتفي بإعادة ترتيب الأوراق، بل ربما تستغل اللحظة لإنهاء ما تبقى من أي مشروع فلسطيني مستقل، بحجة أن الحل العسكري هو السبيل الوحيد لإنهاء هذا الصراع المستمر منذ عقود.
لبنان وسوريا ومصر والأردن: كيف تغيّرت المعادلة؟





دكتور هشام عوكل 


لبنان: لم يعد ينظر إلى القضية الفلسطينية كأولوية، ليس بسبب اللاجئين أو الضغط الدولي، بل لأن الأزمات الداخلية استحوذت على كل الاهتمام. الاقتصاد المتعثر، الفساد المستشري، وإعادة ترتيب التوازنات السياسية جعلت فلسطين مجرد ملف تاريخي في أرشيف الحكومة، يُذكر في المناسبات الرسمية فقط.
سوريا: بعد انهيار نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى الحكم، اتخذت دمشق موقفًا جديدًا من القضية الفلسطينية. بدلاً من الخطابات الرنانة التي كانت تُستخدم كذريعة لقمع الداخل، باتت سوريا تتعامل مع فلسطين ببراغماتية باردة. لم تعد المقاومة ورقة سياسية، ولم يعد دعم الفصائل أولوية، بل بات الحديث يدور حول "تسوية تاريخية" تضمن مصالح سوريا الإقليمية أولًا، حتى لو كان الثمن تنازلات لم يكن النظام السابق ليجرؤ على طرحها علنًا!
مصر: تمر بمرحلة "واقعية سياسية"، حيث الأولوية أصبحت تأمين الاستقرار الداخلي وليس الدخول في مغامرات كبرى.
الأردن: يعيش حالة من القلق الدائم، بين الضغوط الأميركية والإسرائيلية من جهة، وبين الوضع الداخلي الحساس من جهة أخرى
إلى أين تتجه القضية الفلسطينية؟
بكل بساطة، نحن أمام مشهد تتداخل فيه المصالح، وتتغير فيه المواقف وفقاً للرياح الدولية. لا أحد يريد مواجهة إسرائيل، ولا أحد يريد حربًا جديدة، ولا أحد يريد أيضاً الاعتراف بأن فلسطين يتم اختزالها تدريجياً إلى مجرد "فكرة" وليس وطناً!
نتنياهو في واشنطن: عشاء سياسي بلمسة ترامب!
انطلق نتنياهو إلى واشنطن بجدول مزدحم: لقاء مع ترامب وسهرة عشاء! يبدو أن مصير التهدئة في غزة يعتمد على مزاج ترامب وكأن الأمر مجرد حفلة نخب بلدي. 
بينما يتحدث نتنياهو عن "تغيير الشرق الأوسط"، فمن يدري؟ ربما الوجبة الشهية تُحل كل المشاكل! إذا لم تسر الأمور كما أراد، فقد نرى حرباً جديدة مستمرة لعام آخر. كل شيء بيد ترامب، وكأن السلام يُصنع بين طبقين بدلاً من طاولات المفاوضات!
الخاتمة: هل بقيت فلسطين قضية؟
بين مشاريع التهجير وخرائط التوسع الإسرائيلي، وبين تخاذل الأنظمة العربية وتراجع المقاومة، يبدو أن القضية الفلسطينية أصبحت أقرب إلى مسلسل درامي طويل، يتغير أبطاله، لكن نهايته باتت شبه محسومة: المزيد من التنازلات، المزيد من التهجير، والمزيد من البيانات العربية الفارغة.
هل فلسطين لا تزال قضية العرب؟ الإجابة تعتمد على تعريفك لكلمة "قضية"، فإن كنت تراها مجرّد شعار للاستهلاك السياسي، فهي باقية، أما إن كنت تراها معركة وجود، فقد تكون قد دخلت في أرشيف الماضي!
قراءة المقال كاملاً ←

"هل سمح الفلسطينيون لترامب بالتفكير باسمهم"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
"هل سمح الفلسطينيون لترامب بالتفكير باسمهم"
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي




في مشهدٍ لم يعد غريبًا، يطلُّ علينا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حاملًا صفقة تبدو وكأنها مأخوذة من صندوق عجائب السياسة العالمية. صفقةٌ لا تحمل سوى ختم "صُنع لإسرائيل" بنكهة يمينٍ متطرفٍ، حيث يتراقص على أنغامها حلم تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغريبة  وكأننا في إعادة إنتاج مسرحية تهجير الهنود الحمر، ولكن هذه المرة على خشبة الشرق الأوسط.

ترامب، رجل الأعمال الذي يرى العالم كفرصة عقارية، يبدو وكأنه أتى ليحوّل القطاع المحاصر إلى مشروع ترانسفير جديد. الفلسطينيون، في نظره، ليسوا سوى أرقامٍ زائدة على جدول إحصاءات الاحتلال، يمكن ترحيلهم بمرسومٍ أمريكيٍّ يدفع تكاليفه حكّام المنطقة أنفسهم. أليس هذا هو السيناريو الأكثر سوداوية في كواليس السياسة العالمية؟ أن تتحوّل حقوق الشعوب إلى ورقة مساومة، ويصبح الاضطهاد "فرصة استثمارية".


ولكن لحظة، أليس ترامب مجرد استنساخ حديث لأولئك "المستكشفين" الذين جاءوا ليكتشفوا أراضٍ غيرهم ويعيدوا رسم الخرائط بألوان العنصرية؟ كولومبوس تهجَّر شعبًا بأكمله، وترامب يسعى لنفس المهمة، ولكن بأدوات القرن الواحد والعشرين: صفقات تجارية، ووعود اقتصادية، وابتسامة صفراء خلفها لغة القوة والغطرسة.

هل ما زالت المبادرة العربية صالحة لتكون قاعدة حلّ؟ لنكن صريحين، هذه المبادرة صارت كطاولة مهترئة، لا تقوى على حمل كل هذا العبء السياسي، بينما ترامب ومن خلفه نتنياهو يعيدان كتابة سيناريو "صفقة القرن" بخطوط عريضة عنوانها: "التهجير أو المزيد من الظلم".

وفي خضم هذا المشهد العبثي، السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سمح الفلسطينيون حقًا لترامب بالتفكير عنهم؟ أم أن النظام الدولي فرض هذا الوضع عليهم؟ الفلسطينيون الذين قرروا التمسك بأرضهم رغم القصف والجوع والحصار، لا يحتاجون إلى ترامب ليمنحهم "حلاً". هم يدركون تمامًا أن الأرض ليست صفقة، وأن الحقوق لا تخضع للمزايدات.

 يمكننا القول إن ترامب ربما يريد "تطهير المنطقة" ليس من المشاكل، بل من الشعوب. يريد منطقة بلا مقاومة، بلا هوية، بلا تاريخ، كما لو أن الجميع يمكن أن يتحوّل إلى مجرد رقم في دفتر حسابات البيت الأبيض.

ولكن مهلاً، ماذا يريد ترامب حقًا من المنطقة؟ الجواب ليس معقدًا. إنه يريد أن يحجز لنفسه مكانًا في صفحات التاريخ ربما لحصولة على جائزة نوبل للسلام ، حتى لو كان ذلك على حساب شعوب بأكملها. يريد أن يترك بصمته، ولو كانت دماء الفلسطينيين هي الحبر الذي يخط به سيرته السياسية.

ستبقى غزة، رغم كل محاولات التهجير والظلم، شوكةً في حلق من يسعى لاقتلاعها. تعزيز المصالحة هو السبيل لتقوية الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية، ومواجهة "التهجير الطوعي" تتطلب وحدة وطنية ودعم شعبي ودولي من خلال تفعيل دور الممثل الشرعي "منظمة التحرير الفلسطينية" 

السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، منذ نكبة 1948، تعكس مشروعاً استعمارياً يسعى إلى القضاء على الهوية الوطنية وإعادة تشكيل المشهد الديمغرافي. الخيارات المفروضة على الفلسطينيين - الرحيل القسري، الخضوع، أو مواجهة القتل - هي تجسيد لسياسات تهدف إلى استهداف المقاومة ودفع الشعب نحو فقدان الأمل.

والسؤال هنا ؟هل ستسير مفاوضات تبادل الأسرى والرهائن كما نأمل، وتفتح أبواب الاتفاق الذي ينهي المأساة؟ لنرى، من يضمن لنا إسرائيل؟ قد يكون هناك حوار، ولكن هل سيسير كما هو متوقع، أم أن الأمور ستتحول إلى دراما من النوع الثقيل حيث تناقضات السياسة تصبح فصلًا جديدًا عنوانة الخراب والدمار 

مع ذلك، أثبت الشعب الفلسطيني مرارًا صموده أمام هذه الخيارات القاسية، متمسكًا بأرضه وهويته. قضية غزة تجاوزت التكدس السكاني؛ فهي تعكس إشكالية لاجئين بلا حقوق بعد عقود من التهجير. وبسبب الاحتلال والحصار، أُجبرت غزة على العيش كـ"سجن مفتوح"،
إنّ الوضع يتطلب حلاً عادلاً يمنح الفلسطينيين حقوقهم ويحررهم من قيود المعاناة، بدلاً من سرد القصص القديمة عن مشاريع التهجير إلى أماكن كالأردن أو مصرو لبنان وسوريا. الحل المطلوب يجب أن يكون تجسيدًا لحق العودة وكرامة الشعب، وليس مجرد ديوان خطط الهجرة التي تطرح كخيار بديل.
قراءة المقال كاملاً ←

"حماس وإسرائيل: مفاوضات خلف الأبواب المغلقة"



المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
"حماس وإسرائيل: مفاوضات خلف الأبواب المغلقة"
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في السابع من أكتوبر2023، انفجرت واحدة من أكثر الحروب تعقيداً بين إسرائيل وحركة حماس، لتضيف فصلاً جديداً إلى كتاب الصراعات الشرق أوسطية مملوء بالدماء والعبث. هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل مسرحاً تتقاطع فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية، حيث تتحكم الجغرافيا في قرارات السياسة، وتدير القوى الكبرى خيوط اللعبة من بعيد.
البداية: حرب أم هروب إلى الأمام؟
قد تبدو الحرب خياراً استراتيجياً للطرفين، لكن الحقيقة أكثر عبثية. حركة حماس، المحاصرة في غزة منذ سنوات، وجدت نفسها في مواجهة خيارين: الاستسلام لواقع قاتم أو إشعال فتيل أزمة تُذكر العالم بالقضية الفلسطينية. أما إسرائيل، المحكومة بحكومة يمينية متطرفة، فقد رأت في الحرب فرصة لإعادة ضبط الأمن الداخلي، حتى لو كان ذلك على حساب آلاف الأرواح.
لكن لماذا الآن؟ هل جاءت الحرب كهروب من الأزمات الداخلية؟ حكومة نتنياهو تعيش أزمة ثقة غير مسبوقة، بينما تعاني حماس من حصار قاتل وأزمة تمويل. وبينما يحترق المدنيون، يتحرك اللاعبون الإقليميون والدوليون ، حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية بالأوهام السياسية.
عبثية الأهداف: من الرابح؟






مع نهاية كل حرب، يتسابق الطرفان لإعلان النصر، لكن الواقع يكشف أن الجميع خاسر. حماس أطلقت آلاف الصواريخ، وأثبتت قدرتها على إرباك الجيش الإسرائيلي، لكنها دفعت ثمناً باهظاً من دماء أهل غزة ومنازلهم. أما إسرائيل، فقد استعرضت قوتها العسكرية، لكنها عجزت عن تحقيق أمنها الداخلي، ودفعت بحكومتها نحو المزيد من الانقسام.
في المشهد العام، يبدو أن الطرفين دخلا هذه الحرب دون استراتيجية خروج واضحة. ماذا حققا؟ حماس رفعت راية المقاومة تحت الأنقاض، وإسرائيل أعادت تعريف "الأمن" بتحويل غزة إلى كومة من الركام.
التضامن الدولي: نفاق في زي إنسانية
أما المجتمع الدولي، فقد أظهر كعادته براعة في إصدار البيانات: "ندين العنف"، "نطالب بضبط النفس"، و"ندعو لوقف إطلاق النار". أميركا تقف كالعادة في صف إسرائيل، بينما تُلقي أوروبا كلمات جوفاء عن السلام. أما غزة، فلا تجد سوى وعود عربية معتادة بإعادة الإعمار، دون أن تصل تلك الوعود إلى الأرض.
إعلان وقف إطلاق النار: هدنة أم استراحة محارب؟
بعد اكثر من اربع عشرة شهرا من القصف والدمار، أُعلن وقف إطلاق النار مؤقت بين الطرفين ، ولكن من يضمن استمراره؟ التاريخ يُخبرنا أن مثل هذه الاتفاقات تُخترق قبل أن يجف حبرها. قد ترى حماس في الهدنة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، بينما قد تستغل إسرائيل الفترة لاستعادة أنفاسها والتخطيط لجولة جديدة.
الأسئلة هنا تبدو أكثر عبثية من الحرب نفسها:
هل يمكن الوثوق بحكومة إسرائيلية تقودها شخصيات يمينية متطرفة؟
هل يستطيع العالم أن يلجم إسرائيل؟ أم أن أميركا ستقف كالعادة تلوّح بيد، وتسلّم الأسلحة باليد الأخرى؟
وماذا لو قررت إسرائيل بعد تحرير المخطوفين أن تغزو غزة مرة أخرى؟
ما بعد الحرب: مستقبل غامض
في غزة، يُعاد تدوير الركام إلى أحلام جديدة. أسمنت مهرب وأموال قطرية ووعود بإعادة الإعمار، لكن تحت الحصار، يبدو المستقبل كأنه سجن مفتوح. أما إسرائيل، فهي تواجه أزمة داخلية أكثر تعقيداً: شعب غاضب، وحكومة فقدت ثقة شعبها.
الفراغات السياسية:
إيران، التي كانت لفترة طويلة الداعم الكبير للحركات المقاومة، قد تجد نفسها محاصرة في "شقة" ضيقة. مع الضغوط المتزايدة، هل ترقص إيران على أنغام السياسة الغربية وتتخلى عن أصدقائها في المنطقة.
وفي الوقت الذي تحاول إيران فيه استغلال كل فراغ تتركه القوى الكبرى، تركيا تتطلع لتكون البديل في القضية الفلسطينية وسوريا . والولايات المتحدة مشغولة بإعادة وضع "قواعد اللعبة" نحو خلق ازمات جديدة بالقارة الأوروبية
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يبدو أننا سنشهد عرضاً كوميدياً عن التنافس مع الصين. هل سيخفف ترامب الضغط على إيران ويعطيها "استراحة محارب"، أم سيستخدمها ورقة مساومة في حربه الاقتصادية مع بكين
الحرب بين إسرائيل وحماس ليست سوى فصل في مسرحية الشرق الأوسط الكبرى، حيث يُعاد تدوير الدماء والأوهام. وقف إطلاق النار قد يكون استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الصراع. غزة ستبقى جرحًا مفتوحًا، وإسرائيل ستظل تسعى وراء "أمنها" المزعوم.
وفي النهاية، تُترك المنطقة في مواجهة نفس الأسئلة: هل يُمكن أن تتحقق عدالة حقيقية؟ أم أن الجغرافيا ستبقى تُعيد إنتاج المأساة؟ ربما تكون الإجابة في الجولة القادمة... التي لن تتأخر طويلاً
قراءة المقال كاملاً ←

"قوانين الثورات" العدالة التي لا تُهزم

لمقال الأسبوعي " زاوية حادة "
دكتور هشام عوكل 

 "قوانين الثورات" العدالة التي لا تُهزم
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
كما للكون قوانين تحكمه بدقة تامة، وكما تخضع الفيزياء والرياضيات لقواعد صارمة لا تُكسر، فإن الثورات التحريرية تخضع أيضًا لقوانين حتمية، وإن كانت غير مكتوبة، فهي تنظم حركة الشعوب في مواجهة الطغيان والظلم. هذه القوانين، رغم خفائها أحيانًا تحت وطأة القمع أو استبداد القوة، تظل تعمل بصمت إلى أن تصل إلى لحظة الانتصار.
القضية الفلسطينية هي مثال حي لهذه القوانين؛ فهي ليست مجرد قضية شعب محتل، بل نموذج عالمي يُظهر كيف تتحدى العدالة قوة الظلم، وكيف أن قوانين الحق أقوى من كل أنظمة القهر، حتى لو وقفت خلفها قوى العالم أجمع.
قوانين الكون والثورات: التوازي الأزلي
1. قانون التوازن
الكون: كل حركة في الكون تسعى نحو التوازن، ولا يمكن لأي قوة أن تبقى في حالة اضطراب دائم.
 الظلم مهما اشتد يولد مقاومة تسعى لتحقيق العدالة واستعادة التوازن بين الحاكم والمحكوم.
في فلسطين، الاحتلال يسعى لكسر إرادة الشعب، لكن كل موجة قمع تُقابل بموجة مقاومة أقوى.
2. قانون السبب والنتيجة
الكون: لكل فعل رد فعل مساويًا له في القوة ومعاكسًا له في الاتجاه.
الثورات: كل قمع يولد مقاومة، وكل عدوان يخلق شرارة لثورة جديدة.
النكبة الفلسطينية عام 1948 كانت سببًا مباشرًا لمقاومة مستمرة امتدت لعقود، حيث تحولت كل مجزرة أو اعتداء إلى حافز جديد للنضال.
3. قانون الطاقة لا تفنى
الكون: الطاقة لا تُخلق ولا تُفنى، لكنها تتحول من شكل إلى آخر.
الثورات: العدالة قد تُخمد مؤقتًا، لكنها لا تموت. تتحول من مقاومة مسلحة إلى كفاح سياسي، ومن احتجاج شعبي إلى دعم دولي.
القضية الفلسطينية انتقلت من انتفاضات شعبية إلى نضال دولي في المحافل الأممية، مما يثبت أن طاقة الحق لا تُهزم.
قوانين الثورات التحريرية 
1. قانون عدالة القضية
 الثورات التي تنطلق من قضايا عادلة تكتسب شرعية أبدية، حتى لو حاولت قوى الظلم تشويهها.
فلسطين: الشعب الفلسطيني لا يطالب إلا بحقوقه المشروعة في أرضه، مما يجعل قضيته عادلة في عيون العالم رغم محاولات الاحتلال لتزييف الحقائق.
 قانون التراكم الظلم لا يخلق ثورة مباشرة؛ بل يتراكم على مدار سنوات أو عقود.
الثورة الفرنسية (1789) جاءت بعد تراكم طويل من الاستبداد الملكي، الفقر، وارتفاع الضرائب.
الإمبراطورية البريطانية: سقوط الشمس عن الإمبراطورية التي لا تغيب
 لكنها واجهت مقاومات حاسمة، أبرزها في الهند بقيادة المهاتما غاندي,واستقلت  الهند عام 1947 كان بداية لانهيار منظومتها الاستعمارية عالميًا
الثورة الفيتنامية ضد الاحتلال الفرنسي والأمريكي استمرت لثلاثة عقود قبل تحقيق الاستقلال عام(1975)
في جنوب أفريقيا، استغرق الكفاح ضد الفصل العنصري عقودًا حتى تحقق النصر عام (1994)
الثورة الكوبية (1959) استفادت من الدعم الشعبي الداخلي ومناخ الحرب الباردة عالميًا.
سقوط جدار برلين (1989) كان نتيجة لتآكل الهيمنة السوفييتية داخليًا وخارجيًا.
في تونس، إحراق البوعزيزي نفسه عام(2010 ) شرارة أشعلت "الربيع العربي"
.
واخرها(2024) نظام بشار الاسد بعد معاناة مع القمق والبطش  للاكثر من خمس عقود تعذيب وقهر  احفاء قسري
2. قانون الذاكرة الجماعية
الشعوب لا تنسى الظلم مهما طال الزمن. ذاكرة الأجيال تحفظ حقوقها وتعيد إشعال الثورات حتى تحقيق النصر.
في فلسطين، رغم مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة، ما زالت الأجيال الجديدة متمسكة بحق العودة.
3. قانون انهيار الباطل
الأنظمة الظالمة تبدو قوية في ظاهرها، لكنها ضعيفة داخليًا لأنها تقوم على القهر.
الاحتلال الإسرائيلي يعتمد على القوة العسكرية لكنه يواجه انقسامات داخلية وتآكلًا في شرعيته الدولية، مما يشير إلى نهايته الحتمية.
4. قانون الإيمان بالحق
الثورات الناجحة تعتمد على إيمان الشعوب بعدالة قضيتها، لأن هذا الإيمان هو مصدر القوة الحقيقية.
الشعب الفلسطيني رغم كل المعاناة، لم يفقد إيمانه بحقه، مما يجعله قادرًا على مواصلة نضاله.
5. قانون الدعم الدولي
الثورات العادلة تجد دائمًا مناصرين حول العالم، حتى لو كان الدعم محدودًا في البداية.
حركة التضامن مع فلسطين تتزايد يومًا بعد يوم، من حملات المقاطعة إلى التظاهرات العالمية، مما يعزز الموقف الفلسطيني.
القضية الفلسطينية: ثورة ضد العالم
القضية الفلسطينية ليست مجرد مواجهة بين شعب محتل وقوة استعمارية. إنها ثورة ضد نظام عالمي يقف في كثير من الأحيان مع الاحتلال. الدعم الغربي لإسرائيل، الهيمنة الإعلامية التي تبرر العدوان، والمحاولات المستمرة لتصفية القضية لم تمنع الفلسطينيين من مواصلة كفاحهم.
لماذا فلسطين؟
عدالة القضية: الشعب الفلسطيني يطالب بحقوق أساسية: الأرض، الحرية، والكرامة.
رمزية القضية: فلسطين أصبحت رمزًا عالميًا للصراع بين الحق والباطل، بين الاستعمار والتحرر.
صمود الشعب: رغم الحصار والاحتلال، لم ينكسر الفلسطينيون، بل أصبحوا نموذجًا يُحتذى في المقاومة.
القوانين تقول: النصر حتمي
كما أن قوانين الفيزياء والكون لا تخطئ، فإن قوانين الثورات تؤكد أن الباطل مهما طال، لا يدوم. الاحتلال الإسرائيلي، رغم قوته العسكرية ودعمه الدولي، يواجه انهيارًا داخليًا وخارجيًا. ومع كل جيل جديد يحمل راية النضال، تقترب فلسطين من لحظة التحرير الحتمية.
خاتمة: الثورة هي قانون الطبيعة
الثورات ليست استثناءً، بل هي جزء من نظام كوني يسعى دائمًا لتحقيق التوازن والعدالة. كما لا يمكن لأي قوة أن توقف قوانين الطبيعة، لا يمكن لأي قوة أن توقف شعبًا يؤمن بعدالة قضيته. القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية شعب، بل هي قانون حي يقول: "الحق ينتصر دائما مهما طال الزمن 
قراءة المقال كاملاً ←

التغييرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين المد والجزر"

مقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
منذ بداية الأحداث الجيوسياسية في المنطقة والتحولات كبرى في سوريا في اسقاط نظام بشار الاسد   كان "محور المقاومة" يشكل أحد الأعمدة الرئيسية في الاستراتيجيات الإقليمية لمواجهة النفوذ الغربي والصهيوني. هذا المحور، الذي جمع مجموعة من الدول والفصائل المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، كان بمثابة حجر الزاوية في استراتيجية إيران لتوسيع نفوذها في المنطقة. إلا أن هذا المحور بدأ يشهد تغيرات كبيرة، حيث توالت العوامل التي ساهمت في استنزافه.
في البداية، كانت لبنان وسوريا والعراق واليمن تشكل نقاط قوة لهذا المحور. لبنان، بوجود حزب الله، كان يمثل نقطة محورية في المواجهة مع إسرائيل، بينما كانت سوريا مركزًا لتمركز القوى الإيرانية والفصائل التابعة لها. أما العراق فقد شهد تدخلات إيرانية مكثفة من خلال دعم فصائل الحشد الشعبي. لكن اليوم، يبدو أن العديد من هذه الجبهات قد توقفت أو على الأقل تراجعت قوتها.






في لبنان، تراجع الدور الفعّال للمقاومة بشكل كبير نتيجة للأزمات الداخلية والخارجية، حيث تتزايد الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها حزب الله. هذه الأزمات جعلت من الصعب الحفاظ على استمرارية دعم المقاومة اللبنانية في وجه التحديات المتزايدة.
أما في العراق، فقد شهدت الساحة السياسية والعسكرية تطورات كبيرة بعد الانسحاب العسكري الأمريكي وتغيير الأولويات الإقليمية. إذ تبين أن الدعم الإيراني في العراق لم يعد كما كان في السابق، وهو ما جعل محور المقاومة العراقي يواجه صعوبات جمّة. على الرغم من استمرار بعض المجموعات المسلحة، فإن تأثير إيران على الساحة العراقية بدأ يتراجع بشكل ملحوظ.
في سوريا كان  الدعم الكبير الذي تقدمه إيران للنظام السوري في مواجهة الثورة كبير جدا  فإن الوضع الداخلي المعقد وصراعات القوى الدولية والإقليمية قد جعلت من الصعب الحفاظ على مستوى الدعم العسكري والتواجد الإيراني كما كان في السابق إلى تقييد قدرة إيران على تعزيز نفوذها في المنطقة، خاصة بعد انهيار النظام في دمشق.
في اليمن، ورغم استمرار دعم إيران للحوثيين، يظل الوضع هناك مختلفًا. يُعتبر اليمن جبهة مهمة للمقاومة، لكن الصراع الطويل مع التحالف العربي جعل هذه الجبهة بعيدة عن الأنظار الدولية. الفوضى المستمرة في البلاد تمنع تحقيق أي مكاسب استراتيجية حاسمة.
هذه التغيرات في سياق "محور المقاومة" تطرح تساؤلات حيوية حول كيفية تأثير ذلك على القضايا الأهم في المنطقة، القضية الفلسطينية. منذ توقف الدعم اللبناني والعراقي، باتت غزة تمثل الجبهة الأساسية التي تعتمد عليها فصائل المقاومة الفلسطينية. لكن، مع تراجع الدعم العسكري والمالي من هذه الجبهات، كيف ستتمكن غزة من الصمود أمام الضغوط المتزايدة؟
الورقة الفلسطينية الآن في موقف صعب للغاية، حيث تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية متزايدة في ظل تراجع الدعم الخارجي. بعد الانهيار المحتمل لجبهات المقاومة في لبنان والعراق وسوريا، أصبح من الواضح أن غزة، رغم قوتها وصمودها، ستواجه ضغطًا هائلًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. التحديات الكبرى تشمل النقص في الموارد والدعم اللوجستي، فضلاً عن عدم وضوح الاتجاهات المستقبلية لهذه المقاومة في غياب الدعم الكافي من محور المقاومة الذي كان يعتمد عليه الفلسطينيون.
إيران، التي لا تزال تسعى للحفاظ على نفوذها في المنطقة، قد تجد نفسها مضطرة لتطوير استراتيجيات جديدة لمساندة غزة بشكل غير تقليدي. أما الدول الأخرى في محور المقاومة، فقد تجد صعوبة في تقديم الدعم الفعّال في ظل الوضع الإقليمي المتأزم.
ختامًا مبادرة السلام العربية لعام 2002 تمثل إطاراً مهماً لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال منح الاعتراف العربي بإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومع ذلك، فإن هذه المبادرة تواجه صعوبات كبيرة في ظل التطورات الراهنة، حيث تشهد العديد من الدول العربية خطوات نحو التطبيع مع إسرائيل، مما قد يؤثر سلبًا على الدعم العربي لقضية فلسطين. في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن أن تظل فكرة "الأرض مقابل السلام" قائمة، أم أنها ستختفي في ظل الظروف المتغيرة؟يُعتبر "محور المقاومة" اليوم في مرحلة تحول حرجة. رغم توقف الجبهات الأساسية مثل لبنان والعراق وسوريا  إلا أن القضية الفلسطينية قد تظل محور التركيز،٫
قراءة المقال كاملاً ←

شرق أوسط ترامب: إعادة تدوير للأزمات أم توزيع جديد للأدوار؟

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في الشرق الأوسط، حيث الصراع هو اللغة اليومية والهدوء لا يعني إلا بداية عاصفة جديدة، يأتي دونالد ترامب الرئيس القادم الى البيت الابيض 2025 وكأنه بطل هوليودي عائد من اعتزال مؤقت. لكن، قبل أن نبتسم بسخرية أو نفكر في مستقبل المنطقة مع "عودة ترامب"، علينا أن نسأل: هل تغيّر شيء في قواعد اللعبة، أم أن الشرق الأوسط مجرد مسرح دائم لإعادة تدوير الأزمات؟
غزة: شريط الأخبار الذي لا يتغير
غزة، هذا الشريط الحدودي الضيق الذي أصبح أيقونة للمعاناة والصمود، يبدو وكأنه عالق في زمن لا يتحرك. التهدئة؟ وقف إطلاق النار؟ صفقة إنسانية؟ لا جديد. غزة ليست سوى مسرح جانبي تُجرّب فيه القوى الكبرى مفاهيم مثل "الضغط"، "المفاوضات"، و"إدارة الصراعات"، بينما يُترك سكانها لمصيرهم اليومي بين القصف والعزلة ,والاحباط .
ترامب قد يُعيد طرح "صفقة القرن" بطريقة معدّلة، أو ربما لن يكترث أساسًا. ولكن الغريب هو استمرار التعاطي مع غزة وكأنها مشكلة يمكن تأجيلها، بينما تزداد المعاناة، وتصبح الكارثة الإنسانية أكثر تعقيدًا. أليس من المضحك (والبائس) أن الحصار نفسه صار أقرب إلى بند من بنود "التقاليد السياسية" في المنطقة؟
إيران: العدو المفضل أم الشريك المحتمل؟
دكتور هشام عوكل 

في زمن ترامب السابق، كانت إيران العدو الأول بلا منازع. انسحاب من الاتفاق النووي، عقوبات اقتصادية، وتهديدات مستمرة. لكن اليوم، المشهد يبدو وكأن إيران تعيد صياغة دورها. في سوريا، تتراجع خطواتها، لكنها لا تختفي. في العراق، تظهر كحليف وحاضر دائم. وفي اليمن ولبنان، تظل فاعلة بشكل مباشر أو غير مباشر.
قد يكون ترامب مستعدًا لتصعيد جديد ضد إيران، لكن يبقى السؤال: هل تحتاج أمريكا حقًا إلى "عدو دائم" في المنطقة لتبرير حضورها؟ أم أن الدور الإيراني يتغير من "الخصم العنيد" إلى "الشريك المزعج" الذي لا يمكن تجاهله؟
تركيا: طموحات كبيرة في زجاج هش
أما تركيا، فهي أشبه بمن يحاول القفز فوق حبل مشدود. طموحات أردوغان في سوريا لا تخفى على أحد، لكن هذه الطموحات تصطدم دائمًا بحسابات أكبر منه: بين النفوذ الروسي، التحفظ الأمريكي، والغضب الأوروبي، تبدو تركيا وكأنها عالقة في مساحة رمادية بين كونها لاعبًا كبيرًا وطرفًا يفتقر إلى الدعم الحقيقي.
هل يمكن لتركيا أن تكون شريكًا إستراتيجيًا لترامب، أم أن العلاقة ستظل أشبه بزواج مصلحة قائم على الابتزاز والتنازلات؟
إسرائيل: البطل الوحيد على المسرح
إسرائيل، كالعادة، تبدو وكأنها اللاعب الوحيد الذي لا يخسر في هذه اللعبة. بدعم ترامب المطلق، استطاعت أن توسّع حدودها الدبلوماسية والجغرافية دون أي معارضة تُذكر. الجولان؟ صار "جزءًا من إسرائيل". التوسع في الضفة الغربية؟ مجرد "أمر واقع". وما تبقى من فلسطين؟ مجرد تفاصيل يمكن تأجيلها.
لكن، حتى إسرائيل ليست بمنأى عن تساؤلات المستقبل. كيف ستتعامل مع سوريا الجديدة؟ وما هي خططها تجاه إيران في حال قرر ترامب تغيير قواعد اللعبة؟
السلطة الفلسطينية: بقايا مشروع سياسي؟
السلطة الفلسطينية تبدو وكأنها عالقة في الزمن. المفاوضات متوقفة، والدعم العربي يتلاشى، بينما تزداد الضغوط الإسرائيلية والأمريكية لتحويلها إلى مجرد "وكالة خدماتية" تتعامل مع قضايا يومية دون أي بعد سياسي.
السؤال الأكبر: هل تستمر السلطة في هذا الدور، أم أنها ستنهار تحت وطأة الإحباط الشعبي والضغط الدولي؟
الخاتمة: شرق أوسط بلا أفق
الشرق الأوسط في عهد ترامب، وكما يبدو في كل العهود، ليس سوى مشهد ساخر متكرر. الشعوب تدفع الثمن، والقادة يعيدون ترتيب أولوياتهم، بينما تستمر الأزمات بلا حل. وربما تكون المفارقة الأكبر أن الجميع يعرف أن هذه اللعبة لن تنتهي، لكنهم يصرّون على لعبها بنفس الطريقة، وكأنهم ينتظرون معجزة لن تأتي
قراءة المقال كاملاً ←

"جنين رمز المقاومة وصراع السيادة"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في خضم الفوضى والانهيارات المتتالية والنشوة احيانا  التي تعم أقطارنا العربية، وتحت وطأة صراعات تضيق بها صدورنا وتجتمع فيها الجراح، تبقى فلسطين هي الفراشة الحالمة في حديقة الكوابيس. أو لنكن صادقين، هي القلب النابض الذي يُذكرنا دوماً بجذور الهوية العربية، والتي يبدو أنها في جعبة التاريخ، نائمة أو "معطلة مؤقتاً" كما يحلو للبعض أن يسميها٫
فلسطين، الغائبة الحاضرة، تتوارى خلف العناوين السياسية المملة، لكنها دائماً ما تعود لتصرخ، "أنا هنا!". تجسد هذه القضية جوهر الصراع في المنطقة وتؤكد أن الحرية ليست مسألة نزهة، بل معركة حقيقية تستدعي الاستيقاظ من غفوة الأمة التي اعتادت على النوم في خيمة عدم الاكتراث. 
دكتور هشام عوكل 

لكن، ومن دون أي مقدمات، سأقولها بوضوح: فلسطين ليست مجرد اختبار للإنسانية، بل هي اختبار لتماسكنا أو انشقاقنا كأمة. نحن أمام اختبار حقيقي لمواقفنا ومدى إيماننا بقدرتنا على تجاوز الانقسامات. فهل نحتاج إلى مزيد من الفوضى حتى نستيقظ؟ فلسطين أولاً، لأن من دونها سنظل نبحث عن هويتنا في ضوء شاحب وأفقٍ ضبابي، تعليق أوطاننا بين مطامع الخارج وتشتت الداخل.
الواقع اليوم في الضفة الغربية ينذر بالخطر. فقد شهدت العمليات الأخيرة في مخيم"جنين" اشتباكات عنيفة، في وقت تسعى فيه أجهزة السلطة الامنية  الفلسطينية لتحقيق إنجازات لا تتعدى كونها كلمات على ورق، تجسّد مشهداً مؤسفاً من الكوميديا السوداء. هل يحتاج الاحتلال الإسرائيلي حقاً إلى تنفيذ مخططاته من خلال تصفية مقاومينا او كما تسميهم السلطة" قاطعين طرق او عصابات شوراع " ما يحدث هو جزء من "استراتيجية" مدروسة تهدف إلى خنق أي صوت معارض ومقاوم  ٫٫٫يتجلى التواطؤ بشكل واضح في الإجراءات الحالية، حيث تسعى السلطة إلى وأد المقاومة. ولكن هل يعتقدون حقًا أنه بإمكانهم قتل الروح الحية للامة من خلال مثل هذه السياسات؟ يثير تساؤلاتي كيف يمكن للسلطة أن تبقى في حالة من السكون بينما الشوارع مليئة بروح الفداء والمقاومة؟!
يبدو أن بعض قادتنا يغردون خارج السرب. إنهم يقعون في فخ السياسة المتآمرة التي تهدف إلى القضاء على المقاومين، مما يساهم في إفراغ الضفة الغريبة من أي منبر مقاوم، ليبقى الاحتلال يحتسي الحدث باطمئنان ٫عندما نتحدث عن فلسطين، لا بد من العناية بإحياء ضمير واعي، لا بمجرد دغدغة المشاعر، بل بترتيب صفوفنا أمام هذه السلسلة الطويلة من التحديات حان الوقت لتوجيه البوصلة نحو الصورة الأكبر
 اللحظة التاريخية مسؤولية جماعية تجاه الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى لزرع الفتنة بيننا. يجب أن نتجاوز خلافاتنا ونعمل على وحدة حقيقية. 
لن ينجح مشروعنا الوطني إلا بتوحيد الصفوف وبناء البيت الفلسطيني   فلنجعل قضيتنا المركزية هي القدس واللاجئين، رمز عزتنا.
في نهاية المطاف فلسطين ليست قضية عابرة، بل هي معركة الوجود والهوية. فإذا كنا نؤمن بقدرتنا على استنهاض الأمة من جراحها، فلندحر الفتنة الفلسطنينية  ، ولنقف صفاً واحداً في وجه الاحتلال، لنعيش جميعًا كأمة   تمتلك حكاياتها، وواقعها، وأحلامها، دون تردد. فلسطين هي خيارنا الأوح
قراءة المقال كاملاً ←

"سوريا بين حلم الثورة والدولة العميقةا"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "

د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
حين اشتعلت الثورة السورية، ظنها البعض مجرد موجة عابرة، وسخر منها آخرون بأنها لن تُثمر سوى الوهم. لكن ذلك الحلم الذي استهانوا به، تطاول حتى صار يقينًا، وها نحن على أعتاب لحظة قد تحمل سقوط نظام بشار الأسد.
هذا السقوط، إن تحقق، لن يكون مجرد حدث سياسي، بل إيذانًا بانتهاء حقبة مظلمة حملت في طياتها عقودًا من القهر والاستبداد. فمن مجازر حماة وسجون تدمر إلى القصف الكيماوي في الغوطة، لم يكن التاريخ السوري سوى فصول من الألم والدماء. ومع ذلك، صمد الشعب، حالمًا بكرامة ضاعت تحت ركام الطغيان.





لكن الثورات، وإن بدت كوميض أمل، تحمل في طياتها مسؤوليات جسيمة. الثورة الحقيقية لا تكتمل بسقوط الطغاة فقط، بل بنجاحها في حماية مكتسباتها من أخطار متعددة. الثورة المضادة، بأشكالها المختلفة، تسعى دائمًا لتسلق أمجاد النصر وإعادة تدوير الاستبداد بوجوه جديدة. ولأن الدولة العميقة لا تذوب بسهولة، فإن اليقظة والحكمة واجبتان.
التحدي الأكبر هو في تحويل لحظة الانتصار إلى بداية للبناء، لا ساحة لتصفية الحسابات أو الانقسامات. شبح الحرب الأهلية يلوح في الأفق كلما انقسمت الرايات، وأي انحراف عن الوحدة الوطنية قد يقود إلى الفوضى. يجب أن تكون راية الوطن هي الوحيدة التي تظلّل الجميع.  
- الفساد هو سرطان يجب استئصاله منذ اللحظة الأولى. الثورات ما تسقط فقط بسبب أعدائها الخارجيين، بل أيضًا بسبب الفساد الذي يتسلل إلى الداخل ويقوض أي جهود للبناء.
ولا يمكن الحديث عن الحرية دون الالتفات إلى فلسطين، تلك القضية التي تشكل نبض الشعوب العربية. فلا كرامة لسوريا إن تخلت عن هذا الجرح المفتوح، ولا حرية حقيقية دون الانتصار لحرية كل إنسان يعاني الظلم في المنطقة.
إن سوريا اليوم أمام مفترق تاريخي. الحلم الذي شكك به كثيرون أثبت أنه حقيقة، والطريق نحو الحرية، وإن كان مليئًا بالعثرات، هو السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة والعدالة مع تحويل هذا النصر إلى فرصة لبناء لا إلى صراع داخلي. الحرب الأهلية شبح يهدد أي ثورة إن لم يتوحد الجميع تحت راية الوطن ما تحت رايات الفصائل المسلحة  والانقسامات.
وفي النهاية، يجب ألا نغفل عن أعداء الداخل، أولئك الذين يتسللون تحت عباءة الثورة، يحاولون تفخيخها من الداخل. هؤلاء هم أخطر من الخصوم الظاهرين. الحل يكمن في التسامح، في تجاوز أحقاد الماضي، وفي وضع الأسس لبناء وطن جديد، وطن يليق بتضحيات الشعب
قراءة المقال كاملاً ←

"الجنازة التي لم ترحم أحدًا"

المقال الأسبوعي " زاوية حادة "
"الجنازة التي لم ترحم أحدًا"
د. هشام عوكل، أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولي
في جنازة رسمية مكتظة، وقف الجميع يحيطون بجثمان جندي عربي قُتل في أثناء خدمته في جيش الاحتلال الإسرائيلي. الموسيقى العسكرية تعلو، والضباط يتبادلون عبارات الشكر لروحه التي "ضحت من أجل الدولة". لكن خلف تلك الكلمات، كان الصمت يخفي أسئلة لا أحد يجرؤ على طرحها: كيف وصل عربي إلى هنا؟ وكيف انتهى به المطاف إلى الموت في خدمة من يحتل وطنه وأهله وأن ينسى المجازر التي ارتُكبت بحق شعبه ليقف في صف من نفّذها؟ كيف تجاوز مشاهد دير ياسين، كفر قاسم، صبرا وشاتيلا، وجنين وقطاع غزة
الجثمان ملفوف بعلم إسرائيل، والمشهد يوحي بأن القصة انتهت. لكن بالنسبة لمن يعرف الحقيقة، الجندي لم يمت هنا فقط، بل مات أول مرة عندما تخلى عن هويته مقابل العمل في صفوف من احتل ارضة وعود بالاندماج في كيان لا يعترف به إلا كأداة. وبينما يلقي الحاضرون الورود على قبره، كان النقاش في عقولهم أعنف: هل نرثيه لأنه أحدنا؟ أم نلعنه لأنه قاتلنا؟
في الطرف الآخر من الأرض، جنازة أخرى. شهيد فلسطيني، شابٌ قُتل برصاص الجيش نفسه. أمه تمسك صورته بيدها، ودموعها لا تشبه دموع الجنازات العادية؛ فهي لا تبكي فقط موت ابنها، بل سنوات الحصار، والخوف، والموت والدمار اليومي المؤجل الذي يعرفه الجميع هنا. الكل يقف ليؤكد: هو شهيد، قتلته يد الاحتلال، ولم يكن أمامه خيار سوى الصمود حتى النهاية.
لكن في هذه المفارقة المميتة، يظهر سؤال آخر: هل كان قاتله هو ذاك الجندي الذي وقفنا أمام جنازته قبل قليل؟ هل يمكن أن يكون الجندي، الذي نشأت قصته على أرضنا وتشارك معنا تاريخنا، هو نفسه من أطلق الرصاصة على هذا الشهيد؟
هذا السؤال يفتح جرحًا عميقًا، ليس فقط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل في ضمير كل من يتابع المشهد. كيف نواسي أنفسنا عندما يكون القاتل والمقتول يتشابهان في الاسم واللغة والملامح والدم الواحد ؟ وكيف نحدد موقفنا من جندي خان أهله ليحمي المحتل، أو شهيد لم يكن أمامه خيار سوى الموت بكرامة؟
لا عزاء في هذه القصة. الجنازتان لا تجتمعان إلا لتذكرانا بحقيقة واحدة: حين يتورط العربي في خدمة الاحتلال، يصبح الموت نتيجة حتمية. أما الفلسطيني، فمكتوب عليه الموت لأن الحياة في وطنه باتت ترفًا لا يمكن الوصول إليه.
وفي النهاية، تقف الكلمات عاجزة أمام تابوتين؛ أحدهما ملفوف بعلم لا يشبهنا، والآخر محاط بأناس يشبهوننا لكنهم لا يملكون إلا الحزن. المشهد لا يطلب رأينا ولا ينتظر تبريرًا، بل يتركنا أمام حقيقة قاسية: الموت هنا ليس مجرد نهاية، بل لحظة تكشف كل ما تهربنا من مواجهته
قراءة المقال كاملاً ←
ظهور إعلامي

المقابلات التلفزيونية

قسم مخصص لإضافة المقابلات المرئية: ضع رابط الفيديو أو ضمّنه داخل تدوينة تحمل تسمية «المقابلات التلفزيونية».

مقابلة تلفزيونية
قناة تلفزيونية

قراءة في التحولات الإقليمية ومسارات إدارة الأزمات

مكان لعرض المقابلة واسم القناة وتاريخ البث وملخص الحوار.

مشاهدة على YouTube ←
تحليل دولي
ظهور إعلامي

العلاقات الدولية في ظل التحولات المتسارعة

أضف كل ظهور إعلامي جديد في تدوينة مستقلة ثم اربطه من هذا القسم.

متابعة على Facebook ←
إدارة الأزمات
حوار متخصص

التخطيط الاستراتيجي في البيئات المعقدة

يمكن وضع فيديو YouTube مضمّن داخل المقالة المرتبطة بالمقابلة.

استعراض المقالات ←
مؤلفات ودراسات

إصداراتي وكتبي

يمكن لاحقًا ربط كل غلاف بصفحة تعريفية أو ملف PDF أو رابط تحميل.

استراتيجية إدارة الأزماتاستراتيجية إدارة الأزمات
التخطيط الاستراتيجيالتخطيط الاستراتيجي
التفاوض أثناء المواقف الطارئةالتفاوض أثناء المواقف الطارئة
المستقبل والحاضر في إدارة الأزماتالمستقبل والحاضر في إدارة الأزمات
أهمية التخطيط الاستراتيجيأهمية التخطيط الاستراتيجي
مدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزماتمدخل مبسط لمفهوم إدارة الأزمات